الاخيرة

الصفحة الرئيسة للاتصال بنا اعلانات واشتراكات عن المدى ارشيف المدى
 
 

فوضى التسميات

صافي الياسري

لن اتحدث عن عراقة أسماء شوارع واحياء باريس ممثلة بالشانزليزية وحي الفنانين (مونتمارتر) وبقية المدن الأوروبية فتلك المدن لديها تقاليد عريقة في هذا المضمار، لكنني سأذكر هنا عاصمتين عربيتين شهدتا ظروفاً قريبة الشبه بما شهدته بغداد من ناحية تغيير الأنظمة وتبدل الحكام، ومع ذلك ظلت شوارعهما وأحياؤهما تحمل أسماءها القديمة ولم تسلط عليها جهة أو حزب. يمكنك التجول في أحياء دمشق القديمة لتشم عبق التاريخ وتقرأ بإعجاب تلك اللوحات التاريخية التي تشير إلى اسماء جاداتها وإحيائها وعلاقتها بشخصيات الشام الوطنية والأدبية، وكذلك الحال مع القاهرة.

أما بغداد.. مدينة التاريخ العريقة، فقد تغيرت تسميات العديد من معالمها على وفق أهواء الحكام الذين تعاقبوا عليها، وإذا كان صدام حسين لم يترك مستشفى أو مدرسة أو قاعة أو جامعاً لم يضع عليه اسمه أو ما يشير إليه، فهو ظاهرة لها ما يشبهها في الأنظمة الشمولية، وإذا كان تغيير بعض التسميات معقولاً ومطلوباً لارتباطه بذكريات سيئة، فإن ما يحدث اليوم من فوضى في تغيير أسماء بعض الشوارع والساحات وحتى الأحياء يثير الألم، فالأحزاب والحركات السياسية وعلى وجه الخصوص بعض الحركات الدينية، سطت على لافتات صدام القديمة لتضع على هواها الأسم الذي تريده دون أن تجد من يمنعها، الأمر الذي أدى إلى فوضى واسعة في وضع هذه التسميات التي يوحي بعضها بخلفيات مذهبية وعرقية مرفوضة.

من المؤكد أن هناك حاجة لتغيير أسماء عدد من المعالم والشوارع في عموم العراق، لكن ذلك - يجب أن يتم وفق منهجية خاصة وعلى سبيل المثال نقترح أن تشكل أمانة العاصمة في بغداد ودوائر البلدية في بقية المحافظات، هيئة خاصة مهمتها رفع التسميات القديمة، ودراسة الاسم المقترح بديلاً من جميع جوانبه الإيمائية، التاريخية والسياسية والثقافية وعلاقته بالمكان ومراعاة مشاعر عموم الطيف العراقي. وأن تصوغ هذه الهيئة تقليداً عراقياً في طريقة اختيار اسم المعلم او الشارع أو الساحة، يثبت مبدأ ديمومته وقبوله من جميع العراقيين، فهذه الشوارع والمعالم ملكية عامة تخص كل العراقيين، وهم جميعاً يملكون حق اختيار أسمائها دون أفضلية لهذه الجهة أو تلك. ومن المؤكد أن القوى الوطنية والحركات والأحزاب السياسية الناهضة اليوم بعملية بناء الدولة وترسيخ ركائزها على درجة عالية من الوعي باهمية الانتباه إلى هذا الموضوع كما أن على الحكومة الاهتمام به أيضاً، لأنه من الممكن أن يؤدي إلى نتائج سيئة حتى على الصعيدين السياسي والاجتماعي.

لا نريد لهذه التسميات الكيفية أن تعطي كياننا العراقي الجديد هوية ممزقة موزعة على مجموعات يمكن أن تجد فيها سبباً للتناحر والصدام.

نريدها رسائل تعزز وحدة العراق والعراقيين ونريدها إشارات لا تقبل اللبس إلى عمق الحضارة العراقية وتفوق النظرة الوطنية على النظرة الحزبية الضيقة، أو المذهبية أو العرقية ولا نشك إطلاقاً في رغبة عموم العراقيين في هذا الظرف الصعب على تجاوز كل ما من شأنه أن يثير خلافاً أو يستفز مشاعر طرف تجاه طرف آخر.

ولأن اختيار أسماء المعالم إيضاح لهوية المدينة أو البلد وهذا سلوك حضاري فإنه يجب أن يتم بأسلوب حضاري وهذا ما يليق بالعراقيين الخارجين تواً من نفق مظلم ختمت كل زواياه بتوقيع متخلف.


الألمنيوم حديد المستقبل

ماجد موجود

لطالما أثار دهشتي ورغبتي في اقتناء قطعاً من الأثاث المصنوعة من (الألمنيوم) هذا المعدن الأنيق الذي لا يصيبه الصدأ ولا التآكل أينما وضع وكيفما استخدم، وحتى عام 1967 لم يكن قد دخل العراق بعد غير أن السيد عبد الغني عبد الستار الذي كان موظفاً في سكرتارية الرئيس عبد الكريم قاسم، قد شاهد الألمنيوم في إحدى الدول التي زارها، وبعد إحالته على التقاعد أسس أول شركة لصناعة الأثاث من هذا المعدن سميت بشركة (المتنوعة) وكان يستورد المقاطع الجاهزة من الخارج، ثم شاعت هذه الصناعة في العراق وأصبحت لها معامل ومنشآت لتصنيع موادها الأولية. هذا ما أخبرنا به السيد يوسف جاسم حمادي وهو الأقدم في العمل بهذه المهنة وصاحب ورشة (يوسف وسامي)، حيث يديرها مع زميله الذي لا يقل مهارة وهو السيد سامي حميد رسول.

وعن شيوع صناعة الألمنيوم في العراق أضاف السيد يوسف قائلاً: بعد شركة (المتنوعة) افتتحت عدة معامل أخرى وبدأت تتزايد حتى وصل عددها عام 1980 إلى مئة معمل وكان أغلب أصحاب هذه المعامل يحصلون على السبائك والمقاطع الجاهزة من شركة المتنوعة التي كان يديرها السادة (عبد الأمير جعفر حسون وعبد الغني عبد الستار ومحمد محلدي الساعاتي) وفي الثمانينيات دخلت هذه الصناعة في اهتمامات الحكومة، فأنشأت منشأة (أور) في الناصرية لصناعة الألمنيوم (التعدين والدرفلة) ومنشآة النصر في التاجي لصناعة الشبابيك والأبواب من الألمنيوم الذي تحصل عليه جاهزاً من منشأة (أور)، ومع هذين المنشأتين كانت هناك معامل وورش تفتح في جميع أنحاء العراق حتى ازدهرت هذه الصناعة وصارت هي المفضلة فقد صار الألمنيوم يدخل في صناعة الكثير من الأثاث المختلف إلا أنه بعد أحداث عام 1991 تباطأ عمل المنشآت الحكومية وأصبح مختصراً على المعامل الأهلية حتى هذه اللحظة.

وحول سؤالنا عن طبيعة تصنيع الألمنيوم أجاب السيد سامي حميد رسول: يصنع الألمنيوم من خلطة تتكون من ثلاثة معادن وهي (الفافون) و(الزنك) و(الخارصين)، بعدها تأتي عملية تسمى (الدرفلة) وهي ضغط الخلطة بمكابس ضخمة ودفعها باتجاه قوالب حسب الطلب، ثم تذهب هذه القوالب إلى قسم التنظيف ثم إلى قسم (الأكسدة) وبعد ذلك يتم تنظيف القوالب بالماء عدة مرات لإزالة كل ما علق به من مواد كيميائية ثم تذهب إلى حوض يسمى (الأم) لأنه المرحلة الأخيرة تقوم بتغطية قوالب الألمنيوم بطبقة زجاجية تمنع عنها بعد ذلك الصدأ والتآكل. أما إذا اردنا أن نظيف ألواناً للقوالب الجاهزة، فإن هناك أحواضاً فيها مياه ساخنة مع بعض الأصباغ الكيميائية التي سوف تلتصق بالطبقة الزجاجية التي تغطي القوالب، وهكذا نحصل على الألمنيوم الجاهز وحسب ما نريد من ألوان،

أن هناك مشاكل كثيرة حالياً تواجه هذه الصناعة المهمة والفريدة، منها أن بعض الورش فتحت دون أن يكون فيها صناعيون ماهرون، مما جعل بعض الأثاث والاستخدامات الأخرى لا تحمل المواصفات المطلوبة، وهو أمر يقلل رغبة المواطنين في اقتنائها.

أما المشكلة الثانية فهي أن بعض المستوردين للسبائك والقوالب يأتون بها من مصانع تغش في الخلطة. أي إنهم يضعون نسبة من الحديد، وكانت سابقاً تخضع جميع المستوردات من الألمنيوم إلى جهاز الرقابة والسيطرة النوعية، ولا يسمح بإدخاله إذا كان يحمل نسبة من الحديد. وهذا ما لا يحصل في الوقت الحالي بسبب الظروف المعروفة، وغير ذلك فإن للكهرباء حصة الأسد في المشاكل التي تواجه العمل وهو الذي يعتمد اعتماداً كلياً على توفر الكهرباء لتشغيل أجهزة القواطع والمثاقب وغيرها.


على الطريق: النوارس

بشار الشداد الحياوي

ما أن حل الشتاء في العراق حتى بدأت أسراب طيور النوارس تتدفق على الدفء العراقي تاركة مواطنها التي انخفضت فيها درجات الحرارة وتجمدت فيها المياه، فالعراق هو مشتى النوارس الذي اعتادت القدوم إليه لكي تنعم بدرجة حرارته المعتدلة ومياهه الدافئة وشمسه المشرقة، لتضيف إلى جمال الشتاء العراقي بألوانها البيض الناصعة والزاهية لوناً أبيض كلون سحابة وصفاء سجايا شعبه.

اعتدنا صباح كل يوم، في الشتاءات الماضية، برغم برودة الجو أو رذاذ المطر الوقوف على جسر الشهداء لكي نستمتع برؤية طيور النوارس وهي محلقة بارتفاعات واطئة وهي تحط وادعة على الماء كملكات استقرت على عروشها، تتحرك مع حركة انسياب الماء وتعلو وتهبط مع أمواجه الهادئة، وحينما يقترب منها زورق عابر من الكرخ إلى الرصافة يفزعها هذا القادم نحوها، فتفتح اجنحتها وتظهر أقدامها الحمر فوق سطح النهر ويبدأ رذاذ الماء من حولها بضرب الأجنحة ورفس الأقدامن فتعلو في الفضاء بزهو وكبرياء لا تملكه إلا الطيور وحدها.

وعندما تشعر إن الخطر قد ابتعد عنها تعود ثانية لمستقرها وبحركة بهلوانية تغطس رأسها بالماء ويرتفع جزؤها الخلفي من أجل السيطرة والتوازن، إنها تبحث عن غذائها من صغار السمك وبيوضه في الماء.

وإذا أحست النوارس بالتعب وأجهدها العوم أو البحث عن لقمة عيشها استقرت على سطوح المباني على ضفاف نهر دجلة، فنراها وقد اصطفت بالعشرات على سطح جامع الوزير أو بناية المدرسة المستنصرية، وكأنها نقوش صنعتها يد الفنان أو النحات العراقي فهي ساكنة هادئة تتطلع إلى ما حولها لترسم في ذاكرتها طبيعة المكان والزمان لكي تنقل الصورة لأجيال النوارس الأخرى، كي تعود إليه في السنوات القادمة.

على مر السنوات الماضية كنا نشاهد أحد الرجال - المتقدمين في السن - يأتي إلى جسر الشهداء حاملاً عه كيساً فيه فتات الخبز وبقايا الطعام، يقف في منتصف الجسر وتبدأ النوارس بالتجمع حوله وكأنها على موعد معه، حينئذ يقوم الرجل بإخراج ما في الكيس ويرميه لها. تتلقف النوارس بمناقيرها الفتات وهي طائرة في الهواء، وتقوم بحركات فنية رائعة تشبه رقصات البالية مع زقزقة فيها نبرات التحدي، إنه الصراع بين النوارس من أجل لقمة العيش. الرجل المطعم، فسر هذه الأصوات بانها شكراً لله وله، فطائر النورس - باعتقاده - يعرف كيف يشكر النعمة، ويعرف الثناء والوفاء لمن يقدمها له، بعكس الإنسان.

بعض النوارس يقترب من المتجمهرين، حتى يصبح في متناول اليد، من أجل أن يأخذ حصته من الطعام غير مكترث بما قد يحل به إذا أمسكه أحد الفضولين أو الصيادين.

لقد مات ذلك الرجل، وتحول جسر الشهداء إلى ساحة لوقوف السيارات ومع ذلك فلطيور النورس إصرار على بقاء البهجة والجمال في ذلك المكان. عادت طيور النورس هذا الشتاء إلى بغداد وهي تتحدى أصوات طائرات الاباتشي، وغير خائفة من تفجير السيارات المفخخة والعبوات الناسفة لأنها وفية للعراق ولأهل العراق لتشاركهم في هذا الشتاء معاناتهم ولأنها تتأمل العودة في العام القادم لتجد شتاءً بغدادياً جميلاً بل لعلها تجد فتى يحمل كيس الفتات ليطعمها من جديد.

 

 

للاتصال بنا  -  عن المدى   -   الصفحة الرئيسة