|
بشار الشداد الحياوي
ما أن حل الشتاء في العراق حتى بدأت أسراب طيور النوارس
تتدفق على الدفء العراقي تاركة مواطنها التي انخفضت فيها
درجات الحرارة وتجمدت فيها المياه، فالعراق هو مشتى
النوارس الذي اعتادت القدوم إليه لكي تنعم بدرجة حرارته
المعتدلة ومياهه الدافئة وشمسه المشرقة، لتضيف إلى جمال
الشتاء العراقي بألوانها البيض الناصعة والزاهية لوناً
أبيض كلون سحابة وصفاء سجايا شعبه.
اعتدنا صباح كل يوم، في الشتاءات الماضية، برغم برودة الجو
أو رذاذ المطر الوقوف على جسر الشهداء لكي نستمتع برؤية
طيور النوارس وهي محلقة بارتفاعات واطئة وهي تحط وادعة على
الماء كملكات استقرت على عروشها، تتحرك مع حركة انسياب
الماء وتعلو وتهبط مع أمواجه الهادئة، وحينما يقترب منها
زورق عابر من الكرخ إلى الرصافة يفزعها هذا القادم نحوها،
فتفتح اجنحتها وتظهر أقدامها الحمر فوق سطح النهر ويبدأ
رذاذ الماء من حولها بضرب الأجنحة ورفس الأقدامن فتعلو في
الفضاء بزهو وكبرياء لا تملكه إلا الطيور وحدها.
وعندما تشعر إن الخطر قد ابتعد عنها تعود ثانية لمستقرها
وبحركة بهلوانية تغطس رأسها بالماء ويرتفع جزؤها الخلفي من
أجل السيطرة والتوازن، إنها تبحث عن غذائها من صغار السمك
وبيوضه في الماء.
وإذا أحست النوارس بالتعب وأجهدها العوم أو البحث عن لقمة
عيشها استقرت على سطوح المباني على ضفاف نهر دجلة، فنراها
وقد اصطفت بالعشرات على سطح جامع الوزير أو بناية المدرسة
المستنصرية، وكأنها نقوش صنعتها يد الفنان أو النحات
العراقي فهي ساكنة هادئة تتطلع إلى ما حولها لترسم في
ذاكرتها طبيعة المكان والزمان لكي تنقل الصورة لأجيال
النوارس الأخرى، كي تعود إليه في السنوات القادمة.
على مر السنوات الماضية كنا نشاهد أحد الرجال - المتقدمين
في السن - يأتي إلى جسر الشهداء حاملاً عه كيساً فيه فتات
الخبز وبقايا الطعام، يقف في منتصف الجسر وتبدأ النوارس
بالتجمع حوله وكأنها على موعد معه، حينئذ يقوم الرجل
بإخراج ما في الكيس ويرميه لها. تتلقف النوارس بمناقيرها
الفتات وهي طائرة في الهواء، وتقوم بحركات فنية رائعة تشبه
رقصات البالية مع زقزقة فيها نبرات التحدي، إنه الصراع بين
النوارس من أجل لقمة العيش. الرجل المطعم، فسر هذه الأصوات
بانها شكراً لله وله، فطائر النورس - باعتقاده - يعرف كيف
يشكر النعمة، ويعرف الثناء والوفاء لمن يقدمها له، بعكس
الإنسان.
بعض النوارس يقترب من المتجمهرين، حتى يصبح في متناول
اليد، من أجل أن يأخذ حصته من الطعام غير مكترث بما قد يحل
به إذا أمسكه أحد الفضولين أو الصيادين.
لقد مات ذلك الرجل، وتحول جسر الشهداء إلى ساحة لوقوف
السيارات ومع ذلك فلطيور النورس إصرار على بقاء البهجة
والجمال في ذلك المكان. عادت طيور النورس هذا الشتاء إلى
بغداد وهي تتحدى أصوات طائرات الاباتشي، وغير خائفة من
تفجير السيارات المفخخة والعبوات الناسفة لأنها وفية
للعراق ولأهل العراق لتشاركهم في هذا الشتاء معاناتهم
ولأنها تتأمل العودة في العام القادم لتجد شتاءً بغدادياً
جميلاً بل لعلها تجد فتى يحمل كيس الفتات ليطعمها من جديد. |