المدى الثقافي

الصفحة الرئيسة للاتصال بنا اعلانات واشتراكات عن المدى ارشيف المدى
 
 

فنانون يريدون بعث الحياة في قرن من الفن الحديث ببغداد .. بغداد الدمار الذي اصاب صرح الفن في العراق

لم يعد لمتحف الفن الحديث  في بغداد أية وجود منذ دخول القوات الامريكية اليها. احاط النهب و التدمير بثمانية آلاف عمل فني كان موجوداً فيه. ومع ذلك هناك عراقيون عصاة على اليأس، حلمهم ان يجعلوا تراثهم يزهر من جديد.

في بغداد اقيم على الاطلال معرض فني. فنانون يظهرون من مراسمهم غير الملائمة للحياة حيث تبلغ درجة الحرارة 45ْ ولا وجود للماء او الكهرباء، ليقوموا بنصب بعض تماثيل النحت فوق حطام ما كان يعتبر لغاية التاسع من نيسان، ابريل الماضي مزيجاً من البوبورغ (المكان الذي يوجد فيه مركز بومبيدو للثقافة والفن) المارموتان (متحف للوحات يحمل اسم مؤسسة) ذلك هو متحف الفن العراقي الحديث.

كان الموت يعتصر قلوب هؤلاء الفنانين، فمن تراثهم الفني المتكون من ثمانية آلاف عمل فني هي حصيلة قرن كامل من التلاقح الفني بين الشرق والغرب والمزاوجة بين ديلاكرو والعباسيين، بين السومريين وبيكاسو، من ذلك كله لم يبق شيئاً. ولا احد يعلم عن ذلك شيئاً. اذا كان دوي سرقة المتحف الوطني العراقي قد جال في ارجاء العالم كله، فإن احداً لم يكترث لسرقة متحف الفن العراقي الحديث بعض المتطوعين الذين هبوا للنجدة قتلوا على فورهم. ولا احد يعرف في نهاية المطاف الى اية وجهة رحلت لوحات المتحف، مزق البائسون البعض منها ونهبوا البعض الآخر عارفين قيمتها حق المعرفة. مع ذلك، لم يثر هذا الحدث اهتمام احد فالامر لا يتعدى عن كونه حطاماً يضاف الى حطام بغداد المدمرة، ياللملل!

آخر اخبار الفوضى

كانت الهواتف المحمولة للمنفيين في عمان هي وحدها التي ترن هناك. حيث يقيم رسامون، نحاتون، وفنانو السيراميك في العاصمة الاردنية. ارواحهم متعلقة بالاخبار الاخيرة للفوضى. يروون دون ملل للزوار، على ندرتهم قصة هذا القرن الساحر: قرن انفتاح الروح العراقية على العالم. وحكاية مدارس الرسم الاكثر خصباً وعطاءً فنياً في الشرق الاوسط، المدارس التي ارتادت شتى الاساليب الفنية جميعها بدءاً بالانطباعية وانتهاءً بالوحشية تقع مدرسة الباربيزون (مدرسة ميتة) خاصتهم على ضفاف نهر دجلة وصالونهم هو عبارة عن منزل عثماني طاله القصف هو الآخر. تفوح منه رائحة الموت منذ نيسان الماضي حيث كان قد قتل فيه مراسل قناة الجزيرة ولم تبعث الحياة في هذا المكان ابداً الى يومنا هذا.

اساتذة هذا الزمان هم فائق حسن وجواد سليم زارا في الثلاثينيات باريس وروما واحتكا بالحداثة بنهم كبير. وعادا منها بعيون ممتلئة نوراً وثقافة ليقوما بتأسيس (جماعة بغداد) للفن الحديث وهي عبارة عن كوكتيل جاذب لما هو فرنسي وايطالي مازجين اياه بنتاج بلاد ما بين النهرين. اخذوا عن فان كوخ تألق الضوء فكان القاً على حقول الاوركيد الممتدة على ضفاف الفرات وعن سيزان اخذوا الملامح القاسية التي تتكشف عنها وجوه مدخني الناركيلة.

لكنهم كانوا عراقيين قبل كل شيء. منتشين دوماً بتأريخهم الضارب في القدم، عاشقين لمنمنمات الواسطي فنان القرن الثالث العباسي، الذي ابدع في رسم خطى الغزال وخفق الاجنحة. نهلوا من كل المنابع من الالواح البابلية وخطوط المساجد. زاوجوا بين العصور والاشكال ونقبوا تحت اوركي يحاوروا بيكاسو.

 

لم يبق من ذلك كله شيئاً. ولم يثر الامر من اهتمام العالم شيئاً. حتى عندما كان الفنانون يعرضون بعض التماثيل الناجية في ذلك اليوم اللاهب، كان اللصوص يعاودون الانقضاض لتفكيك ما تبقى من نوافذ المبنى.

(ندى شابوت) امريكية من اصل عراقي، استاذة تاريخ الفن في جامعة تكساس، عادت لتوها من بغداد تتحدث هي الاخرى مأخوذة برعشة، عن هذه الانتهاكات السريالية الاخيرة قائلة: (كانت الشرطة لا تتدخل اذ لم يكن هنالك شرطة وحتى ان وجدت فباعداد قليلة جداً وكان النهب مستمراً في الوقت نفسه الذي يقام فيه المعرض. كان ذلك بحد ذاته رمزاً للمأساة العراقية. فمن جانب هناك من يريد تدمير كل شيء ومن جانب آخر هناك اولئك الذين يريدون اعادة بناء كل شيء).

كان هناك عراقي آخر يصغي بإهتمام كبير لرواية ندى شابوت. نحن في عمان وصحراء قوامها الف كم تفصل محمد زناد عن قاعة عرضه البغدادية وهي من اكثر القاعات شهرة في العاصمة العراقية. اسمها قاعة اثر وهي فارغة اليوم لكن كان لدى زناد مشروع مجنون تماماً كجنون  امل هؤلاء الذين دمرت الحرب وطنهم. لم يكن ليحتمل رؤية (الآثار) وقد انمحت من الوجود. فهو يريد اعادة بناء متحف. لكن السؤال هو: اي سند سيكون له في ذلك؟ ربما يمكن لأوربا وعلى وجه الخصوص فرنسا التي اكتشفها الفنانون العراقيون في ذروة حماستهم في القرن العشرين ان تكون السند الاكبر لمشروع تأهيل ما نجا من الحطام.

فنانون آخرون

تأريخ الفكرة يعود لما قبل الاجتياح الامريكي. فبغداد تعيش منذ امد في حيز مغلق ومحمد زناد يحاول بجنون، منذ زمن خلق فضاء يفلت فيه خارج نطاق الرقابة الصارمة، وجاءت الحرب. والعراق الذي اوصله صدام الى مرحلة الاحتضار، اخذ يهوي نحو الجحيم تحت وطأة الهجوم الامريكي. فهل يتخلى زناد عن مشروعه؟ بل على العكس، لقد ازداد اصراراً اكثر من ذي قبل فها هو يصرح قائلاً: (ان تدمير متحف الفن الحديث بعد المتحف التأريخي الرائع كان بمثابة صعقة كهربائية حقيقية).

منذ عقدين من الزمن يقوم تلميذ الفن هذا، القريب لأحد آخر الفنانين العراقيين العظام من جيل الرواد، يقوم بجمع الابداعات الفنية. لقد نجح زناد في ان يضع 800 عمل فني في مكان آمن قبل اندلاع الحرب. وتلك مجموعة خاصة ينبغي له وضعها في بناية جديدة قام هو برسم خارطتها بنفسه. ولهذا الغرض، هناك بناية مستوحاة من اعمال المعماري لوكوربورنيه الذي يعشقه المعماريون العراقيون يقع في منطقة الوزيرية، سلم بمعجزة ما من النهب والتدمير. والحالة هذه وزناد على حافة الصبر، قيل له: (انه الخواء) فيجيب (بل انه التجديد) وحين يصفون له الحطام، يتوقع هو الانبعاث : (ان لفننا الحديث جذوراً ضاربة في الاعماق وله تفرعات لا تحصى. انها حكاية لقائنا بالعالم. واذا كانت الشجرة قد قطعت فلزام علينا  جعل الحياة تنبض فيها من جديد، حتى وان ابتدأنا بخطوات بسيطة لتحقيق هذه الغاية).

يؤكد آخر الفنانين  العراقيين الكبار الذين لا زالت تعتمل بدواخلهم طاقة خلاقة ابتداءً من شاكر حسن الفنان الاخير الباقي على قيد الحياة من (جماعة بغداد) الى اسماعيل فتاح الترك الذي اشتهر بلوحات النساء اللائي يجتزن المرايا، ومروراً بالسيراميست سعد شاكر الذي بعث الحياة في فن الفخاريات، يؤكد جميع هؤلاء بأن محمد زناد سيحصل على مساندتهم في مشروعه.

الخزاف سعد شاكر بالرغم من التعب الذي دب فيه، يعد بأنه سيعاود التدريس في كلية الفنون الجميلة ببغداد: (لم يتمكن الحصار ولا الحرب من تدميرنا. ان ارض العراق ستواصل ولادتها دوماً بالقدر الذي يكفي لمد الفن بنسغ الحياة). لقد رأى  اغلب هؤلاء ابداعاتهم تختفي في موجة النهب التي اجتاحت المتحف ومع ذلك يؤكد سعد شاكر بأن (يتوجب علينا الخروج من حالة الذهول التي استحوذت علينا فتأريخ العراق هو عبارة عن تاريخ للدمار المتعاقب، لكننا كنا في كل مرة نندفع بإتجاه ولادة جديدة). وزناد يؤمن هو ايضاً بهذه الدورة القاسية قساوة الجحيم فهو لم يخرج الا بصور لا تطاق عن بلاده التي عاث بها الخراب ومع ذلك بقي متفائلاً، صامداً، يعارض هذه الصور القاسية بأخرى من طفولته يوم كان يطوف باطلال بابل، قبل ان يعبث بها صدام ويعيد بناءها على الطراز الهوليودي في بابل كانت الاحجار تتكلم معي كنت اهابها، وكانت تصيبني بفتنة كبيرة، نفحة السحر تلك وبيت امي هما اللذان كوناني، عندنا لم يكن الفن تابو بل كان مقدساً، كنا نعرف ان له القدرة على مقاومة كل شيء وكان بأشكاله الكثيرة يكمن في اعماق كل نفس عراقية).

في السنوات التي تكونت فيها جماعة بغداد، كان يتوجب على الفنانين ان يخوضوا صراعاً ضد الاحكام المسبقة لمجتمع ضيق الافق (كانت جل مشكلتنا ان نجعل الآخر يؤمن بالفن، يقول خالد الكاسب، كنا نريد ان نكتشف العالم من جهة ومن جهة اخرى كنا نريد النبش في الازمنة الغابرة لبعث منجزنا التراثي التاريخي وكذلك كنا نريد قلع انفسنا والانفلات من قسوة عالم متحجر. لقد كانت مغامرة شيقة لم تحدث في بلد عربي آخر سوى في العراق. ومن المؤلم جداً ان لا احد يحرك ساكناً ازاء الدمار الذي يصيب تراثنا الفني).

يمكن القول بطريقة اخرى ان امريكا التي لا تؤمن الا بصدام الحضارات سمحت مرة اخرى وبتساهل منها - او كما يقول العراقيون بسبق اصرار منها - سمحت بتدمير ما كان شاهداً على وحدتهم.

يصف الكاسب او سعد شاكر ما كان في بغداد قبل الحرب والبربرية اذ كان هناك اقبال على الآخر، وتزاوج بين الاضداد، وتجاذب لا يقاوم بين العوالم، نافذة  تشرع على باريس واخرى تلتئم على شرفات الموصل. يصار الى الرسم بكل طريقة ممكنة، وتتفجر الالوان بجموح اخاذ، النزعة الاكاديمية  تميل الى الكولاج. والانطباعيون يندفعون مرة واحدة ودون تمهيد بإتجاه الفنان، كان كل شيء يتعايش مع بعضه البعض وكل شيء كان يتحول. ان الفنان العراقي يندفع بإتجاه الخارج بنفس الحماسة والحيوية التي يندفع بها تجاه مجتمعه. ففي سني الستينات قام الفنان العراقي بمزج التجريد بالاساطير الكبرى القديمة. هناك ابداع واستلهام للماضي. فها هو اسماعيل فتاح يعيد بناء البطل السومري الاسطوري كلكامش مستحضراً بيكاسو، وضياء العزاوي يعيد عرى الارتباط بالآلهة عشتار، ونوري الراوي في تحفة (ضوء) يشعل بالالق القباب البيضاء لقرى الجنوب.

الفنانون يقاومون

عندما هيمن زمن الطغيان استمر العراقي بإقباله على العالم وان كان مطروداً منه لفترة طويلة. لقد كان العراقي دائم الهروب بإتجاه الارث الوحيد المسموح به من قبل الدكتور: الماضي. والحالة هذه يعيد سعد الكعبي اكتشاف الخطوط الاكدية ويعيد عقد الصلة بالخطوط والزخارف الكوفية المهيمنة على الباحة الملكية العباسية. ويستمر المحاصرون في خضم الحرب وفي جو يعج بالموت بإنتاج يضج بالحياة. اذ تقول زينب مهدي وهي فنانة عراقية اخرى من بغداد: (شرعت بالرسم اثناء الهجوم الامريكي. ولفترة طويلة وانا اتعاطى التجريد وارسم تحت تأثير مونيه ولكن لماذا يتوجب علي ان انغلق داخل اسلوب معين؟ ان قوتنا تكمن بداخلنا. ان العراقيين هم الحركة، هم دفق من الاحاسيس والمشاعر).

في معرض عمان حيث يعرض محمد زناد لوحات صديقه شاكر حسن رائد تيار الفن العربي الحديث يقول وهو يتأرجح حماسة (لقد نجح فنانونا العراقيون بخلق توليفة غير عادية، انظر الى الرسومات بالالوان المائية لشاكر حسن، ستجد الرسومات التي تزين صناديق الازواج في الجنوب، وفي لوحاته في سني الخمسينيات، رسومات للسجاد البصري، وفي نتاجه في الثمانينيات نجد ما ينقش على جدران الاضرحة، لكننا نجد ايضاً في لوحاته التآكل البطيء للصخرة.

الكتابة والنزف، الدمار الذي خلفه الزمن وجاء به الانسان كغريزة ازلية: هذا هو العراق.

عن مجلة ماريان الفرنسية


فك اشتباك الحاضر بالماضي ام توطيده؟

جمعة الحلفي

اكتظت المكتبة العربية خلال العقود الثلاثة المنصرمة، بالابحاث والدراسات والمناظرات والاجتهادات التي تريد (التأسيس لمنهج تاريخي) يكون اساساً (لمشروع نهضوي عربي) عبر ما اصطلح على تسميته بـ (اعادة قراءة) التراث العربي - الاسلامي، قراءة نقدية، لإستنباط دروسه ومعانيه وتوظيف الجوانب الايجابية والمضيئة فيه. وتبعاً لإختلاف مشارب وايديولوجيات واهواء المتصدين لهذا المشروع الكبير والخطير (ماركسيون وقوميون وحداثيون واسلاميون متنورون) فقد اختلفت عوامل البحث وتعددت مناهج النقد وتشعبت وتنوعت مجالات الرؤية حتى تفارقت تالياً، النتائج والمحصلات فأصبح مشروع اعادة قراءة التراث العربي - الاسلامي هو الاكثر حاجة لإعادة القراءة من التراث نفسه، اذا ما اريد البحث (حقاً) عن ممكنات وعوامل التأسيس الموضوعية لمنهج البحث التاريخي العتيد، من جهة، وفي سياق الربط (او التفكيك) بين الهوية المجتمعية الراهنة، والخصوصية التاريخية التي مرت بها المنطقة العربية من جهة اخرى..

وفي واحد من سياقات البحث، التي ارادت التأسيس لرؤية عقلانية من خارج نطاق الاهواء والعصبيات والشموليات، كتب الباحث الراحل الدكتور فاضل الانصاري (قصة الطوائف/ الاسلام بين المذهبية والطائفية) في محاولة اخرى لتقصي الاصول وتفحص تاريخيتها وتتبع صيرورتها المأساوية، من اجل بلوغ خلاصات تستهدف (فك اشتباك الحاضر بالماضي) وصولاً الى صيغة للتعايش المنفتح بين المذاهب (تجعل امتنا اقدر على المواءمة مع مشروع نهضوي ثوري جديد حاسم في مستقبل حياتنا) كما يأمل في مقدمة كتابة.

والكتاب، الذي يقول مؤلفه انه جزء من دراسة مطولة عمل عليها سنوات عدة وتتناول تاريخ المنطقة العربية جغرافياً واجتماعياً (لكنه رحل للاسف قبل ان يرى مشروعه يكتمل ويرى النور) يقوم اساساً على تتبع اسباب وعوامل نشوء المذاهب في الاسلام ومن ثم تحولها الى الطائفية، واخيراً بلوغها مراحل التصادم والصراع والتفتت. وبإختصار شديد يعيد الدكتور الانصاري نشوء المذهبية الى حاضنة النص القرآني (المرن  والمنفتح) الذي استوجب (بذاته) الاجتهاد والتأويل، تبعاً لمتطلبات التطور والتبدلات المجتمعية، اما الطائفية (او تطوؤف المذاهب) فهي لاحقة، مبعثها الاساس اختلال توازن مركزية الدولة الاسلامية و (بلوغها عتبة التغيير الشمولي) ابان فترة الازدهار العباسية المتأخرة، حيث دخلت المنطقة، في هذه الفترة (مخاضات الانتقال ودوامات الصراع بين القديم والجديد) وحيث (جرى تحويل الافتاء الى وظيفة رسمية) فبدأت المذاهب بالتمترس والاصطفاف (نشداناً للحفاظ على الذات او تقرباً من السلطة، او طمعاً في امتيازات) ثم (وجد المتربصون، من وراء الحدود، فرصتهم لولوج المنطقة، سلماً، في البداية او حرباً واجتياحات متوالية) في ما بعد.

واذ يحاول الانصاري نبش (الايجابي) و (المضيء) و (العقلاني) في التراث العربي، الاسلامي، مسلطاً الضوء على فترات ازدهار الفقه والتسامح بين المذاهب، التي ترافقت مع تمركز الدولة الاسلامية وتطور العلوم والفلسفة، داعياً لإعادة (او انتاج) ذلك كنموذج لحكمة الاجداد يمكن استعادته لترميم حاضرنا المفتت والمتداعي، يخلص الى اقتراح التعايش (مجدداً) بين المذاهب، والى التسامح والمجادلة بالتي هي احسن ونبذ العنف والكراهية والبغض بما يضمن نزع مقومات الفرقة واعادة حيوية المشتركات وزخمها القائم على قواسم واحدة تعزز الدور الايجابي الممكن للديانة، على قاعدة تضامن اجتماعي عام . الا ان كل هذه (التمنيات) التي يحرص  الباحث الراحل على تأكيدها مراراً، في كتابة الضخم لن تفلح لا في وضع اللبنات لـ (تأسيس المنهج التاريخي) المطلوب ولا في اجتراح معجزة المشروع النهضوي العربي الجديد، فالجديد ينبع، دائماً من الجديد نفسه والحكمة ابنة اليوم.


رواية جديدة لماركيز ستصدر عن (المدى) ذاكرة غانياتي الحزينات

دمشق ـ ابراهيم حاج عبدي

"ذاكرة غانياتي الحزينات" هو العنوان الذي تم الاتفاق عليه ليطلق على رواية ماركيز الجديدة، التي عرفت في الإعلام العربي بعنوان " ذكريات عن عاهراتي الحزينات"، وستصدر الرواية قريبا، بترجمة صالح علماني عن دار المدى بدمشق.

الرواية تتجاوز المئة صفحة بقليل، غير أن المتوقع أن تحظى برواج كبير ذلك أن أخبار الرواية، وبمجرد صدور طبعتها الأصلية، صارت حدثا رئيسا لمختلف الصحف والدوريات في العالم التي راحت تترجم فصولا منها وتنشرها، كما أن دور النشر في مختلف بلاد العالم سارعت للحصول على حقوق النشر، فضلا عن محاولات "قراصنة" الكتب، ولاسيما في بلد الكاتب، القيام بنشر نسخ "مقرصنة" غير مكتملة تزيد من لهفة الانتظار.

الرواية تتحدث عن رجل في التسعين من عمره يقرر الاحتفال بعيد ميلاده بصحبة عاهرة عذراء في السادسة عشر من عمرها، هذه الرغبة الغريبة ستفتح شهية الراوي لينبش في دفاتر الذاكرة، ويستعيد منها الكثير من الصفحات التي تسرد قصصه مع عاهراته في زمن الصبا والشباب وصولا إلى بلوغه التسعين زمن الروي.

وتعيد الرواية إلى الأذهان تلك الأمنية التي راودت ماركيز حين قرأ رواية "بيت الجميلات النائمات" للياباني ياسوناري كاواباتا في رحلة بالطائرة جاورته خلالها "أجمل امرأة عرفها في حياته" كما يعبر ماركيز الذي كتب مقدمة الطبعة الكولومبية للرواية، وأعرب فيها عن رغبة دفينة في أن هذه الرواية هي الوحيدة التي كان يود لو انه كان كاتبها، وها هو يستلهم من أجوائها وأسلوبها ومناخاتها في روايته الجديدة سعيا لتحيق تلك الرغبة، وأكثر من ذلك فحين نزل من الطائرة وقد فرغ لتوه من قراءة الرواية رد على أسئلة مسؤولي المطار باقتضاب وهدوء : "المهنة: روائي ياباني" وكأنه يهذي بأمنية لا نبالغ حين نقول بأنه قد حققها وبامتياز.

ومن نافلة القول ان غابرييل غارسيا ماركيز اسم له رنين خاص لا تخطئه عين القارئ الحصيف، وهو قد تحول إلى ظاهرة تجمع بين النجومية والانتشار الجماهيري، وبين الاحترام النقدي في أوساط النقاد، وله حضور طاغ لدرجة يصعب معها تجاهله هو الذي سعى الكثيرون إلى تقليده في تقنية القص، واقتفاء أثره في أسلوب السرد، والسير على خطاه في كيفية التحليق بالواقع المألوف إلى مراتب الدهشة، متناسين، ربما، أن ماركيز نفسه يعترف بانتمائه إلى أسلاف روائيين تمتد جذورهم إلى تاريخ موغل في القدم، فهو يعد "الابن الأدبي الشرعي" لقائمة طويلة من الكتاب، والأدباء الذين يصعب حصرهم.

يعتبر من القلائل ممن حاز الشهرة والمجد، وهو لما يزل على قيد الحياة، بعد مجموعة روايات ـ لعل أشهرها " مئة عام من العزلة" ـ خولته للفوز بجائزة نوبل للآداب عام 1982  ويعود له الفضل الأكبر ـ من بين كتاب أمريكا اللاتينية ومدرستها المعروفة باسم (الواقعية السحرية) ـ في اختلاق عالم ساحر ومدهش يتآلف في فضاءاته الخيال والواقع في صورة أشبه بتواطؤ خفي لإيجاد عالم آخر هو مزيج متجانس بين هذا وذاك ينسج خيوطه، أو بتعبير أدق شباكه، ماركيز الذي استطاع استمالة ملايين القراء وبشتى اللغات الحية التي ترجمت إليها رواياته والذين ينتظرون جديده، ولسان حالهم يردد مع ما قاله الرئيس الكوبي فيدل كاسترو :"لا نستطيع إلا أن نشكره لأنه عاش هذه الحياة كي يرويها".

يقول ماركيز في مذكراته "الحياة ليست ما يعيشه أحدنا، وإنما هي ما يتذكره، وكيف يتذكره، ليرويه"، وهو بهذا يعفي نفسه من مشقة تسجيل الواقعة التاريخية كما وقعت ليستبدلها بالواقعة التي حفظتها ذاكرته دون أن يحاول مطلقا تصحيح ما طرأ عليها من تغيير وتحريف حيث يستعيدها من أرشيف الذاكرة وقد بلغ من العمر عتيا مع ما يعني ذلك من حنين راح يكبر مع تقدم الكاتب في العمر، وبدا أن هذا الحنين قد غلبه أخيرا فأخذ يكتب وفي وجدانه يكبر صوت ريلكه المنبعث من عتمة قصية ومجهولة: "إذا كنت تظن انك قادر على العيش دون كتابة، فلا تكتب".

وهو حين يقتفي آثار الذاكرة البعيدة فانه يحقق تآلفا بين حقيقة الحياة التي عاشها وبين ما هو مرسوم الآن على شكل حياة جديدة قوامها الكلمات...بين هذه وتلك ثمة مسافة شاسعة استطاع ماركيز أن يقلصها إلى حد بعيد ليوهمنا بان الثانية ما هي إلا صورة مطابقة للأولى رغم القناعة التي ترسخت عبر الكثير من الأعمال بان ماركيز لا يقوض الواقع إلا ليبني على أنقاضه واقعا آخر لا يشبه شيئا سوى الرواية المشرعة على اللامألوف، والسحري، والغرائبي لكنها تأتي في رداء الصدق والابتكار فماركيز لا يقترف الأكاذيب، والثرثرات، والخرافات إلا لكي نصدقه، ونفرح بتقليب صفحات هذه الرواية القليلة الصفحات، المليئة بالفرح رغم عنوانها الحزين. 


وداعا ممدوح عدوان

أعلن اتحاد الكتاب العرب في دمشق ان الشاعر والكاتب والروائي والصحفي والمترجم السوري ممدوح عدوان أحد ابرز الشعراء الكتاب السوريين توفي مساء الاحد في مستشفى الاسد الجامعي في دمشق بعد معاناة امتدت ثلاثة اعوام مع مرض السرطان.

والراحل من مواليد قرية قيرون من قرى مصياف في محافظة حماة شمال دمشق عام 1941 وفيها انهى دراسته الابتدائية والثانوية وانتقل بعدها الى دمشق حيث درس في جامعتها الادب الانكليزي وعمل في الصحافة ونشر ابداعاته الادبية في مجالتها المختلفة من شعر ومسرح ومسرح شعري ورواية وترجمة عن اللغة الانجليزية.

ولمع الراحل في جميع مناحي الادب ومنها الشعر الذي اصدر منه "الظل الاخضر" و"تلويحة الايدي المتعبة" و"الدماء تدق النوافذ" و"أقبل الزمن المستحيل" و"أمي تطارد قاتلها".

وكان من أوائل ما كتبه لعدوان مسرحية "المخاض" عام .1967 وقدم أيضا مسرحيات انحاز فيها لعامة الشعب مثل "السفر برلك" عن سنوات المجاعة في بلاد الشام خلال الحرب العالمية الاولى ومسرحية "أيام الجوع". وفي المسرح الشعري كتب مسرحية "محاكمة الرجل الذي لم يحارب".

وإلى جانب ابداعاته المسرحية كتب الرواية ومنها "أعدائي" وفي القصة اصدر "مجموعة الابتر" وكتب للتلفزيون "جريمة في الذاكرة" و"الزير سالم" التي استلهم فيها الحكاية الشعبية العربية التي تحمل معاني التمرد على ظلم ذوي القربى وتهيب بالشجاعة والدفاع عن الحقوق و"دائرة النار".

كما ترجم العديد من الكتب عن الانجليزية من أهمها "تلفيق إسرائيل التوراتية.. طمس التاريخ الفلسطيني" لكيت وايتلام و"الرحلة الى الشرق" لهيرمان هيسه و"تقرير إلى جريكو" لكازنتزاكي و"الالياذة" لهوميروس وهي الترجمة التي نال عدوان عليها تكريما خاصا من المجلس الاعلى للثقافة المصري.

وكان من أواخر الكتب التي اصدرها الراحل خلال فترة مرضه "الفارسة والشاعر" و"وعليك تتكئ الحياة" و"جنونة الانسان".

وفي آخر لقاء للشاعر الراحل مع الصحافة أكد عدوان لصحيفة السفير اللبنانية قبل أسبوع موقفه المستمر من التمرد على المؤسسات الرسمية ومعاداته للولايات المتحدة وإسرائيل.

وكان خلال حياته من ابرز المثقفين السوريين الذين ساندوا القضية الفلسطينية حتى في اللحظات التي كانت فيه بلاده تقف في مواجهة المنظمات الفلسطينية في الحرب الاهلية اللبنانية.

وإلى جانب عمله في الصحافة السورية كتب عدوان للصحف الفلسطينية معبرا عن موقف متضامن مع الفلسطينيين وداعيا غيره من المثقفين العرب والسوريين الى اتخاذ نفس الموقف. وهو نفس الموقف الذي وقفه اتجاه العراق والشعب العراقي في محنته رغم معاناته من المرض الذي كان يشتد عليه.

 

 

للاتصال بنا  -  عن المدى   -   الصفحة الرئيسة