|
لم يعد
لمتحف الفن الحديث في بغداد أية وجود منذ دخول القوات
الامريكية اليها. احاط النهب و التدمير بثمانية آلاف عمل
فني كان موجوداً فيه. ومع ذلك هناك عراقيون عصاة على
اليأس، حلمهم ان يجعلوا تراثهم يزهر من جديد.
في بغداد
اقيم على الاطلال معرض فني. فنانون يظهرون من مراسمهم غير
الملائمة للحياة حيث تبلغ درجة الحرارة 45ْ ولا
وجود للماء او الكهرباء، ليقوموا بنصب بعض تماثيل النحت
فوق حطام ما كان يعتبر لغاية التاسع من نيسان، ابريل
الماضي مزيجاً من البوبورغ (المكان الذي يوجد فيه مركز
بومبيدو للثقافة والفن) المارموتان (متحف للوحات يحمل اسم
مؤسسة) ذلك هو متحف الفن العراقي الحديث.
كان الموت
يعتصر قلوب هؤلاء الفنانين، فمن تراثهم الفني المتكون من
ثمانية آلاف عمل فني هي حصيلة قرن كامل من التلاقح الفني
بين الشرق والغرب والمزاوجة بين ديلاكرو والعباسيين، بين
السومريين وبيكاسو، من ذلك كله لم يبق شيئاً. ولا احد يعلم
عن ذلك شيئاً. اذا كان دوي سرقة المتحف الوطني العراقي قد
جال في ارجاء العالم كله، فإن احداً لم يكترث لسرقة متحف
الفن العراقي الحديث بعض المتطوعين الذين هبوا للنجدة
قتلوا على فورهم. ولا احد يعرف في نهاية المطاف الى اية
وجهة رحلت لوحات المتحف، مزق البائسون البعض منها ونهبوا
البعض الآخر عارفين قيمتها حق المعرفة. مع ذلك، لم يثر هذا
الحدث اهتمام احد فالامر لا يتعدى عن كونه حطاماً يضاف الى
حطام بغداد المدمرة، ياللملل!
آخر اخبار الفوضى
كانت
الهواتف المحمولة للمنفيين في عمان هي وحدها التي ترن
هناك. حيث يقيم رسامون، نحاتون، وفنانو السيراميك في
العاصمة الاردنية. ارواحهم متعلقة بالاخبار الاخيرة
للفوضى. يروون دون ملل للزوار، على ندرتهم قصة هذا القرن
الساحر: قرن انفتاح الروح العراقية على العالم. وحكاية
مدارس الرسم الاكثر خصباً وعطاءً فنياً في الشرق الاوسط،
المدارس التي ارتادت شتى الاساليب الفنية جميعها بدءاً
بالانطباعية وانتهاءً بالوحشية تقع مدرسة الباربيزون
(مدرسة ميتة) خاصتهم على ضفاف نهر دجلة وصالونهم هو عبارة
عن منزل عثماني طاله القصف هو الآخر. تفوح منه رائحة الموت
منذ نيسان الماضي حيث كان قد قتل فيه مراسل قناة الجزيرة
ولم تبعث الحياة في هذا المكان ابداً الى يومنا هذا.
اساتذة هذا
الزمان هم فائق حسن وجواد سليم زارا في الثلاثينيات باريس
وروما واحتكا بالحداثة بنهم كبير. وعادا منها بعيون ممتلئة
نوراً وثقافة ليقوما بتأسيس (جماعة بغداد) للفن الحديث وهي
عبارة عن كوكتيل جاذب لما هو فرنسي وايطالي مازجين اياه
بنتاج بلاد ما بين النهرين. اخذوا عن فان كوخ تألق الضوء
فكان القاً على حقول الاوركيد الممتدة على ضفاف الفرات وعن
سيزان اخذوا الملامح القاسية التي تتكشف عنها وجوه مدخني
الناركيلة.
لكنهم
كانوا عراقيين قبل كل شيء. منتشين دوماً بتأريخهم الضارب
في القدم، عاشقين لمنمنمات الواسطي فنان القرن الثالث
العباسي، الذي ابدع في رسم خطى الغزال وخفق الاجنحة. نهلوا
من كل المنابع من الالواح البابلية وخطوط المساجد. زاوجوا
بين العصور والاشكال ونقبوا تحت اوركي يحاوروا بيكاسو.
لم يبق من
ذلك كله شيئاً. ولم يثر الامر من اهتمام العالم شيئاً. حتى
عندما كان الفنانون يعرضون بعض التماثيل الناجية في ذلك
اليوم اللاهب، كان اللصوص يعاودون الانقضاض لتفكيك ما تبقى
من نوافذ المبنى.
(ندى
شابوت) امريكية من اصل عراقي، استاذة تاريخ الفن في جامعة
تكساس، عادت لتوها من بغداد تتحدث هي الاخرى مأخوذة برعشة،
عن هذه الانتهاكات السريالية الاخيرة قائلة: (كانت الشرطة
لا تتدخل اذ لم يكن هنالك شرطة وحتى ان وجدت فباعداد قليلة
جداً وكان النهب مستمراً في الوقت نفسه الذي يقام فيه
المعرض. كان ذلك بحد ذاته رمزاً للمأساة العراقية. فمن
جانب هناك من يريد تدمير كل شيء ومن جانب آخر هناك اولئك
الذين يريدون اعادة بناء كل شيء).
كان هناك
عراقي آخر يصغي بإهتمام كبير لرواية ندى شابوت. نحن في
عمان وصحراء قوامها الف كم تفصل محمد زناد عن قاعة عرضه
البغدادية وهي من اكثر القاعات شهرة في العاصمة العراقية.
اسمها قاعة اثر وهي فارغة اليوم لكن كان لدى زناد مشروع
مجنون تماماً كجنون امل هؤلاء الذين دمرت الحرب وطنهم. لم
يكن ليحتمل رؤية (الآثار) وقد انمحت من الوجود. فهو يريد
اعادة بناء متحف. لكن السؤال هو: اي سند سيكون له في ذلك؟
ربما يمكن لأوربا وعلى وجه الخصوص فرنسا التي اكتشفها
الفنانون العراقيون في ذروة حماستهم في القرن العشرين ان
تكون السند الاكبر لمشروع تأهيل ما نجا من الحطام.
فنانون آخرون
تأريخ
الفكرة يعود لما قبل الاجتياح الامريكي. فبغداد تعيش منذ
امد في حيز مغلق ومحمد زناد يحاول بجنون، منذ زمن خلق فضاء
يفلت فيه خارج نطاق الرقابة الصارمة، وجاءت الحرب. والعراق
الذي اوصله صدام الى مرحلة الاحتضار، اخذ يهوي نحو الجحيم
تحت وطأة الهجوم الامريكي. فهل يتخلى زناد عن مشروعه؟ بل
على العكس، لقد ازداد اصراراً اكثر من ذي قبل فها هو يصرح
قائلاً: (ان تدمير متحف الفن الحديث بعد المتحف التأريخي
الرائع كان بمثابة صعقة كهربائية حقيقية).
منذ عقدين
من الزمن يقوم تلميذ الفن هذا، القريب لأحد آخر الفنانين
العراقيين العظام من جيل الرواد، يقوم بجمع الابداعات
الفنية. لقد نجح زناد في ان يضع 800 عمل فني في مكان آمن
قبل اندلاع الحرب. وتلك مجموعة خاصة ينبغي له وضعها في
بناية جديدة قام هو برسم خارطتها بنفسه. ولهذا الغرض، هناك
بناية مستوحاة من اعمال المعماري لوكوربورنيه الذي يعشقه
المعماريون العراقيون يقع في منطقة الوزيرية، سلم بمعجزة
ما من النهب والتدمير. والحالة هذه وزناد على حافة الصبر،
قيل له: (انه الخواء) فيجيب (بل انه التجديد) وحين يصفون
له الحطام، يتوقع هو الانبعاث : (ان لفننا الحديث جذوراً
ضاربة في الاعماق وله تفرعات لا تحصى. انها حكاية لقائنا
بالعالم. واذا كانت الشجرة قد قطعت فلزام علينا جعل
الحياة تنبض فيها من جديد، حتى وان ابتدأنا بخطوات بسيطة
لتحقيق هذه الغاية).
يؤكد آخر
الفنانين العراقيين الكبار الذين لا زالت تعتمل بدواخلهم
طاقة خلاقة ابتداءً من شاكر حسن الفنان الاخير الباقي على
قيد الحياة من (جماعة بغداد) الى اسماعيل فتاح الترك الذي
اشتهر بلوحات النساء اللائي يجتزن المرايا، ومروراً
بالسيراميست سعد شاكر الذي بعث الحياة في فن الفخاريات،
يؤكد جميع هؤلاء بأن محمد زناد سيحصل على مساندتهم في
مشروعه.
الخزاف سعد
شاكر بالرغم من التعب الذي دب فيه، يعد بأنه سيعاود
التدريس في كلية الفنون الجميلة ببغداد: (لم يتمكن الحصار
ولا الحرب من تدميرنا. ان ارض العراق ستواصل ولادتها دوماً
بالقدر الذي يكفي لمد الفن بنسغ الحياة). لقد رأى اغلب
هؤلاء ابداعاتهم تختفي في موجة النهب التي اجتاحت المتحف
ومع ذلك يؤكد سعد شاكر بأن (يتوجب علينا الخروج من حالة
الذهول التي استحوذت علينا فتأريخ العراق هو عبارة عن
تاريخ للدمار المتعاقب، لكننا كنا في كل مرة نندفع بإتجاه
ولادة جديدة). وزناد يؤمن هو ايضاً بهذه الدورة القاسية
قساوة الجحيم فهو لم يخرج الا بصور لا تطاق عن بلاده التي
عاث بها الخراب ومع ذلك بقي متفائلاً، صامداً، يعارض هذه
الصور القاسية بأخرى من طفولته يوم كان يطوف باطلال بابل،
قبل ان يعبث بها صدام ويعيد بناءها على الطراز الهوليودي
في بابل كانت الاحجار تتكلم معي كنت اهابها، وكانت تصيبني
بفتنة كبيرة، نفحة السحر تلك وبيت امي هما اللذان كوناني،
عندنا لم يكن الفن تابو بل كان مقدساً، كنا نعرف ان له
القدرة على مقاومة كل شيء وكان بأشكاله الكثيرة يكمن في
اعماق كل نفس عراقية).
في السنوات
التي تكونت فيها جماعة بغداد، كان يتوجب على الفنانين ان
يخوضوا صراعاً ضد الاحكام المسبقة لمجتمع ضيق الافق (كانت
جل مشكلتنا ان نجعل الآخر يؤمن بالفن، يقول خالد الكاسب،
كنا نريد ان نكتشف العالم من جهة ومن جهة اخرى كنا نريد
النبش في الازمنة الغابرة لبعث منجزنا التراثي التاريخي
وكذلك كنا نريد قلع انفسنا والانفلات من قسوة عالم متحجر.
لقد كانت مغامرة شيقة لم تحدث في بلد عربي آخر سوى في
العراق. ومن المؤلم جداً ان لا احد يحرك ساكناً ازاء
الدمار الذي يصيب تراثنا الفني).
يمكن القول
بطريقة اخرى ان امريكا التي لا تؤمن الا بصدام الحضارات
سمحت مرة اخرى وبتساهل منها - او كما يقول العراقيون بسبق
اصرار منها - سمحت بتدمير ما كان شاهداً على وحدتهم.
يصف الكاسب
او سعد شاكر ما كان في بغداد قبل الحرب والبربرية اذ كان
هناك اقبال على الآخر، وتزاوج بين الاضداد، وتجاذب لا
يقاوم بين العوالم، نافذة تشرع على باريس واخرى تلتئم على
شرفات الموصل. يصار الى الرسم بكل طريقة ممكنة، وتتفجر
الالوان بجموح اخاذ، النزعة الاكاديمية تميل الى الكولاج.
والانطباعيون يندفعون مرة واحدة ودون تمهيد بإتجاه الفنان،
كان كل شيء يتعايش مع بعضه البعض وكل شيء كان يتحول. ان
الفنان العراقي يندفع بإتجاه الخارج بنفس الحماسة والحيوية
التي يندفع بها تجاه مجتمعه. ففي سني الستينات قام الفنان
العراقي بمزج التجريد بالاساطير الكبرى القديمة. هناك
ابداع واستلهام للماضي. فها هو اسماعيل فتاح يعيد بناء
البطل السومري الاسطوري كلكامش مستحضراً بيكاسو، وضياء
العزاوي يعيد عرى الارتباط بالآلهة عشتار، ونوري الراوي في
تحفة (ضوء) يشعل بالالق القباب البيضاء لقرى الجنوب.
الفنانون يقاومون
عندما هيمن
زمن الطغيان استمر العراقي بإقباله على العالم وان كان
مطروداً منه لفترة طويلة. لقد كان العراقي دائم الهروب
بإتجاه الارث الوحيد المسموح به من قبل الدكتور: الماضي.
والحالة هذه يعيد سعد الكعبي اكتشاف الخطوط الاكدية ويعيد
عقد الصلة بالخطوط والزخارف الكوفية المهيمنة على الباحة
الملكية العباسية. ويستمر المحاصرون في خضم الحرب وفي جو
يعج بالموت بإنتاج يضج بالحياة. اذ تقول زينب مهدي وهي
فنانة عراقية اخرى من بغداد: (شرعت بالرسم اثناء الهجوم
الامريكي. ولفترة طويلة وانا اتعاطى التجريد وارسم تحت
تأثير مونيه ولكن لماذا يتوجب علي ان انغلق داخل اسلوب
معين؟ ان قوتنا تكمن بداخلنا. ان العراقيين هم الحركة، هم
دفق من الاحاسيس والمشاعر).
في معرض
عمان حيث يعرض محمد زناد لوحات صديقه شاكر حسن رائد تيار
الفن العربي الحديث يقول وهو يتأرجح حماسة (لقد نجح
فنانونا العراقيون بخلق توليفة غير عادية، انظر الى
الرسومات بالالوان المائية لشاكر حسن، ستجد الرسومات التي
تزين صناديق الازواج في الجنوب، وفي لوحاته في سني
الخمسينيات، رسومات للسجاد البصري، وفي نتاجه في
الثمانينيات نجد ما ينقش على جدران الاضرحة، لكننا نجد
ايضاً في لوحاته التآكل البطيء للصخرة.
الكتابة
والنزف، الدمار الذي خلفه الزمن وجاء به الانسان كغريزة
ازلية: هذا هو العراق.
عن مجلة
ماريان الفرنسية
|