اراء وافكار

الصفحة الرئيسة للاتصال بنا اعلانات واشتراكات عن المدى ارشيف المدى
 
 

العراقيون في المهاجر بين الطرد والموت

يوصف العراق بأنه (ارض السواد)، لكثرة زروعه وبساتينه المثمرة وحقوله الغناء، ولكثرة مياهه وأنهاره وخصوبة أراضيه، فقد قامت على أرضه أشكال الحضارات التي كانت الكتابة من أولى مظاهرها، فيما كان لذلك اثر في نقل الإنسانية نقلة حضارية تاريخية.

والمجتمع العراقي يختلف عن كثير من الشعوب، فهو يميل للاستقرار والالتصاق بوطنه، فضلاً عن وجود الثروات النفطية والزراعية الضخمة، التي تحول دون التفكير بالهجرة بحثاً عن لقمة العيش وطلب الرزق.

وقد شهد العراق منذ نهاية العهد الملكي وبداية النظام الجمهوري هجرات فردية محدود باتجاه البلدان المجاورة، ونحو البلدان الأوروبية والولايات المتحدة الأمريكية. وكانت هذه الهجرات مقتصرة على فئات اجتماعية محددة تمثل النخبة المثقفة في المجتمع، وتنتمي طبقياً إلى الطبقات الغنية.

وقد كانت هناك هجرات ترافق الحدث السياسي مهما كان طفيفاً، فالتغيرات الإدارية شأنها شأن الانقلابات والثورات، غالباً ما تؤدي إلى حملات تهجير واعتقال لمجاميع كبيرة من الناس، بل إن إقالة مدير عام من منصبه تؤدي إلى هروب جميع المرتبطين به، عن قرابة أو وظيفة أو صلة اجتماعية، خوفاً من البطش الذي لابد أن يطولهم، باعتبار أن عملية الطرد والإقامة الوظيفية غالباً ما تحدث لأسباب سياسية في مفهوم السلطة، وهي تقتضي بعد الطرد، مواصلة الاعتقال والتحقيق والسجن.

تواريخ وهجرات

في عام 1958 انتهى العهد الملكي وبدأ النظام الجمهوري. وقد ترتب على هذا التغيير العميق في نظام الحكم هجرة الملكيين من طواقم سياسية وكفاءات علمية باتجاه بيروت ثم لندن وعواصم أوروبية وعربية أخرى. ولا تزال إلى الآن الأجيال اللاحقة لهؤلاء المهاجرين تواصل حياتها في المغتربات.

عام 1963: نهاية حكم عبد الكريم قاسم ومجيء عبد السلام عارف الذي قام بعمليات قمع وتهجير واسعة ضد الحركات السياسية ورموزها، ولإعداد من سكان الجنوب العراقي بذريعة التبعية لإيران.

ولضيق أصحاب الكفاءات بأجواء القمع السلطوي، وفشل الدولة العراقية في استيعاب الطاقات العلمية واستثمارها في مشاريع وبرامج التنمية، حدثت هجرة الكفاءات، التي تركت آثاراً سلبية في المجتمع العراقي لأنها حرمته من طاقات علمية كان بإمكانها أن تؤدي أدواراً ووظائف مهمة في جوانب الحياة المختلفة.

فكانت نسبة كبيرة من أولئك المهاجرين من حملة الشهادات الجامعية العليا في اختصاصات الطب والهندسة، إذ يوجد في الوقت الحاضر المئات من الأطباء والمهندسين العراقيين في أمريكا وبريطانيا وبلدان غربية أخرى كانوا قد هاجروا من العراق قبل عدة عقود من الزمن. جاء في بحث أعدته منظمة العمل العربية عن استراتيجية التنمية في مجال القوى العاملة، حول هجرة العقول العربية إلى الولايات المتحدة الأمريكية وكندا، إن عدد المهاجرين العراقيين من اصحاب الكفاءات خلال ثلاثة أعوام فقط بين (1966 - 1969) قد بلغ 4192 شخصاً إلى الولايات المتحدة و254 شخصاً إلى كندا، وإن عدد الذين نالوا الجنسية الأمريكية من هؤلاء خلال الفترة المذكورة 975 عراقياً.

عاما 1968 0 1969: وفي إطار سلسلة التغييرات ووصول الحكم البعثي إلى السلطة هرب عدد من السياسيين من مختلف الانتماءات، خصوصاً بعد تدشين معتقل قصر النهاية القمعي.

1968-1978: لم يحدث تغيير سياسي بفعل ثورة او انقلاب كما هي الحال خلال الأعوام 1963 - 1968، لكن التغييرات على مستوى الشارع العراقي كانت قد تمخضت عن بروز وعي سياسي معارض، اتخذ شكل أحزاب وتنظيمات معارضة، وممارسات ذات طبيعة مناهضة للحكم القائم، وبمواجهة هذه التغييرات قامت السلطة بعدة حملات تهجير، داخلياً نقلت أعداداً هائلة من الأكراد إلى جنوبي العراق، وذلك لملء الفراغ الذي أحدثه تهجير مئات الآلاف من الشيعة إلى إيران بحجة التبعية الإيرانية.

وفي منتصف السبعينيات، بدأ النظام الحاكم بتكريس تقاليد جديدة للعنف السلطوي لم يعهدها الشعب العراقي طوال تاريخه، من قبيل إعدام المعارضين والهاربين من الخدمة العسكرية في الساحات العامة وتحشيد الناس لمشاهدة مراسيم الإعدام والطلب من الأقرباء أو أصدقاء المحكومين المشاركة قسراً في تنفيذ حكم الإعدام بأنفسهم للتدليل على ولائهم للسلطة. وقد مارس النظام بقسوة مفرطة سياسة التفرقة الطائفية والعرقية التي كان من نتائجها تهجير الآلاف من المواطنين الشيعة والأكراد خارج العراق، وزج الجيش في حرب داخلية شرسة ضد الأكراد في الشمال والشيعة في الجنوب، وهي حروب دفعت بأعداد كبيرة من الشباب للهجرة وطلب اللجوء في دول متعددة.

عام 1979: كان عام التصفية الشاملة داخل الحزب الحاكم من جهة وخارجه من جهة أخرى، إذ أدى إقصاء أحمد حسن البكر عن رأس السلطة إلى تصفية الجناح الموالي له وللوحدة مع سوريا داخل ملاك النظام نفسه، كما دفع إلى إجراء حملة اعتقالات ضد الأحزاب والحركات السياسية والمحظورة وتلك التي وجدت نفسها كذلك بعد إنهيار ما سمي بـ(الجبهة الوطنية) بينها وبين الحزب الحاكم.

وهذه الحملة أدت، كما كان يراد بها إلى هجرة حشود من عناصر الأحزاب المعارضة التي تتضمن كفاءات علمية وثقافية كبيرة.

عام 1980: كانت السلطة قد استجمعت أسباباً أخرى لمواصلة تصفية الوجودات غير الموالية بعد انهيار (الجبهة الوطنية) والتغييرات داخل الحزب الحاكم. جاء قرار الحرب العراقية - الإيرانية، فتم تهجير مئات الآلاف من سكان الجنوب بحجة التبعية الإيرانية.

عام 1991: كان العراقيون على موعد مع أضخم هجرة في تاريخهم وربما في تاريخ المنطقة برمتها، وقد جعلتهم يقفزون في إحصاءات الأمم المتحدة إلى الموقع الرابع بين الدول الأكثر تصديراً للمهجرين في العالم.

وباستثناء الهجرة التي اندلعت بعد عام (1991) والهجرة لأسباب طائفية، شكلت النخب السياسية والعلمية والثقافية القاسم المشترك بين معظم الهجرات العراقية، بل إن تهجير النخب كان يأتي في الغالب تمهيداً لانعطافة تاريخية أو لحدث سياسي - عسكري كبير. لذلك يلحظ المتابع أن السلطة تدفع خلال الأزمات والمراحل الانتقالية إلى هجرة بحركة مزدوجة، فهي تصعد من وتيرة الاعتقالات والمطاردة من جهة، وتيسر سبل الهروب إلى خارج العراق بالطرق الشرعية وغير الشرعية من جهة أخرى.

ففي وقائع هجرة عام 1979 وعام 1991، يلاحظ أنها في الثانية وبرغم اتساع قائمة (المطلوبين) للسلطة عقب انتفاضة آذار 1991، كانت المنافذ مفتوحة لمن يريد الهرب، بينما كان البقاء داخل المدن متعذراً، ولم يكن ذلك نتيجة للانفلات الأمني الذي ساد العراق خلال هذه المرحلة بل كان يعبر عن سياسة مقصودة للتنفيس عن الاحتقان السياسي وتصفية وجود الفاعلين في الشارع العراقي، ويؤكد ذلك أن عام 1979 كان قد شهد هجرة مماثلة إلى حد ما، ترافقت مع حملة اعتقالات ومطاردات كبيرة، بيد أن الوضع الأمني في العراق لم يكن خلال هذا التاريخ منفلتاً كما كان عليه عقب الانتفاضة، ومع ذلك استطاعت أعداد كبيرة من العراقيين (المطلوبين) للسلطة الهروب من العراق وأحياناً بوثائق سفر رسمية. فقد كانت هناك ممارسة (تفريغية) مقصودة لا تعبر عن حاجة داخلية فقط، بل دولية فان استقطاب الكفاءات يأتي في إطار الهيمنة، وذلك بالحيلولة دون تشكل نخب علمية تقنية في بلدان العالم الثالث، تأخذ على عاتقها مهمات تحقيق النهوض الحضاري في بلدانها. هذا إضافة إلى الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان في العراق، فمنذ عام 1991 الذي استخدمت فيه السلطات العراقية منتهى البطش والقوة في قمع الانتفاضة الشعبية التي وقعت آنذاك في معظم محافظات الجنوب والشمال وبعض المدن في الوسط أيضاً، ومن ثم السنوات اللاحقة. بدأت السلطات بعمليات الإبادة الجماعية والقمع المنظم والإعدام والاعتقال خارج نظام القضاء والتعذيب والاختفاء والترحيل القسري والتمييز العرقي والطائفي. والعقوبات الجماعية، والاغتيالات في الداخل والخارج واستخدام الوسائل والأساليب البشعة في ارتكاب تلك الجرائم والانتهاكات حتى غدا كل ذلك من السمات المميزة لنظام الحكم القائم في العراق، الذي بات يمتلك أسوأ سجل لحقوق الإنسان في العالم.

وإذا ما أضفنا لذلك ما يتعرض له المواطن العراقي من انتهاكات واضحة لحقوقه الإنسانية من قبل المجتمع الدولي أو بعض أطرافه من خلال الحصار الاقتصادي، الذي ألقى بنتائجه المدمرة على كامل المجتمع العراقي بالدرجة الاساس دون النظام ورموزه ومؤسساته، فلن يكون مستغرباً أن يصل عدد اللاجئين في العالم إلى أكثر من ثلاثة ملايين يتوزعون على شتى المنافي، مما جعلهم يحتلون، حسب احصائيات مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين، المرتبة الثالثة عالمياً، والمرتبة الأولى في عدد من الدول كالسويد وبريطانيا. وحسب إحصائيات المفوضية فإن العراقيين كانوا يتصدرون قائمة طالبي اللجوء في العالم.

وحول أعداد العراقيين في المهاجر كانت هناك إحصائية غير رسمية أجريت عام 1999 وهم موزعون على النحو الآتي:

- مليون عراقي في الجمهورية الإسلامية الإيرانية.

- ربع مليون عراقي في الأردن.

- 100 الف عراقي في بريطانيا.

- 75 ألف عراقي في هولندا.

- 50 ألف عراقي في السويد.

- 40 ألف عراقي في الدنمارك.

- 25 الف عراقي في سوريا.

- 20 ألف عراقي في أمريكا.

- 12 ألف عراقي في المملكة العربية السعودية (معسكر رفحا)

- وكان هناك عشرات الآلاف منهم موزعين على بلدان أوروبا الشرقية والبلدان الأخرى المختلفة.

أسلوب النظام العراقي في التهجير

في أوائل عام 1980، أصدر النظام العراقي قراراً يمنح بموجبه شهادة الجنسية العراقية للمواطنين العراقيين الذين لم يحصلوا عليها بعد. وقد كان هناك قطاع كبير من الشعب العراقي لا يملك (شهادة الجنسية)، بسبب طائفية النظام السياسي. ففرح عدد كبير من المواطنين بهذا القرار لأهميته الفائقة في حياتهم وحياة أبنائهم فاتجهوا صوب دوائر الجنسية في طوابير كبيرة بغية الحصول عليها بعد إكمال المعاملات من صور وعناوين ومعلومات دقيقة عن جميع أفراد العائلة. بعد ذلك بثلاثة أشهر، تم إلقاء القبض على جميع هؤلاء الأفراد في بيوتهم ومصادرة أموالهم وممتلكاتهم، ثم رميهم على الحدود الإيرانية بعد أن عزلوا الشباب الذين كانت أعمارهم بين (18-30) سنة وقد وزعوهم على عدة معتقلات كان آخرها معتقل (ابي غريب) وكان عددهم (1200) شاب. وإن الكثير منهم وإلى هذه اللحظة لم يعرف شيءعنهم.

بداية عقد السبعينيات

في الفترة الممتدة بين عامي 1969 - 1971، باشرت الحكومة العراقية بتنفيذ أولى عمليات التهجير القسري ضد المواطنين العراقيين الشيعة بدعوى وجود أصول إيرانية لهم.

وكانت المجموعة الأولى من المهجرين تتألف من (500) مهجر، والثانية من (660)، نقلوا جميعاً إلى إيران عن طريق قصر شيرين وخسروي.

قرر بعدها النظام العراقي تهجير أكثر من 1200 شيعي عراقي حرموا من الجنسية العراقية في العهود السابقة.

وفي عام 1971 شرعت السلطة العراقية مرة أخرى بتهجير مجاميع جديدة من العراقيين، فشمل التهجير هذه المرة طلبة الحوزة العلمية في النجف الأشرف والأكراد الفيلية، وسكان المدن المقدسة مثل النجف وكربلاء والكاظمية الذين يحملون (الجنسية العراقية) لكنهم يفتقدون لـ(شهادة الجنسية العراقية)، وهي وثيقة رسمية تقسم المواطنين العراقيين إلى فئتين، الأولى ذات تبعية عثمانية والثانية ذات تبعية إيرانية. وبلغ مجموع المهجرين في عام 1971 مئة ألف مواطن عراقي يضاف إليهم مئات المحتجزين الذين هجروا فيما بعد.

وقد تزامنت هذه الحملة مع توتر العلاقات بين العراق وإيران واحتدام الخلاف بينهما حول اقتسام مياه شط العرب، إذ استثمرت القيادة العراقية هذا الخلاف والتصعيد الإعلامي الذي رافقه لخلق مشاعر عدائية ضد الإيرانيين وإبعاد أنظار الرأي العام المحلي عن المآسي التي رافقت التهجير القسري، لتجنيب ردود فعل اجتماعية عنيفة محتملة ضد إجراءات التهجير اللا إنسانية. ودأبت وسائل الإعلام الرسمية في تلك الفترة على تصوير العراقيين المهجرين بـ(الطابور الخامس) الإيراني في العراق!.

أواسط السبعينيات

في الفترة الممتدة بين عام 1975 - 1978 حدثت هجرة واسعة للأكراد العراقيين باتجاه إيران ودول أخرى بعد النظام العراقي لاتفاقية الجزائر عام 1975 مع نظام الشاه، التي مكنته من التفرغ لشن حملات قمع وإبادة ضد الأكراد العراقيين في منطقة كردستان.

ومن بين الإجراءات القمعية التي اتبعت حينها تهجير أكثر من 150 ألف مواطن كردي عراقي من مناطق سكناهم في كردستان إلى مناطق أخرى في الوسط والجنوب، وتم توطين قسم كبير من هؤلاء المهجرين في بيئة صحراوية لم يعتادوا عليها: فيما هاجر الأكراد الفيلية إلى إيران، إذ بلغ عدد المهجرين منهم خلال الأعوام 1970، 1971، 1972 سبعين الف كردي شيعي. وخلال هذه الفترة أيضاً هجرت السلطة العراقية أفواجاً جديدة من العوائل العراقية الشيعية العربية وطلبة الحوزة العلمية إلى إيران استمراراً لحملات التهجير التي بدأت على نطاق واسع مع مطلع عقد السبعينيات.

كما شهدت فترة أواسط السبعينيات هجرة الكفاءات العراقية إلى البلاد العربية والأوروبية، إذ غادر العراق المئات من المعلمين والمدرسين وأساتذة الجامعة للعمل في البلاد العربية والإسلامية التي كانت تشكو نقص ملاكها التدريسي، كالجزائر وليبيا والصومال وبعض البلدان الخليجية. وقد آثر الكثير منهم البقاء في تلك البلدان أو الهجرة منها إلى أوروبا على العودة إلى العراق لأسباب سياسية في الغالب.

كذلك شهدت تلك الفترة هجرة أعداد كبيرة من المسيحيين العراقيين إلى أوروبا وأمريكا. وقد تأثرت هذه الهجرة بعامل (الجذب) أكثر من تأثرها بعامل (الطرد) بالنظر لعدم تعرضهم لحملات قمعية من قبل السلطة وابتعادهم - بشكل عام - عن مضمار العمل السياسي المعارض لمنح دول اوروبا الغربية والولايات المتحدة الأمريكية تسهيلات خاصة لهم لتيسير هجرتهم إليها. وتعد الولايات المتحدة الأمريكية بلد الاستقبال الأول للمهجرين من المسيحيين العراقيين، إذ تتواجد أعداد كبيرة منهم في أكثر من ولاية أمريكية. وتجدر الإشارة هنا إلى أن قوانين الهجرة في أمريكا وبعض دول أوروبا الغربية تمنح تسهيلات خاصة للمهاجرين المسيحيين القادمين من بلدان الشرق الإسلامي حيث كان الغرب يتعامل معهم كـ(أقليات مضطهدة) بسبب انتمائها الديني، وكذلك هي الحال بالنسبة للبهائيين والقاديانيين واليهود.

نهاية عقد السبعينيات

في عام 1978، وبعد انهيار التحالف بين حزب البعث الحاكم والحزب الشيوعي العراقي في إطار الجبهة الوطنية القومية التقدمية، باشرت سلطات الأمن العراقية شن حملة اعتقالات واسعة بين صفوف المنتمين للحزب الشيوعي والمتعاطفين مع توجهاته، أدت إلى هجرة أعداد كبيرة من الشيوعيين الذين تمكنوا من الإفلات من حملة الاعتقالات تلك، وكانت اتجاهات الهجرة الرئيسة نحو الاتحاد السوفيتي - قبل انهياره - وبلدان اوروبا الشرقية، وسوريا، وجمهورية اليمن الديمقراطية (قبل توحيد شطري اليمن) ولبنان.

ومن السمات التي ميزت هجرة الشيوعيين:

أولاً: طغيان الطابع الفردي على الهجرة بشكل عام، بمعنى أنها هجرة أفراد أكثر منها هجرة أسر. والسبب في ذلك يكمن في عدم تمكن المهاجرين من اصطحاب عوائلهم في ظل ظروف القمع والملاحقة من قبل السلطة لهم، فضلاً عن وجود نسبة كبيرة من العزاب بينهم.

ثانياً: اتجاه الهجرة كان الغالب نحو البلدان التي تحكمها أنظمة متبنية للآيديولوجية الماركسية، الأمر الذي يدل على وجود أدلة ترابطية بين المعتقد السياسي واتجاهات الهجرة.

ثالثاً: قرار الهجرة كان قراراً فردياً ومتأثراً إلى حد بعيد بالتعليمات الحزبية وبطريقة تعامل قيادة الحزب الشيوعي العراقي مع الحملة القمعية التي تعرض لها الشيوعيون ومن تعاطف معهم.

التهجير في عقد الثمانينيات

حملة التهجير الثالثة

في شهر نيسان من عام 1980، باشرت الحكومة العراقية بتنفيذ حملة تهجير جديدة واسعة النطاق للعراقيين الشيعة امتدت مراحلها إلى نهاية عقد الثمانينيات.

وقد ابتدأت حملة التهجير الثالثة بخطة تمويهية دبرتها السلطات العراقية ضد كبار التجار الشيعة سعياً منها لإضعاف نفوذهم في الحياة الاقتصادية داخل العراق بموازاة مخطط أبعادهم عن مراكز القرار السياسي، إذ تم توجيه دعوة رسمية لـ850 تاجراً شيعياً لحضور اجتماع اقتصادي مهم في غرفة تجارة بغداد بتاريخ 7/4/1980، وطلب من المدعوين إحضار جميع المستمسكات القانونية ودفاتر الأرصدة المالية التي بحوزتهم. لم يكن هناك ما يثير الريبة في نفوس التجار المدعوين من هذا الاجتماع بوصفه إجراءً طبيعياً تتطلبه المعاملات التجارية.

وبعد اكتمال عدد المدعوين، بادرت السلطات العراقية، من خلال رجال الأمن الذين كانوا ينتظرون قدوم التجار إلى غرفة تجارة بغداد، باعتقال جميع التجار الـ850 وسلب كل ما بحوزتهم من أموال ومستمسكات قانونية ودفاتر أرصدة مالية في البنوك العراقية، ثم قامت بترحيلهم مباشرة في حافلات خاصة إلى الحدود العراقية - الإيرانية، وتحديداً إلى منطقة (مندلي) المقابلة لقصبة (سومار) في الجانب الإيراني، وطلب منهم بعد ترحيلهم من الحافلات السير على الأقدام للوصول إلى المخفر الحدودي الإيراني في (سومار) وهددوا بفتح النار على كل من يتردد في السير باتجاه الحدود الإيرانية.ولما استفسر التجار من ضباط الأمن المشرفين على عملية التهجير عن سبب هذا الإجراء، كان الجواب (انتم لستم عراقيين).

بعد تهجيرهم بفترة قصيرة هجرت عوائلهم لتلحق بهم، وقد منعت السلطات العراقية هذه العوائل من اصطحاب أية مبالغ نقدية أو حلي ذهبية معها، فيما تمت مصادرة أموالهم المنقولة وغير المنقولة بعد التهجير، وعرضت دورهم السكنية للبيع.

توالت حملات التهجير بعد ذلك بمعدل (2000 مهجر) كل يوم، وقامت أجهزة النظام العراقي بالتزامن مع عمليات تهجير العوائل الشيعية،، باعتقال وحجز الشباب والعسكريين من ذوي العوائل المهجرة، إذ أوع المدنيون في سجن (أبو غريب)، والعسكريون في سجن رقماً (1) في معسكر الرشيد، وقد قام الشباب المدنيون المعتقلون بانتفاضة احتجاجية داخل سجن أبي غريب في 1/5/1980 بمناسبة عيد العمال العالمي مطالبين بالحاقهم مع عوائلهم المهجرة. وبعد مرور ثلاثة أيام، أضرب المحتجزون خلالها عن الطعام، بادرت السلطات العراقية في يوم 4/5/1980 إلى إطلاق سراح 820 محتجزاً من المنتمين لحزب السلطة، وقامت بتهجيرهم إلى إيران عبر نقطتي (المنذرية) و(خسروي) على الحدود العراقية - الإيرانية ليلتحقوا بعوائلهم.

وخلال الأشهر التي سبقت شن الحرب على إيران ايلول 1980، ثم تهجير مئات الآلاف من العراقيين بضمنهم الأكراد الفيلية الذين لا يحملون (التبعية العثمانية)، وتواصلت حملات التهجير طوال أعوام الحرب العراقية - الإيرانية، إذ شملت أيضاً ذوي المعارضين الإسلاميين الذين اعتقلهم النظام في تلك الفترة.

ويقدر (المركز الوثائقي لحقوق الإنسان في العراق) عدد المهجرين العراقيين منذ شهر نيسان عام 1980، حتى أواخر عام 1988 بحدود 350 - 500 ألف مهجر.

فيما أوردت الجهات الإيرانية في محافظة (كرمنشاه) المتاخمة للحدود العراقية إحصائيات تفصيلية عن أعداد العراقيين المهجرين الذين وصلوا إلى إيران في السنوات 1980، 1981، 1982 وعلى النحو الآتي:

أ- بتاريخ 24/7/1980 تم تهجير 4088 شخصاً.

ب- بتاريخ 4/3/1981 تم تهجير 1240 شخصاً وقد اعتدي على شرف 8 فتيات مهجرات من قبل أفراد جهاز الأمن العراقي.

ت- بتاريخ 29/1/1982 هجر 3058 شخصاً توفي ستة منهم بسبب البرد القارص.

ث- بتاريخ 30/1/1982 تم تهجير 2832 شخصاً، توفي منهم 8 أشخاص.

ج- بتاريخ 4/3/1982 تم تهجير 8084 شخصاً، وقد قتل أربعة أشخاص منهم بالألغام وثلاثة آخرون من شدة البرد.

ح- بتاريخ 7/3/1982 تم تهجير 2470 شخصاً.

خ- بتاريخ 9/6/1982 تم تهجير 100 شخص.

أما حملات التهجير التي تمت عبر نقاط حدودية أخرى، فلم توجد إحصائيات عنها، وبالمقارنة مع التهجير الذي تم في عقد السبعينيات، تعد حملات التهجير في المرحلة الثالثة أشد قساوة على المهجرين. وأعمق تأثيراً في انعكاساتها السلبية على حياتهم الاجتماعية والاقتصادية في المهجر. ففي حين أنه كان قد سمح للمهجرين عام 1971 بحمل مدخراتهم من المال معهم، لم تكتف السلطات هذه المرة بأن تمنع منعاً باتاً حمل أي متاع شخصي أو أي مبلغ من المال، بل أمرت العسكر بإطلاق النار على كل مهجر يعود أدراجه.

وقد اقتيد الأطفال والنسوة - كباراً وصغاراً - إلى الحدود، وغالباً ما كان يتم دفعهم نحو وجهة غير صحيحة وذلك لزيادة معاناتهم، بينما كان من الممكن غالباً الاكتفاء بمسيرة كيلومترين أو ثلاثة.

 

 

للاتصال بنا  -  عن المدى   -   الصفحة الرئيسة