|
سعد محمد
رحيم
على الرغم
من أنك لن تدخل النهر مرتين غير أن النهر وحده يحمل بين
ضفتيه التاريخ السري للناس عشاقاً ومهمومين وشعراء وسكارى
وأفاقين. كما لو أنه ينسج من مناجاتهم الصامتة أسطورة
المدينة، أو كما لو أنه يحيل خيبة أحلامهم إلى موسيقى لا
تليق إلاّ بالفراديس.. وخريسان هو النهر العتيق.. النهر
الشاهد.. النهر الذي يحكي من دون أن يكل.. النهر السادر في
الثرثرة، والطاعن في الحزن، والراحل في الخلود.
خريسان في
المدونات العربية القديمة هو نهر جلولاء، ويوم كانت منطقة
ديالى في العهد العثماني تسمى (طريق خراسان) وبعد التخفيف
(قضاء خراسان) سمي النهر بـ (خريسان ) حيث الأصل فيه
(خراسان) وما زال أهالي بعقوبــــة يسمونــــه هكذا على
الإمالة وقلب ألف (خراسان) ياءً على وفق ما يقول الباحث طه
الدليمي، ويضيف؛ وخريسان في العهد السابق سمي رسمياً بـ
(نهر سارية) نسبة إلى القائد الإسلامي المشهور سارية بن
زنيم بن عبد الله بن كنانة الدؤلي بعدما أمره الخليفة عمر
بن الخطاب على جيش وسيره إلى فارس سنة 23 هـ وله قال: يا
سارية الجبل. ولو سمي النهر باسمه القديم جلولاء لكان ذلك
أكثر صواباً من الناحية التاريخية، لعدم وجود العلاقة
التاريخية بين هذا النهر والقائد الإسلامي الجليل.
وكأي نهر
يحيي مدينة يحمل خريسان في داخله تفاصيل حيوات لا تحصى..
يكون مسرداً عريضاً، ووعاء حكايات، وحاضنة هواجس وأغنيات
وأحلام.. يصير قلب المدينة بمعنى يتجاوز كثيراً محددات
الاستعارة والمجاز.
وفي
حالتنا، لن تستطيع أن تقول بعقوبة من دون أن يحضر خريسان،
ولن تستطيع أن تقول خريسان من دون أن تتمرأى على صفحته
المراوغة بعقوبة، فبين بعقوبة وخريسان هيام غريب على الرغم
من أن المدينة في لحظة غفلة حنطت أضلاع النهر بالأسمنت،
وعلى الرغم من أن النهر في ساعات مزاجها المتقلب غدرت ببعض
من أبناء المدينة.
خريسان
بنحافته، وفي جريانه الرشيق صعب المراس كالصل.. إنه يغوي
وينتزع القرابين، ففي كل سنة تقريباً ثمة غرقى يؤدي النهر
عبرهم طقس وجودها. ومع هذا، لا أحد بمقدوره أن يحقد على
خريسان، أو حتى أن يخاصمه أو يلومه.
وخريسان هو
الشريان المائي الذي يغذي المدينة وبساتينها منذ قرون، وقد
شيدت عليه عبر تاريخه قناطر عديدة.. يقول طه الدليمي؛ إن
أقدم هذه القناطر هي قنطرة السوق التي كانت تربط جامع
السوق القديم بسوق بعقوبة من الجهة الشرقية وربما كانت هي
القنطرة نفسها التي أشار إليها ياقوت الحموي في كتابه
(معجم البلدان) وقال إنها في وسط المدينة، وقد تهدمت هذه
القنطرة في سنة 1936 وبنيت في موضعها قنطرة أخرى، ثم نقضت
في سنة 1969 بسبب تعديل مجرى النهر. والقنطرة الأخرى ـ
والكلام لايزال للدليمي ـ هي القنطرة التي كانت مقابل مصرف
الرافدين الحالي وسميت بقنطرة الوقف لاتصالها في ذلك الزمن
من جانب النهر الأيمن بدائرة أوقاف ديالى‘ وهذه قنطرة
قديمة أيضاً لا أحد يعرف تاريخ إنشائها وقد هدمت كما قنطرة
السوق القديم في سنة 1936، وهناك قنطرة قديمة ثالثة هي
قنطرة خليل باشا الوالي ويظهر أنها أنشئت على عهده، وقد
هدمت سنة 1964 وبنيت في موضعها قنطرة أخرى ثم نقضت كذلك
سنة 1969 لتغيير مجرى النهر كما أسلفنا، وما زالت القنطرة
المقامة في الموضع ذاته تسمى بقنطرة خليل باشا.
ويمضي طه
الدليمي في الحديث عن نهر خريسان، وهذه المرة عن تفرعاته
فيقول؛ كانت لخريسان تفرعات عديدة أهمها الفرع الذي كان
معروفاً بنهر (أم الرمان) حيث كان يسقي منطقة العنافصة
التي كانت يومها مساحات من البساتين والمزارع، وهي الآن
تمثل وسط المدينة وتكثر فيها الدور والشوارع والمحال
التجارية والمؤسسات العامة بعد أن اندرس النهر وأجتثت
البساتين.
ظل أهل
بعقوبة طوال قرون ملتمّين حول نهر خريسان، وكانت مقاهيهم
وسوقهم ومساجدهم وبيوتهم
وخاناتهم
وتكاياهم تقع حوله. ومع دخول العالم القرن العشرين ازدهرت
بعقوبة نسبياً فكثرت على جانبي النهر دوائر الدولة
والمدارس. وعلى ذكر المدارس التي وجدت أطلالتها على خريسان
يقول طه الدليمي؛
ـ في آخر
العهد العثماني وتحديداً في سنة 1891 أسست في بعقوبة رئاسة
المعارف وكان رئيسها أحمد عيدان البعقوبي وقد بقي فيها حتى
الاحتلال البريطاني للعراق سنة 1917 وكانت في المدينة
مدرسة رشدية كانت في موضع مصرف الرافدين الحالي، على الضفة
الشرقية لنهر خريسان، إذ افتتحت في العام 1891 وكان معلمها
يومذاك المرحوم محمد أمين وكان فيها 24 طالباً. وفي هذا
الموضع أيضاً كان هناك مكتب للصبيان، أي ( ملا )، وكان
المعلــم فيــه يسمى (لاله). وفي سنة 1911 شيد قائممقام
المدينة فائق بك مدرسة ابتدائية على الضفة الغربية للنهر
وهو مدرسة بعقوبة الابتدائية التي لا تزال قائمة في المكان
نفسه حتى يومنا هذا، وكانت تشتمل على ستة صفوف، وكان
معلمها الأول المرحوم الأستاذ فارس أفندي.
أنكر
الشاعر ياسين طه حافظ أن يصب أكتاف نهره الأثير خريسان
بالأسمنت بعد أن أمضى سنوات طفولته ويفاعته على جهتيه،
ونمت ثمة موهبته في الشعر.، فحين عاد بعد سنين من هجرته
النهر ليرى، وقد أخرسته الصدمة، كيف يمكن للمدنية اللا
مسؤولة أن تنفي الجمال وأن تعتقل المجرى والشجر والقناطر
والعصافير، فرثى النهر بقصيدة شهيرة.
ما الذي
تغير.. النهر أم الناس؟. أم هي تصاريف الزمان؟.
قبل سنوات
قليلة تسلمنا رسالة من صديق قاص هو صلاح صلاح غادرنا إلى
كندا بعد أن ضاقت به السبل في
البلاد
يخبرنا فيها أن أعظم أحلامه الآن أن يتمشى مع ثلة أصدقائه،
ساعة واحدة، على نهر خريسان.
تغيرت
أشياء وأشياء، لكن بقي الحب وإلاّ ما كنت لتجد حتى يومنا
هذا كثراً ممن لايزالون هائمين بالنهر، يمضون ساعاتهم
بقربه، ويحدقون فيه بحثاً عن لغزه الباهر.
في لحظة
مسحورة أنجب بويب السياب، ولم يبخل السياب في وفائه للنهر
من خلال إبداعه قصائد ستبقى تتصادى في أفق الإنسانية إلى
أبد الآبدين. وكذا الحال مع خريسان الذي تمادى في إنجاب
الشعراء والرسامين، وهؤلاء كانوا ـ بدرجات متفاوتة ـ
أوفياء لنهرهم. ولا أدري لم لا يبادر ـ أحد ما ـ ليجمع ما
كتبه الشعراء وما رسمه الرسامون بوحي وإلهام من النهر ـ
خريسان ـ في ديوان/ ألبوم يخلدهم ويخلد النهر
|