الاخيرة

الصفحة الرئيسة للاتصال بنا اعلانات واشتراكات عن المدى ارشيف المدى
 
 

رحيل الشاعر والمسرحي السوري ممدوح عدوان

دمشق - ابراهيم حاج عبدي

بعد صراع طويل مع المرض، رحل مساء (الأحد) الماضي الشاعر، والمسرحي، والمترجم، والناقد السوري ممدوح عدوان عن عمر يناهز الخامس والستين.

ويعد الراحل قامة فكرية وأدبية شامخة، حقق حضوراً مميزاً في الوسط الثقافي العربي منذ مطلع الستينيات، وكان خلال هذه السنوات يعمل في الصحافة، ويصدر الكتب، ويترجم، ويخوض معارك ثقافية جلبت له الكثير من الخصومات مثلما وفرت الكثير من الصداقات، وخلال هذا العمر المديد في الكتابة لم يخضع لأي سلطة المعرفة فكان بذلك مثالاً للأديب الملتزم آلف بين القول والممارسة، رافضاً الضغوط، والإغراءات التي تطوع القلم وتقيده في اتجاه المديح الفارغ، أو التملق الرخيص.

تنوعت اهتمامات الراخل فكتب الشعر، والنص المسرحي، والقصة القصيرة، والرواية، والنقد، كما كتب سيناريوات عدة اعمال تلفزيونية، مثل "الزير سالم" و"دائرة النار"، و"جريمة في الذاكرة" وغيرها، كما قام بترجمة عدة اعمال من الادب العامي منها "تقرير إلى غريكو"، و"التعذيب عبر العصور"، وملحمة "الإلياذة لهوميروس كما أنجز جزءاً من ترجمة "الأوديسة"، واجتهد في كتابة المقالة الأدبية بأسلوبه الساخر المتفرد.

أصدر الراحل عشرات الكتب في مجال الشعر، والمسرح، والرواية، والنقد منها: "دفاعاً عن الجنون"، الليل الذي يسكنني"، "الأبتر"، "المخاض"، "تلويحة الأيدي المتعبة"، "محاكمة الرجل الذي لم يحارب"، "يألفونك فانفر"، "لو كنت فالسطينياً"، "تهويد المعرفة"، "اعدائي"، "حيوية الإنسان"، "حياة متناثرة" وهي آخر مجموعة شعرية صدرت له، وقد تجاوز مجموع ما كتب الثمانين عملاً منها 17 مجموعة شعرية، و26 عملاً مسرحياً، و16 مسلسلاً، وروايتان.. فضلاً عن الدراسات والمقالات النقدية.

حاز على الكثير من الجوائز في مهرجانات ومناسبات عديدة، وقد كرم مؤخراً في مهرجان دمشق للفنون المسرحية الثاني عشر الذي اقيم في الثلث الاخير من الشهر الماضي، كما كرمته مدينته مصياف قبل اسبوع من رحيله.

ولد الراحل في منطقة المصياف بمحافظة حماة عام 1939، ونال الاجازة في الادب الإنكليزي من جامعة دمشق، وكان الراحل عضواً في اتحاد كتاب العرب، واتحاد الصحفيين العرب والسوريين، وعضو في جمعية الشعر باتحاد كتاب العرب.

وهكذا طوى ممدوح عدوان الصفحة الاخيرة من حياته، لتبقى الصفحة الوحيدة صفحة نعيه، ونهض عن مائدة العمر بعد مقاومة شرسة مع المرض الذي لم يهزمه فكان خلال هذه المحنة يقاوم ويقبل على الحياة محكوماً بالأمل، ترك الاصدقاء ومدينته الآسرة دمشق، وقريته النائية "دير ماما"، ترك ضحكته الصاخبة في كل ركن وزاوية، في كل مقهى وحانة، ترك معاركه الثقافية الشرسة، فالثابت الوحيد في حياة هذا الرجل كان "محاربة الخطأ" مارس الحياة بجنونها، وبؤسها، وفرحها، وحنانها، وقسوتها... وها هو يودع الحياة بـ "تلويحة الايدي المتعبة"، وهو يردد في خفوت:

"إننا ننهض عن مائدة العمر ولم نشبع

تركنا فوقها منسف أحلام...

نحن أكملنا مدار العمر فرسانا

وقد متنا شبابا"


نهر خريسان؛ ذاكرة بعقوبة

سعد محمد رحيم

على الرغم من أنك لن تدخل النهر مرتين غير أن النهر وحده يحمل بين ضفتيه التاريخ السري للناس عشاقاً ومهمومين وشعراء وسكارى وأفاقين. كما لو أنه ينسج من مناجاتهم الصامتة أسطورة المدينة، أو كما لو أنه يحيل خيبة أحلامهم إلى موسيقى لا تليق إلاّ بالفراديس.. وخريسان هو النهر العتيق.. النهر الشاهد.. النهر الذي يحكي من دون أن يكل.. النهر السادر في الثرثرة، والطاعن في الحزن، والراحل في الخلود.

خريسان في المدونات العربية القديمة هو نهر جلولاء، ويوم كانت منطقة ديالى في العهد العثماني تسمى (طريق خراسان) وبعد التخفيف (قضاء خراسان) سمي النهر بـ (خريسان ) حيث الأصل فيه (خراسان) وما زال أهالي بعقوبــــة يسمونــــه هكذا على الإمالة وقلب ألف (خراسان) ياءً على وفق ما يقول الباحث طه الدليمي، ويضيف؛ وخريسان في العهد السابق سمي رسمياً بـ (نهر سارية) نسبة إلى القائد الإسلامي المشهور سارية بن زنيم بن عبد الله بن كنانة الدؤلي بعدما أمره الخليفة عمر بن الخطاب على جيش وسيره إلى فارس سنة 23 هـ وله قال: يا سارية الجبل. ولو سمي النهر باسمه القديم جلولاء لكان ذلك أكثر صواباً من الناحية التاريخية، لعدم وجود العلاقة التاريخية بين هذا النهر والقائد الإسلامي الجليل.

وكأي نهر يحيي مدينة يحمل خريسان في داخله تفاصيل حيوات لا تحصى.. يكون مسرداً عريضاً، ووعاء حكايات، وحاضنة هواجس وأغنيات وأحلام.. يصير قلب المدينة بمعنى يتجاوز كثيراً محددات الاستعارة والمجاز.

وفي حالتنا، لن تستطيع أن تقول بعقوبة من دون أن يحضر خريسان، ولن تستطيع أن تقول خريسان من دون أن تتمرأى على صفحته المراوغة بعقوبة، فبين بعقوبة وخريسان هيام غريب على الرغم من أن المدينة في لحظة غفلة حنطت أضلاع النهر بالأسمنت، وعلى الرغم من أن النهر في ساعات مزاجها المتقلب غدرت ببعض من أبناء المدينة.

خريسان بنحافته، وفي جريانه الرشيق صعب المراس كالصل.. إنه يغوي وينتزع القرابين، ففي كل سنة تقريباً ثمة غرقى يؤدي النهر عبرهم طقس وجودها. ومع هذا، لا أحد بمقدوره أن يحقد على خريسان، أو حتى أن يخاصمه أو يلومه.

وخريسان هو الشريان المائي الذي يغذي المدينة وبساتينها منذ قرون، وقد شيدت عليه عبر تاريخه قناطر عديدة.. يقول طه الدليمي؛ إن أقدم هذه القناطر هي قنطرة السوق التي كانت تربط جامع السوق القديم بسوق بعقوبة من الجهة الشرقية وربما كانت هي القنطرة نفسها التي أشار إليها ياقوت الحموي في كتابه (معجم البلدان) وقال إنها في وسط المدينة، وقد تهدمت هذه القنطرة في سنة 1936 وبنيت في موضعها قنطرة أخرى، ثم نقضت في سنة 1969 بسبب تعديل مجرى النهر. والقنطرة الأخرى ـ والكلام لايزال للدليمي ـ هي القنطرة التي كانت مقابل مصرف الرافدين الحالي وسميت بقنطرة الوقف لاتصالها في ذلك الزمن من جانب النهر الأيمن بدائرة أوقاف ديالى‘ وهذه قنطرة قديمة أيضاً لا أحد يعرف تاريخ إنشائها وقد هدمت كما قنطرة السوق القديم في سنة 1936، وهناك قنطرة قديمة ثالثة هي قنطرة خليل باشا الوالي ويظهر أنها أنشئت على عهده، وقد هدمت سنة 1964 وبنيت في موضعها قنطرة أخرى ثم نقضت كذلك سنة 1969 لتغيير مجرى النهر كما أسلفنا، وما زالت القنطرة المقامة في الموضع ذاته تسمى بقنطرة خليل باشا.

ويمضي طه الدليمي في الحديث عن نهر خريسان، وهذه المرة عن تفرعاته فيقول؛ كانت لخريسان تفرعات عديدة أهمها الفرع الذي كان معروفاً بنهر (أم الرمان) حيث كان يسقي منطقة العنافصة التي كانت يومها مساحات من البساتين والمزارع، وهي الآن تمثل وسط المدينة وتكثر فيها الدور والشوارع والمحال التجارية والمؤسسات العامة بعد أن اندرس النهر وأجتثت البساتين.

ظل أهل بعقوبة طوال قرون ملتمّين حول نهر خريسان، وكانت مقاهيهم وسوقهم ومساجدهم وبيوتهم

وخاناتهم وتكاياهم تقع حوله. ومع دخول العالم القرن العشرين ازدهرت بعقوبة نسبياً فكثرت على جانبي النهر دوائر الدولة والمدارس. وعلى ذكر المدارس التي وجدت أطلالتها على خريسان يقول طه الدليمي؛

  ـ في آخر العهد العثماني وتحديداً في سنة 1891 أسست في بعقوبة رئاسة المعارف وكان رئيسها أحمد عيدان البعقوبي وقد بقي فيها حتى الاحتلال البريطاني للعراق سنة 1917 وكانت في المدينة مدرسة رشدية كانت في موضع مصرف الرافدين الحالي، على الضفة الشرقية لنهر خريسان، إذ افتتحت في العام 1891 وكان معلمها يومذاك المرحوم محمد أمين وكان فيها 24 طالباً. وفي هذا الموضع أيضاً كان هناك مكتب للصبيان، أي ( ملا )، وكان المعلــم فيــه يسمى (لاله). وفي سنة 1911 شيد قائممقام المدينة فائق بك مدرسة ابتدائية على الضفة الغربية للنهر وهو مدرسة بعقوبة الابتدائية التي لا تزال قائمة في المكان نفسه حتى يومنا هذا، وكانت تشتمل على ستة صفوف، وكان معلمها الأول المرحوم الأستاذ فارس أفندي.

أنكر الشاعر ياسين طه حافظ أن يصب أكتاف نهره الأثير خريسان بالأسمنت بعد أن أمضى سنوات طفولته ويفاعته على جهتيه، ونمت ثمة موهبته في الشعر.، فحين عاد بعد سنين من هجرته النهر ليرى، وقد أخرسته الصدمة، كيف يمكن للمدنية اللا مسؤولة أن تنفي الجمال وأن تعتقل المجرى والشجر والقناطر والعصافير، فرثى النهر بقصيدة شهيرة.

ما الذي تغير.. النهر أم الناس؟. أم هي تصاريف الزمان؟.

قبل سنوات قليلة تسلمنا رسالة من صديق قاص هو صلاح صلاح غادرنا إلى كندا بعد أن ضاقت به السبل في

البلاد يخبرنا فيها أن أعظم أحلامه الآن أن يتمشى مع ثلة أصدقائه، ساعة واحدة، على نهر خريسان.

تغيرت أشياء وأشياء، لكن بقي الحب وإلاّ ما كنت لتجد حتى يومنا هذا كثراً ممن لايزالون هائمين بالنهر، يمضون ساعاتهم بقربه، ويحدقون فيه بحثاً عن لغزه الباهر.

في لحظة مسحورة أنجب بويب السياب، ولم يبخل السياب في وفائه للنهر من خلال إبداعه قصائد ستبقى تتصادى في أفق الإنسانية إلى أبد الآبدين. وكذا الحال مع خريسان الذي تمادى في إنجاب الشعراء والرسامين، وهؤلاء كانوا ـ بدرجات متفاوتة ـ أوفياء لنهرهم. ولا أدري لم لا يبادر ـ أحد ما ـ ليجمع ما كتبه الشعراء وما رسمه الرسامون بوحي وإلهام من النهر ـ خريسان ـ في ديوان/ ألبوم يخلدهم ويخلد النهر


رسامون من بلادي: بورهان هزار

توزيع كتل الزيت في لوحة بورهان هزار (مواليد 1964)هذه تم على درجتين، وفي مرحلتين. الاولى في تداخلات لونية غائمة لتشكل خلفية لا معالم فيها لأفق غامض. الدرجة الثانية تلقي بها الفرشاة بحرارة وحيوية وعنف. حتى لتتشكل كتل الزيت البيضاء، الزرقاء، الحمراء، البرتقالية، مع بعض رشقات سوداء، لتصبح محض حركة بارعة تنطلق الى أعلى. هذه الحركة لك أن تطلق عليها تسمية نسر ، كما أطلق عليها الفنان. ولكن وحدة الحركة هنا و النسر تبدو مثيرة. لانها وحدة المجرد والملموس ، داخل الاطار. الفنان عادة ما يطمع بذلك. أن يحقق تعبيرا تشخيصيا للمجرد، او تعبيرا مجرداً لما هو تشخيصي. نحن عادة، وخاصة في اطار الفن، نحلم بتجاوز مهمة محاكاة الطبيعة. محاكاة النسر الطائر هنا. ولذا برع الفنان في تجريد النسر، وإحالته الى ضربات ألوان من فرشاة خاطفة. الزرقة الصافية في الاسفل تدل على منطلق بعيد قطعه الطائر متجها الى الاعالي، التي لا يحدها إطار.

 

 

للاتصال بنا  -  عن المدى   -   الصفحة الرئيسة