الانسان والمجتمع

الصفحة الرئيسة للاتصال بنا اعلانات واشتراكات عن المدى ارشيف المدى
 
 

في استطلاع رصد آراء المواطنين في ((طوابير)) محطات البنزين : نشعر بالذل وبالتهديد.. ونعتقد بان أزمة الوقود مفتعلة والدولة هي المسؤولة الأولى عنها

 

  • سيكولوجية (الطابور) صارت ركناً أساسياً في الشخصية العراقية
  • (96)% يعتقدون بان أزمات الوقود ستظل مستمرة
  • (15–21)ساعة معدل الانتظار في ((طوابير)) الوقود
  • (64)% يؤكدون أن الشرطة والحرس الوطني يتاجرون بالبنزين في السوق السوداء

 أجيال من العراقيين أضاعت زهور شبابها وكهولتها في (ال(طوابير)): ((طوابير)) الى جبهات الحروب،و(طوابير) للبحث عن أسماء الشهداء والمفقودين والمعدومين،و(طوابير)عند أسوار السجون الأمريكية وسط بلادهم،و(طوابير) للحصول على جواز سفر أو حصة تموينية،و(طوابير) لتسلم دراهم الراتب التقاعدي،وآخرها (طوابير) للفوز بقنينة غاز أو بضعة ألتار من النفط أو البنزين لإدامة ميكانيكية حياتهم الباردة لبضع ساعات اضافية.ونود هنا أن نطرح سؤالاً نفسياً متخصصاً: (ما طبيعة البناء النفسي لإنسان قضى معظم حياته يتنقل بين هذه ال(طوابير)،ومازالت بانتظاره (طوابير) أخرى مجهولة الهوية؟). الجواب يتطلب تحليلاً متأنياً لـ(سيكولوجية الطابور)، كونها أمست ركناً أساسياً ويومياً من سلوك الشخصية العراقية المعاصرة. فـ(الطابور) اقترن شرطياً في الذاكرة العراقية الجمعية بالأزمات المفتعلة،وبفساد ذمم الحكام،وبالخوف من القادم،وبالعجز والتسليم بقدرية المآسي،وبالتهميش المبرمج لدور الفرد وفاعليته الاجتماعية،وبالازدراء الكامل للكرامة البشرية،من خلال خطف الانسان من نسقه الطبيعي وسط الحياة اليومية وزجه في (طوابير) تلغي آدميته وتدمغه بختم القطيع.وبتحليل مقارب،يتضح أن (الطابور) قد استوطن تدريجياً في العقل الباطن للشخصية العراقية،حتى أمسى (عقدة) تحرك سلوك الفرد لاشعورياً نحو التعامل بإسلوب (أزماتي) حتى مع الظروف الطبيعية التي تقع خارج إطار الأزمات،فصرنا نرصد انتشاراً واسعاً لنمط (الشخصية الكانزة) التي تحيط نفسها بكل ما تحتاج اليه أو لا تحتاج اليه،إذ يحركها قلق المستقبل والخوف المكبوت من (طوابير) جديدة قد تختفي وراء الأفق.لكن (عقدة الطابور) هذه ليست عصية (من الناحية النظرية في الأقل) على التفتيت،فالاقترانات الشرطية المضادة لها(إن وجدت)ستكون كفيلة بتعديل أنساق سلوك العراقيين تدريجياً ليتخذ وجهة عقلانية التعامل حتى داخل (طوابير) الأزمات المستجدة،ومنها أزمة الوقود الحالية التي تجاوزت في مدتها وتأثيراتها وقسوتها كل الأزمات السابقة خلال الشهور العشرين المنصرمة من عمر (العراق الجديد).وللحصول على أرضية معلوماتية ميدانية،تفيدنا في تلمس درجة الوعي الفكري والانفعالي التي صار يتعامل بها الفرد العراقي مع هذا النوع من الأزمات،قمنا بمرافقة ميدانية ل(طوابير) السيارات في عدة محطات بنزين في مناطق مختلفة من مدينة بغداد،وعلى مدى أيام عدة،وفي أوقات مختلفة من الليل والنهار،حيث استطلعنا آراء عينة من أصحاب السيارات،تضم شرائح متنوعة في مهنها وأعمارها ومستوياتها التعليمية والمعيشية.وقد تضمن الاستطلاع توجيه مجموعة من الأسئلة المقننة،فجاءت النتائج على النحو الآتي:

* من هو برأيك المسؤول الأول عن أزمة الوقود الحالية؟

أتفق (70)% من أفراد العينة على أن (الشرطة والحرس الوطني) هما المسؤولان عن هذه الأزمة،مقابل (20)% ألقوا بالمسؤولية على (مسؤولي وزارة النفط)،و(10)% على (الأمريكان)،فيما أنكر أفراد العينة أية مسؤولية تقع على (المهربين وقطاع الطرق وأعمال التخريب).وتدل هذه النتيجة على فقدان شبه تام لثقة الفرد العراقي بمؤسسات دولته،واتجاهاً سلبياً (بصرف النظر عن مدى موضوعيته من) نحو الأجهزة المسؤولة عن حفظ الأمن.

* هل تعتقد بان الأزمة الحالية حقيقية أم مفتعلة؟

أجاب (92)% من عينة الاستطلاع بأنها أزمة (مفتعلة)،مقابل (8)% بأنها (حقيقية)،مما يشيرالى وجود اعتقاد غالب لدى أصحاب السيارات بأن أساس هذه الأزمة هو الفساد الاداري وليس أسباباً موضوعية حقيقية.

* ما أطول مدة مكثتها في (طابور) الانتظار؟

أوضح (76)% من أفراد العينة أنهم قد أمضوا مدة (18–21) ساعة في الانتظار،لكن أغلبيتهم على الرغم من هذا الانتظار الطويل لم يحصلوا على البنزين،مقابل (24)% أمضوا (15–18) ساعة في الانتظار.وتشير ساعات الانتظار الشاقة هذه الى مبلغ العناء والتعب والقلق النفسي الذي يعانيه العراقيون من جراء هذه الأزمة

* كيف تقــّيم سلوك الشرطة والحرس الوطني في أثناء مراقبتهم محطات الوقود؟

حدد (64)% من أفراد العينة بأن الشرطة والحرس الوطني (يسهمان في السوق السوداء)،مقابل (30)% أجابوا بأنهما (يسهمان في زيادة الفوضى)..وهذا يدعم النتيجة الأولى التي توصل اليها هذا الاستطلاع بشأن تحديد المسؤولية عن هذه الأزمة.

* ما هي توقعاتك بشأن الأزمة الحالية؟

أشار (82)% من العينة الى ان الأزمة الحالية (ستستمر مدة طويلة)،فيما أجاب (18)% بأنها (ستنتهي سريعاً).وهذا يكشف بوضوح مرة أخرى عن نزعة يأس حادة جوهرها تصدع الصلة النفسية الايجابية بين الفرد والدولة.

* ما توقعاتك بشأن توافر الوقود مستقبلاً؟

عبر(96)% من عينة الاستطلاع عن توقعهم بأن (أزمات حادة ستظهر باستمرار في المستقبل)،مقابل (4)% أجابوا بان (الوضع سيتحسن تدريجياً).وتعكس هذه التوقعات توكيداً قوياً لتشاؤم العراقيين بشأن أوضاعهم القادمة.

* بماذا تشعر وأنت تقضي هذا الوقت في انتظار الحصول على البنزين؟

أفاد (68)% من العينة بأنهم (يشعرون بالذل)،مقابل (32)% (يشعرون بالتهديد).تكشف هذه النتيجة عن مقدار الاحباط الحاد الذي بات يتراكم لدى الفرد العراقي،الى جانب احباطاته السابقة،فضلاً عن أن اقراره الصريح بأنه (ذليل) و(مهدَّد)في وطنه،إنما يؤشر شروخاً نفسية عميقة في شخصيته،قد تفسر لنا ما ستجيء به الأيام القادمات من عنف وتمزق اجتماعيين.

إن المحصلة الإجمالية لهذه النتائج ودلالاتها تشير الى حقيقتين:

1- إن العراقيين في (طوابير) البنزين باتوا على وعي واضح بالحالة المزرية التي وصلت اليها حياتهم الشخصية وقيمتهم الانسانية.

2- إن ثقتهم بمؤسسات دولتهم الجديدة هي في مستوى متدن بشكل ملحوظ.

وذلك يعني في منطق العلوم الاجتماعية،أن الكرة الآن باتت في ملعب الدولة بوصفها الإطار الاجتماعي المنظم لحياة المواطن،وأن الخطوة القادمة ينبغي أن تكون استعادة ولو جزء قليل من ثقته المفقودة بهذا الإطار،وإلا فإن الحصاد القادم لن يكون أقل من سنوات حالكة أخر تضاف الى الليل العراقي الطويل.


الخيال والأطفال

 

 

أ.د. قاسم حسين صالح

رئيس الجمعية النفسية العراقية

 

 

عندما نتحدث عن الخيال، فهذا يعني إننا نتحدث عن عملية عقلية عليا، تتداخل مع عمليات عقلية عليا اُخر، وعلينا أن نفرزها عنها.وفي محاولةٍ لفرزها فإنه يمكن تمثيل التفكير على متصلContinuum يكون في طرفه الأول التفكير الواقعي  Realistic Thinkingوفي طرفه الثاني التفكير الخيالي Imaginative Thinking.

نقصد بالتفكير الواقعي، التعامل مع الظواهر موجودات عيانية أوحسية تخضع الى المعايير المنطقية والعلمية ومرتبط بإستجابات الفرد للمواقف الخارجية، يسيطر عليه العقل والحقائق.أما التفكير الخيالي فهو نشاط عقلي تتحرر فيه الخبرات الذاتية لتأخذ شكل إفتراضات أو صور عقلية أو مقارنات، لا تخضع في الغالب للعقل أو للمنطق، ولاتكون فيه الظواهرموجودة أمامنا، بل تأخذ شكل صور بصرية.ومع أن دراسة الخيالImagination لايزال الغموض، فأن علماء النفس حددوا ثلاثة انواع منها هي:

1-الخيال العمليPractical Imagination:وهذا يتبدى في صنفين:الاول:المنتجات الصناعية مثل الازياء، والأثاث، والسيارات.والثاني:النتاجات الفنية،كالموسيقا، والمنحوتات، واللوحات.وفي كلا هذين الصنفين تكون النتاجات قابلة للملاحظة أو التحسس بها، ويتطلب إنجازها توفر القدرة والمهارة والذكاء.

2- الخيال اللغويLinguistic Imagination : وسيلة الخيال هنا اللغة أو الكلمة.ويتبدى هذا النوع من الخيال لدى الشعراء، والروائيين، والكتاب، والخطباء لإستثارة الجمهور.والمهارة هنا تكون في السيطرة على اللغة.

3- الخيال التمثيليRepresentational Imagination :يعتمد هذا النوع على الصور البصرية للأشياء التي لا تكون موجودة أمامنا، ولكن نراها بعين العقل، ويأخذ شكلين:الأول تخيل صور لخبرات كنا مررنا بها(المدرسة الابتدائية التي درسنا فيها مثلاً)، والثاني تصور أشياء لم نتعرض لإدراكها مطلقاً(الجبال الثلجية في القطب مثلاً).وهذا النوع من الخيال ليس مهماً كالنوعين الأول والثاني.

والخيال بالمعاني التي ذكرناها شرط لازم من شروط التفكير الإبداعي سواء في الفن ام في العلم.

لقد أفرزنا الآن التخيل أو الخيال عن التفكير الواقعي، وعلينا ان نفرزه عن مرادف آخر له هو الفنتازياFantasy،التي تعني في مصطلحات علم النفس (التفكير التوحدي)Autistic Thinking ويعني:الاسترسال في التخيل تهرباً من الواقع.ويأخذ عدة أشكال منها :الفنتازياFantasy والإستغراق في التفكير الحالمReverie ، والتفكير المرغوب فيهWishful Thinking وأحلام اليقظةDay-dreaming .والفرق بين التخيل والتفكير التوحدي هو أن التداعيات في التفكير التوحّدي تكون محددة بالكامل من تنبيهات داخلية من قبيل الحاجات والرغبات والصراعات،فيما يكون التخيل هو أيضاً تداعيات، ولكنها مستثارة من تنبيهات خارجية، تأخذ شكل مشكلة او مهمة محددة، ويكون فيها عامل السيطرة موجوداً.

          إن كلا النوعين من الخيال،  ولنقل عنهما (الخيال الفعّال) و(التفكير التوحدي) أو الفنتازيا، موجودان لدى الأطفال، ويتباينان بتباين مراحلهم العمرية.غير أن خيال الاطفال، بخاصة في مرحلة الطفولة الاولى يتصف بخاصية متفردة،هي أن الأطفال ميالون الى عزو سمات بشرية الى الحيوانات والى الطبيعة التي لا حياة فيها،وغالباً ما يخلقون كائنات وقوى متخيلة، بعضها محب للخير وطيب وبعضها الآخر عدائي وشرير .

وتقع علينا مهمتان:الاولى،تنمية الخيال الفعال لكونه شرطاً من شروط التفكير الابداعي، في الفن بمجالاته كافة،أي الموسيقا، والشعر، والرسم، والرواية، والتمثيل،وفي العلوم التطبيقية كافة بخاصة الهندسة والفيزياء والكيمياء.أما المهمة الثانية فهي تجنيب الاطفال التفكير التوحدي لكونه يؤدي الى مخاوف وهمية مرضية.

وهناك ثلاث مؤسسات أو مصادر أساسية تقع عليها هاتان المهمتان،هي:الأسرة، والمدرسة، ووسائل الاعلام.ففيما يخص الاسرة، فإننا نخشى منها أن تكون مصدراً للمخاوف الخيالية الوهمية لدى الاطفال.فكثيراً ما يقول الوالدان أشياء مخيفة في وجود الطفل كما لو كان غير موجود أو كان اصم، أو يتحدثان أمامه عن صعوبات الحياة بشكل مضخم، وبتشاؤم من المستقبل، ويشكوان قساوة الأيام، ويصوران الاطفال كما لو كانوا بلوى وقعت فوق رؤوسيهما. ومثل هذه الامور تجعل الطفل يلجأ الى التفكير التوحدي هرباً من الواقع.وعليه فإن ميل الطفل الى الاستغراق في الفنتازيا يعد مؤشراً عن أزمة او اضطراب نفسي،وعلينا أن ننبه الأسرة الى أن هذا العرض (الإستغراق في الفنتازيا)هو جرس إنذار مبكر يعلن عن بداية الوقوع في الشيزوفرينيا.

امّا المدرسة ووسائل الاعلام فعليهما تقع مسؤولية تنمية الخيال الابداعي لدى التلاميذ.وأهم شرطين فيما يخص المدرسة،أن تكون غنية بتنبيهاتها، وأن يكون معلم مادة التربية الفنية فيها يمتلك الخبرة الأكاديمية في تنمية الخيال الفعّال والابتكاري.وهناك ما يشير الى ان قسم التربية الفنية بكلية الفنون الجميلة سائر في هذا الاتجاه، الذي ندعو الى تعزيزه وتوسيعه، وأن تكون كليات التربية الفنية في بلادنا قنوات لتخريج ملاكات تمتلك الخيال ولديها القدرة على تنميته في التلاميذ الذين يدرسّونهم.وهذه دعوة الى إدخال برامج للتدريب على الخيال الابداعي أو الابتكاري بطرائقه المعروفة (عصف الدماغ مثلاً) ضمن مواد مناسبة في أقسام التربية الفنية بكليات الفنون الجميلة،وتثبيت مادة اسبوعية أو نصف شهرية من حصص مادة الرسم في المدارس الابتدائية والمتوسطة والاعدادية،تخصص للتدريب على الخيال وحل المشكلات،وذلك بالتقاط مشكلة تخص المدرسة أو المنطقة أو القرية أو المدينة،واقتراح أكبر عدد من الحلول لها،وكذلك طرح موضوعات أكبر واستثارة خيال الأطفال في ايجاد حلول لها.

أخيراً،ننبه الى أن الخيال عند أطفالنا في الوقت الحاضر هو على الأرجح،إما أن يكون معطلاً أو مشلولاً،واما أن يميل الى أن يكون من نوع التفكير التوحدي الذي يأخذ في الغالب شكل المخاوف الخيالية الوهمية والصدمات النفسية المستقرة في ذاكرة الأطفال عن الحروب السابقة،وما يشهدونه الآن يومياً من خطف لهم وانفجارات وحالات رعب،تزيدها القنوات الفضائية تضخيماً بالصوت والصورة.وعليه فأن مهمتنا الأساسية الآن،وأعني بذلك المدرسة ووسائل الاعلام،هي الضغط على زر الخيال الفعال لدى الأطفال،لدوره الكبير في صنع حضارة المستقبل.فمعظم انجازاتنا المتحققة التي تسحرنا بالدهشة،مثل الوصول الى القمر،كانت قد بدأت أصلاً من خيال.


في علم نفس اللغة: اللغة البشرية   بين فطرية (جومسكي) وبنيوية (بياجيه)

 

 

فارس كمال نظمي

جامعة بغداد

 

 

تنوعت الإتجاهات الفكرية التي حاولت البت بشأن الأصل الذي نشأت منه اللغة البشرية:أهي فطرة غريزية في وجود الأنسان،أم إنها نتاج مكتسب جراء تطور المادة الحية عبر ملايين السنين؟ وقد تنوعت هذه الإتجاهات تبعاً لمناهجها الدينية والأنثربولوجية والفزيولوجية والنفسية، إلا أن هناك إتجاهاً يرى عدم امكانية التوصل الى نتائج نهائية عن نشأة اللغة، مؤكداً أن البحث في هذا الأمر لا فائدة منه.ولذلك تجنب الكثير من علماء اللغات والأجناس إثارة مشكلة أصل اللغة البشرية، مكتفين ببحث عناصرها الصوتية والنحوية والدلالية، ومقارنة مساراتها التطورية بين الثقافات والجماعات السكانية.

وعلى الرغم من هذا الغموض،لم تتوقف الأجتهادات العلمية عن محاولة تتبع جذور اللغة بوصفها سلوكاً عقلياً، يذهب البعض الى عدّها ((مرآة للفكر)).فقد قدّر بعض علماء الآثار والأنثروبولوجي إن اللغة البشرية نشأت في عصر القردة الشبيهة بالإنسانHomo nids ، أي قبل حوالي مليون سنة.ثم مرّت حوالي مليون سنة بين نشوء هذهِ الفصيلة وظهور الفصيلة التي تلتها أي ((الإنسان العاقل))Homo sapiens،الذي نزل من الأشجار التي كان يقطن فيها ويقتات من ثمارها.ولا يدري هؤلاء العلماء إذا كان إستخدام الصوت البشري بوصفه أداة قد جاء فجأة، أم أنه جاء نتيجة ً لتطور تدريجي طويل المدى.أمّا عن الضرورات الحياتية التي سببت نشوء اللغة،  فترى نظرية ((التاتا)) التي دافع عنها (داروين)Darwin(1809-1882)م أن اللغة نشأت نتيجة قيام الإنسان بإحداث بعض التعبيرات الصوتية التي كانت تصاحب إشاراته وحركاته المعبرة عن حاجاته، إذ كان يُحرِّك إثناء ذلك لسانه وفكّيه لاشعورياً، ثم تطورت هذه التعبيرات،فكفت يداه عن الحركة،وحلّ اللسان والشفتان مكان اليدين في وظيفتهما التعبيرية.ولنظرية ((محاكاة أصوات الطبيعة)) تفسير آخر،إذ ترى أن اللغة نشأت في أول أمرها في صورة محاولات قام بها الإنسان لتقليد أصوات عناصر الطبيعة،مثال ذلك (فحيح الأفعى)و(خرير الجدول)، و(زئير الأسد).أمّا نظرية ((الغناء)) فتفترض أن الغناء الفطري ذا الإيقاعات البدائية هو الأصل في الكلمات التي صارت لغة في نهاية الأمر، مثال ذلك الأصوات المنغمة التي يطلقها الإنسان أثناء المواسم العاطفية للجنس.

وبعيداً عن هذه التصورات الأنثروبولوجية، برهنت المعطيات الفزيولوجية للدماغ البشري أن نشوء اللغة قد ارتبط طبيعياً بتطور المخ والقشرة الدماغية ضمن عمليات التكيف والإنتخاب الطبيعي عبر ملايين السنين.فالأدلة التشريحية المتوافرة في هذا الشأن تؤكد أن دماغ الإنسان القديم كان يفتقر الى المخ والقشرة الدماغية اللذين يعدان المسؤولين في دماغ الإنسان الحالي عن إكتساب اللغة وإدراكها ونطقها، إذ أن مناطق اللغة تقع في النصف الأيسر من المخ وتحديداً في الفص الأمامي في منطقة (بروكا)  Broca وكذلك في منطقة (فرونكا)Wernick .كما تتوفر في الدماغ الحالي (مناطق الإرتباط) المسؤولة عن تحويل الأحاسيس البصرية والسمعية الى معاني لغوية وبالعكس.وإن غياب هذه المناطق المسؤولة عن اللغة في دماغ الإنسان القديم، إنما يدل بوضوح على أن المراكز الفزيولوجية للغة لم تظهر دفعة واحدة، بل نشأت وتطورت عبر تأريخ وجود الأنسان على الأرض.

وفي علم نفس اللغة، الذي هو مثال حي على التفاعل الوثيق بين إختصاصين هما (علم اللغة) و(علم النفس المعرفي)، تناول العلماء مسألة نشأة اللغة البشرية من المنظور النفسي، الى جانب عدد آخر من موضوعات مهمة منها العلاقة بين اللغة والتفكير، وإدراك الكلام،وفهم اللغة،وكيفية إكتساب الأطفال اللغة،وطبيعة العمليات العقلية التي يتمكن بها الناس من قول ما يريدون قوله، وعلاقة اللغة بالشخصية،والأسس النفسية للقراءة، ودراسة عيوب النطق.ويقف في مقدمة هؤلاء العلماء (نعوم تشومسكي) N.Chomsky ،و(جان بياجيه)J.Piaget  (1896-1980)م، اللذان تمثل نظرية كل منهما أحد الأعمدة الأساسية في علم النفس الحديث.فنظرية تشومسكي (ذات المنحى الديكارتي) في النحو التحويلي وإكتساب اللغة، تنبع أهميتها من فرضيتها الأساسية القائلة إن كل اللغات البشرية تنبع من أصل واحد، أي من لغة واحدة تعكسها بنية فطرية محددة في العقل.وهذه البنية إذا ما تعرضت الى البيئة تصبح قادرة على ترجمة نفسها بواسطة قواعد تحويلية الى إنساق لغوية نحوية متباينة حسب تباين المجتمعات والحضارات.ويعني هذا إن الجهاز العصبي البشري يحوي تركيباً عقلياً يتضمن مفهوماً غريزياً عن لغة البشر، سمّاه تشومسكي بـ(جهاز إكتساب اللغة) Language Acquisition Device، بوصفه صندوقاً إفتراضياً يقع في مكان ٍ ما من الجهاز العصبي المركزي، يسمح للطفل بأن يستنبط قواعد اللغة وقوانينها من المدخلات اللغوية التي تصل اليه عن طريق الأذن.ومما يدعم وجهة النظر هذه تشابه تسلسل مراحل إكتساب اللغة عند الأطفال في مختلف الحضارات،وكذلك ظهور القدرات اللغوية المرتبطة باللغة عند الأطفال الرضع الخرس.

وفي مقابل هذا المنظور تقف نظرية بياجيه (ذات المنحى الكانطي والمنهج البنيوي التكويني)،التي ترى ان إكتساب المفاهيم العقلية يسبق إكتساب الرموز اللغوية الدالة عليها، إذ يؤكد بياجيه أن الفكر الرمزي لا ينشأ من الإشارات اللغوية في البيئة الإجتماعية، بل تنشأ الرموز الأولى بوصفها رموزاً ذاتية غير لغوية.إلا أن اللغة هي اداة الرمز، ولا يمكن للفكر أن يصبح إجتماعياً وبالتالي منطقياً من دونها. وبذلك يعارض بياجيه فكرة تشومسكي عن وجود تنظيمات موروثة في الجهاز العصبي تساعد على تعلم اللغة، فالقدرة اللغوية لديه لا تُكتسب إلا بناءاً على تنظيمات داخلية أوليّة يعاد تنظيمها بناء على تفاعل الطفل مع بيئته الخارجية حسب مراحل عقلية إرتقائية متسلسلة في حياته،وتحت تأثير تراكم البنى البيولوجية والفزيولوجية والعقلية، من دون الحاجة الى إفتراض وجود جهاز فطري مكتمل ومختص بانتاج اللغة في مكان ٍما من الجهاز العصبي المركزي للإنسان.وقد دعم العديد من الدراسات وجهة نظر بياجيه هذه،إذ توصلت الى وجود (مراحل عمرية حرجة) ينبغي أن يحدث فيها تعلم اللغة لدى الطفل وإلاّ فقد إستعداده لهذا التعلم إذا ما تجاوز هذه المرحلة العمرية، مما يشير الى عدم فطرية الاصل الذي تنشأ منه اللغة البشرية.

إن التباين الذي إتضح الآن في هذه الآراء السابقة الذكر بشأن مسألة ما إذا كانت اللغة بدءأ هي سلوك فطري أم مكتسب في العقل البشري، لا يتعارض مع حقيقة أن اللغة في وظيفتها الإجتماعية هي إنعكاس حي للوجود العاقل المتطور للإنسان، وبالتالي فإنها بنية حيوية غير ساكنة قابلة للتطور على كل المستويات،سواء المستوى الفزيولوجي العصبي الذي ينتجها مادياً،أم المستوى الدلالي الذي تقوم هي بنتاجه فكرياً.وبمعنى أكثر تحديداً،إن الإختلاف بشأن الأصل الذي نشأت منه اللغة البشرية، لا يلغي الإتفاق بشأن أن الأنسان في كل مراحل تطوره الشخصي والحضاري يظل يكتسب اللغة وينتجها في دورة مغلقة، لا أهمية لتحديد موقع نقطة البدء فيها، مادامت هذه الرموز البصرية والسمعية هي وسيلته الرئيسة في أدراك العالم وفهمه والتأثير فيه .

 

 

 

للاتصال بنا  -  عن المدى   -   الصفحة الرئيسة