|
الخيال والأطفال
أ.د. قاسم حسين صالح
رئيس الجمعية النفسية العراقية
عندما نتحدث عن الخيال، فهذا يعني إننا نتحدث عن عملية
عقلية عليا، تتداخل مع عمليات عقلية عليا اُخر، وعلينا أن
نفرزها عنها.وفي محاولةٍ لفرزها فإنه يمكن تمثيل التفكير
على متصلContinuum
يكون في طرفه الأول التفكير الواقعي
Realistic
Thinkingوفي
طرفه
الثاني التفكير الخيالي
Imaginative Thinking.
نقصد بالتفكير الواقعي، التعامل مع الظواهر موجودات عيانية
أوحسية تخضع الى المعايير المنطقية والعلمية ومرتبط
بإستجابات الفرد للمواقف الخارجية، يسيطر عليه العقل
والحقائق.أما التفكير الخيالي فهو نشاط عقلي تتحرر فيه
الخبرات الذاتية لتأخذ شكل إفتراضات أو صور عقلية أو
مقارنات، لا تخضع في الغالب للعقل أو للمنطق، ولاتكون فيه
الظواهرموجودة أمامنا، بل تأخذ شكل صور بصرية.ومع أن دراسة
الخيالImagination
لايزال الغموض، فأن علماء النفس حددوا ثلاثة انواع منها
هي:
1-الخيال العمليPractical
Imagination:وهذا
يتبدى في صنفين:الاول:المنتجات الصناعية مثل الازياء،
والأثاث، والسيارات.والثاني:النتاجات الفنية،كالموسيقا،
والمنحوتات، واللوحات.وفي كلا هذين الصنفين تكون النتاجات
قابلة للملاحظة أو التحسس بها، ويتطلب إنجازها توفر القدرة
والمهارة والذكاء.
2- الخيال اللغويLinguistic
Imagination
: وسيلة
الخيال هنا اللغة أو الكلمة.ويتبدى هذا النوع من الخيال
لدى الشعراء، والروائيين، والكتاب، والخطباء لإستثارة
الجمهور.والمهارة هنا تكون في السيطرة على اللغة.
3- الخيال التمثيليRepresentational
Imagination
:يعتمد هذا
النوع على الصور البصرية للأشياء التي لا تكون موجودة
أمامنا، ولكن نراها بعين العقل، ويأخذ شكلين:الأول تخيل
صور لخبرات كنا مررنا بها(المدرسة الابتدائية التي درسنا
فيها مثلاً)، والثاني تصور أشياء لم نتعرض لإدراكها
مطلقاً(الجبال الثلجية في القطب مثلاً).وهذا النوع من
الخيال ليس مهماً كالنوعين الأول والثاني.
والخيال بالمعاني التي ذكرناها شرط لازم من شروط التفكير
الإبداعي سواء في الفن ام في العلم.
لقد أفرزنا الآن التخيل أو الخيال عن التفكير الواقعي،
وعلينا ان نفرزه عن مرادف آخر له هو الفنتازياFantasy،التي
تعني في مصطلحات علم النفس (التفكير التوحدي)Autistic
Thinking
ويعني:الاسترسال في التخيل تهرباً من الواقع.ويأخذ عدة
أشكال منها :الفنتازياFantasy
والإستغراق في التفكير الحالمReverie
، والتفكير المرغوب فيهWishful
Thinking
وأحلام اليقظةDay-dreaming
.والفرق بين
التخيل والتفكير التوحدي هو أن التداعيات في التفكير
التوحّدي تكون محددة بالكامل من تنبيهات داخلية من قبيل
الحاجات والرغبات والصراعات،فيما يكون التخيل هو أيضاً
تداعيات، ولكنها مستثارة من تنبيهات خارجية، تأخذ شكل
مشكلة او مهمة محددة، ويكون فيها عامل السيطرة موجوداً.
إن كلا النوعين من الخيال، ولنقل عنهما (الخيال
الفعّال) و(التفكير التوحدي) أو الفنتازيا، موجودان لدى
الأطفال، ويتباينان بتباين مراحلهم العمرية.غير أن خيال
الاطفال، بخاصة في مرحلة الطفولة الاولى يتصف بخاصية
متفردة،هي أن الأطفال ميالون الى عزو سمات بشرية الى
الحيوانات والى الطبيعة التي لا حياة فيها،وغالباً ما
يخلقون كائنات وقوى متخيلة، بعضها محب للخير وطيب وبعضها
الآخر عدائي وشرير .
وتقع علينا مهمتان:الاولى،تنمية الخيال الفعال
لكونه شرطاً من شروط التفكير الابداعي، في الفن بمجالاته
كافة،أي الموسيقا، والشعر، والرسم، والرواية، والتمثيل،وفي
العلوم التطبيقية كافة بخاصة الهندسة والفيزياء
والكيمياء.أما المهمة الثانية فهي تجنيب الاطفال التفكير
التوحدي لكونه يؤدي الى مخاوف وهمية مرضية.
وهناك ثلاث مؤسسات أو مصادر أساسية تقع عليها هاتان
المهمتان،هي:الأسرة، والمدرسة، ووسائل الاعلام.ففيما يخص
الاسرة، فإننا نخشى منها أن تكون مصدراً للمخاوف الخيالية
الوهمية لدى الاطفال.فكثيراً ما يقول الوالدان أشياء مخيفة
في وجود الطفل كما لو كان غير موجود أو كان اصم، أو
يتحدثان أمامه عن صعوبات الحياة بشكل مضخم، وبتشاؤم من
المستقبل، ويشكوان قساوة الأيام، ويصوران الاطفال كما لو
كانوا بلوى وقعت فوق رؤوسيهما. ومثل هذه الامور تجعل الطفل
يلجأ الى التفكير التوحدي هرباً من الواقع.وعليه فإن ميل
الطفل الى الاستغراق في الفنتازيا يعد مؤشراً عن أزمة او
اضطراب نفسي،وعلينا أن ننبه الأسرة الى أن هذا العرض
(الإستغراق في الفنتازيا)هو جرس إنذار مبكر يعلن عن بداية
الوقوع في الشيزوفرينيا.
امّا المدرسة ووسائل الاعلام فعليهما تقع مسؤولية تنمية
الخيال الابداعي لدى التلاميذ.وأهم شرطين فيما يخص
المدرسة،أن تكون غنية بتنبيهاتها، وأن يكون معلم مادة
التربية الفنية فيها يمتلك الخبرة الأكاديمية في تنمية
الخيال الفعّال والابتكاري.وهناك ما يشير الى ان قسم
التربية الفنية بكلية الفنون الجميلة سائر في هذا الاتجاه،
الذي ندعو الى تعزيزه وتوسيعه، وأن تكون كليات التربية
الفنية في بلادنا قنوات لتخريج ملاكات تمتلك الخيال ولديها
القدرة على تنميته في التلاميذ الذين يدرسّونهم.وهذه دعوة
الى إدخال برامج للتدريب على الخيال الابداعي أو الابتكاري
بطرائقه المعروفة (عصف الدماغ مثلاً) ضمن مواد مناسبة في
أقسام التربية الفنية بكليات الفنون الجميلة،وتثبيت مادة
اسبوعية أو نصف شهرية من حصص مادة الرسم في المدارس
الابتدائية والمتوسطة والاعدادية،تخصص للتدريب على الخيال
وحل المشكلات،وذلك بالتقاط مشكلة تخص المدرسة أو المنطقة
أو القرية أو المدينة،واقتراح أكبر عدد من الحلول
لها،وكذلك طرح موضوعات أكبر واستثارة خيال الأطفال في
ايجاد حلول لها.
أخيراً،ننبه الى أن الخيال عند أطفالنا في الوقت الحاضر هو
على الأرجح،إما أن يكون معطلاً أو مشلولاً،واما أن يميل
الى أن يكون من نوع التفكير التوحدي الذي يأخذ في الغالب
شكل المخاوف الخيالية الوهمية والصدمات النفسية المستقرة
في ذاكرة الأطفال عن الحروب السابقة،وما يشهدونه الآن
يومياً من خطف لهم وانفجارات وحالات رعب،تزيدها القنوات
الفضائية تضخيماً بالصوت والصورة.وعليه فأن مهمتنا
الأساسية الآن،وأعني بذلك المدرسة ووسائل الاعلام،هي الضغط
على زر الخيال الفعال لدى الأطفال،لدوره الكبير في صنع
حضارة المستقبل.فمعظم انجازاتنا المتحققة التي تسحرنا
بالدهشة،مثل الوصول الى القمر،كانت قد بدأت أصلاً من خيال.
|