|
الأزمات المتفاقمة بين الوجهة
التبريرية وقصور الاداء الحكومي
أسعد
العاقولي
لم تشهد تجربة في
كوكبنا تلك الصراعات المحتدمة بين الارادات المتناقضة، ان
لم نقل المتضادة، مثلما هو الوضع في العراق على مدى
مايناهز العامين منذ نهاية الحرب حتى الان.
فقد إنهار حكم
دكتاتوري فردي شمولي متخلف عرض استقلال البلد وسيادته الى
الضياع بعد إحتلاله من قبل قوى اجنبية بما يعارض تماماً
روح العصر القائمة أساساً على الحرية والديمقراطية
والخيارات المفتوحة امام الشعوب في البناء الاقتصادي
والاجتماعي، والى جانب ذلك تعرضت مرتكزات الدولة الى
التفكك بفعل عوامل ذاتية وتداخلات خارجية اسهم فيها
المحتلون والمتعاونون معهم بقسط واضح لوضع البلد في حالة
استسلام كارثية لا تستفيق منها الا بعد حين من الدهر تترتب
من خلالها الاوضاع لصالح القوى الاجنبية.
وأزاء هذه الظروف
كان من المتوقع ان نواجه جملة من الازمات المتعلقة
بالاقتصاد والمجتمع، لان طبيعة وحجم ماورثناه كانت اعباؤه
ثقيلة، لابل مرهقة للغاية، ومانجم عن الحرب وتداعياتها لم
يكن اقل تأثيراً، الامر الذي تطلب النهوض بالمهمات على
اساس فكري وعملي بصورة غير مسبوقة، والا فاننا سنجابه
بالمقابل وضعاً محرجاً يؤدي بالضرورة الى ردود افعال على
درجات متفاوتة من العنف نتيجة نفاذ صبر الناس، والتداعيات
الاضافية التي عانوها على مدى تاريخي طويل، وكثرة الوعود
المستخدمة لأشغالهم وتضليلهم، ووسائل وأساليب القمع و
الاضطهاد والارهاب التي مورست ضدهم، واستمرار هذا الوضع
بأشكال وصور مختلفة خلال فترة الحرب والمرحلة اللاحقة لها
حتى الان.
واقترن ذلك بسلسلة
من الاخطاء القاتلة والقرارات المهلكة التي انفردت بها
الادارة المدنية المؤقتة للاحتلال، لابل الحاكم المدني
بريمر، بعيداً عن استشارة الساسة والخبراء والمتخصصين
العراقيين، او بالتوافق مع بعض الجهات والقوى الداخلية، مع
الاخذ بعين الاعتبار واقع الصراعات القائمة والتأثيرات
المرجحة لمراكز الضغط في الولايات المتحدة التي تجلت
انعكاساتها، ومازالت على التطورات الجارية في العراق.
وعلى الرغم من ان
الادارة المدنية المؤقتة للاحتلال اعتمدت من الناحية
الشكلية عدداً من الهيئات المتخصصة والاستشارية في
تركيبتها، وبضمنها الاقتصادية، بهدف التدليل على المنهجية
الجماعية والاسلوب التخصصي الموضوعي في ممارسة النشاط
وأداء العمل، فقد ابتعدت هذه الادارة من الناحية الفعلية
عن تلبية غالبية وعودها لصوغ المعالجات الجذرية الشاملة
للمشكلات والمعضلات الوطنية الكبرى، ووضعت نفسها في مأزق
حرج يجسد واقع التناقض مع أبسط مستلزمات التحول الديمقراطي
على الصعد السياسية والاقتصادية والاجتماعية، لا سيما من
خلال تدخلها، لابل تحكمها بالمسارات الاساسية لعمل مجلس
الحكم الانتقالي والحكومة المنبثقة عنه، الامر الذي أدى
الى عرقلة تطبيق اية اصلاحات حقيقية للاوضاع الناشئة،
وبالتالي استمرار وتتابع الازمات الكارثية المتعلقة بحياة
الناس و ظروفهم المعيشية التي كان من المفروض ان تكتسب
اولوية مرجحة في مسيرة التحولات الجارية والمستقبلية.
وفي ظل هذه
التراكمات السلبية، الكمية والنوعية، كان من المتوقع ان
تواجه الحكومة المؤقتة ظروفاً صعبة لايمكن تحظيها بيسر
وسهولة، وهو ما تجلى في انشغالها بالمهمات التصحيحية
لتدابير واجراءات سابقة، او محاولة معالجتها قضايا أهملتها
الادارة المدنية المؤقتة وهيئات مجلس الحكم الانتقالي و
حكومته.
وعليه ليس من باب
المصادفة ان تمتد مشكلات البطالة والفقر والسكن، وتتفاقم
الازمات الكارثية للخدمات العامة، وبوجه التحديد تلك التي
تتعلق بتوفير المنتجات الهايدروكاربونية، النفطية
والغازية، والطاقة الكهربائية و مياه الشرب والصرف الصحي
والتلكؤ في توفير مفردات الحصة التموينية، ليقترن ذلك كله
بإستمرار تدهور الاوضاع الامنية التي استخدمت مرتكزات
تبريرية لتغطية ضعف وقصور الاداء الحكومي بصورة عامة.
|