|
دمشق ـ ابراهيم حاج عبدي
بحساسية مرهفة، وتقنية عالية تنهمك أنامل النحات السوري
لؤي أبو عساف في صوغ منحوتاته من البازلت، إذ يجعل من هذا
الحجر القاسي مادة لينة وطيعة تترجم ما يعتمل في دهاليز
النفس، ليقدم أشكال جميلة نابعة من حوار صامت يجريه مع هذا
العنصر ليكون عنوان معرضه المقام حاليا في غاليري المدى
بدمشق"حوار مع البازلت".
يضم المعرض مجموعة من الأشكال النحتية ذات حجوم مختلفة،
وذات مواضيع متباينة، فالنحات لا يريد نقل خصوصية المكان
الذي قدم منه بل يحاول أن يختزل مواضيع كثيرة تجمعها مادة
البازلت المتوفرة بكثرة في بيئة السويداء حيث ولد الفنان،
فنرى في معرضه خليطا من الميثولوجيا، والأمومة، والحب،
والتوق إلى الحرية مع تكرار واضح لمجسم "العجل" كاختزال
للمعتقدات الدينية التي تسود المكان الذي ينتمي إليه أبو
عساف، فضلا عن موضوع يتكرر في أكثر من مجسم يتمثل في حوار
قائم بين هديل الحمام والحنين الغافي على وجه صبية فاتنة،
وهو ما لاحظه الروائي العراقي فؤاد التكرلي الذي علق على
إحدى المنحوتات بالقول" تلك الصبية الجميلة التي تحتضن
حمامة، وتشدها إلى قلبها تبدو رمزا لكل الحنان الإنساني
الممكن".
ورغم هذا التنوع في المنحوتات غير أن ثمة أناقة تجمع
بينها، كما أن رؤيا الفنان المتمثلة في التعبيرية حينا
والتلقائية أحيانا تضفي على المنحوتات لمسة مشتركة واحدة
لا تخطئها العين، "فلكل فنان ثوابته التي تمثل فيما بينها
سماته الأسلوبية" كما يعبر أبو عساف مؤكدا على حرصه على
البناء المعماري، وأناقته، وإدمانه على استنساخ الأشكال
بعضها من بعض متجنبا السقوط في "عيوب الثرثرة الفنية" على
حد وصفه، فخبرة الفنان هنا "تبدو في احتواء مفهوم المادة،
والإفادة من إمكاناتها التعبيرية خدمة للموضوع رغم الاتكاء
على الأدب، والجمالية لدهشة الحضور في الشكل" وفق ما يقول
الناقد غازي عانا.
يستاء الفنان أبو عساف من محاولة المتلقي إحالة أشكاله إلى
مصدرها الواقعي، بل يريد منه أن ينظر إليها كما هي موظفة،
ذلك أن "الشكل يوظف في العمل الفني على عكس وظيفته في
الواقع" والفنان ـ كما يرى أبو عساف ـ يأخذ منها ما يعنيه
ويعينه على تكثيف الحالة التعبيرية والجمالية التي يرها
مؤكدا بان "لا سبيل لديه إلى فصل المشخص عن المجرد".
ويعتبر الفنان أن بداياته هي أساس عمله، و بان الكتلة لديه
بسيطة ومكثفة وغالبا ما تغيب الحركة في الشكل ولكن تبقى
فيها التحفز، وكذلك تغيب الكتلة المدورة عن معظم أعماله
لتحل محلها المسافة المسطحة في محاولة لإيهام المتلقي
بحقائق لا يعرفها ذلك أن التشكيل ليس تمثيلا لواقع موجود
بل هو خلق لواقع جديد حسب قناعة الفنان.
ووفقا لفهم يختصره الفنان في القول "ابذل اقل الجهد، لأصل
إلى ابعد نتيجة" يستخدم أبو عساف الآلة بكثرة على عكس ما
يطالب به بعض النقاد من التقليل من استخدام الآلة في العمل
النحتي، وهو في هذا الاستخدام لا يهمل شروط العمل الفنية
بل يضع الكثير من التلوينات والخطوط على سطح الكتلة مختصرا
وقتا كبيرا، وإذا كانت القاعدة الشائعة في العمل النحتي هو
أن "يخفي العمل صنعة الفنان" فان منحوتات أبو عساف تحقق
هذه المعادلة فهي وكأنها مخلوقة هكذا، ولم تكن في يوم من
الأيام حجرا صلدا، وقاسيا، مرميا بإهمال أمام البصر على
سفوح جبل العرب في الجنوب السوري. |