الاخيرة

الصفحة الرئيسة للاتصال بنا اعلانات واشتراكات عن المدى ارشيف المدى
 
 

الفلوجة بين الثلج والنار!!

مها عادل العزي

على غير موعد اضيء البيت، لم يكن ذلك وفق برمجة نعرفها، هكذا فجأة انبثق النور دفئاً لذيذاً، من سخرية الظرف الذي نمر به اننا توقفنا عند احدى المحطات الفضائية، وموعد مع آخر أخبار العالم ومايجري فيه، ولعل اسم العراق هو آخر مايذكر في مثل هذه الاخبار السعيدة، الخبر الاول كان عن سباق بين الدول لاحلى بيت مضيء في اعياد الميلاد، حتى وصل الامر الى استخدام اكثر من ثلاث الاف (لمبة) مضيئة لكل بيت وتنسيقها بشكل فني بارع، بالاضافة الى تزيين الشوارع والاشجار والبنايات بملايين المصابيح الملونة حتى تبدو كشعلة متوقدة تضاهي الشمس بروعتها، الخبر الاخر وهو ايضاً بخصوص اعياد الميلاد، فهو تنظيم مسابقة توفير الطعام المميز لحيوانات الغابة، فالحيوان –كما عبر الخبر- له حق ايضاً في التمتع بأعياد الميلاد، فظهر الدب وهو يدور غير مكترث بنا فورة من الماء تجمع في اسفلها تفاح احمر.

الى حد هذا الخبر الطازج وانطفأت الكهرباء.. رجعنا الى الظلام نبحث فيه عن ومضة نتلمس خلالها ان نرى بعضاً من الطريق.. لكن !! لم تكتمل الحكاية عند هذا الحد، ففي الظلام تزداد الشجون.. تضيق النفس، حتى القمر غاب في غلالة الغيوم المتكاثفة، فقط هذه المدينة الغارقة في الظلمة والبرد، وثمة ازيز ثقيل قادم.. ازيز يزيد من وطأة الاحساس بالظلام طائرة تستكشف المدينة، لاضوء قريب.. كل شيء تحت السيطرة لكن هل يقارن هذا الطيار المجهول بين مايراه من مدينتنا التي تبدو كبحر منسي وبين مدينته العابقة بالنور، ولعله يحدث نفسه باننا اي نحن كيفنا انفسنا للعيش بأقل القليل، ومادام الامر كذلك فلا بأس في مايحدث، لذا لافرصة للمقارنة.. حقاً انها افكار ثقيلة.. افكار تبلد القلب.. يزداد الظلام ظلمة.. ترى كيف نأهل الفلوجة الذين تركوا بيوتهم ومدينتهم؟ كيف بأكثر من اربع عشرة الف نسمة مازال اغلب ابنائهم مجهولي المصير؟ لقد تركوا بيوتهم ومدينتهم منذ بداية الشهر الماضي.. تركوها املين بالعودة سريعاً، وهاهو الشتاء جاء على موعد مع الخوف واياهم، كيف يحتمون من هذا البرد في بيوت انهكتها الحرب هياكل منسية تصفر فيها الريح وتهدر خلفها المياه الباردة.

انتظر الجميع ان تكون الحكومة العراقية اول من يقف الى جانبهم، لا ان تتركهم يستصرخون ضمير من بقي.. لكن لهم الله في ماحدث، ثم ان المساعدات التي وصلت اليهم كانت شيئاً يسيراً لايسد رمق الظرف الذي يمرون به.. ثم لماذا نتركهم ينتظرون المعونات العربيه والتي تصل بدافع المنة والتظاهر ونحن بلد الخيرات؟! الى متى نبقى محكومين بقاعدة ان خيرنا ليس لنا؟ هل تعجز الحكومة عن توفير المستلزمات الضرورية لاناس اجبروا على ترك بيوتهم ومدينتهم؟.. ام انها سياسة العقاب الجماعي، ام ان في الامر اولويات لاداعي لذكرها، والباقي من الوقت سينظر فيه بأمر هؤلاء المشتتين بين الخوف والمجهول، ماذا لو كنا مكانهم حتماً ستكون الصورة غير مانراها الان ستكون قاسية ومؤلمة ان نكون لاجئين في بلدنا، بقى ان نقول ان اجراس الميلاد تقرع انحاء العالم.. فهل يصل صداها الينا؟


النحات فؤاد أبو عساف يعرض في غاليري (المدى)

دمشق ـ ابراهيم حاج عبدي

بحساسية مرهفة، وتقنية عالية تنهمك أنامل النحات السوري لؤي أبو عساف في صوغ منحوتاته من البازلت، إذ يجعل من هذا الحجر القاسي مادة لينة وطيعة تترجم ما يعتمل في دهاليز النفس، ليقدم أشكال جميلة نابعة من حوار صامت يجريه مع هذا العنصر ليكون عنوان معرضه المقام حاليا في غاليري المدى بدمشق"حوار مع البازلت".

يضم المعرض مجموعة من الأشكال النحتية ذات حجوم مختلفة، وذات مواضيع متباينة، فالنحات لا يريد نقل خصوصية المكان الذي قدم منه بل يحاول أن يختزل مواضيع كثيرة تجمعها مادة البازلت المتوفرة بكثرة في بيئة السويداء حيث ولد الفنان، فنرى في معرضه خليطا من الميثولوجيا، والأمومة، والحب، والتوق إلى الحرية مع تكرار واضح لمجسم "العجل" كاختزال للمعتقدات الدينية التي تسود المكان الذي ينتمي إليه أبو عساف، فضلا عن موضوع يتكرر في أكثر من مجسم يتمثل في حوار قائم بين هديل الحمام والحنين الغافي على وجه صبية فاتنة، وهو ما لاحظه الروائي العراقي فؤاد التكرلي الذي علق على إحدى المنحوتات بالقول" تلك الصبية الجميلة التي تحتضن حمامة، وتشدها إلى قلبها تبدو رمزا لكل الحنان الإنساني الممكن".

ورغم هذا التنوع في المنحوتات غير أن ثمة أناقة تجمع بينها، كما أن رؤيا الفنان المتمثلة في التعبيرية حينا والتلقائية أحيانا تضفي على المنحوتات لمسة مشتركة واحدة لا تخطئها العين، "فلكل فنان ثوابته التي تمثل فيما بينها سماته الأسلوبية" كما يعبر أبو عساف مؤكدا على حرصه على البناء المعماري، وأناقته، وإدمانه على استنساخ الأشكال بعضها من بعض متجنبا السقوط في "عيوب الثرثرة الفنية" على حد وصفه، فخبرة الفنان هنا "تبدو في احتواء مفهوم المادة، والإفادة من إمكاناتها التعبيرية خدمة للموضوع رغم الاتكاء على الأدب، والجمالية لدهشة الحضور في الشكل" وفق ما يقول الناقد غازي عانا.

يستاء الفنان أبو عساف من محاولة المتلقي إحالة أشكاله إلى مصدرها الواقعي، بل يريد منه أن ينظر إليها كما هي موظفة، ذلك أن "الشكل يوظف في العمل الفني على عكس وظيفته في الواقع" والفنان ـ كما يرى أبو عساف ـ يأخذ منها ما يعنيه ويعينه على تكثيف الحالة التعبيرية والجمالية التي يرها مؤكدا بان "لا سبيل لديه إلى فصل المشخص عن المجرد".

ويعتبر الفنان أن بداياته هي أساس عمله، و بان الكتلة لديه بسيطة ومكثفة وغالبا ما تغيب الحركة في الشكل ولكن تبقى فيها التحفز، وكذلك تغيب الكتلة المدورة عن معظم أعماله لتحل محلها المسافة المسطحة في محاولة لإيهام المتلقي بحقائق لا يعرفها ذلك أن التشكيل ليس تمثيلا لواقع موجود بل هو خلق لواقع جديد حسب قناعة الفنان.

ووفقا لفهم يختصره الفنان في القول "ابذل اقل الجهد، لأصل إلى ابعد نتيجة" يستخدم أبو عساف الآلة بكثرة على عكس ما يطالب به بعض النقاد من التقليل من استخدام الآلة في العمل النحتي، وهو في هذا الاستخدام لا يهمل شروط العمل الفنية بل يضع الكثير من التلوينات والخطوط على سطح الكتلة مختصرا وقتا كبيرا، وإذا كانت القاعدة الشائعة في العمل النحتي هو أن "يخفي العمل صنعة الفنان" فان منحوتات أبو عساف تحقق هذه المعادلة فهي وكأنها مخلوقة هكذا، ولم تكن في يوم من الأيام حجرا صلدا، وقاسيا، مرميا بإهمال أمام البصر على سفوح جبل العرب في الجنوب السوري.

 

 

للاتصال بنا  -  عن المدى   -   الصفحة الرئيسة