-
المجموعات الارهابية التي تستهدف تماسكنا الديني والاجتماعي لا تمت بصلة
بأي دين
-
اطياف العراق الدينية المتلاحمة
-
ميلاد المسيح حافز تعزيز قيم المحبة والتراحم والسلام
بغداد- مهند الليلي
تهل علينا في جميع ارجاء المعمورة اعياد الميلاد المجيد وراس السنة
الميلادية، حيث يحتفل العالم اجمع بكل اديانه بشكل عام
والديانات المسيحية بشكل خاص بإقامة الاحتفالات الخاصة
بهذه المناسبات سنوياً ومنذ نحو الفي عام..
لكن الاحتفال في بلدنا هذا العام، يختلف عن شتى الارجاء واول مرة، سوف تقام
اعياد الميلاد على نحو خاص! بسبب ما جرى ويجري من احداث
دامية، واستهداف الكنائس ودور العبادة لكل الطوائف
والاديان من اناس لا يمتون الى الدين بصلة حسبوا انفسهم
عنوة على الدين الاسلامي الحنيف!!
وقد تم الاتفاق على الاحتفال بهذا العام بلا مظاهر ولا سهرات ولا اقامة في
النوادي الترفيهية والمتنزهات والمطاعم، بل حتى الكنائس
والاديرة الخاصة!! وذلك خشية استهدافنا من قبل اولئك الذين
يهددون (بتفجيرها) بين الحين والآخر.
لقد طالت ايدي هؤلاء (الارهابيين) حتى دور العبادة ناسين او متناسين ما وصى
به الله ورسولة، بدور العبادة ملحقين بها اضراراً وبأهلها
الآمنين العزل افدح الخسائر.
الطيف العراقي
ولأهمية هذا الموضوع استطلعنا آراء ومشاعر الناس بخصوص ذلك الحدث الذي يحمل
الكثير من الشجن والحزن في نفوس الكل من كل الاديان
والطوائف، عبر تجوالنا في عدد من مناطق بغداد الحبيبة.
حيث تقتصر اللقاءات على المسيحيين فقط..بل مع اغلب الطيف العراقي، وقد عبر
كل مواطن عنها بما يخالج صدره من كلمات وعواطف تجاه ذلك
الحدث الجديد الذي لم يعتد عليه العراقيون في السابق...
فالكل مستاء، في الكنائس، الجوامع، الاسواق، الشوارع، من ما يصدر من حماقات
لاولئك الذين يستهدفون كل ما هو عراقي، وكل ما يمت لوحدة
وتماسك الشعب بصلة.
ما ذنب الاطفال؟
المطرن (حنا بولس) من الكنيسة الشرقية حيث ابدى حزنه واسفه على ما وصلنا
اليه الان، وقال: ان هذه هي المرة الاولى التي تمر فيها
اعياد الميلاد في بلدنا دون ان نحتفل فيها وعلى تقاليدنا
المعروفة منذ القدم، فلقد اصدرنا تعليمات تحدد على الاخوة
المحتفلين تقليص احتفالاتهم، وجعلها في البيوت خوفاً من
حصول ما يفسد علينا فرحة العيد التي انتظرناها...
ونسأل هنا، ما ذنب الاطفال المساكين؟ ما ذنب الناس الابرياء المتطلعين الى
العلياء يدعون ويصلون؟ هل وصلت بهؤلاء الوقاحة وما يعانونه
من افلاس فكري الى هذا العمل الذي لا ترتضيه شريعة سماوية
ولا دين، ان احتفال هذا العام سيحمل معه نكهة المراراة
والغصة على حالنا الذي وصلنا اليه..وبرغم كل ذلك وجهنا
الكل بالابتهال المتواصل الى الله كي يساعدنا ويخلصنا مما
نحن فيه..
وفي كنيسة الروم الأرثوذكس قال القس (شيراك كاروكوسيان): ماذا فعل
المسيحيون؟ ماذا قال المسيحيون؟ لماذا يسهدفوننا؟ هل
اعتدينا يوماً على احد؟ انني في غاية الحزن والالم لما
يجري في بلدنا الحبيب، حيث لم نعتد سابقاً على عدم اظهار
افراحنا ومسراتنا وعاداتنا المعروفة، ان الدين وجد لتسهيل
الحياة وتنويرها على البشر، لا لاستخدامه للترويع والقتل!
لكننا ندرك حق الادراك ان ذلك ناتج عن مجموعات لا تمت لاي
دين بأي صلة، تستهدف تماسكنا الديني والاجتماعي لكن هيهات
لهم ذلك وليقرأوا التاريخ جيداً و ليعرفوا ان هذا الشعب
سطر اروع صور التماسك والتلاحم.
كيف يحتفل المسيحيون؟
وعن ما سيفعلونه من طقوس هذا العام، حدثنا القس الشاب (ثامر نبيل يونان) من
كنيسة الطائفة الكلدانية، حيث قال: لن يستطيع اولئك
الاشرار منعنا من اداء طقوس احتفالاتنا بأعيادنا المجيدة،
فنحن سنحتفل بأعيادنا كما في السابق ولكن بلا تجمعات،
وسنلتقي في دور عبادتنا للصلاة فقط، وستستمر صلواتنا على
مر الايام، سنصلي جميعاً لاجل العراق ولنصرة العراق،
وسندعو ونبتهل الى الرب الاعلى الحي ليزيح عنا هذه الكرب
التي حلت بنا، ونحن لا نخاف من الذين يستهدفون صلاتنا
ودعاءنا لاصلاحهم!! وليكن الرب في عوننا ما دمنا في عون
اخواننا من ابناء هذا البلد العزيز المستهدف فيه الجميع.
يضيف الاستاذ (ياسر سيف المسيح الياس) مواطن من الطائفة الكاثوليكية
بالقول:
سنعود من اداء الصلاة الى بيوتنا، حيث سيتم احياء المناسبات هناك، حيث تم
الاستعداد لذلك جيداً عبر تسوقنا لكل ما نحتاجه في عيد
الميلاد المجيد من ملابس وحلويات ومأكولات وهدايا..
وسنتبادل الزيارات فيما بيننا وكذلك نتبادل الهدايا وسوف ندعو الله لبلدنا
ولشعبنا العزيز ولكل الخيرين في العالم ان ينعموا بالسلام
والطمأنينة وانتهاء الحروب والارهاب والنزاعات...آمين.
ماذا قال شيخ الجامع؟
ولدى تجوالنا التقينا الشيخ الفاضل (عبد الوهاب الالوسي) امام احد جوامع
بغداد، حيث قال:
انني ابدي اسفي لما جرى ويجري من استهداف للكنائس والجوامع والحسينيات على
السواء، ولدور العبادة المسيحية بشكل خاص حيث خالف اولئك
ما اوصانا به المصطفى (صلى الله عليه وسلم)، حيث قال: (من
آذى لي ذمياً، فقد آذاني، ومن عاداه فقد عاداني)، والذمي
في الحديث الشريف يقصد به صاحب الدين من غير المسلم.
وغير ذلك كثير مما اوصانا الله عز و جل ورسوله بمن يشاركنا الوطن من غير
المسلمين، فديننا الحنيف وقيمه السمحة ضرب لنا اروع
الامثال في ذلك، وانا اسوق هذا الكلام الى هؤلاء (اذا
كانوا مسلمين)! كي يعودوا عما يفعلون ويتوبوا الى الله،
عسى الله ان يصفح عنهم ويتوب عليهم،...واضاف الشيخ الجليل:
ان من حق أي مواطن مهما كانت ديانته، ان يحتفل ويمارس طقوسه وعاداته في
بلده ما دام لا يؤذي احداً ولا يشوه صورة البلد، وليس من
حق أي احد مهما كانت درجته ومهما اطلق عليه من القاب
ومسميات من منعه من ذلك! ان تلك الامور هي غريبة على الدين
الاسلامي وجديده عليه، لا يقرها ولا يعترف بها، بل يشجبها
ويحرمها ويعمل على على القضاء عليها...
لا طائفية ولا مذهبية
يشاركه سماحة السيد (مرتضى الحسين) بالقول:
ان هذه الافعال تجاه اخوتنا من ابناء هذا البلد، ناتجة عن جهات خارجة عن
الدين الاسلامي، تريد تشويه صورته والنيل منه، وهو امر لم
يعد خافياً على ابناء هذا البلد الصابر.
اننا اذ نبارك لاخواننا المسحيين عيدهم ونسأل الله ان يمر بكل امان وسلام،
نشجب وبشدة اعمال اولئك الذين يريدون النيل من ديننا وزرع
الحقد والتفرقة والطائفية في صفوف ابناء هذا البلد الصابر
المحتسب، ونقول لهم: ان جميع طوائف العراق الدينية تطيع
وتسمع ما يوجه به علماؤها ومشايخهم وان العلماء والمشايخ
ورجال الدين في العراق وعلى اختلاف اديانهم متحدون
ومتكاتفون وان ما يصدر من افعال ارهابية يمثل الارهابيين
ولا يمثلنا... وان شاء الله لن يستطيع أولئك الضاربون على
اوتار الفتنة من النيل من ترابطنا ووحدتنا... وسيجدون على
طول المطاف شعباً واحداً في تطلعاته وأمانيه نحو الحرية
والسلام.
وليعلم بذلك هؤلاء المستفيدون من خراب البلد ان للبلد رباً يحميه ويحمي
شعبه وان مصيرهم الخسران ان شاء الله.
كلنا في بلادنا موحدون
اما المواطنة (صباح عزيز داود) من الطائفة الصابئية المندائية فقد عبرت
بألم وبحرقة واضحتين من لهجتها الصادقة والمعبرة عن الحون
والاسى عما دار ويدور، فتحدثت بالقول:
اشعر ان ما يصيب اخوتي المسيحيين، يصيبني، فماذا نفرق نحن ابناء هذا البلد
في توجهاتنا وتطلعاتنا ودعوانا الى ربنا المقدس..ان ما
اصاب (الشيعة) في كربلاء والنجف والكاظمية من قتل وتفخيخ
وما اصاب بعض المساجد (السنية) من قصف واستهداف يصل اليوم
الى اخواننا المسيحيين في استهداف مقدساتهم واعيادهم وسيصل
الينا نحن الصابئة اذا لم نجد له حلاً!! يوقفه ويوقف
تطلعاته الهدامة الرامية للنيل من استقرارنا في بلدنا
آمنين مطمئنين.
صدقوني، ان تلك القوى الخارجية تفرض علينا واقعاً ما كنا نعرفه سابقاً، وما
الفناه يوماً من الايام وليس من حل للقضاء عليها سوى
التفافنا حول بعضنا والتراحم فيما بيننا، ان ما رآه
اعداؤنا من ترابط في ما بيننا اطار صوابهم وجعلهم يلجأون
الى مثل تلك الافعال الدنيئة التي ان دلت على شيء فإنما
تدل على يأس وبداية للنهاية، ونناشد اخواننا المسؤولين في
حكومتنا الموقرة ايجاد الحلول السريعة واللجوء الى الافعال
لا الاقوال التي امتلأت اسماعنا بها.
واختتمت حديثها بالقول:
احيي اخوتي المسيحيين واقول لهم انني كل عام احتفل معهم بأعياد رأس السنة
واتمنى كما يتمنون، وسأحتفل ايضاً في هذه السنة رغماً عن
انوف كل الحاقدين المجرمين.
واخيراً كان لنا هذا اللقاء مع الاستاذ (مهذب بطرس يوسف) فنان في صناعة
الآلات الموسيقية التراثية، حيث قال:
ان ما رايته قبل عودتي من مدينة الموصل من مظاهر ترابط وتلاحم بين المسلمين
والمسيحيين، خفف كثيراً عني من احزان اعياد الميلاد
القادمة.. فلو ذهبت هناك لرأيت المدن التي يسكن ازقتها
المسيح والمسلمون تعج بمظاهر الفرح الغامر ولا كأن هناك من
يهدد ويتوعد.
انهم بذلك (أي المسلمين) يؤكدون لنا ما حافظوا عليه سابقاً من علاقات
وروابط انسانية تمثل ابناء البلد الواحد وتجمعهم.. ولقد
اشفى صدورنا موقفهم هذا وكلماتهم ومشاعرهم الجياشة، وحزنهم
لما اصاب كنائسنا من استهداف وتخريب لا ينم عن تربية ولا
عن دين.
ولقد جئت الى بغداد لاصطحب عائلتي للذهاب هناك لقضاء ايام العيد المجيد
الذي ادعو الله ان يجعله خيراً وبركة على العراقيين الذين
عانوا ما عانوا بلا استثناء من موجات الحقد التي اخذت
تؤذينا.
وسندعو الله ان ينصرنا ويخلصنا ويرحمنا وسنخلص في الدعاء للعراق بشكل خاص
ولشعب العراق وسندعو حتى (للارهابيين) عسى ان يصلحهم الله،
هكذا يعلمنا ديننا الذي يدعو للحب والتسامح والخير ونبذ
الاحقاد. |