|
لؤي عبد الإله
غابت عن قائمة الاتهامات السبعة التي وجِّهت إلى الرئيس
العراقي السابق تهمة أساسية كان بإمكانها أن تسلط الضوء
على مرحلة مظلمة مر بها الشعب العراقي بدأت من صيف عام
1979، وخلالها دُفع العراق صوب حروب قررها رئيسه بطريقة
متهورة يُحسد عليها، كان ثمنها تدميراً واسعاً لحياة
أجيال عديدة، سواء عبر قتلهم أم تدمير مقومات وجودهم
الإنساني.
يمكن عدّ تموز عام 1979 بداية الانحراف صوب الهاوية. ليس
على مستوى الكوارث التي قاد صدام حسين شعبه إليها فقط، بل
على مستوى التشويه والتخريب الهائلين لروح المواطنة الحقة
وللنسيج الاجتماعي الذي كان سائدا إلى ذلك الوقت.
حدث ذلك بعد مرور ما يقرب من عشرة أعوام على انقلاب 17
تموز 1968، ولا بد أن التقارب السوري العراقي الذي تحقق
آنذاك كان الزناد الذي فجر جنون العظمة عند (السيد النائب)
الذي ظل إلى تلك اللحظة يعمل على إزالة مواقع الضباط
المحسوبين على راعيه الذي كان وراء إدخاله ضمن فريق السلطة
بعد انقلاب عام 1968 وأعني به الرئيس الأسبق أحمد حسن
البكر. لعله فكر أيضا أن فرصة الاستيلاء على الحكم المطلق
قد آنت، وإذا لم يستفد منها فستختفي إلى الأبد، فضلاً عن
انه بلغ سن الثانية والأربعين، وهو أفضل عمر لتنفيذ أحلام
اليقظة التي لا بد من أنها ظلت تساوره في سني مراهقته لكي
يصبح رئيسا للجمهورية.
في ذلك الوقت كان الجهاز الأمني تحت سلطته، وعلى الرغم من
مضي كل تلك السنوات له في السلطة، فإنه ظل يتصرف كأنه في
حزب يعمل من تحت الأرض. جاءت الضربة أخيرا: برز الرئيس
البكر ليعلن عن استقالته لأسباب مرضية! ثم تلتها الضربة
الأخرى لكل أولئك المؤمنين حقا بالوحدة التي لا بد من أن
تبتدئ بوحدة البلدين الجارين والمحكومين من قبل حزب واحد.
في تموز تم جمع كل قياديي حزب البعث، وهناك واجه الجميع
واحدا من خيارين: إما اختلاق أية وشاية ضد شخص آخر لإنقاذ
نفسه أو القتل.
في الفيلم الذي صوِّر عن ذلك الاجتماع الكابوسي الذي وزِّع
على الكثير من الحزبيين برز صدام جالسا وراء طاولة وأمامه
حشد كبير من القادة المرعوبين، ومع قراءته كل اسم كان
التصفيق ينفجر والهتافات بحياته تتصاعد. بالمقابل يتم سحب
ذلك سيئ الحظ لإعدامه فورا في الوقت الذي ظل الرئيس الصاعد
مواصلا تدخين سيجاره المفضل. وحينما وقف أحد المرعوبين
صائحا بتوسل (سيدي كل هذا بسبب عبد الخالق السامرائي)،
الذي كان قد أمضى حتى ذلك الوقت أكثر من خمسة أعوام في
السجن، كان جواب بطلنا الخرافي بعد أن مس طرف شاربه الأيمن
قائلا: (خذه من هذا الشارب) وهذا ما حدث حرفيا إذ جلب ذلك
الشخص المعروف بخصال متميزة ليتم إعدامه على (جريمة) كان
هو غائبا عنها تماما، ولم تكن لديه أية قدرة على الاتصال
بالعالم الخارجي بسبب وضعه في سجن انفرادي.
كان على قائمة الاتهامات التي وجِّهت إلى صدام حسين أن
تشمل هذه الجريمة المروعة التي راح ضحيتها ما يقرب من 300
قيادي بارز في حزب البعث، تمت تصفيتهم عن طريق توريط
الحزبيين الآخرين بالمشاركة في تنفيذ أحكام الإعدام ضدهم.
فضمن تلك القائمة كان هناك عراقيون من كل الطوائف والفئات،
إذ تم إعدام عدنان الحمداني جنبا إلى جنب مع محمد عايش على
سبيل المثال أحدهما كان من خلفية شيعية والآخر من خلفية
سنية. ومع هذه المجزرة الرهيبة انتهى وجود حزب البعث
كمؤسسة تتحرك ضمن آلية خاصة بها لتتحول إلى جهاز مخابراتي
بحت يسيِّره أبناء عائلة صدام من أصهار إلى أبناء عم وهلم
جرا.
تشكل هذه الجريمة نقطة تحول نحو الانحراف الكامل عن كل ما
هو مدني ليدخل البلد صوب بربرية صاغ أسسها (السيد الرئيس)،
وبفضل ذلك المناخ المتشنج العصابي أدخِل العراق إلى نفق
حروب ضارية كان يمكن تجنبها مع قليل من الحكمة وترتب عنها
مقتل مئات الألوف وعطب مئات ألوف أخرى من الأجيال الشابة.
ما يجعل هذه الحادثة مفتاحا مهما لتحقيق المصالحة الوطنية
هو أن الضحايا ينتمون إلى مختلف الطوائف، وبالتالي فما جرى
من انحراف بعد ذلك صوب الاعتماد على العشيرة أو حتى
استغلال الورقة الطائفية من قبل صدام كان نتيجة لإنهائه
حكم الحزب الواحد وإحلال حكم الفرد الواحد المعتمد على
عائلته وعشيرته. وبإدخال هذه التهمة ضمن القائمة وفتحها
في أثناء المحاكمة ستتوفر للعراقيين الشباب فرصة معرفة
لحظة مهمة من تاريخهم القريب، كذلك فهي ستمنح أولئك
الناقمين على إسقاط نظام صدام فرصة لمعرفة صفحة دموية كان
ضحيتها أناساً مخلصين من مختلف المدن العراقية، خصوصا من
تلك المحسوبة على مناطق التمرد مثل سامراء وتكريت
والفلوجة.
كذلك سيساعد فتح هذا الملف على معرفة ما جرى للرئيس الأسبق
أحمد حسن البكر الذي مات في ظروف غامضة، ولعل ذلك يدفع إلى
معرفة مصير الكثيرين الذين قُتلوا وهم في مواقع المسؤولية
لاختلافهم مع الرئيس المصاب بجنون القتل، مثل وزير الصحة
الأسبق الدكتور رياض إبراهيم. كذلك فإن فتح هذا الملف
سيكشف خطأ السياسة التي تعرف باجتثاث جذور البعث. إذ إن
ما ساد في العراق بعد ليلة السكاكين الطويلة التي قتل
خلالها أبرز القياديين البعثيين هو تنظيم لا صلة له بأي
نسق من الأفكار والقيم بغض النظر عن درجة اختلافنا معها.
ما ولد على أنقاض تلك المجزرة جهاز من المنتفعين والراغبين
في تسيير حياة أسرهم خصوصا بعد انغلاق النوافذ للكثير منهم
لكي يحققوا أية درجة من النجاح المهني من دون الانتماء إلى
حزب البعث الذي ما عاد حزبا بأي حال من الأحوال. هل يعرف
الداعون إلى تطبيق هذا القانون أن الجامعات قد أغلِقت أمام
الطلبة الرافضين للانتماء إلى حزب البعث منذ فترة طويلة؟
وفي ظروف تتهدد خلالها حياة الشباب بالموت بسبب احتمال
سحبهم إلى أتون الحرب أصبح الانتماء وسيلة أساسية للبقاء.
على الذين لم يعيشوا في الداخل في أثناء تلك السنوات
العصيبة وراحوا يحاكمون من كان في الداخل بمنظور مختلف أن
يلتفتوا حولهم: سيجدون أن ظاهرة الانتفاع والانتهازية التي
ترسخت في المجتمع العراقي هي موجودة ضمن التنظيمات التي
شكلوها: ليس غريبا أن يتجه الكثير من المحسوبين على
المؤسسات القمعية السابقة لينتموا إلى أحزاب حالية طمعا في
حماية الذات ومواصلة الانتفاع. كان الأجدر التركيز على
مسألة قانونية بحتة: من ارتكب جريمة قتل أو ألحق أذى كبيرا
بآخرين يبعد عن المسؤولية إلى أن تجرى له محاكمة عادلة.
ما نصل إليه من كل ذلك هو أن ما حدث في العراق ليس بسبب
البعث تماما بل بسبب صدام نفسه الذي أقصى حكم الحزب عن
طريقه وصادر هو وأبناء عائلته الدولة والمجتمع المدني
وثرواته. بالتأكيد هو استغل طروحات الحزب الشمولية، وهذا
يقودنا إلى نقطة مشتركة يلتقي حولها كل الأحزاب الشمولية
التي تؤمن بأنها تمتلك الحقيقة المطلقة التي تريد فرضها
على المجتمع بالقوة. ولا بد من أن القوة ستسمى بأسماء
مختلفة «النضال القومي» أو «النضال الطبقي» أو (الجهاد
المسلح) وهلم جرا.
لذلك قد يمنح إدراج قضية وصول صدام إلى سدة الرئاسة
العراقيين فرصة الالتقاء على نقطة مشتركة، تساعدهم على مد
أيدي بعضهم لبعض، وتسمح لهم لا بتحقيق المصالحة فيما بينهم
فحسب بل مع الماضي نفسه. كذلك سيكون عسيرا على المتهم أو
محاميه التشكيك في صحة هذه التهمة، فالفيلم الذي أمر
بتوزيعه صدام حسين عن تلك الحادثة متوفر، وصوره تحمل دليلا
قاطعا يتنافس مع دليل جرائم القتل التي ارتكبها بول بوت
ورجاله، حينما ظلوا يصورون ضحاياهم قبل قتلهم ثم أرشفة تلك
الصور للتاريخ. |