اراء وافكار

الصفحة الرئيسة للاتصال بنا اعلانات واشتراكات عن المدى ارشيف المدى
 
 

جواز سفر عراقي دون حق التصويت: ما أهميته؟

طالب مراد- القاهرة

عندما كان صدام يقول انه رئيس منتخب بأصوات الغالبية العظمى من الشعب العراقي فإنه للاسف لم يكن يكذب، فقد قاسى العراقيون ظلماً مركباً عندما كان النظام المباد بجبرهم على الذهاب للمقار الانتخابية والادلاء بأصواتهم لصالحه. وقف الخوف من بطش النظام دافعاً اكبر وراء المشاركة (الطوعية شكلاً، القسرية في الجوهر) في هذه الفعاليات الساسية كالانتخابات والاستفتاءات على ولاية الدكتاتور المخلوع، وتفنن النظام اثناء التسعينيات في استخدام وسائل اخرى غير العنف و العامل النفسي، ومنها ربط التصويت بالحصول على المخصصات الغذائية في زمن الحصار الجائر على الشعب العراقي. كان الشعب يشارك مجبراً في تزوير ارادته امام العالم الخارجي، اما الآن فقد تحرر العراقيون من قبضة صدام وتحسنت لحد ما اوضاعهم الاقتصادية، وسوف يصوتون لمن يرفع من مستوى معيشتهم الاقتصادي والاجتماعي وسيختارون من يعزز تمتعهم بحقوقهم السياسية والمدنية، والفرصة سانحة الآن لدحض مقولة طالما رددها الكثيرون بأن الشعب العراقي كان يستحق الحكم المتسلط، الفرصة سانحة لنثبت للعالم ان هذا الشعب يستطيع ان يحكم عبر نظام ديمقراطي تشاركي.

ولكن لا تأتي الرياح دوما بما تشتهي السفن، فقد شاب الاعداد لعملية تصويت عراقيي الخارج بعض العراقيل والاخطاء، وربما ما تزال هناك فرصة لتدارك هذه الاخطاء كي لا يحرم نحو ثلاثة ملايين ونصف المليون عراقي- حسب تقديرات سابقة للامم المتحدة من حقهم في اختيار من يديرون دفة بلادهم لمستقبل وغد جديد، وحاول القائمون على العملية الانتخابية الاخذ في الاعتبار هذا العدد الكبير وتوفير آلية مناسبة لتصويت هؤلاء خاصة في بلدان المهجر التي شكلت  لعقود نقاط جذب للمهجرين والمهاجرين العراقيين، ونقترح ان تبادر المفوضية بوضع ورقة عمل تحدد فيها مسار الهجرات العراقية على مدار اكثر من ثلاثة عقود، وهل استمر العراقيون في بلد الملاذ الاول ام انتقلوا منه وهاجروا لاحقاً لبلاد اخرى؟ فمثلاً في بداية السبعينيات بدأ التسفير لعدد كبير من الاكراد الفيلية عبر ايران او اليها، وفي نهاية السبعينيات كانت موجات الهجرة والتهجير التعسفي لعدد كبير من الشيوعيين والتقدميين عبر سوريا، وفي اوائل الثمانينيات كان الهروب الكبير للعراقيين الشيعة من اعضاء حزب الدعوة او ممن لهم اي صلة او تعاطف بهذا الحزب او اي من منتسبيه الى ايران ايضاً، كما تواصل في الوقت ذاته تهجير الآلاف من الاكراد الفيلية طوال الثمانينيات وهرب عدد كبير من الكرد والآشوريين والمعارضين للنظام والمنشقين عنه عبر تركيا وسوريا و الاردن ومنها الى اوربا، حتى السعودية كان بها طرق للهروب من بطش صدام بانتفاضة آذار 91 في الجنوب، كما انتقل بعض العراقيين في التسعينيات للعمل في المدارس او الجامعات الجزائرية والليبية، سواء قادمين من العراق مباشرة او من بعض دول اوربا خاصة اوربا الشرقية لتحسين اوضاعهم المعيشية ومازال كثيرون منهم موجودين للآن، ومع ذلك فلا يوجد في ليبيا او الجزائر او المغرب او مصر مركز انتخابي يسمح للعراقيين بالتصويت، والادهى ان قارة افريقيا كلها وعدد دولها يصل لنحو 57 دولة لا يوجد بها اي مركز انتخابي للعراقيين، رغم اني خلال تنقلي أكثر من 3 عقود بين دول هذه القارة الفتية وجدت عراقيين في بلاد لم أكن اتصور ان بها مواطنين اجانب من اي دولة اخرى ناهيك عن العراق، وعلها واحدة من مكارم صدام ان اصبح في كل دولة بالعالم عراقي مهجر او مهاجر او هارب من بطش النظام وسوء احوال البلاد الاقتصادية.

بهذا الشكل يكون بوسع اللجنة تقدير اهمية وجود مراكز اقتراع للعراقيين في دول بعينها وبالاخص دول تركز فيها العراقيون او يسهل عليهم الوصول لها يوم الاقتراع، كأن تكون لتلك الدولة حدود مع دول اخرى يكثر بها العراقيون او تكون هذه الدولة تسمح بتيسيرات لدخول العراقيين بها ولو اثناء مدة التصويت، وبهذا يصبح هناك اكثر من معيار يجب اخذه في الاعتبار عند اختيار الدول التي يوصى بقيام مراكز تصويت بها ولا يكون معيار تواجد واقامة العراقيين بها وحده المحدد لإختيار هذه الدولة دون غيرها مركزاً لتصويت عراقيي الخارج.

ومما أدهشني ان تخصص الحكومة العراقية الحالية مبلغ 92 مليون دولار لمنظمة الهجرة الدولية IOM لتنظيم تصويت عراقيي الخارج، وبالطبع هذا الرقم الضخم كان قد عرض ثلثه فقط في البداية وزيد بناء على طلب المنظمة، ورغم ان عدد الدول التي سيتوجد بها المراكز الانتخابية حسب ما اعلنت تلك المنظمة لا يربو على 12 دولة فقط، ورغم ان هناك مواطنين عراقيين مقيمين بأوربا بوسعهم التصويت في اي دولة مجاورة لهم بإعتبار ان عبور حدود دولة لأخرى امر ميسر داخل اوربا ولكنه بالطبع امر مكلف من الناحية المادية والعملية، لكن الامر يزداد صعوبة بالنسبة للعديد من العراقيين في دول آسيوية وافريقية، فلا يعقل ان يسافر عراقي موجود في دولة آسيوية للاردن حتى يقترع، ولا من المقبول ان يحرم  آلاف العراقيين بأفريقيا كلها من حق الاقتراع، وقد حصلت مؤخراً على جواز سفر عراقي من سفارة العراق بالقاهرة  بعد حرماني منه مدة ثلاثين عاماً، وأعلم انني قد لا استفيد منه كثيراً وبالاخص هذه الايام ولن استخدمه في شيء الا للتصويت في الانتخابات القادمة، الا انه للاسف لا يوجد بالقاهرة (وهي مركز اقليمي وعالمي) مقر تصويت واحد مما أصابني وغيري من العراقيين بالقاهرة بخيبة امل حقيقية.

ويحدوني الامل ان تستطيع المفوضية العليا المشرفة على الانتخابات ان تجد مخرجاً بتحديد ثلاثة او اربعة مقار انتخابية للعراقيين في قارة افريقيا وضعفها في قارة آسيا، ولتكن احد هذه المقار في القاهرة حيث يواجد مركز اقليمي لمنظمة الهجرة العالمية نفسها، ويوجد نحو 3 آلاف عراقي بها حسب تكهنات السفارة العراقية بها.

لماذا يهتم بعض العراقيين بمصلحة الـ IOM اكثر من اهتمامهم بالعراق؟

وأتمنى الا يعول العراقيون فقط على آراء منظمات دولية في مدى امكانية زيادة عدد مقار التصويت للعراقيين بالخارج، فليس ما تصرح به هذه المنظمات الدولية كلاماً قدسياً، انها مجرد وكالات يناط بها تنفيذ مهمة معينة بالنيابة عن الامم المتحدة، وفي حالة العراق فالامر كله عبارة عن اشراف من الامم المتحدة على مسار العملية الانتخابية و لكن التنفيذ الفعلي لمهمة الاشراف تلك يتم عن طريق هذه الوكالة المتخصصة (منظمة الهجرة الدولية) حيث قامت بعمل مشابه في بلدين سابقاً،  وقد تم اختيار المنظمة ذاتها، والمتوقع   ان تستمع للعراقيين قبل ان تملي عليهم ما تريد هي من مخططات عمل فعندما تطالب الحكومة العراقية بتمكين عراقيي الخارج من التصويت يجب ان يكون ذلك قراراً  حكومياً سيادياً ويطلب من المنظمة الدولية توفير السبل لتحقيقه، فالامم المتحدة ووكالاتها المتخصصة هي المنوط بها خدمة مصالح الدول الاعضاء ومن بينها العراق، والمدهش ان هناك نحو 200 مكتب لـ (منظمة الهجرة الدولية) حول العالم وبها العديد من الموظفين و كل ما ستقوم به لو رغبت في افتتاح مقر تصويت في اي من البلاد التي بها مكاتب لها هو ان ترفع لافتة بذلك وتخرج من مخازنها الصناديق المطلوبة للتصويت وتطلب من الحكومة العراقية أسماء من يحق لهم التصويت، ثم يأتي هؤلاء يوم الانتخابات للادلاء بأصواتهم التي تفرز لاحقاً.. ودمتم. كل هذه العملية لن تستغرق الكثير، لا من الوقت ولا الجهد وبالطبع لن تتطلب الكثير من المبلغ المرصود لهذه العملية، ولا يجب ان ننسى ان هذه المنظمة سوف تحصل على نسبة عالية من قيمة المبلغ (93 مليون دولار) بوصفها ادارية للعملية ندفعها من ميزانية العراق الجديد ومن مقدرات اطفالنا واجيال الغد لمنظمة دولية نحن اعضاء بها لكي تحقق لنا ما نريد، ومن ثم يحق للعراقيين مطالبة المنظمة بزيادة عدد المقار التصويتية وتحديد أماكن هذه المقار، ولا يجب على العراقيين ان يحملوا هم او شاغل الـ IOM وكيف انها ستتعب وتتصبب عرقاً عندما تزيد عدد مقار التصويت، فلا احد يمن علينا بشيء، بل العملية كلها تعاقد بتراضي الطرفين، ونحن العراقيين سندفع مقابل ما نحصل عليه من خدمة ونحن من نحدد مطالبنا، كما ان الحقيقة ان هذه المنظمة لن تتحرك من مكانها اصلاً، بل سيأتي العراقيون لها في وسائل النقل المختلفة حتى سيراً على الاقدام للادلاء بأصواتهم فلن يخرج موظفوها لحث العراقيين على التصويت ولن يذهب احدهم لمنازل عراقيي المهجر لأخذ  اصواتهم لصالح فلان او علان.

ما دفعني لهذا التوضيح بخصوص عمل هذه المنظمة هو سوء فهم الكثير من العراقيين لطبيعة عملها بل واحياناً تصورهم ان الامر تفضل من هذه الجهة او تلك ان علينا الا نجادل فيما يقدمون لنا وقد اوضحت ذلك الفهم المغلوط في مداخلة لي بقناة الفيحاء قبل اسبوع مع احد المشرفين على المفوضية العليا لشؤون الانتخابات، ولا يفوتني ان أثني على الصراحة والجدية التي تتعامل بها هذه القناة في ملف الانتخابات، فعندما طالبت بزيادة عدد مقار التصويت لعراقيي الخارج فوجئت برده ان الامر سيكون مرهقاً للجنة المشرفة على العملية بالخارج ومكلفاً اكثر من الناحية المالية، و انه حصل على تعهد منها اذا زاد المبلغ المدفوع لها عما انفق فإنها ستعيد البقية للحكومة العراقية من ناحيتي استبعد تماماً مسألة عودة ما يتبقى ولا ارى لها داعياً طالما ان الهدف هو تمكين كل عراقي بالخارج من التصويت، وليس الحصول على فائض من مبلغ دفع بالفعل، واكرر مرة اخرى ان مطالب العراقيين يجب ان تؤخذ في الاعتبار ولا احد يعطينا شيئاً من جيبه بل نحن من يدفع مقابل الحصول على خدمة، وكل دور الـ IOM بعد تكليفها بذلك من قبل الامم المتحدة هو القيام بهذه الخدمة على ان يتم بشفافية وبتعاون تام مع الجهات المعنية، وقد تحدث كثيرون في اكثر من محفل مطالبين بزيادة اعداد مراكز التصويت بالخارج، واملنا في القائمين على المفوضية ان يجتهدوا فيما تبقى من وقت وفق ما اوضحنا لتحقيق هذا المطلب.

اخيراً يبدو لكثير من العراقيين ان الانتخابات القادمة ستتحقق فيها نزاهة كبيرة بالنظر الى ان منظمة دولية سوف تشرف على هذه الانتخابات لكن هذا القول يحتاج منهم لكثيرمن الجهد العملي ليصبح حقيقة فليس  بالاماني وحدها تتحقق الغايات.

أعلم جيداً ان صوتي قد لا يغير كثيراً في ميزان الانتخابات لكنه في النهاية حق قد حرمت منه ثلاثين عاماً، ومن الضروري ان استعيده عل ذلك يخفف عني. المواطن كامل الاهلية عندي هو المتمتع بحقوقه السياسية والمدنية واهمها حق التصويت، وانا الآن اريد حقي، فأين حقي؟


الخرائط  الأمريكية للعراق وللشرق الأوسط

جواد بشارة

إبان الحرب العراقية ـ الإيرانية في فترة معارك الفاو ومحاولة القوات العراقية استرجاع شبه جزيرة الفاو بأي ثمن طرح أحد الصحفيين سؤالاً على نائب رئيس الوزراء ووزير الخارجية الكويتي  الشيخ صباح الأحمد الصباح فيما لو كان الاختراق الإيراني للأراضي العراقية يمكن أن يؤدي إلى سقوط نظام صدام حسين كان الرد الفوري للمسؤول الكويتي: " لا سمح الله أتمنى الآً يحصل ذلك ابداً " .وكان خوف الوزير الكويتي مفهوماً وهو يخشى من وصول حكومة عراقية موالية لإيران إلى السلطة في العراق مما سيساعد على إنشاء (هلال شيعي) في المنطقة يضم العراق وإيران وسورية ولبنان.

وأضاف  المسؤول الكويتي رفيع المستوى قائلاً وبصرامة وانزعاج:" لو تحقق مثل هذا السيناريو فإن دول الخليج برمتها سوف تسقط  بدورها الواحدة تلو الأخرى  كأوراق الشجر الميتة" .

وبعد مرور عشرين عاماً على مثل هذا الكلام يتبنى العاهل الأردني الملك عبد الله الثاني هذا التحليل ويصرح به في مقابلة أعطاها صحيفة الواشنطن بوست . فقد حذر العاهل الأردني من مغبة وخطورة وصول نظام موال لإيران في العراق من شأنه أن يغيَر بعنف وعلى نحو جوهري التوازن القائم بين السنة والشيعة في المنطقة على حد تعبيره. ولتأكيد مخاوفه أدعى الملك الأردني شائعة رددتها وسائل الإعلام المغرضة مفادها أن الحكومة الإيرانية الحالية شجعت أكثر من مليون إيراني على الذهاب إلى العراق والحصول على وثائق ثبوتية أو هويات شخصية عراقية للمشاركة في الانتخابات المزمع إجراؤها في 30 كانون الثاني القادم.

ما دوافع وأسباب مثل هذا التصرف الاستفزازي الذي يمس بلدين معنيين إلى جانب العراق وهما سورية وإيران ؟ وهما البلدان المستهدفان من قبل أمريكا واحدهما على لائحة محور الشر ، ولماذا الآن بالذات؟

لاننسى أن  هذا التصريف  الأردني زامن زيارة غير مبرمجة مسبقاً يقوم بها الملك عبد الله الثاني  للولايات المتحدة الأمريكية يمر خلالها بالمملكة العربية السعودية  وليبيا  مع استراحة في لندن  عند عودته من جولته  هذه.وهذا إن دل على شيء فهو يدل على أن الإدارة الأمريكية الحالية أو جزءاً منها تحاول للمرة الألف لعب ورقة  التباين الإثني والعرقي والديني ـ من خلال لاعبين وسيطين كالأردن ـ في وقت بلغت الأزمة في المنطقة أوجها ، وطبعت بأحداث عميقة ومؤثرين هما رحيل الشيخ زايد بن سلطان والرئيس  الفلسطيني ياسر عرفات وما يترتب عليهما من مشكلات خلافة في فلسطين والإمارات، والترقب القائم بهذا الصدد في العربية السعودية وقطر  والكويت والبحرين على سبيل المثال لا الحصر.

قد يكون الهدف  تشجيع تشكَل أو انبثاق (قطب شيعي) يلتف حول إيران  في مقابل  (جبهة سنية) تقودها تركيا كما يعتقد بعض الاستراتيجيين الغربيين، وهذه خريطة جديدة تضاف إلى الخرائط اللعينة التي تعدها  الإدارات الأمريكية باستمرار للمنطقة  بغياب  استراتيجية عقلانية وجهل مدقع في فهم الخصوصية  والمعطيات الذاتية والإقليمية التي تتسم بها المنطقة العربية وبعض دول العالم الإسلامي.

وبذلك نصل إلى مفترق طرق يتصف بالمفارقة، فمن جهة  هناك إدانة وتشهير بـ(تقهقر الإسلام وتخلفه حضارياً) ومن جهة ثانية استخدامه آلية لتسيير شؤون المنطقة. ولكن ما الذي سوف يحدث لو أن إيران والعربية السعودية قررتا فجأة تشكيل جبهة إسلامية موحدة تتجاوز وتقفز على الحاجز الطائفي (السيني ـ الشيعي) واتباع استراتيجية مشتركة ولتأمين الحماية اللازمة لهما؟ وهذا ما فكَر به المؤرخ والمحلل الاستراتيجي الفرنسي الكسندر أدلر في  كتابه (رأيت نهاية العالم القديم).

توافقاً مع نهجها التجريبي  تعمل الولايات المتحدة الأمريكية على تجميع وربط خرائط وأوراق قابلة للإنفجار ووضعها جنباً إلى جنب : بسط الهيمنة التامة على النفط وتدمير العراق ، وتهديدات متتالية ضد إيران  وسورية، دعم وتأييد أعمى وغير مشروط لإسرائيل، التلاعب بالنزاعات والاختلافات الأثنية والعرقية والدينية والطائفية على وفق نظرية (فرَق تسد)، فكل شيء مباح ومسموح لترسيخ وتدعيم الطموحات الجيوستراتيجية اللامحدودة للإمبراطورية الأمريكية الجديدة.

منذ الحادي عشر من أيلول 2001، ركزت إدارة جورج دبليو بوش جهودها على العالم العربي والإسلامي  بحجة (نشر وإشاعة وتكريس الديمقراطية فيها ) تحت تسمية مشروع الشرق الأوسط الكبير وهو المشروع الذي فشل قبل ولادته والذي تتصدى له أوروبا الموحدة حديثاً بكل قواها .

كيف يمكن أن نفكر بما يخالف ذلك ونحن نرى المصير الذي آل إليه العراق تحت الحكم المباشر لقوات الاحتلال الأمريكية ؟ بينما كان من المفترض أن يكون هذا البلد "النموذج الأمثل للديمقراطية العربية " والمثال الذي يقتدى به في الحرية والازدهار والتطور بعد التخلص من الحكم الديكتاتوري السابق .لم ينجح الأمريكيون في الوقت الحاضر سوى في حصد نتائج فشلهم الذريع ومعاداة الشعب العراقي بغالبيته الساحقة الاحتلال والرفض المنتظم من جانب الرأي العام العربي والإسلامي لكل ما يأتي من الولايات المتحدة الأمريكية ولنمط الحياة على الطريقة الأمريكية. حارب زعماء الدول العربية ومفوضوها الدبلوماسيون ، المتسلحون بدعم وتأييد شعوبهم ومؤازرة الممثلين الأوروبيين في المحافل الدولية والدبلوماسية ، هذا المشروع الأمريكي الموسوم بالشرق الأوسط الكبير، ولاسيما إبان (منتدى المستقبل) الذي انعقد مؤخرا في الرباط في المغرب . فالكل أجمع على أن لكل بلد الحق في أن يضع بنفسه تصوره للإصلاحات على وفق إيقاعه الخاص من دون تدخل أجنبي ومن دون أن يملى عليه من قبل الولايات المتحدة الأمريكية قسراً . بل، وأكثر من ذلك، طالب المشاركون في المنتدى شرطاً مسبقاً لأي إصلاح سياسي مرتجى بحل عادل ودائم وشامل للصراع العربي ـ الإسرائيلي، كما جاء في البيان الختامي للمنتدى. فهل تسمع واشنطن صوتهم وتأخذه في الاعتبار؟ هذا ليس أكيداً .

تكمن مشكلة الرئيس بوش في أنه لايعترف بأخطائه، وما أكثرها. فهروبه الدائم إلى الأمام من المشكلات الملحة لا يمكنه إلا أن يفاقم الأمور سوءاً  ويقود  العالم  نحو الفوضى العارمة. وبانتظار إخراجه ورقة جديدة يلوح بها في فترة ولايته الثانية، سيظل العالم جامداً ومكبلاً وعاجزاً عن فعل شيء. ولكن من يستطيع صد مهندسي الجحيم الشرق أوسطي ووقف مخططهم الجهنمي؟ قد يكون الأوان قد فات  ولم يبق بصيص من أمل .


محاكمة صدام حسين: الطريق إلى المصالحة الوطنية

لؤي عبد الإله

غابت عن قائمة الاتهامات السبعة التي وجِّهت إلى الرئيس العراقي السابق تهمة أساسية كان بإمكانها أن تسلط الضوء على مرحلة مظلمة مر بها الشعب العراقي بدأت من صيف عام  1979، وخلالها دُفع العراق صوب حروب قررها رئيسه بطريقة متهورة يُحسد عليها، كان ثمنها تدميراً  واسعاً لحياة أجيال عديدة، سواء عبر قتلهم أم تدمير مقومات وجودهم الإنساني.

يمكن عدّ تموز عام 1979 بداية الانحراف صوب الهاوية. ليس على مستوى الكوارث التي قاد صدام حسين شعبه إليها فقط، بل على مستوى التشويه والتخريب الهائلين لروح المواطنة الحقة وللنسيج الاجتماعي الذي كان سائدا إلى ذلك الوقت.

حدث ذلك بعد مرور ما يقرب من عشرة أعوام على انقلاب 17 تموز 1968، ولا بد أن التقارب السوري العراقي الذي تحقق آنذاك كان الزناد الذي فجر جنون العظمة عند (السيد النائب) الذي ظل إلى تلك اللحظة يعمل على إزالة مواقع الضباط المحسوبين على راعيه الذي كان وراء إدخاله ضمن فريق السلطة بعد انقلاب عام 1968 وأعني به الرئيس الأسبق أحمد حسن البكر. لعله فكر أيضا أن فرصة الاستيلاء على الحكم المطلق قد آنت، وإذا لم يستفد منها فستختفي إلى الأبد، فضلاً عن انه بلغ سن الثانية والأربعين، وهو أفضل عمر لتنفيذ أحلام اليقظة التي لا بد من أنها ظلت تساوره في سني مراهقته لكي يصبح رئيسا للجمهورية.

في ذلك الوقت كان الجهاز الأمني تحت سلطته، وعلى الرغم من مضي كل تلك السنوات له في السلطة، فإنه ظل يتصرف كأنه في حزب يعمل من تحت الأرض. جاءت الضربة أخيرا: برز الرئيس البكر ليعلن عن استقالته لأسباب مرضية! ثم تلتها الضربة الأخرى لكل أولئك المؤمنين حقا بالوحدة التي لا بد من أن تبتدئ بوحدة البلدين الجارين والمحكومين من قبل حزب واحد. في تموز تم جمع كل قياديي حزب البعث، وهناك واجه الجميع واحدا من خيارين: إما اختلاق أية وشاية ضد شخص آخر لإنقاذ نفسه أو القتل.

في الفيلم الذي صوِّر عن ذلك الاجتماع الكابوسي الذي وزِّع على الكثير من الحزبيين برز صدام جالسا وراء طاولة وأمامه حشد كبير من القادة المرعوبين، ومع قراءته كل اسم كان التصفيق ينفجر والهتافات بحياته تتصاعد. بالمقابل يتم سحب ذلك سيئ الحظ لإعدامه فورا في الوقت الذي ظل الرئيس الصاعد مواصلا تدخين سيجاره المفضل. وحينما وقف أحد المرعوبين صائحا بتوسل (سيدي كل هذا بسبب عبد الخالق السامرائي)، الذي كان قد أمضى حتى ذلك الوقت أكثر من خمسة أعوام في السجن، كان جواب بطلنا الخرافي بعد أن مس طرف شاربه الأيمن قائلا: (خذه من هذا الشارب) وهذا ما حدث حرفيا إذ جلب ذلك الشخص المعروف بخصال متميزة ليتم إعدامه على (جريمة) كان هو غائبا عنها تماما، ولم تكن لديه أية قدرة على الاتصال بالعالم الخارجي بسبب وضعه في سجن انفرادي.

كان على قائمة الاتهامات التي وجِّهت إلى صدام حسين أن تشمل هذه الجريمة المروعة التي راح ضحيتها ما يقرب من 300 قيادي بارز في حزب البعث، تمت تصفيتهم عن طريق توريط الحزبيين الآخرين بالمشاركة في تنفيذ أحكام الإعدام ضدهم. فضمن تلك القائمة كان هناك عراقيون من كل الطوائف والفئات، إذ تم إعدام عدنان الحمداني جنبا إلى جنب مع محمد عايش على سبيل المثال أحدهما كان من خلفية شيعية والآخر من خلفية سنية. ومع هذه المجزرة الرهيبة انتهى وجود حزب البعث كمؤسسة تتحرك ضمن آلية خاصة بها لتتحول إلى جهاز مخابراتي بحت يسيِّره أبناء عائلة صدام من أصهار إلى أبناء عم وهلم جرا.

تشكل هذه الجريمة نقطة تحول نحو الانحراف الكامل عن كل ما هو مدني ليدخل البلد صوب بربرية صاغ أسسها (السيد الرئيس)، وبفضل ذلك المناخ المتشنج العصابي أدخِل العراق إلى نفق حروب ضارية كان يمكن تجنبها مع قليل من الحكمة وترتب عنها مقتل مئات الألوف وعطب مئات ألوف أخرى من الأجيال الشابة.

ما يجعل هذه الحادثة مفتاحا مهما لتحقيق المصالحة الوطنية هو أن الضحايا ينتمون إلى مختلف الطوائف، وبالتالي فما جرى من انحراف بعد ذلك صوب الاعتماد على العشيرة أو حتى استغلال الورقة الطائفية من قبل صدام كان نتيجة لإنهائه حكم الحزب الواحد وإحلال حكم الفرد الواحد المعتمد على عائلته وعشيرته.  وبإدخال هذه التهمة ضمن القائمة وفتحها في أثناء المحاكمة ستتوفر للعراقيين الشباب فرصة معرفة لحظة مهمة من تاريخهم القريب، كذلك فهي ستمنح أولئك الناقمين على إسقاط نظام صدام فرصة لمعرفة صفحة دموية كان ضحيتها أناساً مخلصين من مختلف المدن العراقية، خصوصا من تلك المحسوبة على مناطق التمرد مثل سامراء وتكريت والفلوجة.

كذلك سيساعد فتح هذا الملف على معرفة ما جرى للرئيس الأسبق أحمد حسن البكر الذي مات في ظروف غامضة، ولعل ذلك يدفع إلى معرفة مصير الكثيرين الذين قُتلوا وهم في مواقع المسؤولية لاختلافهم مع الرئيس المصاب بجنون القتل، مثل وزير الصحة الأسبق الدكتور رياض إبراهيم. كذلك فإن فتح هذا الملف سيكشف خطأ السياسة التي تعرف باجتثاث  جذور البعث. إذ إن ما ساد في العراق بعد ليلة السكاكين الطويلة التي قتل خلالها أبرز القياديين البعثيين هو تنظيم لا صلة له بأي نسق من الأفكار والقيم بغض النظر عن درجة اختلافنا معها. ما ولد على أنقاض تلك المجزرة جهاز من المنتفعين والراغبين في تسيير حياة أسرهم خصوصا بعد انغلاق النوافذ للكثير منهم لكي يحققوا أية درجة من النجاح المهني من دون الانتماء إلى حزب البعث الذي ما عاد حزبا بأي حال من الأحوال. هل يعرف الداعون إلى تطبيق هذا القانون أن الجامعات قد أغلِقت أمام الطلبة الرافضين للانتماء إلى حزب البعث منذ فترة طويلة؟ وفي ظروف تتهدد خلالها حياة الشباب بالموت بسبب احتمال سحبهم إلى أتون الحرب أصبح الانتماء وسيلة أساسية للبقاء. على الذين لم يعيشوا في الداخل في أثناء تلك السنوات العصيبة وراحوا يحاكمون من كان في الداخل بمنظور مختلف أن يلتفتوا حولهم: سيجدون أن ظاهرة الانتفاع والانتهازية التي ترسخت في المجتمع العراقي هي موجودة ضمن التنظيمات التي شكلوها: ليس غريبا أن يتجه الكثير من المحسوبين على المؤسسات القمعية السابقة لينتموا إلى أحزاب حالية طمعا في حماية الذات ومواصلة الانتفاع. كان الأجدر التركيز على مسألة قانونية بحتة: من ارتكب جريمة قتل أو ألحق أذى كبيرا بآخرين يبعد عن المسؤولية إلى أن تجرى له محاكمة عادلة.

 ما نصل إليه من كل ذلك هو أن ما حدث في العراق ليس بسبب البعث تماما بل بسبب صدام نفسه الذي أقصى حكم الحزب عن طريقه وصادر هو وأبناء عائلته الدولة والمجتمع المدني وثرواته. بالتأكيد هو استغل طروحات الحزب الشمولية، وهذا يقودنا إلى نقطة مشتركة يلتقي حولها كل الأحزاب الشمولية التي تؤمن بأنها تمتلك الحقيقة المطلقة التي تريد فرضها على المجتمع بالقوة. ولا بد من أن القوة ستسمى بأسماء مختلفة «النضال القومي» أو «النضال الطبقي» أو (الجهاد المسلح) وهلم جرا.

لذلك قد يمنح إدراج قضية وصول صدام إلى سدة الرئاسة العراقيين فرصة الالتقاء على نقطة مشتركة، تساعدهم على مد أيدي بعضهم لبعض، وتسمح لهم لا بتحقيق المصالحة فيما بينهم فحسب بل مع الماضي نفسه. كذلك سيكون عسيرا على المتهم أو محاميه التشكيك في صحة هذه التهمة، فالفيلم الذي أمر بتوزيعه صدام حسين عن تلك الحادثة متوفر، وصوره تحمل دليلا قاطعا يتنافس مع دليل جرائم القتل التي ارتكبها بول بوت ورجاله، حينما ظلوا يصورون ضحاياهم قبل قتلهم ثم أرشفة تلك الصور للتاريخ.

 

 

للاتصال بنا  -  عن المدى   -   الصفحة الرئيسة