|
كاظم البياتي
الحداثة السياسية دون حداثة اقتصادية، أي دون مسكن ومياه
شرب وكهرباء ومواصلات وعمل شريف، تبقى المشكلة كما هي، فمن
الثابت ان نجاح السياسي يتطلب شروطاً اجتماعية واقتصادية
لا يمكن للسياسي بدونها ان يصبح فعالاً.. محمد
الرميحي/مجلة العربي/ العدد 374.
إن سر نجاح الديمقراطية وسرّ عظمتها قدرتها الفائقة على
اشعار الناس باهميتهم وهتافها الدائم بأن الكلمة كلمتهم
والإرادة إرادتهم وإن الدفة كلها بين إيديهم. خالد محمد
خالد.
تجربة
مؤسسات المجتمع المدني
السؤال الاهم الذي يحتاج إلى استيعاب كاف واجابة موضوعية
يحتاجها أولئك الذين يشغلهم ذلك الهم اليومي بشأن قضية
شعبهم ومستقبل بلادهم ذلك السؤال الذي يتحدد بمدى نجاح
الممارسة المرتقبة وقبولها لدى اوسع القطاعات من مجتمعنا
والموزعة في حواضر البلاد وأريافها تلك التي يطلقون عليها
ـ مؤسسات المجتمع المدني ـ هذه التجربة التي فرضت نفسها
حضارياً حتى صار يقاس من خلالها مدى التقدم الذي وصلت إليه
الكثير من الأنظمة في عالمنا المعاصر ـ وإذا كانت هذه
التجربة وهذا الشكل من الحراك الاجتماعي الذي لم يألفه
شعبنا بشكله الحقيقي والمعبر عن إرادته آخذاً بالتبلور ولو
بدرجات تكاد تكون دون مستوى الطموح، إلا أنها وبالمحصلة
النهائية لابد لها ان تفتح نافذة على المستقبل وتؤشر بوضوح
مدى الاستعداد الشعبي للمشاركة في بناء التجربة الجديدة
والسير بها إلى نهاية الشوط.
في ضوء ما تقدم نستطيع القول ان قوى شعبنا تتطلع اليوم
بقوة إلى أخذ زمام المبادرة لممارسة حقها كي تنهض من خلال
بناء مؤسسات المجتمع المدني بما لديها من خبرة بسيطة وطموح
كبير رغم الكثير من العثرات والممارسات الخاطئة وإذا كان
لابد من السير بهذا الاتجاه برغم ما يكتنفه من ضبابية وقلة
تجربة واستئثار بالواقع من قبل البعض من المنتفعين خاصة من
بقايا ازلام النظام البائد، وخلط الأوراق احياناً لتشويه
ما تم انجازه وبالتالي الاجهاز على ما تحقق، برغم كل هذا
نجد ان اغلب الفصائل الحية من أبناء شعبنا تجاهد ليل نهارو
هي تعض بالنواجذ على ما تحقق برغم بساطته وما فيه من
ثغرات، وهذا ان دلّ على شيء فأنه يدل على ان شعبنا يتطلع
إلى بناء مستقبله بجدارة، مثله مثل الشعوب الحية التي
ساهمت في بناء الحضارة الإنسانية اننا من خلال التجارب
الكثيرة التي مرت على شعبنا عبر العهود السياسية المختلفة،
وما تمخض عنها من نتائج مريرة نستطيع ان نستنتج ان خوض هذا
المعترك ليس سهلاً سيما ان بلادنا تقع في قلب العالم فضلاً
عن مميزاتها الستراتيجية وعلى مختلف الصعد.
مسارات غير محسوبة
ان السير بهذا الاتجاه قد يفضي إلى مسارات ربما تكون غير
محسوبة النتائج، وهذا ما اقض مضاجع الكثير من القوى
والانظمة المحيطة ببلدنا، فضلاً عن ضعف الدافع والرغبة غير
المصرح بها لدى القوى التي اجهزت على النظام وازاحته عن
كاهل الشعب العراقي المظلوم للسير بالعملية السياسية إلى
آخر الشوط.
ان القوى التي غيبت اوسع القطاعات الشعبية صاحبة المصلحة
في بناء العراق الديمقراطي التعددي الفدرالي، القوى التي
استأثرت بالامتيازات وتعاونت مع الشيطان لئلا يكون هناك
توزيع عادل للثروة العراقية وحتى انهيار الديكتاتورية
وسقوط الصنم وها هي اليوم نراها تتأهب لأخذ زمام المبادرة
وهي تحاول ان تهيئ المسرح من جديد لتبدأ فصلاً آخر مع
أبناء شعبنا المغلوبين على أمرهم ان المراقب السياسي حين
يستعرض مجريات الاحداث التي يراها أمام عينيه يتضح لديه ان
القوة الطامعة والمعادية للاكثرية الساحقة من أبناء شعبنا
هي نفسها التي استأثرت بالقرار السياسي في فصول سابقة من
تأريخنا القريب والبعيد، وهي نفسها مساحبة تلك
السيناريوهات التي اجهضت بواسطتها اغلب الفرص التي تهيأت
للغالبية العظمى من أبناء شعبنا صاحبة المصلحة في التغيير
ففي مذكرة رفعها الحزب الوطني الديمقراطي إلى رئيس الوزراء
آنذاك والمؤرخة في 9 حزيران 1952(1) جاء فيها (يعتقد الحزب
ان السبب الرئيس لفساد الحكم في العراق وعدم استقراره هو
بعد ذهنية الطبقة الحاكمة عن تفهم معنى الديمقراطية
ومقوماتها ومراميها وعدم الايمان بها بل ومحاربتها بجميع
الوسائل وهي في مهدها، واعتقاد هذه الطبقة بان الحقوق
السياسية للمواطن يجب ان تمنح من قبلها بجرعات قليلة بحيث
لا تحد من سلطاتها ولا تنتقص من الامتيازات التي حصلت
عليها نتيجة تمركز السلطة بيدها ومنشأ ذلك هو عدم ايمان
الطبقة الحاكمة منذ البداية بالمبادئ العامة لثورة العشرين
وبما كانت ترمي إليه من تأسيس دولة ديمقراطية برلمانية
وعدم ايمان هذه الطبقة كذلك حتى بأسس الدستور العراقي الذي
سن في ظل الانتداب البريطاني للتوفيق من جهة بين رغبة
الشعب العراقي في الحصول على نظام ديمقراطي واظهار هذه
الدولة الناشئة امام عصبة الأمم بمظهر الدولة التي يسودها
الحكم الوطني وبين رغبة الدولة المنتدبة من جهة أخرى في أن
تكون للسلطة التنفيذية الأهلية من ورائها المصالح الأجنبية
اليد العليا في إدارة شؤون الدولة).
إرادة قوية
ان مثل هذه المواقف من التحدي ان دلت على شيء فإنما تدل
على ان شعبنا يمتلك من الإرادة ما يؤهله لان يقف بوجه
العوائق مهما كان شكلها، حيث ان صراعه يمتد أبعد من ذلك
كما يتبين من النص الذي أورده الكاتب والمناضل المعروف زكي
خيري في دراسة كتهبا عن ثورة العشرين يقول: لقد شهد الحكم
العثماني في العراق حركات متواصلة، عربية وكردية ضد
الاضطهاد والاستغلال التركي وفي سبيل الظفر بالحقوق
القومية وكان مطلب الاستقلال الذاتي واللامركزية أكبر
المطالب أهمية في ذلك العهد، وقد عبر شعب العراق عن مطامحه
وإرادته سواء بالثورة ثورة بغداد في 13 حزيران 1831 أو
الانتفاضات والعصيانات التي خاضتها كثير من المدن والأرياف
واغلبها فلاحية بقيادة بعض الملاكين الأحرار أو الجمعيات
والأندية، وكان بعض هذه المؤسسات عربيا يتجاوز القطر
العراقي والبعض الآخر عربيا كرديا من العراق، وكان
العاملون فيها في الأغلب من المثقفين والضباط والتجار.
في ذلك الفصل من تاريخ العراق سواء كان إبان السيطرة
العثمانية أم في فترة النظام الملكي لا يمكن لأي دارس ان
يتجاوز أشكال الصارع بين اوسع القطاعات الشعبية وبين القوى
الفاعلة التي استعانت بالاجنبي لتتمكن من الهيمنة والتسلط
ففي هذه من تأريخنا القريب يتضح لنا ولو بشكل موجز مدى
الحيوية والاستعداد لدى الغالبية من أبناء شعبنا تلك التي
لم تكن لديها المؤهلات الكافية ولا القدرة على قلب
المعادلات لمصلحتها نراها تقف لتؤكد حضورها حيث يسجل لها
التاريخ انصع الصفحات النضالية تلك التي قد يجهلها البعض
من اجيالنا الحاضرة.
اما الفصل الدرامي الآخر ذلك الفصل الذي اعتقد إنه لم يدرس
بعمق وبمستوى الحدث الذي شكل في حينه انعطافة تأريخية كبرى
في تاريخ العراق المعاصر بعد ان تغير النظام من الملكية
إلى النظام الجمهوري، تلك الفترة التي تصدت فيها الطلائع
الواعية من أبناء شعبنا لكل العوائق واخذت على عاتقها بناء
مؤسسات المجتمع المدني بشكل تعبوي لم يشهده العراق قط ومع
ما تخلل هذه الممارسة من اخطاء جسيمة وتطرف غير محسوب، إلا
ان أعداء البناء أعداء الشعب هم أنفسهم وان تغيرت أساليب
عملهم حتى تناضى لوئد هذه التجربة كل أعداء العراق في
الداخل والخارج والأمثلة كثيرة على ذلك.
صراع ليس جديداً
لقد جاء بالمقال الافتتاحي لمجلة الثقافة الجديدة الصادرة
في شهر حزيران سنة 1960 ما يؤكد قولنا بكل سطوع، يقول
المقال (في هذه المرحلة كان الشعب يضطر إلى اتخاذ مواقف
الدفاع إزاء عنف هجوم الردة وعمق ودناءة الاساليب التي
استخدمت في هذه المعركة الضارية التي كان هدفها المركزي
نسف التضامن الجهادي بين السلطة الوطنية وقوى الشعب
الثورية واستعداء السلطة عليها من جهة أخرى) هذا الاحتدام
بطبيعته يدلل بوضوح على ان صراع شعبنا مع القوى الطامعة
ليس جديداً بل أن الدارس لهذه الفترات التأريخية يجد ان
هذا الصراع يأخذ اشكالاً تختلف من مرحلة لأخرى، بيد أن
الذي لم يتغير هو أن العدو واحد والهدف واحد وان تغيرت
الاساليب وتنوعت اشكالها واستكمالاً لهذا الاستعراض من
الهيمنة وسلب الحقوق المشروعة لشعبنا الصابر لا يسعنا إلا
ان نتجاوز حجم الممارسات التي اعتمدها النظام الدكتاتوري
طوال بقائة في السلطة برغم ان الحديث عن هذه الفترة
المظلمة يحتاج إلى دراسات معمقة لاستخلاص أهم التجارب لكي
تستفيد منها اجيالنا المقبلة. يكفي ان نذكر ونحن نعالج
أهمية الدور المتوقع الذي ينبغي ان تنهض به مؤسسات المجتمع
المدني في ظرفنا الحاضر يكفي ان الديكتاتورية ونظامها
الشمولي استطاعت بقرار واحد ان تحول العمال إلى موظفين بين
ليلة وضحاها. لا شك ان مثل قرارات كهذه تدلل بوضوح تام على
شكل الهيمنة وطبيعة الذهنية التي تدير مقدرات شؤون الدولة
له والمجتمع.
ان هذا التاريخ الطويل من الصراع الذي خاضته الفصائل
الخيرة من أبناء شعبنا عبر هذه المراحل السياسية والمعارك
الطبقية اكسبها شيئاً من التجربة ساعدتها على وعي ذاتها
وبالتالي على إدارة دفة الصراع مع عدوها الطبقي برغم عدم
تكافؤ الفرص إذ ظل هذا الصراع على أشده حتى خيمت
الدكتاتورية وساد الإرهاب ربوع بلادنا الحبيبة يقول المفكر
بألم وات الفاشية إنها اجهاض للثورة الاجتماعية، أنها تأتي
نتيجة لأزمة ثورية تعجز فيها القوى الأساسية عن الاستيلاء
على السلطة وتعجز البرجوازية عن الحفاظ على سلطتها ـ هذه
حقيقة عاشها الشعب العراقي بأبعد مدياتها، إنها تركت
تأثيرها الكبير على مسار التحولات السياسية اللاحقة وعملت
على اجهاض جميع المحاولات والمشاريع التي أرادت مساعدة
الشعب العراقي وإتاحة الفرصة أمامه لبناء بلده، وبالنتجية
خيمت الدكتاتورية أكثر من ثلاثة عقود حيث فعلت فعلها لو لا
ما حصل من تداخل في المصالح ومتغيرات سياسة ودولية ساعدت
على انهاء هذا الوضع الشاذ.
مسؤولية بناء المستقبل
ان هذا الاستعراض من الشواهد عبر مراحل تاريخية متعددة
يتيح لنا ان نتبين العديد من الاستنتاجات وأولها ان قدرة
شعبنا الخلاقة تكمن في تعبئته في تنظيمات سياسية جماهيرية
ومؤسسات نقابية واتحادات ترعى مصالح اعضائها وتجعل منهم
قوة تأخذ على عاتقها مسؤولية بناء المستقبل والسهر على
مصالحه. وعند هذه النقطة لابد ان تبرز الكثير من الأسئلة
والعديد من الاستنتاجات التي ينبغي اشراك المواطن في
مناقشتها وإيجاد ما يمكن ايجاده من الحلول لها.
هل ان تجربتنا قليلة في هذا المضمار، أم ان لدى المواطن من
الاحباط واليأس ما يمنعه من ذلك؟ ما الدور الذي تنهض به
الاحزاب والقوى السياسية في وقتنا الحاضر؟ هل هناك اكثرية
صامتة، أم ماذا؟ ما الأسلوب الامثل لتفعيل دور الجماهير
في مرحلتنا الراهنة؟ هل ان فترة الدكتاتورية والحزب الواحد
اثرت في قناعات المواطن بعد تلك الفترة من الديماغوغية؟ ما
مدى تفاعل المواطن مع منظمات المجتمع المدني والنشاط
السياسي بشكل عام؟.
ان مثل هذا الحراك ينبغي ان تتكفل به القوى السياسية على
اختلاف اطيافها. ترى هل يجد المواطن لدى هذه القوى
السياسية.
ـــــــــــــــــــــــــ
(1) مذكرات كامل الجادرجي
|