المدى الثقافي

الصفحة الرئيسة للاتصال بنا اعلانات واشتراكات عن المدى ارشيف المدى
 
 

استطلاع: أدباء الناصرية والانتخابات

حسين كريم العامل

ماذا يمكن ان يقول أدباء الناصرية عن الانتخابات وهم الذين ذاقوا الامرين من سياسة تكميم الافواه وقمع الحريات وهيمنة شعارات الدكتاتورية التي كان نموذجها (لاصوت يعلو على صوت المعركة).

المعركه التي اغتالت أحلى ايامهم واجمل امنياتهم واجهضت جل مشاريعهم الابداعية، انهم يباركون هذه التجربه ويعملون على انجاحها ويدعون ابناء العراق الى خوض هذه التجربة التي ستقصم ظهر الارهاب، وتعبر بهم الى مرحلة جديدة. المدى الثقافي حرصاً منها على سماع واسماع رأي الادباء بالأنتخابات التقت نخبة من أدباء الناصرية.

احمد الباقري قاص ومترجم

المثقف وانتخابات المجلس الوطني

لابد ان يثبت المثقف حضوره الايجابي في عالم السياسة ويخرج من شرنقته التي سجنها به النظام السياسي السابق ويدلي بصوته الجريء لاختيار ممثليه الحقيقيين في المجلس الوطني وذلك كي يساهم في رسم خارطة العراق الحر الجديد الخالية من الدم والخراب والانين لتعود الخضرة لأرض العراق وترجع الابتسامة العريضة الى وجوه الارامل والثكالى والايتام.

ان انتخابات المجلس الوطني ممارسة ديمقراطية، لابد ان يشارك بها المثقف ليقطع الطريق امام الظلاميين والمجرمين من اتباع النظام السابق الذين يريدون تأجيلها ومن ثم ألغاءها كي يبقى الشعب العراقي بلا ممثلين له وبلا دستور يضمن حقوقه وحريته.

لابد ان هؤلاء المرتزقة المجرمين يعدون العدة لأفشال انتخابات المجلس الوطني، فعلى الحكومة الوطنية المؤقتة تضييق الخناق عليهم وألقاؤهم في السجن حين يكتشف أمرهم وتكون في حوزتهم كمية من المتفجرات أو الاسلحة التي تستخدم لقتل الابرياء او لاخافة ابناء الشعب العراقي كي لايصلوا الى المراكز الانتخابية للتصويت واختيار ممثليهم الحقيقيين.

على المثقف العراقي ان يشجع ابناء الشعب العراقي الذين يحيطون به او ممن يعيشون معه في دائرة حكومية او مدرسة أو معمل أو سوق أو في اي مكان.. كي يقصدوا المراكز الانتخابية ليختاروا ممثليهم بحرية كي يساهموا ببناء عراق حر وديمقراطي.. تهب في مداه رياح الحرية.. وتعلو صروح المجد والعز على أنقاض الخراب البغيض التي خلفها النظام السياسي المقبور.

كلي ثقة وأمل بأن المثقف العراقي سيقوم بدوره على أتم وجه كي ينتخب اعضاء المجلس الوطني الذي سيرسمون المستقبل الوضاء لعراقٍ ديمقراطي حر جديد.

 

الروائي نعيم عبد مهلهل

الانتخابات حاجة وطنية ملحة

أعتقد ان للمثقف الاديب دوراً ريادياً في ترسيخ وعي هذه الظاهرة الحضارية، ان تختار من تجده جديراً بأن ينقل صوتك وعلمك وطموحاتك الى سدة القرار ويقود وطنك الى مساحات جديدة من السلام والحرية بعيداً عن سحب المحتل ونفاق التدخل وسيارات التفخيخ الارهابية..

لهذا ينبغي ان يكون هذا الوعي المتقدم آلة مضيئة كمشكاة في مسيرة الاعداد والتهيئة لهذة المهمة من خلال تفعيل الثقافة وجعلها موجهاً وكاشفاً لحقيقة هذه التظاهرة، كونها حاجة وطنية مبتغاة تقضي على مخلفات كل مايحدث الان وسيكون سعي المثقف لاثبات ان الافضل هو من يعي الرغبة والحلم لدى الانسان العراقي.. سعياً مثابراً وجدياً من خلال مايطرحه من افكار ونصوص وحتى ابداعات ادبية تهم هذا الجانب الحيوي...

اتمنى ان يرى المثقفون بعد عبور ازمنة الاحتلال والحكومات المؤقتة الى فضاءات الحرية الحقيقية، ان يروا عالماً جديداً فيه الصلاح والوفاق والايمان، والحرية الحقيقية من اجل عراق يمضي الى الامام بخطا ثابتة...

ياسر البراك مخرج وناقد مسرحي

المثقف والديمقراطية

المثقف نصير الديمقراطية وممارسته الابداعية لايمكن ان تتم الا من خلال ماتخلقه من مناخ عام فيه اعتراف بالاخر، ولذلك فان المثقف بمعناه الحقيقي لا المزيف يناصر الديمقراطية بغض النظر عما إذا كان مثقفاً ليبرالياً أواسلامياً اوماركسياً انني أرى ان افق الديمقراطية العراقية سيكون كبيراً وسينعكس على الثقافة العراقية بكل ابداعها بغض النظر عن اجناسها الفنية او الادبية، لذلك سوف يندمج المثقف اياً كانت ايديولوجيته في المشروع الديمقراطي الجديد وسيلعب دوراً مهماً في بث الوعي الانتخابي للناس من خلال ماينجزه من أعمال ادبية أو فنية، فالمثقف سوف يعزز موقع الفكر الديمقراطي في أوساط المجتمع العراقي وسيضيف مفردات جديدة الى قاموسه العام، وسيقف المثقف العراقي بوجه جميع التطلعات التي التي تحاول أعادة عجلة الحياة الى الوراء وتأسيس نظام شمولي جديد في العراق سواء بصبغة عسكرتارية ام اسلامية ام قومية، لذلك فان مستقبل الثقافة العراقية الحقيقية سيكون مرهوناً بنجاح التجربة الديمقراطية في العراق.

 

امير دوشي كاتب ومترجم

الانتخابات الخطوة الاولى لبناء العراق الجديد

يجب ان نحدد اولا اننا عن اي مثقف نتكلم؟ عن المثقف السلفي، الطارئ الجديد على الساحة الثقافية العراقية ام نتحدث عن دور المثقف الذي شهر الديمقراطية سلاحاً ليبرر ممارساته، نعم للمثقفين دور مركزي ينفتح على التثقيف باستقصاء وتحليل العلاقات والتقاليد الاجتماعية والفكريه واجهزه النظام التشريعي السياسي للدولة والتي مازالت سائدة وتبدو في طور تحول وذلك من أجل استخلاص النتائج العملية والفعلية لمثل هذه العلاقات: اي البحث عن نسق جديد لمفاهيم ومعايير تميز بين الفهم والتبرير نحو عراق أكثر تسامحاً مبنى على قوه المنطق لامنطق القوه حيث الانتخابات الخطوه الاولى لأرساء قوه المنطق والشراكه الحقة القائمة على الاعتراف بحق الجميع العادل في هذا الوطن.

المسرحي عمار سيف

الادباء والانتخابات

بعد ان أشرقت شمس الحرية على المثقف وخروجه من فوقعته التي اجبرته الانظمة السابقة على التقوقع فيها اصبح لزاماً عليه ان يساهم في بناء العراق الجديد من خلال وضع كل اداوته الثقافية في خدمة عمليه البناء.

وفي الاجواء الانتخابية التي نحن مقبلون عليها لابد من ان يكون للمثقف كلمته الواضحه والصريحة لان العامة من الناس ينظرون الى المثقف كقدوة لهم واكيد انهم سوف يفعلون مايستخلصونه من اداء المثقفين... وطبقة المثقفين تقع عليهم مسؤولية كبيرة في اعطاء اصواتهم لمن يستحقها من الاشخاص القادرين فعلاً على قيادة البلد نحو التقدم والرفاهية.


في المدار: أيام في السليمانية

د.سهام جبار

للمرة الاولى تتسنى لي فرصة زيارة السليمانية والمشاركة في مهرجان كلاويز الثقافي الادبي في دورته الثامنة للمدة من 4-10 كانون الاول، كنت قد تهيأت لمغادرة مكاني المألوف واكتشاف المكان الاخر، لكن لم تتحقق لي هذه الدهشة لان الأرض- وان امتدت وارتفعت فرأيت الجبال ولها عندي شأنها الخاص الذي لايضاهي- الا ان ذلك لم يكن بعيداً عما اعتدت وعرفت، المدينة بشوارعها ومحلاتها وناسها مألوفة حد الطمأنينة حتى الطقس جئنا فأصبح دافئاً حانياً، كأنما ليستمر كسر التوقع حتى النهاية. لامركز لهذا العراق كل ما فيه ينبض بعراقيته. أصدقاء الدراسة الذين عرفتهم خلال الثمانينات كنت أتلفت في توقع ان اراهم يري، سيروان، آزاد.. وغيرهم لم أجدهم الا اني التقيت وجوهاً مشابهة وبعضهم ممن عاش الاحداث نفسها والواقع نفسه الذي كان لبغداد خلال العقود المنصرمة وبعض آخر من الاجيال الجديدة ممن هم أصغر سناً لم يعرفوا تلك المعاناة وعرفوا معاناة اخرى غيرها وابتعدت بهم اللغة عن مدارك التواصل معنا، اذ لم يتعلموا العربية وزاد الاكتفاء بلغتهم مسافة البعد فانقطع السبيل وحلت الاشارة محل الكلام، ولم يمنع مع ذلك ان اللقاء ببعض ممن تبادلنا معه الاشارة كان حميمياً ودافئاً وتكللت المودة بالدعاء لنا نحن القادمين من بغداد بأن يحفظنا الله من المفخخين والمتفجرات، التصاق الكردي بكرديته نوع من التمترس بالهوية، والخوف على هذه الهوية صار هاجساً من الصعب عليهم تخطيه، يمكن القول ان هناك شعوراً بالخطر يغلف الحياة هناك يتسرب الاحساس به من منافذ شتى، حتى العرض المسرحي الذي شاهدناه- ولااعرف اسمه اذ لم يترجم لي أحد معنى هذا الاسم ( في خضم أزمة اللغة وانقطاع الترجمة) واكتفيت بتلقيه اعتماداً على عناصره الفنية غير عنصر الحوار – كان منشغلاً بهاجس الخوف، الا ان مايتغلب على ذلك الطيبة الكردية والمودة التي يفترشها الابداع وتسنها قوانينه، اللقاء الرحب بالشاعر شيركو بيكس وحديثه المتذكر محطات حياته وسيرته الشعرية، الادباء القادمون من شتى أصقاع كردستان، القاص أحمد محمد اسماعيل الذي التقيته بعد 12 سنة من كتابتي عن احدى قصصه، النقاد عبد الله طاهر البرزنجي بدماثته وطيبة خلقه، محي الدين محمود، وآكو، ونوزاد أحمد ورؤوف عثمان ومثقفون وادباء آخرون قد أنسى بعض أسمائهم لكن لاأنسى آفاق الحوار والتواصل التي تجمعنا بهم، والتعرف على مديات الاهتمام النقدي والبحث الاكاديمي التي رأينا انها ينبغي ان تتسع من أجل البناء المعرفي الذي هو أهم من تبادل الاهتمام والمجاملة كل بأدب الاخر.

عدت من السليمانية وقد ازداد شعوري بالعراق، الوطن الذي تعرض كله لجور الدكتاتور وزمرته، المسافات لم تفصل المدن عن بعضها، لكن يفصلها الموقف من الارهاب الذي ترك طابعه على هذه المسافة او تلك، لقد كانت الايام السبعة في السليمانية من أجمل الايام التي أستعدت فيها الشعور بالأمن والأمان بعد مكوث مدى الحياة في بغداد التي لم أغادرها الا هذه المرة.


ادوارد سعيد وتحية كاريوكا! .. البوب آرتس وبولطقيا الجسد في الدراسات مابعد الكولنيالية

2-2

علي بدر

الوعي السياسي والأنثوي

ما أثار إدوارد سعيد حقيقة في شخصية تحية كاريوكا هو وعيها السياسي والطبقي، فلم تكن بعيدة عن السياسة على الإطلاق، كانت منخرطة في صفوف اليسار المصري، وبالرغم من أنها رقصت أمام الملك فاروق في كازينو (الأبراج ) الشهير، ورقصت على أنغام أغنية "غنيلي شوي شوي" لأم كلثوم في قصر عابدين، إلا أنها كانت قريبة من المثقفين والسياسيين والكتاب اليساريين في ذلك الوقت، وقد صعدت من نبرة صوتها ضد العسكر بعد تصعيد موجة العنف ضد أحرار مصر في زمن عبد الناصر وقالت جملتها الشهيرة: "ذهب فاروق وجاءت فواريق" مشددة على استمرار الاستبداد السياسي والقمع فاعتقلها عبد الناصر إلى جانب المثقفين والفنانين اليساريين في الخمسينيات، واتهمها إلى جانب مصطفى كمال صدقى بتهمة القيام بنشاط معاد للثورة، وهي التهمة التي ألصقها عبد الناصر بالمثقفين اليساريين والتنظيمات اليسارية المحظورة وكانت أكثر تهم معاداة النظام العسكري عقوبة آنذاك، وأودعت تحية كاريوكا سجن الاستئناف وعندما أخذ المخرج حلمي رفله يتردد عليها في السجن  لفت نظر رجال المباحث فألقي عليه القبض ووجهت إليه تهمة مساعدة ومؤازرة المتهمين في القيام بنشاط هدام للمجتمع المصري.  وفي تلك الفترة أيضا حمت تحية كاريوكا المثقف اليساري المصري صلاح حافظ في منزلها وكان طالباً وصحافياً وسياسياً شاباً آنذاك.. و قد مثلت في أفلام عديدة بلغ عددها 200 فيلم أبرزها: "شباب امرأة" الذي أخرجه صلاح أبو سيف وعرض في مهرجان "كان" حيث لفتت أنظار الصحافة العالمية عندما ظهرت باللباس البلدي للمرأة المصرية وخطفت الأضواء، وهناك وقعت تلك الحادثة المشهورة مع الممثلة ريتا هيوارات التي أدلت بتصريحات تسيء إلى العرب فتصدت لها أمام جمهور واسع. كما عملت في المسرح مع إسماعيل ياسين وأبو السعود الابياري، قبل أن تؤسس في الستينيات بعد زواجها من فايز حلاوة فرقة مسرحية تحمل اسمها، و لمعت مع فايز حلاوة في تقديم العديد من المسرحيات السياسية مثل روبابيكيا و يحيا الوفد، لقد كانت منخرطة في العمل السياسي بشكل كامل، وتدربت على السلاح خلال عدوان 1956 على مصر، ثم خلال حرب حزيران 67، كما جمعت التبرعات لنصرة أطفال الحجارة، كانت مناضلة نقابية من الدرجة الأولى قادت إضراب نقابات المهن الفنية ضد قانون اعتبرته جائراً بحق الفنانين وأعلنت الاعتصام عن الطعام بالرغم من تدهور صحتها، وقد أسست مع فايز حلاوة الكاتب والممثل المسرحي (الكباريه السياسي)، وهو مسرح يعالج مظاهر العلاقة بين المواطن والسلطة في إطار نقدي ساخر موجه للسلطة، ومثلت معه مسرحية (روبابيكيا) و(الثعلب فات) و(حضرة صاحب العمارة) و(كدابين الزفة) و(البغل في الإبريق) و(شفيقة القبطية) و(يحيا الوفد) و(الباب العالي) و(حارة الشرفا) و(قهوة التوتة) و(بلاغ كاذب).

كان سعيد يقترب شيئا فشيئا من الثقافة الشعبية ومن الميدان الميثادولوجي الذي يؤسسها، لقد هزه الحماس الفائض للثقافة الشعبية التي كان كل من ليوتار وبورديار يشجعانها، كان ينظر إليها من وجهة نظر سياسية ومن وجهة نظر ثقافية أيضا، وكان يبغي من وراء طرحه لنموذج تحية كاريوكا هو تقديم معنى جديد يمتزج مع شبكة من المعاني المعقدة لمظاهر اجتماعية مختلفة يبرز من بينها أحد أبرز مظاهر الثقافة الشعبية هو الرقص الشعبي، هذه المقالة هي انتصار لأخلاق السعادة، للاحترافية الفنية في الفن الشعبي، وليس مصادفة أن يقترن اهتمام إدوارد سعيد هنا بمظاهر العالم، وبالفن الشعبي، وبالنصية الدنيوية، والنقد الدنيوي، وأن يطرح مفهوم العالم جنبا إلى جنب النص والنقد، بعد بروز فلسفة ضيقة بكل المقاييس، فلسفة نصية تصر على عدم التدخل النقدي، وعلى الخلفية السياسية والاجتماعية لسطوع الريغانية المخيفة لأكثر المثقفين، وبروز حرب باردة مهددة جديدة، وتفاقم مظاهر العسكرة وظهور شبح الحرب، والانجراف الهائل باتجاه اليمين، ففي الوقت الذي كتب إدوارد سعيد مقالته عن تحية كاريوكا كان هنالك نقد يميني الجانب يعزف عزوفا كليا عن العالم والحياة والمجتمع ويقدم نصا ميثادولوجيا تكتنفه إلى حد بعيد الشكوك والمغالطات.

كان سعيد يدرك إدراكا تاما أن تحية كاريوكا هي نقطة البدء في تحديد الأفكار والصياغات في مفهوم الثقافة الشعبية، فهي الخط العريض لثقافة بأكملها هي ثقافة الرقص الشعبي، ثقافة كائنة من هذا المكان، ثقافة مؤثرة غير مجلوبة أو مستوردة، أو قادمة عن طريق تثاقف ـ أو استجلاب ثقافي مثل الفيلم السينمائي أو الغنائي أو الموسيقي المعاصر، هذه الأفكار والصياغات هي التي حملت الرقص الشعبي بعدا سياسيا وثقافيا واجتماعيا مغايرا تقريبا، ولا تتجاوز هذه الأفكار والصياغات الأحداث التاريخية العالمية أو القومية التي تقدمها هذه الراقصة بوصفها هي الأخرى حدثا، إنما تنشبك هي الأخرى في التاريخ الخارجي، وفي النصوص التي تشكل المرحلة التاريخية التي تؤسسها، والأحداث التي نجمت عن هذه النصوص ذاتها، إن أحداث وظروف تحية ما هي إلا نصية أيضاً، إنها نص وهي أحداث إلى حد ما، وهي فوق كل هذا وذاك قسط من العالم الاجتماعي والحياة البشرية الذي يتحول إلى نص يمكن تحليله والإطلالة عليه، إنها قدر بالتأكيد من اللحظات التاريخية التي احتلت مكانها من خلال الدور الذي لعبته في المسار التاريخي حتى يبدو التنكر له أو مجافاته متعذرا هنا.

ولكن ما هو الحادث التذكاري الذي حفز سعيد على لا لأن تكون تحية كاريوكا رمزا وطنيا فقط إنما لتصبح واحدة من الرموز الإيروسية العظيمة التي شكلت جيلا بأكمله من المثقفين والمنتجين المدنيين والثقافيين، رمزا إيروسيا معدلا عن طاقة رومانتيكية مبهجة، طاقة سعيدة تتحول إلى جاذبية هائلة ومطلقة شبيهة بقدرة سيريس الساحرة التي تغوي البحارة الذين تلتقيهم في عرض البحار، ما هو الحادث التذكاري الذي جعلها النموذج التصريحي للمرأة القاتلة، نموذج الأنوثة الخالدة، أو باترون المرأة المستحيلة التي لا تطال، هذا الحادث التذكاري الأول الذي سرده إدوارد سعيد في مقالته:

كان الأمر لا يعدو أن يكون حادثة بسيطة وعابرة بطبيعة الأمر، حادثة بسيطة وتقليدية ومتكررة غير أنها طبعت في ذهن إدوارد سعيد تخريجا ثابتا ومتواصلا لشهواته المكبوتة طوال السنوات التي غادر بها القاهرة إلى أميركا، ففي العام 1950 تدبر سمير يوسف صديق سعيد في المدرسة أمر طاولة في مسرح بديعة المكشوف في الجيزة على النيل، وقد اهتز إدوارد سعيد وللمرة الأولى أمام إثارة كاملة لمشهد إيروسي عظيم نفذته واحدة من أكبر الراقصات في تاريخ هذا الفن، بمرافقة مطرب بليد الملامح، وتقليدي إلى حد بعيد، وقد جلس سعيد ومفاصله متراخية وأيديه متشبثة بالكرسي يشلها التوتر، كانت تحية تؤدي تأليفا طويلا ومتواصلا من الإيماءات مع الموسيقى التي تعلو وتهبط بنغماتها المتجانسة، كانت تؤدي تأليفا متجانسا لمسرحية إيروسية هائلة الإثارة نظرا لإرجائها الذي لا ينتهي، وكانت تقدم وصلة من الجنس الغامض والمؤدى والمنظم ببراعة هائلة ولكنه جنس عصي على التحقق والاكتمال، جنس مرجأ على الدوام ومستبعد بصورة نهائية.

يشير سعيد وهو يصف ببراعة كاملة هذه الحركة التي تقوم بها تحية على المسرح إلى شبكة متصالبة متآلفة ومتأنقة من تقنيات الرقص، يشير إلى العلاقة بين الرقص وأخلاق السعادة، يشير إلى شبكة من القوانين التقنية والاجتماعية والأخلاقية التي تحكم مسارا صارما وكليا من الأداءات الثقافية، بل تفرض من خلال الثقافة السائدة ذاتها القوانين  المتعلقة بكيفية بحث هذه الإجراءات والمتواليات التي تطرحها الثقافة الشعبية ومنهجياتها، لقد بين سعيد في هذه المقالة مظهراً ثانوياً من مظاهر قدرة الثقافة على السيطرة على العمل وعلى تجويزه. وأما الشيء الأهم في الثقافة فهو أنها منظومة من القيم التي ترشح إلى تحت كي تغمر بقطراتها كل شيء تقريباً ضمن نطاقها هي، وإلى حد البلل.

لقد حملت مقالة إدوارد سعيد مشاعر متحمسة، مشاعر طاغية، مشاعر مفعمة بالإعجاب والتقدير لتحية كاريوكا، وقد وضعها جنبا إلى جنب صناع الثقافة والحياة والفن في العالم مثل ريمون شواب وثيبودية وستارابونسكي وأدورنو، لقد ألهمته هذا النص الاستثنائي الذي جاء في زحمة مواقف متتابعة، وأحداث متوالية، وتطورات صاخبة في الثقافة والنقد، ومن بين هذه الفوضى الخلاقة التي خلفها سعيد والركام الذي قفز فوقه يبرز نصه عن تحية كاريوكا متواصلا مع رقصها الأرابسكي المديد، يبرز منسجما مع البسمة المضيئة التي تفتر عن شفتيها والتي تضيء الخلفية عادة، هذه البسمة التي وصفها سعيد بأنها نقطة ثابتة في عالم متقلب، لقد كان انخراطه في دفاعه اللافت عنها قادما من عمق تحديده الفني الدقيق إلى التحولات التقنية في أدائها، تحولات الأستطيقيا وتحولات الفن والمعبر عنه بهذا التثني الآسر في الحركة والذي يؤدي إلى الإيحاء الإيروسي أكثر مما يؤدي إلى الحركات الجسدية الشهوية المبتذلة، وبهذه القصدية المهيبة التي تبقى محافظة على طابعها المعدل حتى أثناء المقاطع الأكثر خفة وسرعة، إن إعجاب سعيد بتحية كاريوكا يكمن في ابتعادها عن النموذج الشعبي المخدر بشهواته المكشوفة والمفضوحة، أو النموذج الغارق في الألعاب البهلوانية الرخيصة، والنطنطة الحريمية المتخلعة، وبدلا من هذا كان أداؤها يخلص إلى الرقص الحقيقي كفن وكأداء فني بعيدا عن الانخراط الحريمي في ستربتيز معدل، وتقديم بدلا عنه السحر القديم الذي يوحي على الدوام بكل ما هو كلاسيكي وتذكاري واحتفالي في الآن ذاته.

البوب آرتس وبوليطقيا الجسد

مثلما كان عرض تحية كاريوكا المكمل بابتسامة تفتر عن ثغرها وبتأمل ذاتي لجسدها واستمتاع بحركاته، كان نص سعيد هو الآخر يقدم تأملا ذاتيا لحياته الشخصية وتذكاراته في القاهرة الكولنيالية في العام 1950، وكان إدوارد يومها ما زال شاباً يافعاً في سنوات دراسته، ويعيش مع أسرته بالقاهرة، قبل أن تطولها قرارات التأميم الناصرية وتهاجر إلى أمريكا، كان نصه يعبر عن تيار جديد في النقد الثقافي، تيار يحلل الثقافة الشعبية والبوب آرتس ويجعل من الجسد الحي بوليطيقيا حقيقية لتفسير المدينة ونشأتها، ولتحليل الحياة الكرنفالية في القاهرة التي شهدها، وعاشها عبر تلك السلسلة الإيروسية التي لا نهاية لها، سلسلة الجنس الإسلامي المتوسطي اللاتيني العربي الكامن في القاهرة السرية، والذي افتقده سعيد فيما بعد. كان الرقص هو الأكثر بروزا في الحياة المدنية الحضرية في القاهرة الكولنيالية كما عاشها سعيد، المركز الحضري ذي الأنماط الاجتماعية المتفاوتة، كان إدوارد سعيد يعين عبر مشهد وصورة تحية كاريوكا التوافق الإدراكي للحياة السياسية عبر التلقي الإيروسي للجسد والذي حفزته طاقة ليبرالية شكلت مشهدا كاملا في الحياة السياسية المصرية انذاك، حيث يتركز حضور الجسد على المسرح كـ(فرجة) أو (معجبة) أو (سباكتاكل) وهو حضور متميز تدفعه هذه الكتلة الحية وهي تتناغم عبر موجهاتها الثقافية الحقيقية، إنه تعبير سياسي واجتماعي وثقافي عبر دنيوية هذا الجسد ومشهديته، فقد كان زوار مصر السياسيون يطلبون في المقام الأول حضور عرض راقص لتحية كاريوكا، كما فعل الزعيم التركي كمال أتاتورك.

من جهة أخرى قلص سعيد المنطقة المفتوحة بين الرومانسية والإيروسية، وجعل النطاق المميز في مملكة الرقص هو الجسد، أما التعبير الأكثر تأثيرا وإيحاء فهو الرومانسية الطاغية أكثر مما هي الإيروسية القريبة والمقدمة والمعلنة، فالجسد هنا هو المحور الرئيس الذي تتجمع حوله الأبصار وتختفي عمليا الموسيقى الرتيبة والمتململة، حيث يتحرك الجسد من خلال نسيج شعوري بسيط منفذ ببراعة، نسيج شعوري يتشكل عبر حركات الرقص وتلقائية الأداء ومن هذه الحركة والأداء يحدث الأثر الإيروسي المحوري نظريا، والمبتعد عمليا، أو المؤجل على نحو خاص، وهذا التأجيل هو الذي يترك للرومانسية الطاغية هذا المذاق الذي يدوم طويلا، وربما أكثر حتى من المذاق الإيروسي.

يكشف سعيد علانية سر تلك المفارقة التي مفادها أنه يستعيد ذكريات حياته، يعيد صورة موطنه الثاني، القاهرة التي أتاحت له فرصة ذلك الإنجاز الرائع، وقد انقلبت تلك اللحظة التي جاء بها لزيارة القاهرة إلى تحد جديد، و مخاطرة جديدة، وقد صنع من هذه الزيارة عملا ثقافياً ذا أهمية فائقة، لقد كتب هذه المقالة في خريف عمره عبر حبك فكرة الرقص الشعبي كتعبير أدنى للثقافة الدنيوية التي نادى بها فيما مضى، إنه يتذكر على نحو بارع تاريخ اقتلاعه من جذوره، يتذكر بها هذا التشرد المتعمد، إنه يتذكر بها وجوده كمنفي ومتغرب، ويصبح الرقص هنا توكيدا على التلاؤم والانتماء والتوحد والتجمع.


من إصدارات (المدى) : في رواية (كل الأسماء) لساراماغو البحث عن الذات عبر مغامرة البحث عن الآخر

سعد محمد رحيم

يرسم ساراماغو في روايته (كل الأسماء) متاهة، لا على غرار ما خطَّ أندريه جيد في رواية (تيزيه) من تمويه هندسي، بل من منظور ما فعل كافكا في روايتيه (المحاكمة) و (القصر) ولا سيما في (القصر).

 يجد بطل كافكا (ك) في (القصر) نفسه واقعاً في إسار الشبكة العنكبوتية لبيروقراطية صارمة ومبهمة تحاكي سلطة أب جبار أو إله. وطوال الوقت يحاول  (ك) أن يصل إلى فك لغز ذلك العالم من دون جدوى، فهو يستفسر ولا يقع على إجابات مقنعة، ويستسلم لمساره القدري كأنه مقود بقوة عاتيــة، لا قبــل له بها. وإذا كنا لا نعرف شيئاً عن ماضي (ك) كافكا؛ من أين جاء، وكيف عاش حياته قبل وصوله القرية التي عيّن فيها مسّاحاً، فإن (دون جوزيه) بطل (كل الأسماء) لساراماغو، هو الآخر لا نعرف عن ماضيه شيئاً، فهو يظهر منذ مفتتح الرواية داخل المبنى البيروقراطي المسمى بـ (المحفوظات العامة للسجل المدني) موظفاً صغيراً يؤدي عملاً روتينياً محدداً، كما لو أنه جزء من الآلة الرتيبة لتلك المؤسسة. وحتى عن اسمه لا نعرف سوى مقطعه الأول (جوزيه) فالراوي إذ يخبرنا في الصفحــة 16 عــــن كنيتيــن له في سجل الولادات الموجود في المحفوظات العامة إحداهما هي كنية أبيه، والثانية هي كنية أمه فإنه لا يعلمنا عنهما والسبب كما يقول؛ ((عندما يُسأل دون جوزيه عن اسمه، أو عندما تتطلب الظروف أن يقدم نفسه، أنا فلان الفلاني، فلن يفيده في شيء النطق بالاسم كاملاً لأن محادثيه لن يحتفظوا في ذاكرتهم إلاّ بالكلمة الأولى، جوزيه، والتي يضيفون بعد ذلك كلمة ـ دون)) ص16.

إنه في الخمسين من عمره ولا يتحدث عن طفولة غابرة، ولا عن مراهقة كانت تشعل فيه الرغاب يوماً ما، ولا عن قصة حب، أو حتى عن عائلة كان فرداً فيها.. إنه هكذا، كأنه بلا ذاكرة، أو كأنه يتجنب التذكر، أو لأن الحكاية التي يحبك فصولها عبر سلوك غير مفهوم، بدوافع نكاد نجهلها، لا تبقي له فسحة من وقت أو تفكير كي يقول لنا شيئاً عن حياته قبل أن يصبح موظفاً خاضعاً للقوانين والتقاليد الصارمة التي تتطلبها أو تقتضيها وظيفته في السجل المدني، ولا تكون الحكاية إلاّ حين يسعى لانتهاك تلكم القوانين والتقاليد والتطاول عليها، على الرغم من إيمانه الشديد بجدواها واحترامه إياها كما لو أنها نواميس مقدسة.. إنه يسعى للخروج من إسار الشبكة الرهيبة للقبض على شيء ما، معنى ما، هو أيضاً لا يدري، ما هو، ولماذا عليه المجازفة، أو المغامرة، من أجل كشفها.. إنه يقرر في لحظة ما أن يوسع دائرة فضوله في اكتشاف حيوات الآخرين، هو المغرم بمعرفة بعض تفاصيل حيوات المشاهير من أهل مدينته، إذ يستغل مركزه الوظيفي في السجل المدني ويستنسخ بطاقات أولئك المشاهير، والمصادفة ستلعب دورها الحاسم في الأمر، حين يجلب خمساً من تلك البطاقات إلى منزله ليفاجأ بوجود بطاقة سادسة جاءت خطأ مع البطاقات الخمس، وهي لامرأة مجهولة يقرر البحث عن حياتها، متجاوزاً صرامة القوانين واللوائح البيروقراطية، واضعاً مستقبله المهني بذلك على كف عفريت.

و(دون جوزيه) شخصية حذرة إلى حد بعيد، وتحسب للاحتمالات حتى تلك التي يمكن أن نطلق عليها صفة الغريبة، لكنها غير مترددة.. إنها تغامر، ربما من أجل إشباع فضول غامض وكاسح، وربما من أجل الخروج من رتابة العمل كما نوهنا آنفاً، أو ربما من أجل التعرف على الذات، أو ربما من أجل الحب.

(دون جوزيه) في الخمسين وهو لا يتحدث عن الحب.. إنه بلا أصدقاء.. بلا امرأة، ولا يفصح عن حاجته إلى أصدقاء وإلى امرأة حتى يبدو وكأنه مكتف بذاته، وحتى هذا الاكتفاء لا يصمد طويلاً، فها هو يكسر الطوق (القوانين والتقاليد والنواميس والأعراف) ويخرج إلى فضاء مختلف غير ذاك الذي تعّود على العيش فيه.

وبدءاً من هذه اللحظة سنلحظ أن رواية ساراماغو هي رواية بحث.. رواية محاولة البحث عن حياة شخصية أخرى هي شخصية المرأة المجهولة. وهذه الرواية تختلف عن غيرها من روايات البحث لأن الشخصية الباحثة لا تعرف شيئاً عن الشخصية الأخرى التي تبحث عنها إلاّ تلك المعلومات القليلة المدونة في بطاقتها المحفوظة في السجل المدني، ولا نكاد نقع على مسوّغ مقنع وقاطع لمحاولة البحث هذه. وهناك إشارة ترد بشكل عابر في الرواية عن أن (دون جوزيه) قد وقع في حب المرأة المجهولة، غير أن هذا أيضاً يضعنا أمام إشكالية أخرى، ولا يمنحنا طمأنينة القناعة. وخلال عملية البحث المضنية التي تعد مغامرة بحق، إذا ما قيس بالحياة الرتيبة التي كان (دون جوزيه) يعيشها لا نكاد، أو لا تكاد الشخصية الباحثة تعرف عن حياة الشخصية التي تبحث عنها أشياء كثيرة وقاطعة، وبالمستطاع التأكيد أن عملية البحث قد دلتنا على شخصية (دون جوزيه) الباحثة وعمقت معرفتنا بها أكثر مما دلتنا على شخصية المرأة المجهولة التي ظل يبحث عنها هو نفسه (دون جوزيه).. أو لعل الوازع اللاواعي لـ (دون جوزيه) كان في جوهره السعي باتجاه سبر أغوار الذات عبر البحث عن (الآخر).

 ((لقد كنت أعيش بسلام قبل أن يتسلط هذا الهاجس العقيم على عقلي، البحث عن امرأة لا تعرف حتى أنني موجود)) ص152.

 يصرح دون جوزيه لنفسه بهذه العبارة التي تكاد تلخص قصة رحلته في البحث عن المرأة المجهولة.. الرحلة التي اختار القيام بها بمحض إرادته، لدافع لا يفهمه، مضحياً بسلامه الذي فقده مستسلما ًلهاجس يصفه بالعقيم، وقد تسلط على عقله، فهو يدرك أن الهاجس عقيم، ويدرك أن المرأة لا تعرف حتى بأنه موجود، لكنه مع ذلك، لا يكف عن المحاولة، فهل تراه يعتقد بأنه ـ في رحلة بحثه ـ إنما يقبض على معنى حياته، أو يمنح حياته معنى وقيمة هي بحاجة ماسة إليهما؟.

يتنقل (دون جوزيه) من فضاء المجرد إذ تتكدس الأسماء في بطاقات لا تعد ولا تحصى إلى فضاء المشخص حيث العالم في حركته الموّارة وجدله، وحيث المرأة وقد أضحت مع دخول بطاقتها عن طريق الخطأ شقته محل اهتمامه، والعلّة التي ستغير مجرى حياته وإلى الأبد. فالاسم ليس هو الشيء المهم في المسألة وإلاّ لأفصح لنا عنه، ولكن المرأة ذاتها، بعد أن باتت حقيقة أنها مجهولة، عامل تحفيز وتحريض له، ليغادر اعتيادية حياته وفتورها إلى حرارة المغامرة وإثارتها.

وأحياناً نقتنع بأن (دون جوزيه) غير معني بالأسباب والمسوغات؛ لماذا هو يبحث عن خفايا حياة المرأة المجهولة، فهو لا يفكر حتى بالالتقاء بها، ولماذا يخوض تجربة هذا الرهان الصعب مع نفسه، ومع القدر ـ أن يعرف أشياء عن المرأة.

((ربما لن أكلمها عندما أجدها أمامي، إذا كانت هذه هي الحال، فلماذا تبحث عنها، لماذا تتحرى عن تفاصيل حياتها، إنني أجمع أوراقاً عن المطران أيضاً ولست مهتماً بالتحدث إليه يوماً، يبدو لي الأمر ضرباً من العبثية، إنها عبثية)) ص80        وحين تموت المرأة لا يكترث كثيراً، ولا يتألم، بيد أنه لا يوقف مسعى البحث عن أحداث حياتها، ولا يضعف فيه الفضول.. إنه يظهر أحياناً وكأنه غير معني حتى بالمعلومات التي يحصل عليها، فهو حين يعثر على بطاقاتها المدرسية بعد اقتحامه في ليلة ممطرة مدرستها القديمة، يضعها هناك في شقته الملحقة بدائرته، ولا يخبرنا ماذا وجد فيها. وفي الأحوال كلها لن يعرف (دون جوزيه) نفسه أشياء كثيرة عن المرأة، وما سيعرفه سيضن به علينا ـ نحن معشر قرائه ـ وكذلك فهو لا يحاول أن يسرد علينا حياة متخيلة لها، فتلك المرأة ستبقى مجهولة لنا إلى حد بعيد، مثلما هي مجهولة له.. إن ما سنعرفه بدقة في نهاية المطاف، هو مغامرة (دون جوزيه) في البحث عن المرأة، وليس مغامرة المرأة ذاتها في الحياة.

* (كل الاسماء) رواية جوزيه ساراماغو.. ترجمة؛ صالح علماني ـ دار المدى للثقافة والنشر ـ  سوريا/ دمشق ط1/ 2002. 


في مدريد وبغداد: كتابان جديدان للقاص لؤي حمزة عباس

صدر في العاصمة الأسبانية مدريد، عن دار ألواح، كتاب نثري جديد للقاص العراقي لؤي حمزة عباس بعنوان(كتاب المراحيض) . جاء الكتاب بـ 70 صفحة من القطع المتوسط، وقد زينت الغلاف لوحة للفنانة (سارة شمه) أما التخطيطات الداخلية المنجزة خصيصاً للكتاب فهي من رسوم هاشم تايه.

يعد الكتاب الجديد بمثابة نص سردي منفتح ـ وإن عرفه كاتبه برواية تعرف ـ يتناول موضوعة العلاقة الثنائية بين البشر والمكان السري المعلن والممثل ببيت الراحة أو المرحاض، و إن كان النص يتجاوز هذه الثنائية إلى علاقات أرحب، مركزاً على السرية والخبيئة في تناول موضوعات ذات علاقة مباشرة بالإنسان وهي في الوقت ذاته تحاول أن تجنح نحو التغييب أو عدم التطرق المباشر لها في الحياة العامة لاسيما منها الأدب والسرد على وجه الخصوص. الكتاب جاء بأكثر من قسم منها: حديث مراحيض الحرب، حديث مراحيض المدن، حديث التطهر و حديث مغتسل الموتى يلحقه حديث مراحيض خاصة. ومما يذكر أن العديد من دور النشر العربية لم تقدم على خطوة نشره لاعتبارات عديدة ومتباينة، لعل أهمها جرأة الكتاب وتثبيته للنقاط على الحروف في أكثر من موقع .

كما صدرت في بغداد، عن دار الشؤون الثقافية العامة، رواية (الفريسة) وهي الرواية الأولى للكاتب بعد ثلاث مجاميع قصصية حققت حضورا متميزا في المشهد القصصي العراقي الراهن  . وتسعى الرواية إلى إضاءة واحدة من المراحل المؤثرة في الحياة العراقية، وهي تقوم بتخصيب نظام اللغة بالسرد الدال في رصدها لتفاصيل حياة مدينة عبر زجاج سيارة مظلل، فتؤثث بذلك للمشهد الواحد أكثر من زاوية من خلال متابعة مصير رجل ونمر وامرأة يختلط فيها الحلم بالواقع .


المفهرس العراقي  صباح المرزوك: حلمي ان اصدر دائرة معارف شاملة

 

المدى مكتب - بابل - سعد الحداد

تصوير - قاسم عبد الرضا

 

أين ما تراه يبادرك بالسؤال عن عنوان اصدار جديد او مؤلف اعيد طبعه، وإذا فاجأته بذلك مدَّ يده الى جيبه ليدون معلومات جديدة في جذاذة صغيرة، حتى غدت آلاف الجذاذات في مواضيع متفرقة تتكدس هنا وهناك في زوايا بيته.. وإن سألته عن سرِّ هذا الاهتمام وكيف نما.. اعادك الى بدايات حياته وعلاقته بالاتصال بالكتاب الذي حفظه عن ظهر قلب، وكيف اقتناه وكيف رغب فيه حب هذا العلم.. أعني به كتاب المفهرس العراقي المرحوم كوركيس عواد (المباحث اللغوية في مؤلفات العراقيين المحدثين) .. هذا الكتاب كان محفزاً قوياً لدخول عامل الفهرسة فاعد ونشر مجموعة من الفهارس في التراث والأدب واللغة وغيرها إبتداءً من عام 1970 في مجلة الأقلام وتتابعاً في مجلات المورد والتراث الشعبي والذخائر وغيرها . ليتوج عمله الفهرسي بأهم اصدار ببلوغرافي عراقي صدر عن دار الحكمة ببغداد سنة 2001 وهو (معجم المؤلفين والكتاب العراقيين في القرنين التاسع عشر و العشرين) بأجزائه الثمانية.

(المدى الثقافي) التقت المفهرس الدكتور صباح نوري المرزوك فتحدث عن تجربته قائلاً: لعل أول مؤثر هو الاتصال بالأدباء والكتاب الكبار، فقد راسلت كوركيس عواد والدكتور يوسف عز الدين والشيخ محمد حسن آل ياسين والدكتور حسين علي محفوظ وهلال ناجي ومحسن جمال الدين وغيرهم وأنا طالب في الدراسة الإعدادية حتى رأيتهم واتصلت بهم مباشرة في بغداد حينما أصبحت طالباً جامعياً ورأيت غيرهم وحضرت أماسي اتحاد الادباء وجمعية المؤلفين والكتاب وزرت المجمع العلمي العراقي والمكتبة الوطنية والمركزية لجامعة بغداد ومكتبات أخرى في بغداد والكاظمية . فكان للمتابعة وقراءة الكتب والمجلات الدورية التي تصدر في العراق وخارجه والاطلاع وكلها مؤثرات متنوعة في معرفة النتاج العراقي وخاصة في عالم الانسانيات.

وعن معجمه المهم وهل هناك نية في إصدار مستدرك عليه وإعادة طبعه قال الدكتور المرزوك:

من طبيعة الاعمال المكتبية الببلوغرافية النقص والاستدراك وقد ذكرت ذلك في مقدمة المعجم لان الكتاب العراقي لا يوزع جيداً لهذا ترى انه من الصعوبة بمكان ان نحصل على بعض الكتب التي نحتاجها في أبحاثنا وكتبنا، وأستطيع القول انني بدأت بالاستدراك من أول لحظة خروج المعجم من المطبعة. وقد قام أساتذة أفاضل بقراءة المعجم قراءة جيدة متأنية وقاموا بكتابة ملاحظات استدراكية فادتني كثيراً وانا شاكرهم ولا بد من ان اشكر الذين اهتموا بالمعجم ونشروا عنه ورحبوا به على الرغم من انه لم ينل ما كان يجب ان يناله كتاب يؤرخ لثلاثة عقود من المعرفة بسبب الظرف التاريخي الذي رافق ظهور المعجم او بعد ذلك بقليل.

واضاف المفهرس الدكتور المرزوك قائلاً: اما عن إعادة الطبع فقد تذاكرت مع أصدقاء  لهم معرفة بشؤون النشر، فان حلمي لم يقف عند هذا الحد بل املي ان اصدر دائرة معارف شاملة للمؤلفين العراقيين منذ القدم لتشمل التراث العربي من اهل الكوفة والبصرة وواسط وبغداد والنيل والموصل واربل حتى يومنا هذا بتراجم شاملة كاملة فيها تعريف ببلوغرافي اضافة الى كل ما نشره ذلك المؤلف من مقالات في المجلات والصحف العراقية. والعمل قد بدا فعلاً في بعض جوانبه، والذي يشجع على إنجازه موافقة دار نشر على تبنى هذا المشروع الكبير او القبول بنشر المستدرك على الاجزاء الثمانية التي ظهرت والتي تقع في واقع ثلاثة مجلدات كبار في اكثر من الف ومئتين وخمسين صفحة.

دعوة لإنشاء متاحف للتراث الشعبي

ولان الدكتور المرزوك من المهتمين بالتراث الشعبي فقد عرض وجهة نظره في التراث الشعبي في ظل التطور الحاصل في عالم اليوم فقال:

النظر الى التراث الشعبي كونه تراث امة والحفاظ عليه ضرورة ملحة والإخلال به ضرر يلحق بالأمة. فهذا التراث هو روح الأمة وتسجيله من الواجبات الوطنية في عنق كل كاتب . فقد شهد العقد الستيني من القرن الماضي صدور مجلة (التراث الشعبي) وظلت المجلة تصدر حتى ايامنا هذه وفي ظل هذا التطور كان لابد من ان تقوم دراسات مقارنة تتناول الموروث الشعبي في المدن لان هناك جوانب كثيرة لم يتم تناولها والكتابة عنها. ولانزال بحاجة الى الكشف والايضاح فليس بين أيدينا تاريخ كامل ونحن امام كم هائل من المعلومات التي ينبغي ان نغوص لكي نخرجها الى الناس.. وهنا اوجه دعوة مخلصة لإنشاء متاحف للتراث الشعبي في المدن العراقية ونشر الأبحاث التي تخص التراث الشعبي فيها.

 

 

للاتصال بنا  -  عن المدى   -   الصفحة الرئيسة