اراء وافكار

الصفحة الرئيسة للاتصال بنا اعلانات واشتراكات عن المدى ارشيف المدى
 
 

هل تدرك الحكومات الأوروبية ما يريده الإرهابيون في العراق؟

كاظم حبيب / برلين

اتخذ الصراع بين أوروبا الغربية والولايات المتحدة مع نهاية الحرب الباردة صيغاً جديدة وغايات عديدة مجسداً رفض الدول الأوروبية لسياسات الهيمنة العولمية التي بدأت تمارسها الإدارة الأمريكية منذ أوائل العقد الأخير من القرن العشرين ورغبتها في التعامل مع دول العالم كلها دون استثناء على أساس القطب الأوحد الذي يمتلك الحق بتسيير العالم وفق رؤيته ومصالحه الخاصة وأهدافه ذات المدى البعيد. وإذا كان الصراع مع فرنسا تقليدياً خلال الفترة التي أعقبت الحرب العالمية الثانية وفي مجالات كثيرة، فأنه قد اتخذ أبعاداً جديدة معها ومع ألمانيا والعديد من الدول الأوروبية التي وجدت نفسها في خضم هذا الصراع، بسبب تفاقم المنافسة الاقتصادية والتقنية الدولية على المواقع المناسبة تحت الشمس الدولية والاحتفاظ بالمواقع القديمة وتحقيق الجديد.

لم يتجل هذا الصراع في داخل بلدان أوروبا الغربية والولايات المتحدة الأمريكية خلال الفترة المنصرمة، بل مورس مباشرة في عدة مواقع أساسية في العالم، بالارتباط مع توفر الموارد الأولية وتوظيف رؤوس الأموال والأسواق، أي في بلدان أوروبا الشرقية والجمهوريات السوفييتية والشرق الأوسط وغرب آسيا وجنوب شرق آسيا وأسواق الصين والهند وبعض مناطق أفريقية وأمريكا اللاتينية، إضافة إلى أسواق أوروبا الغربية ذاتها بسبب الوزن الكبير للتبادل التجاري في ما بين هذه البلدان، ولكن بأساليب وأدوات أخرى. ويمكن أن يعود الإنسان بذاكرته إلى أحداث العقد الأخير من القرن العشرين ليجد مصداقية مجرى هذا الصراع، سواء بالتوافق أحياناً أم التناقض أحياناً أخرى، إذ أن أوروبا تخوض إزاء الولايات المتحدة، التي تقود العالم الرأسمالي حتى الآن ولفترة قادمة أيضاً، صراعاً وفق المبدأ القائل "تضامن وكفاح"، إذ أنها تخشى على انفلات أوضاع معينة ما لم تتخذ بعض إجراءات التنسيق مع الإدارة الأمريكية، وأحياناً ترفض ذلك لقناعتها بأن الأمور يمكن أن تعود عليها بالفائدة إن اتخذت مواقف أكثر تصلباً إزاء السياسات الأمريكية، وتحاول أوروبا العجوز، كما عبر عنها رامسفيلد، وهي الخبيرة بالسياسات الاستعمارية على مدى قرون طويلة وذات التجارب الغنية، أن تقدم النصح للمحافظين الجدد وصقور اللبرالية الجديدة للتخفيف من حدة اندفاعهم وطيشهم الذي يمكن أن يدفع بالعالم إلى حافة حروب إقليمية عديدة غير قادرة على مواجهتها. والمشكلة الجديدة أمام أوروبا العلمانية مع الإدارة الأمريكية تبرز في هذا "الإحساس الداخلي" للرئيس الأمريكي جورج دبليو بوش بأن الله قد اختاره لأداء مهمة تاريخية هي مكافحة الشر في العالم لصالح الخير وفق المفهوم الأمريكي الحديث، مفهوم المحافظين اللبراليين الجدد والقوميين المتشددين، وأن الولايات المتحدة "خير دولة أخرجت للناس" حتى الآن تأمر بالخير وتحارب الشر، وأن الشعب الأمريكي هو "شعب الله الجديد المختار" وقواته العسكرية هي الأكثر والأفضل والأشجع في العالم. إنها مهمة تاريخية ضرورية يخوضها القائد الذي اختاره الله لهذه المهمة على الصعيد العالمي. وقد تبلور هذا الاتجاه بشكل أكثر صراحة ووضوحاً في أعقاب الحادي عشر من أيلول/سبتمبر 2001، أي لتوه كان قد تسلم مهمة رئاسة الولايات المتحدة الأمريكية، وكانت الفرصة الذهبية لإظهار مواهبه الفذة وتنفيذ إرادة الله على الأرض وتحقيق أهداف التزاوج بين الفكر الديني والفكر القومي والفكر اللبرالي الجديد، هذا الثلاثي الخطير!       

واجهت أوروبا الغربية الزخم المتعاظم للاندفاع الأمريكي نحو العالم خلال السنوات الأخيرة بأساليب وصيغ مختلفة. نجحت أحياناً وفشلت في أحايين أخرى وفق زاوية الرؤية والمصالح للدول الأوروبية، أو لغيرها من دول العالم، أو لاتجاه تفكير ورؤية المحللين السياسيين.

كان العراق إحدى هذه الإشكاليات التي واجهت الدول الصناعية السبع الكبار + 1 والمنطقة. وكان لا بد من اتخاذ إجراءات معينة ضد النظام العراقي الذي خاض حروباً عديدة نحو الداخل والخارج ومارس سياسة عنصرية ودموية على صعيدي العراق والمنطقة، وكانت سياسة صدام حسين تهدف إلى حرق الأخضر واليابس دفعة واحدة على طريقة "اقتلوني ومالك"، إن لم تتحقق أهدافه الشريرة. وكان قد اتخذ من القضية الفلسطينية حصاناً يركبه لتحقيق مآرب ذهنيته العسكرية والعنصرية وغاياته التوسعية، ولم يكن يهتم بمن يسقط من أبناء الشعب الفلسطيني على أيدي الإسرائيليين أو كمغامرين انتحاريين، إذ كان المهم بالنسبة له أن تبقى المنطقة مشتعلة قدر الإمكان.

كان الخلاف بين أوروبا الغربية والولايات المتحدة ليس في إبقاء أو إزاحة صدام حسين، إذ كان الجميع متفقينً على أن هذا الدكتاتور الأرعن ينبغي أن يذهب إلى غير رجعة، بل كان الخلاف قد تمحور حول ثلاث قضايا جوهرية، وهي:

1- هل الحرب هي الأسلوب الأمثل أم يفترض ممارسة سياسات أخرى لإزاحته، وهي سياسات لم تكن معروفة تماماً كيف ستحقق النتيجة المطلوبة؟

2- من سيأتي إلى الحكم بعد صدام حسين وكيف نضمن حكماً مناسباً للجميع، والمقصود بالجميع هنا هو الدول الصناعية السبع الكبار؟

3- وكيف سينعكس كل ذلك على واقع المنطقة والمصالح المختلفة؟ هل سيقود إلى وضع أفضل أم فوضى تشمل المنطقة بأسرها؟

ولم تكن موافقة القوى السياسية العراقية إزاء هذا الخلاف تلعب دوراً مهماً في حسم الموقف لهذا الاتجاه أو ذاك، رغم فائدة الحصول على تأييد غالبية قوى المعارضة العراقية صوب أحد الاتجاهين، حيث وقع الاختيار على الخيار الأمريكي.

وحصل ما حصل، رغم أن الولايات المتحدة كان في مقدورها تحقيق ما تريد بطرق أخرى بعد أن تكون قد أعطت لحلفائها ضمانات إضافية في العراق والمنطقة، خاصة للحصول على تأييدها، إذ أن البعض قد رفض الحرب لأهداف انتخابية أيضاً، في حين أنه كان مستعداً لخوض حروب أخرى لم تكن تختلف كثيراً عن الحرب في العراق، ومنها الحرب في يوغسلافيا السابقة والحرب في أفغانستان أو الوجود العسكري في الصومال أو أحداث هاييتي.

ونشأ الخلاف واشتد لا بفعل الحرب فحسب، بل بفعل السياسات الأمريكية لفترة ما بعد الحرب والتي لم تكن في كل الأحوال عقلانية ومعبرة عن مصالح الدول الأوروبية في نظر أوروبا والعالم كله، ولا عن مصالح العراق من وجهة نظر الشعب العراقي وغالبية قواه السياسية. وكانت لهذه السياسات الغبية، المفرطة بالثقة بالنفس والمتعجرفة والمتعالية والفردية، عواقب وخيمة يحصد الشعب العراقي وقوات الاحتلال عواقبها.

هذا الواقع الذي هز الدول الأوروبية دفعها إلى التخندق غير العقلاني إزاء السياسات الأمريكية في العراق دون أن تبذل الجهد الضروري لممارسة سياستها المعتادة والمجربة، سياسة "تضامن وكفاح، أو بتعبير أدق تضامن - كفاح - تضامن، مما زاد في الطين بلة وعمق من إشكالية الوضع في العراق في غير صالح الجميع.

وفي خضم هذه الأحداث وتحت تأثير صراع المصالح غابت عن بال الدول الأوروبية، وكذا الولايات المتحدة، الأهداف الحقيقية التي تسعى إلى تحقيقها قوى الإرهاب الراهن في العراق، والتي لا بد من تذكيرها بها، إذ أن المتضرر الوحيد سيكون أوروبا الغربية القريبة جداً من منطقة الشرق الأوسط. فهذه القوى، رغم تنوعها واختلافات معينة فيما بينها وغاياتها الخاصة، تسعى مجتمعة إلى:

1- إشاعة الفوضى السياسية ليس في العراق فحسب، بل في المنطقة بأسرها ونقل العمليات العسكرية إلى الدول المجاورة من أجل الوصول إلى الشريان الذي يغذي أوروبا بالنفط الخام، والذي تجلى أخيراً وبشكل واضح في الكلمة المتلفزة التي وجهها أسامة بن لادن إلى قوى الإرهاب من أتباعه أو من غيرهم وفيها توجيه لا لبس فيه إلى تدمير منابع وأنابيب النفط الخام. وأول من سيتعرض إلى إشكالية نقص النفط الخام هو أوروبا الغربية واليابان أولاً ثم الولايات المتحدة.

2- تدمير الاقتصاد العراقي من خلال إلحاق أفدح الأضرار المباشرة عبر عمليات تخريب حقول النفط وأنابيب أو خطوط نقله، وتدمير البنية التحتية والمشاريع الاقتصادية الأخرى وتعطيل الحياة الاقتصادية في البلاد وإشاعة البطالة من أجل رفع درجة التذمر الداخلي. والمعلومات المتوفرة تشير إلى تحميل العراق خسارة قدرها سبعة مليارات دولار أمريكي بسبب أعمال التخريب، إضافة إلى الموارد المالية التي سوف يحتاجها لإعادة إعمار البلاد.

3- قتل أكبر عدد ممكن من الناس الأبرياء في مختلف المدن العراقية، والهدف من وراء ذلك يتلخص في:

*قتل المزيد من العلماء وأساتذة الجامعة والخبراء والفنيين وجملة من المسؤولين الفنيين من أجل دفع الآخرين إلى الهروب،

ومنع من هم في الغربة من العودة إلى العراق وحرمان الاقتصاد العراقي والدولة منهم؛

*إضعاف الثقة بالوضع القائم وبالحكومة وكسر معنويات السكان وإرادتهم الحرة.

4- إشاعة الفتنة الدينية والطائفية في العراق عند التوجه بالقتل والتفجيرات والسيارات المفخخة أو الانتحاريين ضد المسيحيين والصابئة المندائيين والإيزيديين وضد دور العبادة لأتباع هذه الديانات، وكذلك ضد المسلمين الشيعة مرة وضد المسلمين السنة مرة أخرى، كما أنها موجهة، وستشتد ضد الشعب الكردي أيضاً.        

إن الإرهابيين، الذين شكلوا تحالفاً واسعاً بين قوى مختلفة من حيث الفكر والأهداف يجمع بين الإسلاميين السياسيين السلفيين المتطرفين بمختلف فصائلهم، وقوى البعث بمختلف فصائلهم أيضاً وكذلك القوى القومية اليمينية المتطرفة، يهدفون لا إلى إلحاق الهزيمة بالولايات المتحدة في العراق فحسب، بل إلى نقل المعركة بعد النجاح في العراق إلى المنطقة بأسرها ومنها إلى أوروبا. وهم لن ينتظروا حتى الانتصار النهائي في العراق، بل بدأوا منذ فترة بتنظيم العمليات الإجرامية في الدول الأوروبية وخاصة في دول أوروبا الغربية. وهم يمتلكون احتياطياً كبيراً مستعداً للتنفيذ في أوروبا، سواء أكان هذا الاحتياطي من العرب أم الترك أم الفرس أم الشيشانيين أم الباكستانيين أم الاندونيسيين .. الخ، الذين يتحركون وينفذون جرائمهم وفق توجيهات دولية محددة من قوى إسلامية متطرفة. فالإرهاب الجاري حالياً دولي الطابع وليس محلي النزعة والهدف من جهة، إضافة إلى وجود تنظيمات تتحرك محلياً من جهة أخرى.

ومن هنا نرى بأن المواقف الأوروبية الراهنة التي تحاول عدم مساعدة العراق في إنجاز جملة من مهماته الراهنة للخروج من حالة التخريب والقتل والتدمير التي يعيش فيها، والتي في جوهرها أيضاً عقاب موجه ضد الولايات المتحدة من جانب الدول الأوروبية بسبب طريقة تعامله مع الرؤية والمصالح الأوروبية في العراق والمنطقة والعالم، لن تنفع أحداً بل ستلحق أفدح الأضرار على الدول الأوروبية ذاتها على المدى القريب والبعيد.

ليس أمام أوروبا إلا التعاون مع العراق، لأن الوضع في العراق ليس داخلياً فحسب، بل وعربي وإقليمي، أي أن هناك دولاً عربية وأخرى غير عربية مجاورة تسعى إلى مد يد العون المباشر وغير المباشر إلى القوى الإرهابية الفاعلة حالياً في العراق ومدها بالمال والرجال والأسلحة ودعمها إعلامياً. وهي تنطلق من خشيتها من احتمال تدخل الولايات المتحدة في شؤونها الداخلية أو مساندة العالم لعملية الإصلاح الديمقراطي المنشودة في المنطقة وفق حاجات ومصالح المجتمعات في هذه المنطقة.

إن دول الاتحاد الأوروبي يفترض أن لا تلعب بالنار، كما جري حتى الآن، إذ أن ما تقدمه من مساعدات للعراق لا يساهم جدياً في مواجهة الوضع هناك الذي يستوجب جهوداً كبيرة وحثيثة ومركزة، إذ أنها ستكون أول من تحترق أصابعها بالنار. إن موقع العراق الإستراتيجي والنفطي في كل المعايير هو الهدف من جانب الإرهابيين وعلينا أن نتصدى لذلك لكي نقلل من ضحايا العراق ونعجل في إعادة بنائه، ولكي لا تنتقل النيران المشتعلة فيه إلى مواقع ومنابع نفط أخرى في بلدان أخرى، ولكي لا تصل تلك النيران إلى أوروبا قبل أن تصل إلى الولايات المتحدة.


الاعلام في العراق يُرى من خلال نافذة ضيقة .. تقرير يقول: العراق اخطر البلدان بالنسبة للصحفيين

صحيفة: كريستيان ساينس

بقلم: سكوت بيترسون

ترجمة: سهى الحيدري

الصقت الرسالة بنافذة سيارته متوعدة محرر واحدة من اكبر الصحف في العراق وهي صحيفة الزمان ومهددة اياه بالموت.

وجاء في الرسالة التي حملت توقيع مجموعة تطلق على نفسها حركة انصار الشهادة "لقد قتلنا المذنب، وهذا ثالث تحذير وسوف نقتلك بطريقة بغيضة وكريهة جدا". الا ان مثنى ناجي لا يخاف بسهولة فعمله في العراق حيث ينعدم فيه الامن هو امر خطر جدا. وبالنسبة للصحفيين الغربيين والعراقيين على السواء فان المخاطر المكثفة في العراق تجعل الامر اكثر صعوبة يوميا، وقد تذبذبت اعداد الصحفيين الاجانب بسبب موجة الاختطافات المتزايدة والسيارات المفخخة والهجوم على الفنادق.

اما الصحفيون العراقيون وبضمنهم هؤلاء الذين تم استئجارهم من قبل وكالات الاعلام الاجنبية من اجل المساعدة ليصبحوا اذانا وعيونا لهم فهم اصبحوا ايضا تحت مرمى النار حيث يواجهون المخاطر ويتسلمون تهديدات مضاعفة حتى لو سلموا بالقول ان الصحافة في العراق حرة.

وقد قتل (44) صحفيا في العراق منذ اذار 2003 مما جعل العراق اكبر منطقة مهلكة في العالم بالنسبة لعمل الصحفيين، طبقا لتقرير (مراسلون بلا حدود) الذي صدر مؤخرا وعلاوة على ذلك فان العراق يصنف في المرتبة (48) في العالم في مجال حرية الصحافة.

وبالنسبة للعراقيين فقد كانت نقلة عسيرة بعد عقود من سيطرة صدام حسين، ففي ذلك الوقت كانت كلمة (صحفي) بالكاد تنطبق على اعضاء الاعلام في العراق، حيث كان غذاؤهم اليومي صدام حسين مرارا وتكرارا.

وقال زهير الجزائري كاتب روايات ومحرر في صحيفة المدى والذي عاش خارج العراق لمدة اكثر من (20) عاما "انها قفزة كبيرة من مجموع 4 صحف وكل واحدة منها هي نسخة من الاخرى وصممت في مكتب صدام حسين الى 120 صحيفة".

واضاف: لقد تغيرت اللغة كليا فالان لدينا حرية صحافة تامة واستطيع نقد الولايات المتحدة، وفي كل يوم انتقد فيها تصرفاتها والعمليات العسكرية بدون تردد.

وتطرق الجزائري الى الضغط من قبل مسؤولي الامن ووزارة الداخلية لكنني لا استطيع ان اثق بدوام استمرار هذه الحرية فهؤلا الناس لا يملكون لغة مشتركة مع الصحافة ويخفون الحقائق ويحددون مصادر الاخبار. وان معاملة المسؤولين في العراق للصحفيين يصاحبها نوع من عدم الاعتراف حيث وجد الصحفيون المحليون والمصورون انفسهم يمنعون مرارا وتكرارا من الوصول الى مشهد وموقع الهجوم ووجدوا انهم يمنعون من العمل من قبل الشرطة العراقية والقوات الامريكية.. حيث قال سمير هادي مصور قديم ويعمل في صحيفة المدى تم ارجاعه ومنعه من تصوير مناظر الهجمات من قبل القوات العراقية "اعتقدنا بعد التحرير ان الحياة ستكون افضل لكن العكس هو ما حصل!" وتأسف قائلا: "ان الاسلوب مماثل لما كان في حكم صدام ولقد واجهنا العديد من الهجمات والتفجيرات من القوات الامريكية ومن الارهابيين على السواء، والان هم لا يدعونا نلتقط الصور".

وبجانب المخاطر التي يواجهها المصورون فهناك اخطار اخرى تؤثر ايضا على عمل الصحافة حيث كان على كاتبة الطابعة زينب حميد التوسل لامها كي تسمح لها بالعودة للعمل في نهاية شهر آب عندما سقط صاروخ على مبنى الجريدة ولم ينفجر وقالت الام الشابة رافعة يديها كما في الصلاة "لقد ارادت امي مني البقاء في المنزل وكنت اتوسل بها،".

واضافت السيدة  التي كانت ترتدي حجاب رأس اسود "هناك انفجارات قرب بيتي كل يوم وانا اقلق بشأن ابنتي في المدرسة ووالدتي تقلق عليّ وانا لا اعتقد بان الامور ستتحسن!". واضافت زينب "انه عمل رائع في الصحيفة وبالطبع فاني اود ان اصبح صحافية لكن عائلتي لن تتقبل ذلك ابدا لان الامر خطر جدا".

كما ان هناك مشاكل في ترك الصحيفة فقبل ثلاثة أشهر تسلمت صحيفة المدى المطبعة من الخارج لكنها ظلت بدون استخدام وكلفت الصحيفة (2000) دولار كل يوم لان المهندسين اللبنانيين الذين يستطيعون تشغيلها رفضوا المجيء الى بغداد.

وقال الجزائري انهم خائفون ولا يزالون لا يودون القدوم مع  اننا وعدناهم بتوفير الامن وبفندق محمي. لا اتصور ان مهندسا يأتي من الخارج مع انه ليس صحافيا لكنه لم يكن معتادا على الاماكن الخطرة.

وفي بعض المناطق الخطرة العراقية يقوم هؤلاء بتغطية الانباء لها، فمنطقة جنوب بغداد المعروفة بالخطف والهجوم ليس فيها مجال لعمل صحفيي المدى. ومراسل الصحيفة في الفلوجة وهي مركز التمرد العنيف محمي من قبل عشيرة قوية ذات نفوذ ويكتب تحت اسم مستعار. والقصص الاولية حول الحروب بين المتمردين في الفلوجة والارهابيين الموالين لابي مصعب الزرقاوي ظهرت اولا في صحيفة المدى ومن ثم التقطتها الصحافة الغربية.

وقال عبدالزهرة زكي شاعر ومحرر في صحيفة المدى"الخوف من الحكومة تحول الى خوف من القوات العسكرية او من المجرمين ولكن بعد ستة أشهر من الان يجب ان تصبح الحياة افضل ولا خيار لنا هناك سوى التفاؤل".

قال الطبقجلي "انا اعتقد بانهم يودون ارعابنا لانني دائما انشر اوصاف الذين قتلوا واختطفوا  واطلق على القاتل لقب قاتل".

اما محرر الزمان فيكتم خوفه نتيجة الكثير من التدريب فلقد درس الصحافة عام 1960 وانضم لوكالة الانباء العراقية ومن ثم تركها عام 1998 واشترى سيارة (تاكسي) يقودها اسبوعيا الى عمان حتى انه عمل في تهريب السكائر وكان يقوم سريا بارسال تقارير الى مكاتب الزمان في لندن.

المخاطر اليوم لا يمكن ان تكون اكثر اختلافا مع انها ليست اقل خطرا فالزمان تنشر اعلانات عقود حكومية وتابعة للتحالف وكان أحد الاعلانات هو تهنئة العراقيين بحلول شهر رمضان المبارك.

وعندما قتل ومثل باربعة مقاولين امريكان في الفلوجة في الربيع الماضي قالت الزمان انه لا يوجد هناك مسلم حقيقي ولا عراقي يستطيع عمل مثل هذا العمل والتمست الصحيفة من كل الاحزاب العراقية لتقوم باتخاذ دور في انتخابات كانون الثاني "كفرصة تاريخية" كما ان القوات الامريكية والحكومة العراقية المؤقتة حصلت كذلك على جانب من اللوم في الوقت الذي يمكن اعتبار هذا (توازنا) داخل غرفة الاخبار في مجتمع عراق ما بعد الحرب.

وقال الصحفي القديم الذي تسلم سلسلة من المكالمات التهديدية في السنة الماضية تطالبه بالاستقالة من عمله عندما ترى رسالة تهديد اول مرة تكون خائفا! وعندما نظر لرسالة التهديد التي تسلمها واعاد اغلاقها ووضعها مرة اخرى في محفظة في قميصه اتخذ وجهة نظر فلسفية قائلا: "معظم (المحررين) يتركون عملهم بسبب كونهم خائفين وانا سابقى هنا حتى يقدر الله وحياتي بيد الله".


مواقف: صلاحية النظرية التآمرية.. الإيمان أول إثبات!

علاء خالد غزالة

هل تستطيع نظرية واحدة اثبات كل شيء؟ هل يمكن تفسير الكون بقانون فيزيائي واحد؟ تلك مسائل شغلت الفلسفة والعلم قرونا، وعمل عليها العديد من العباقرة عبر قرون التطور الفكري البشري. ولا تزال الاجابة غامضة، وغير كاملة، وغير مفهومة. ولا تزال هذه الاسئلة محل بحث. اذاً كيف يمكن ترتيب النظريات، على انها تفسيرات لظواهر معينة، بحيث تتساوق منطقيا؟ وهل يمكن استبعاد اية نظرية فقط لاننا لا نحبها؟ بالمقابل هل يجب اعتماد النظريات التي تعجبنا كاولوية اولى؟ بالطبع توقع النتائج هو ما يرجح نظرية على اخرى.

غير ان النظرية الشاملة، او التي تقترب من الشمولية، تستطيع في كل الاحوال توقع نتائج محددة. فلن يكون العرّاف محط اعجاب كثير اذا توقع ان تكون نصف المواليد للمرحلة القادمة من الذكور. لكنه سينال الكثير من التكريم اذا توقع ان يرزق الملك وريثا للعرش. فهل تقطع رقبته اذا جاء الخبر بانثى؟ سيجد تفسيرا، ولن ينال تكريما.

والتفسير لظاهرة ما ليس تكهنا، او رجما بالغيب. لكنه دائما يبدأ بهاجس. فما الذي يحمل على توقع نتيجة معينة غير الشعور، غير المفسر، بان هناك تسلسلا للاحداث يفضي في عقل الباحث الى مثل هذه النتيجة. ان العقل البشري يتفوق على نفسه في تجليات للعبقرية عبر مراحل زمنية متفاوتة. هذا التفوق ليس في نمط التفكير، وانما في توجيه التفكير نفسه. ان اعتبار ان للضوء وزنا، هو امر مفرط في الخيال بدرجة لا تحتمل التصديق.

هل يستطيع جميع البشر استيعاب فكرة ما؟ لا معنى للسؤال، فالاستيعاب امر لا يعني الجميع. لنُعدْ صوغ السؤال: هل يستطيع جميع البشر تقبل فكرة ما؟ ليس لديهم الخيار في ذلك. اما لانهم لا يستطيعون اثبات العكس، واما لانهم، مرة اخرى، غير معنيين. النتائج وحدها هي التي تعني معظم بني الانسان.. فهل علينا ان نفهم النظرية النسبية لنرى تأثير القنبلة الذرية؟ الجميع يعتقد بانها صحيحة بالقدر الكافي، فقط لانها ذات نتائج ملموسة. لست هنا بصدد البحث في الفيزياء النظرية. ولكن العلم ممتد وحصين بدرجة تجعله مؤهلا لتفسير حتى امكانية تآمر العرّاف ليعلن عن جنس المولود. وهذا المدخل يقودني الى فرضية صلاحية تفسير النتائج، او الاحداث على انها نتائج، باستخدام نظرية موضوعة مسبقا عنواناً، وليس مطلوبا منها ان تتوقع او ان تتنبأ بتلك النتائج، على عكس المنهج العلمي.

المؤامرة، فكرة اقترنت بنمط التفكير الشرقي بوجه عام، وهي اول تفسير لحدث ما.. ليس لغياب التفسيرات الاخر، ولكن لملاءمتها، بطبيعتها الطوباوية، النهج الخيالي في مجتمعاتنا، العربية والإسلامية. ذلك النهج الذي عده مسؤولا، الى حد كبير، في منع الاستنارة الفكرية من غزو الشارع. وليس الذنب في ذلك دائما واقعا على عاتق رجل الشارع، بل الى الدعاية المنسقة والمنظمة التي لا تعبأ بالحقائق، والتي تشوه تلك الحقائق، لخدمة مصلحة جهة متنفذة، في السلطة او خارجها.

ان اهم ميزة في المجتمع الشرقي هي الروحانية، وهي قوة مقابلة لقوة العقل، لا تنفيه ولكن تبادله الادوار احيانا. وعند وضع الايمان مقابل العقل، لا يمكن تحديد الجهة التي سيميل اليها الميزان. ان المنهج العلمي نفسه، كما اسلفت، يعتمد هاجسا في عقل الباحث يدفعه للبحث في اتجاه معين.. هذا الهاجس هو في الحقيقة مظهر من مظاهر الايمان. ان قوة العقل حاسمة، ولكن المسائل ليست كذلك. وتعدد المؤثرات في قضية ما يجبر الباحث على الاختيار.

وهكذا فان الايمان بان حدثاً ما يجب ان تكون وراءه جهة ما، سرعان ما سينضج نظرية تآمرية تلقى قبولا واسعا. ان هذا الايمان يستبدل جزءا من التفكير المنطقي لصالح النتيجة المرجوة. وحتى المشككون لن يستطيعوا الصمود طويلا، لان النقاط المجردة عن المعنى، يمكن ان تتجمع لتشكل صورة لها معنى حقيقي. ولكن رسم تلك الصورة انما يتم باستخدام العقل، موجها بالنتيجة المرتقبة. فاذا كان الحدث سابقا للتوقع، فلان الصورة قد تتغير في بعض التفاصيل، الا انها تبقى تحمل السمات نفسها. الايمان يستطيع ان يستخدم العقل، ولذلك لا يعمل على الغائه. والعقل يتوه بين الخيارات، فلا مناص من اعتماد الايمان منطلقا للتفسير. والجدلية تتجسد دائما بالرغبة في التوصل الى حلول. ورجل الشارع، عماد تلك الجدلية، غير مستعد للتقييم، بل للتفاعل.

قبل احداث أيلول بمدة بسيطة كانت هناك حادثة اخرى، كان يمكن ان تفسر بالشكل الصحيح مقدمة لتلك الاحداث. ذلك ان طائرة مصرية سقطت في المحيط الاطلسي بعد مدة وجيزة من اقلاعها من احد المطارات الامريكية. واوضحت التحقيقات ان مساعد الطيار وهو مصري الجنسية، عمد الى اسقاط تلك الطائرة لسبب غامض. وانتشرت في ذلك الوقت نظريات مؤامرة تنسب اسقاط تلك الطائرة الى الموساد، او المخابرات الامريكية، من دون ان يتم اثبات ذلك، او نفيه. ولو حللت تلك الحادثة بالشكل العملي، لكانت النتيجة بسيطة ان هناك عملية تجنيد لطيارين انتحاريين، وهو ما شكّل احداث أيلول الدامية.

ان نظرية المؤامرة تبقى قادرة على التفسير، طالما كان العقل مشتتا بكثرة الخيارات. ولمحاولة كسر الاطار، فان اول ما ينبغي فعله هو تقليل تلك الخيارات امام العقل. بمعنى ان يتم تبني منهجا علميا في التفسير، يعتمد تسلسل الاحداث، ويستخدم الهاجس الذاتي بفاعلية منطقية، ويحدد الحكم المسبق المبني على افتراضات، تحولت بسبب طول التداول الى بدهيات او مسلمات. وتلك مسؤولية مشتركة، تبدأ من الفرد وتتأكد بالدعم الحكومي. فهل آن الاوان للحكومات العربية ان تتقدم خطوة للامام، وان تشرع في الاصلاح؟ لنأمل ان تلك الحكومات قد وعت ان نظرية المؤامرة تشملها ايضا، وتسبب لها المزيد من الكوارث حتى على المستوى الداخلي، لطرحها وقائع دولية واقليمية، مشروعا وطنيا ومحليا.

 

 

للاتصال بنا  -  عن المدى   -   الصفحة الرئيسة