|
بقلم المهندس البحري سمير عيد الكريم محمد
خريج الأكاديمية الوطنية للملاحة التجارية
نانت - فرنسا
يشكل قطاع النقل البحري في الدول التي لها منفذ بحري أهمية
ستراتيجية، وعاملا مهما من عوامل النمو الاقتصادي. وللعراق
منفذ بحري مهم كان في ما مضى من السنين يسمى (باب الهند)،
وطالما تصارعت عليه الأساطيل التجارية، من اجل أسواق
الشرق.
وعندما قام الحكم الوطني في العراق في عشرينات القرن
الماضي، ظهرت فيه بوادر مشاريع النقل المائي الوطني، لكنها
لم تكن بمستوي الطموح، إذ لم تصل المجال البحري. وفي بداية
الخمسينات، لاحت ملامح النهوض الاقتصادي التجاري الوطني
المستقل. وانتعشت فكرة إنشاء أسطول تجاري بصدور القانون
رقم 76 لسنة 1952، الذي بموجبه تأسست (شركة النقل البحري
العراقية)، لكن هذه الشركة بقيت مجرد تشكيل هزيل طيلة
السنوات التي سبقت قيام النظام الجمهوري.
في بداية العهد الجمهوري، لم تتمكن الشركة من أن تتملك سوي
باخرتين لنقل البضائع حمولة كل منها: (6000 طن) هما
الباخرة (14 تموز) ، والباخرة (عبد الكريم قاسم) التي أبدل
اسمها لاحقاً إلى (14 رمضان)، حيث ينبغي ان يستبدل الاسم
الاخير، ان كانت الباخرة موجودة.
بعد عام 1968، بدأ التوسع في الأسطول البحري التجاري حيث
تم شراء أربع بواخر روسية الصنع سميت: بغداد، البصرة، بابل
والسندباد (التعاون العربي) حمولة كل منها: (13600طن). وقد
وجهت هذه البواخر للعمل علي خط شمال أوربا .
خلال عامي 76-1977، استلمت الشركة أربع بواخر كانت قد
تعاقدت علي بنائها مع شركة ألمانية حمولة كل منها:
(3525طن) سميت: الأدريسي، الخنساء، الزوراء، وزنوبيا. كذلك
تم التعاقد مع شركة يابانية علي بناء أربع بواخر حمولة كل
منها: (8350 طن)، استلمت هذه البواخر ودخلت الخدمة خلال
عام 1977. وسميت: الفارابي، الكندي، الرازي والواسطي.
وهكذا نهض الأسطول البحري التجاري العراقي نهضة بارزة
المعالم وذات نتائج إيجابية بعد أن أصبح مجموع ما يمتلكه
14 باخرة فعالة يبلغ المجموع الكلي لحمولاتها الطنية:
(113900 طن)، تعمل على خطوط منتظمة هي :
1-خط شمل أوربا : الخليج العربي - المملكة المتحدة، مارا
بموانئ أنتويرب، بريمن وهامبورغ في ألمانيا، وروتردام في
هولندا، ودنكرك في فرنسا، ولندن.
2-خط المحيط الهندي: الخليج العربي، موانئ سريلانكا والهند
الباكستان وبنغلادش.
3-خط البحر المتوسط : عبر الخليج العربي .
4-خط الشرق الاقصي: الخليج العربي، مارا بموانئ اليابان،
سنغافورة ، هونك كونك وكوريا .
وخلال الثمانينات، أضيفت إلى الأسطول البحري التجاري ثلاث
بواخر متخصصة حمولة كل منها: (3000 طن) هي: الزهراء،
بلقيس، وخولة بنت الازور.
أما من ناحية الطواقم البحرية، فقد جري تعريق الأسطول
البحري بكوادر بحرية ذات كفاءة عالية وبمهنيين أثبتوا
جدارتهم بعد ما كان يعتمد علي الكفاءات الأجنبية حيث تم
الاستغناء عنها بعد عودة مجاميع طلاب الدراسات البحرية -
ضباط ومهندسين - من البعثات التي أرسلت في مطلع السبعينات
إلى كل من: مصر، يوغسلافيا ،ألمانيا وفرنسا.
وبعد تأسيس أكاديمية الخليج العربي للدراسات البحرية، في
البصرة، عام 1975، أصبحت رافدا مهما يوفر للنقل البحري كل
الاختصاصات، بالإضافة إلى قسم الهندسة البحرية في جامعة
البصرة.
إن هذا التطور الايجابي الذي وصل إليه النقل البحري
العراقي كان بفضل المال والجهد والممارسة الجيدة والتخطيط،
مما كان يبشر بملامح نهضة لهذا القطاع الحيوي... لكن
(الرياح جرت بما لا تشتهي السَّفَنُ)،
لقد تأثر قطاع النقل البحري بظروف الحرب العراقية –
الإيرانية بسبب توقف نشاط الموانئ العراقية. وأصيب بالشلل
التام بسبب الحصار الاقتصادي الذي فرضه مجلس الأمن الدولي
على العراق عام 1991، حيث توقف نشاط البواخر العراقية على
الخطوط البحرية الدولية والإقليمية، وتعطلت الطواقم
البحرية عن ممارسة عملها المهني. وبمرور الأيام، صارت
مضطرة للتوجه للعمل في شركات بحرية أخرى من اجل الحفاظ على
كفاءتها المهنية، والتواصل مع التطورات الحديثة للإيفاء
بالمتطلبات الدولية للخبرة البحرية، التي تعتبر معيارا
أساسيا للتقييم في تجديد الشهادات والتقدم للدورات البحرية
التأهيلية ولأغراض الترقية حيث - وللأسف الشديد - لم تتم
معالجة هذه المشكلة من قبل المسؤولين في وزارة النقل
والمواصلات، رغم أن رفع مستوي الكفاءات البحرية للكوادر
يعتبر من أساسيات نجاح أداء عمل الأسطول البحري .
إن التوقف الطويل للبواخر العراقية، في الموانئ الأجنبية
طيلة فترة الحصار الاقتصادي، جعلها تتحول إلي "سكراب" بسبب
التقادم والتآكل. ولمحدودية الصيانة جراء كل هذا، خسر قطاع
النقل البحري التجاري، الذي تديره الشركة العامة للنقل
المائي، اغلب بواخره وهجره عدد مهم من "البحريين" بسبب
القيود التي كانت تفرضها القرارات والتعليمات والتوجيهات
المركزية السلبية على إدارة هذا القطاع الحيوي، وعدم منحها
المرونة اللازمة في التحرك والتصرف لإيجاد البدائل؛ إضافة
إلى حجب الاستقلالية المطلوبة في العمل الدولي الذي يمثله
نشاط هذا القطاع .
والآن، ونحن نعيش في مرحلة نهوض العراق الجديد، مطلوب
إعادة تأهيل وتنشيط وتفعيل قطاع النقل البحري التجاري
ببواخر وكوادر وقوانين وأنظمة تساير القوانين والأنظمة في
الدول البحرية المتقدمة تحفز العاملين علي البواخر
العراقية للإبداع وتقديم أقصى ما لديهم من خبرة، وتضمن لهم
كامل الحقوق وفق المعايير الدولية المعمول بها. كما يتطلب
الحال إصدار قانون جديد للخدمة البحرية العراقية بدلاً من
القانون رقم 201 لسنة 1975 المتخلف. ونحن البحريين، في هذه
المرحلة من إعادة البناء على أسس رصينة، نتطلع ويحدونا
الأمل الكبير بالسيد وزير النقل وبقيادات القطاع البحري
الإدارية والفنية بإعداد النقل البحري الوطني كي يرقى إلى
مستوى يتبوأ فيه مكانه المطلوب في بناء اقتصاد العراق
الجديد بما ينسجم والتطلعات التي يشخص إليها العراق الناهض
بعون الله وجهود المخلصين.
|