الاخيرة

الصفحة الرئيسة للاتصال بنا اعلانات واشتراكات عن المدى ارشيف المدى
 
 

يعيشون في غرفة الحضارة لكنهم وحيدون

بشرى الهلالي

لم يكن لديهم جهاز تلفاز ولا هواتف خلوية ولاشبكة انترنيت- ولم يمتلك أطفالهم العابا الكترونية.. ولم يكن لدى بعضهم حتى تيار كهربائي.. فلماذا كان آباؤنا واجدادنا إذن يشعرون بالرضا والسعادة؟ لماذا كان السلام والهدوء يعم حياتهم؟ هل يكمن الداء في زحف الحضارة ومفرداتها الى بيوتنا؟ ام ان الداء فينا؟

كانت شكوى صديقتي تتلخص في احساسها وبالوحدة والحزن رغم امتلاكها كل مفردات الحضارة في دارها.. شبكة الانترنيت التي تنقلها كل ليلة الى كل أنحاء العالم.. وهاتف خلوي.. وجهاز التلفاز الحديث ورفيقه الذي لازمه مؤخراً (الستلايت).. فكيف للوحدة ان تقتحم بابها؟ ومن اي شباك يتسلل اليها الحزن؟ أثارت شكواها تساؤلات عدة ربما غابت عن الاذهان.. ألم تستطع الحضارة ان تمنحنا السعادة؟ واين تختفي الفرحة التي ترافق إمتلاك اي اختراع جديد يلده العالم لنا؟ ألم تستطيع كل هذه الاشياء تعويض الانسان عن حاجته الى الانسان؟ وكيف سمحنا لعقولنا وقلوبنا ان تتحول الى ملف في الحاسوب؟

المهندس (سرمد احمد) يرى ان الظروف التي احاطت بنا منذ سنوات طويلة هي السبب في الغربة التي نعيشها داخل بلدنا.. فكل ماجلبته لنا الحضارة أصبح عبءاً علينا لأننا نستخدمه للعمل فقط وصرنا نعمل اكثر ولانجد الوقت للمتعة ويقول: العمل يستغرق يومنا كله.. نذهب الى العمل ونحن ندرك اننا نهلك خلف سراب.. وينقضي يومنا ونحن نعاني من مشاكل لاتنتهي من داخل العمل والبيت ومن كل مايحيطنا.. فعقولنا اصبحت منشغلة في امور كثيرة مثل الامن.. والبحث عن المال وانقطاع التيار الكهربائي والوقوف في طوابير البنزين والنفط الخ.. ولذا.. ابتعدنا عن بعضنا ولم نعد نفكر بالتواصل مع علاقاتنا الاجتماعية، بل نستغل اية ساعة فراغ قد تتوفر لدينا لإراحة اجسادنا من تعب لاينتهي عند حد معين.. ولذا فمهما توفرت لدينا من وسائل حضارية نظل نشعر بالوحدة لان الحديث الى آله او عبر الة لايمكن ان يروي ظمأ الروح او يسد حاجة الانسان العاطفية والنفسيه..

أما الطالبة (سلار سرمد) من كلية العلوم- فترى ان امتلاكها خط الانترنيت يمنحها بعض المتعة ولكنه يثير اعصابها اكثر.. والسبب كما تقول: اية حضارة هذه التي تصلنا منها الفتات فقط.. اننا نجلس امام الانترنيت ساعات لنحصل على ساعة اتصال، ام الهاتف الخلوي فهو مكمل للمظهر ليس أكثر.. فالشبكة دائماً مشغولة.. هذا من ناحية، ومن ناحية اخرى نرى ان الشباب في مثل سننا في كل انحاء العالم يعيشون حياتهم بالطريقة التي يرغبون بها، فكلما عرفنا اكثر زاد حزننا اكثر لاننا حينذاك ندرك اننا نعيش حالة ظلام دامس اضافة الى الظلام الذي يسببه انقطاع التيار الكهربائي الدائم، لاشيء يمكنه ان يمنحنا السعادة سوى الامان- الاستقرار النفسي والاحساس بأننا نحيا حياة طبيعية اسوة بأقراننا من الشباب في كل انحاء العالم- لم اعد استطيع زيارة صديقة او حتى اقاربي لانني ملزمة بالبقاء في البيت خوفاً من حدوث الانفجارات او اية مخاطر اخرى من تلك التي تحيق بنا- بل ان ذهابنا الى الجامعة اصبح مخاطرة- ولذا اصبح احساسنا بالوحدة مسألة عادية جداً ، حتى لقاإتنا في الجامعة مع زملائنا واحاديثنا معاً.. كل شيء اصبح بارداً جافاً مليئاً بالقلق والخوف واجترار المشاكل التي تتفاقم كل يوم...استاذ العلوم (سلمان كامل) اجاب قائلاً: ليس للحضارة دخل في ماآل اليه وضعنا بل ان الخلل فينا نحن.. لاننا جعلنا من السعي خلف لقمة العيش هماً وحيداً لنا- والذنب في هذا ايضا ليس ذنبنا- فالعوز المادي الذي عاشه اغلبنا يدفعنا الى البحث عن الامان من خلال العمل والمال- اضافة الى ان مايحيطنا من ظروف يجعلنا دائما في حالة خدر وقلق من أية مفاجآت قد تحدث.. هذه المشاعر المضطربة سيطرت على عقولنا حتى غيبت معها اية مشاعر اخرى.. الآن اضيفت الى قاموس حياتنا اليومية مفردات مرهقة للعقل والجسد كالمشاكل المادية ونقص الوقود واختلال الامن والظروف السياسية التي تشكل مستقبلاً يبدو لنا مجهولاً.. الخ.. فتجد يومك وقد تحول الى دوامة من المشاريع التافهة والمؤجلة والمربكة للعقل والسلوك احيانا- ومع الاسف – استسلم الاغلبية لتاثير هذه المشاكل.. وابتعد احدنا عن الاخر.. فأصبحنا نعيش حالة غربة حتى داخل بيوتنا- لهذا يلجأ اولادنا الى الانترنيت او الستلايت لانشغالنا عنهم.. ولكن مهما امتلك الانسان من اشياء داخل غرفته يظل وحيدا بين اربعة جدران.

أما السيدة (وفاء رضا) فانها لاتجد في التلفاز او القنوات الفضائية او الانترنيت مايعوضها عن جلسة عائلية دافئة وتقول: يقضي زوجي معظم وقته امام شاشة الحاسوب واحيانا يظل ساهرا الى ساعة متاخرة من الليل حتى انه اقتنى مولداً كهربائياً لضمان عدم حرمانه من الانترنيت، وربما لهذا السبب افتقدنا الجو العائلي في البيت حيث سلك اولادي السلوك نفسه في حالة عدم وجوده في البيت.. كما انني اشعر ان كل مانشاهده من خلال الانترنيت يزيد من متاعبنا- ربما يجد غيري المتعة في ذلك لكني اشتاق الى الالفة والبساطة التي كانت تجمع عوائلنا قبل سنوات- فالتكنولوجيا مهما قدمت لنا لن تستطيع ان تكون بديلاً عن المشاعر او الاحاسيس الانسانية.

الذنب ليس ذنب التكنلوجيا.. بل هو ذنبنا نحن.. وكل مايحيط بنا- لقد غبنا عن الوعي مدة طويلة لنصحو ثانية ونجد حياتنا وقد تحولت الى صحراء.


ظل سنة

شاكر الأنباري

الجميع صار يحلم. فتحت نافذة كي يطل منها المرء على التاريخ، وعلى مستقبل آت. والجميع سيراجع الأيام التي انصرمت. وسيفكر في سنة جديدة. انها مرحلة مفصلية، فعلا لا قولا. بدأت ملامح دولة تتشكل ما بين اليدين، لا تقوم على هيمنة حزب واحد او فكر واحد. الارهاب في انحسار. وشبح حرب الطوائف والقوميات يغادر الجلسة. وهذا حسن. دولة فيها كثير من المساوئ وعليها اكثر من الملاحظات، الا انها قابلة للعلاج. هبطت دولة سابقة، دولة المنظمة السرية والمؤامرات المغلقة، هبطت بمن فيها الى القاع، وأسست أخرى، ينبغي لها ان تصبح خيمة للجميع. لأن الجميع مسؤولون عن بقائها واصلاحها. التجربة الديموقراطية ليست ترفا، بل هي حاجة. قل ما تشاء ولكن افعل حسب ما يقتضيه القانون ومصلحة الناس.

واذا ما تمت الانتخابات سيكتب دستور ويصار الى نحت قانون يطبق على الجميع. هذا ما كان ينقصنا اذن. لن يتضرر من هذه التجربة سوى المجرمين والخارجين على القانون، اما من يشارك في خلق وطن ودولة ودستور فلا يخشى من الخطأ. عتمات هذا الوطن ستضاء من مراكز تنويرية هي عقول أبنائه المنفتحة على العالم. لا يحتاج الوطن الى عقول منغلقة، بل الى ذهنية شاسعة، تؤمن انها تعيش على ارض من شعوب وثقافات وأديان، لها حق العيش والاختلاف والرأي. اما الزبد فيذهب جفاء، وهي مرحلة ستخرج الكثير من الزبد. هناك المنتفعون من الفوضى، ومن تضررت مصالحهم، والقتلة الذين تفيأوا بظل سنوات من القمع والارهاب والتفرد والبلطجة. وهناك الأثرياء الجدد واللصوص، لصوص وطن يظنون انه صار لقمة سائغة حين زالت دولة الظلم. لكن الوطن يمتلك عيونا مفتوحة وسجلا يحفظ فيه اسماء القتلة واللصوص وتجار الدم. فما بينهم وبين شعبه حرمة الدم. وكل من يساعد، او يشجع، او يدعو الى اراقته، لن يغمض له جفن. شماعة الدين يعرفها القاصي والداني، ومن يظن انه يعلق عليها خططه في شق صف هذا الوطن فهو واهم. الاحتلال لن يدوم، وهو وهو وقت ملتبس آن له ان يغيب. العنعنة الطائفية والقومية لا تخيف شعبا تمرس في مداواة جراحه.

ظل السنة القادمة مرسوم بألوان فاقعة. لا تنازل عن الحرية ولا تراجع عن شعار الدين لله والوطن للجميع. ملايين تحلم بشوارع نظيفة ومدارس وصحف ومعرفة وحياة حرة، وفوق كل ذلك الكرامة التي أريد لها ان تمرغ في الطين، لتظل نزوات ثلة طاغية تعبث على هواها. اليوم كل من يهين كرامة المواطن يجب ان توضع على رأسه علامة استفهام. وكرامة المواطن نحفظها حين يشعر انه يتمتع بخيرات هذا الوطن من كهرباء وماء نظيف ووقود وعمل وشوارع آمنة ومستشفيات. لن يذلوه بقطع الكهرباء وحمله على تسول ألتارٍ من النفط، او الوقوف على الأبواب بحثا عن عمل شريف. لن يذلوه مادام جرب كل ذلك من قبل، على يد الأوغاد..الأوغاد ذاتهم.

يخطئ من يعتقد انه لا يرى، ويخطئ من يظن ان الفوضى باقية. مثلما هناك اصرار من الظلمة على العيث فسادا في ربوع البلد، فهناك اصرار اكبر من شبابه على خلق وطن جديد، والدفاع عنه. السبب هو انهم يحلمون. باب الحلم فتح ولن يغلقه احد، لا سائل ولا مسؤول. جذر الحضارة لهذا الشعب اكبر من ان تهزه عقول مريضة تصطاد في الماء العكر. اذا الشعب يوما اراد الحياة لن توقف ارادته النبرة الطائفية ولا السيارة المفخخة ولا يد اللص الذي يتاجر بآلام الناس. لن توقفه الكلمات الرنانة الجوفاء التي لا تعني ما تقول. وعقارب الساعة لن تعود الى الوراء، بعد ان ذاق الناس طعم الحرية الصافي. الثمن المدفوع باهظ، لكن جيلا جديدا لم تلوثه الحروب والقتل والخراب سينهض، مثل طائر الفينيق، ويبني بلدا طيبا... كما فعل كل مرة عبر تاريخه.


على الطريق: (صانع القباقيب)

مديحة خليل البياتي

مارس اهل  كركوك قديماً مختلف المهن والصناعات الشعبية وبعض هذه المهن ما زالت تمارس حتى الان ومنها ما انقرض ولم يعد له وجود وقد حافظت صناعة (القباقيب) في كركوك على طابعها القديم بعدد قليل من المحال الموجودة  في شارع الاوقاف في السوق الكبير. واثر ظهور الصناعات الاسفنجية قل الاقبال عليها بعد ان كان الزائر يقتني العديد من القباقيب الملونة والجميلة للاهل والاحبة للشهرة الواسعة لهذه الصناعة الشعبية الاصيلة ولكونها من الناحية الطبية صحية ومريحة للقدمين.

(55) عاماً مع القباقيب

وبعد طول بحث وتفتيش عن القلة الباقية من محال صناعة القباقيب في مدينة كركوك وجدنا محال تعد على اصابع اليد وكان لنا مع صاحب احد المحال الاسطة طلعت تحسين هذا الحديث:

* منذ متى وانت تعمل بهذه المهنة؟

- كانت بدايتي منذ الطفولة حين كنت صانعاً في محل الاسطة الحاج يونس عندما كان عمري (8 سنوات) بعدها تدرجت في المهنة اذ اصبحت (خلفة) فصاحب محل واكملت مدة (55) عاماً في هذه الصنعة التي احبها كثيراً.

* كيف تصنع القباقيب؟

- صناعة القباقيب كانت ولا تزال صناعة بسيطة جداً حيث كنا نشتري الواح الجوز الكبيرة ونقطعها الى قطع صغيرة بأحجام مختلفة وقوالب خاصة حسب الشكل المراد صنعه بعد عمليات صقل ونقش وتخريم وكانت المحصلة هي..التفنن بألوان واشكال بديعة، اما الان فإن القوالب تصل الينا جاهزة من المعمل وينصب عملنا على وضع الجلد عليها وزخرفتها.

* ما رأيك بظهور قباقيب حديثة تباع بأسعار عالية قياساً بأسعاركم؟

- هذه الصناعات التي اشرت اليها يجري التركيز على مظهرها، ولونها فقط لكسب الزبائن ليس الا، بينما تتصف صناعتنا بالقوة والمتانة اما ما يخص الاسعار فنحن نبيع الاحجام الصغيرة بـ (1000) دينار والكبيرة بـ (2000) دينار، بينما تبلغ اسعار القباقيب الحديثة (6000) دينار وهي قباقيب بكعوب عالية.

* هل تتذكر شيئاً عن بدايات مهنتك؟

عندما قررت ان اعمل في هذه المهنة كان رأس مال المحل (15) ديناراً، وكنت ابيع الاحجام الصغيرة من القباقيب بـ (50) فلساً والكبيرة (75) فلساً واتذكر العاملين القدامى في صناعة القباقيب الاسطة فؤاد علي والحاج يونس احمد، واحمد يوسف، والمرحوم جمال، والاسطة محمد ، وكانت طلبات القادمين من القرى والارياف تنصب على القباقيب من الكعوب العالية وصناعتنا كانت متميزة آنذاك والطلب عليها كان واسعاً وخاصة عندما كانت تستخدم في الجوامع والحمامات الشعبية واتمنى من كل قلبي ان لا تنقرض هذه المهنة الشعبية.

 

 

للاتصال بنا  -  عن المدى   -   الصفحة الرئيسة