|
سمير شاكر الصميدعي
الامين العام للتحالف الوطني الديمقراطي
الممثل الدائم للعراق في الأمم المتحدة
تواجه الحكومة العراقية المؤقته خياراً صعباً، أن تجري
الإنتخابات في موعدها في 30 كانون الثاني 2005 أو أن
تؤجلها. ولقد ثبتت الى حد الآن على موقفها وهو ان
الانتخابات سوف تجري في موعدها المقرر.
والاسباب التي تدفع الحكومة المؤقته الى التشبث بموقفها
هذا، اسباب قاهرة، فمن الناحية القانونية تخضع الحكومة
لإحكام قانون إدارة الدولة الذي نص على إجراء الانتخابات
قبل نهاية كانون الثاني 2005. كما تخضع ايضاً الى قرار
مجلس الامن 1546 لعام 2004 الذي يؤكد على الجدول الزمني
ذاته، ويعطي بذلك بعداً دولياً لإلتزامات الحكومة
القانونية. والى ذلك فأن التأجيل سوف يعطي الإرهابيين
والمخربين فرصة للشعور بالانتصار واعلانه ويعزز من
معنوياتهم ويدفعهم الى مضاعفة جهودهم الهادفه الى نسف
العملية السياسية برمتها. كما أن التأجيل سوف يؤدي الى
خيبة امل واستياء بين قطاعات واسعة كانت ولا تزال تنتظر
ممارسة حقها في الانتخاب. وهو (أي التاجيل) لا يضمن على
اية حال تحسن الحالة الامنية. بل بالعكس فان الخطر كل
الخطر في تدهورها للاسباب التي ذكرناها.
ولكن إجراء الإنتخابات في هذه الظروف حيث يتعذر على مناطق
واسعه من العراق المشاركة لعدم توفر الأمن. سوف يؤدي الى
تشكيل مجلس وطني مختل. وبدلاً من أن تكون الإنتخابات خطوة
بإتجاه الإستقرار والهدوء، قد تكون خطوة عكسية بإتجاه
المزيد من المتاعب وعدم الإستقرار. فإذا مضى المجلس الوطني
في كتابة الدستور الدائم للعراق كما تستدعي العملية
السياسية المتفق عليها يكون قد غيب قطاعاً واسعاً من
العراقيين مع أن أكثرهم كانوا راغبين في المشاركة في
الإنتخابات لكن تهديد الإرهابيين والحالة الأمنية منعاهم
منها.
وهكذا نلاحظ ان هذه القضية تطرح في المناقشات التي تدور في
الولايات المتحدة والعراق على أساس خيارين: إما تأجيل
الإنتخابات او الإلتزام بالجدول الزمني الحالي. إلا أن
هناك خياراً ثالثاً وهو المضي قدماً بإجراء الإنتخابات
وتشكيل المجلس الوطني والحكومة المؤقتة، على أن يسبق ذلك
تحديد معيار لمدى شمولية الانتخابات، فإذا لم تكن شاملة
وفق ذلك المعيار عندها تؤجل كتابة الدستور الدائم. ويمكن
ان تتفق القوى السياسيه في العراق وكل الجهات المعنية على
تحديد هذا المعيار، كأن يكون في نسبة التفاوت الحاصلة في
المشاركة في الإنتخابات. فعلى السبيل المثال، إذا ظهر أن
المشاركة في محافظتين أو أكثر هي أقل من نصف معدل المشاركة
في محافظات العراق الأخرى، عندها ستكون الجمعية الوطنية
غير مؤهلة على النحو المطلوب لإعداد دستور دائم للعراق.
ان حلاً كهذا سيلبي رغبة أولئك الذين يدعون إلى إجراء
الإنتخابات بالسرعة الممكنة، وسيحرم الإرهابيون من فرصة
تحقيق نصرهم المنشود في تأجيلها أو إلغائها، وتثمر عنه في
الوقت ذاته حكومة شرعية منتخبة يمكن لها أن تركز على تحقيق
الإستقرار في العراق. ومتى ما تحقق مستوى معقول من
الإستقرار والأمن، يمكن إجراء جولة جديدة من الإنتخابات
ينتج عنها مجلس وطني أوسع تمثيلاً ، يمكن له أن يحصل على
ثقة البلد بأكمله لكتابة الدستور الدائم.
هذه الفكرة يمكن تنفيذها بعدة طرق، منها أن يترك عدد من
المقاعد الشاغرة لتمثيل المحافظات التي لم يتحقق فيها
المستوى المطلوب للمشاركة، أو أية آلية اخرى تؤدي الى
النتيجة نفسها ويتفق عليها القادة السياسيون العراقيون.
لكن ما هي الاوجه السلبية لهذا الحل؟ الجواب واضح وهو
التأخير في إعداد الدستور. وأنا أرى أن هذا الثمن ليس
غاليا لقاء ما سيجلبه من تهدئة للخواطر وتقريب بين الرؤى
وعزلة للمتطرفين وبالتالي الآستقرار الامني. وقد يكون هناك
إعتراض آخر في أننا نعطي الإرهابيين القدرة على تأجيل
كتابة الدستور الى أمد غير محدد باستمرار أعمال العنف
وعرقلة المسيرة السياسية. لكن هذا الاعتراض مبني على
إفتراض أن حكومة مؤقتة شرعية ومنتخبة مدعومة من قبل
المجتمع الدولي، ستعجز عن تحقيق تقدم ملموس على الصعيد
الأمني، في حين أن الامر على العكس، إذ ستتوفر للحكومة
المنتخبة فرصة أفضل لتحقيق الإستقرار من الحكومة الحالية.
وقد يقول البعض بأن قانون إدارة الدولة الإنتقالي ضمن لنا
صمام أمان من خلال الإستفتاء الذي نص عليه، إذ أنه اشترط
درجه عاليه من الاجماع عليه ففي حالة رفض ثلاث محافظات
عراقية لمشروع الدستور المؤقت، يجب عندها إعادة صياغته.
إلا أن ذلك وإن كان فعلا صمام أمان لا يعول عليه في هذه
المرحلة ففي غياب وجود ضمانات واضحة من البداية، سيكون
طريق صياغة الدستور وعراً للغاية. إذا فالمطلوب هو أن يتم
الآن الإعلان عن النيه الكامله في مشاركه الجميع من خلال
تثبيت مبادئ الشمولية والشراكة والإحترام المتبادل. هذا
وحده كفيل بكسب رضا ومشاركة العراقيين الذين يشعرون الآن
بأنهم مهمشون ومهددون.
في هذا المنعطف الدقيق حاجتنا الى التفهم والتفاهم لا تقل
عن حاجتنا الى الحزم، وحاجتنا الى الحكمة لا تقل عن حاجتنا
الى الإصرار على اهدافنا الكبرى.
وإذا ما تم التوصل الى توافق حول هذه الفكرة، فعندها يمكن
للعراق أن يطلب من المجتمع الدولي أن يعتمد مجلس الامن
قراراً يصادق على تاجيل كتابة الدستور الدائم. اما إذا
تعذر ذلك أو رافقته صعوبات أو تأخير، قد يكفي التوافق
الداخلي في العراق (على سبيل المثال لو أعتمد المجلس
الوطني المؤقت قراراً بالإجماع أو بشبه الإجماع، ودعمت ذلك
القرار الحكومة العراقية المؤقتة وبعض الاحزاب السياسية
الرئيسية) لإضفاء الشرعية المطلوبة على هذا التغيير في
المسار السياسي ولتطبيقه على أرض الواقع.
فيما عدا ذلك فأني أرى فائدة كبيرة قد تجنى من تأجيل محدود
جدا في مو عد الانتخابات لا يزيد على أسبوعين أو ثلاثة، من
أجل استكمال الإجراءات اللازمة لإجراء الإنتخابات داخل
وخارج العراق. فأن حصل ذلك سوف يعطي الوقت الكافي لاستكمال
المستلزمات الأمنية والإستعدادات اللازمة لإجراء
الإنتخابات في العراق. وبالنسبة للإنتخابات خارج العراق
سوف يكون ذلك التاجيل البسيط غاية في الاهمية اذ أنه سوف
يضاعف الفترة المتاحة لتسجيل الناخبين في أربع عشر دولة
والتي حصرت الآن في نطاق أسبوع واحد فقط (إبتداءا من 17
كانون الثاني/يناير). وتتجلى صعوبة تحقيق ذلك، إذا ما
أخدنا بنظر الإعتبار بأن على جميع المؤهلين للمشاركة في
الإنتخابات الحضور شخصياً الى مراكز التسجيل. كما أن ذلك
يتطلب سماح الحكومات المعنية بإجراء إنتخابات على أراضيها،
وأن يتم التوقيع على بروتوكولات وإتفاقيات تنظم ذلك. وتجدر
الإشارة بأنه حتى كتابة هذه السطور لم نوقع على اتفاق بهذا
الشأن سوى مع دولة واحدة هي الدنمارك. أن تأجيلاً كهذا لن
ينظر له بإعتباره خروجاً كبيراً عن الجدول الزمني، أو نصرا
للارهابيين ولكنه سوف يزيد من فرص نجاح المسار السياسي.
ونظراً لخضوع المسار الإنتخابي لجدول زمني يزاداد ضيقاً
بمرور الوقت، فان علينا أن نؤكد التزامنا بالمسار السياسي
بمجمله وبالتواريخ المحددة، دون أن نتعامل معها على انها
منزلة أو مقدسة لا يمكن المساس بها مطلقا.
أن علينا في هذه الحرب التي نخوضها ضد الإرهابيين وأعداء
العراق الجديد، أن لا نعمل بقوة فحسب، بل أن نعمل بذكاء.
|