مواقف

الصفحة الرئيسة للاتصال بنا اعلانات واشتراكات عن المدى ارشيف المدى
 
 

غازي الياور امل السُّنة الكبير

ترجمة/ زهير رضوان

عن/ مجلة التايم

 

قلة من قادة العالم تسنموا مناصبهم دون ابواق وضجيج مثل السيد غازي عجيل الياور. عندما اصبح رئيساً مؤقتاً للعراق في حزيران الماضي، نظر اليه الامريكيون والساسة العراقيون كشخصية طيعة مبتدئة، شخصٌ يبقى في الظل بينما هم من يدير شؤون البلاد. كان الياور غريباً في بلاده بعد ان امضى 25 عاماً بعيداً عن العراق، كطالب في جامعة جورج تاون. وكمدير تنفيذي لشركة اتصالات في المملكة العربية السعودية. قبيل تعيينه، اجري استطلاع سئل العراقيون فيه ان يرتبوا 17 شخصية سياسية حسب درجة شعبيتها: فجاء ترتيب الياور في اسفل القائمة. لكن عندما وصل الياور (46 عاماً) الى البيت  الابيض استقبل استقبال كبار الرجال المهمين، وكونه على قمة هرم الحكومة العراقية، وكشيخ سني لواحدة  من اكبر قبائل العراق، صار الياور الحليف الرئيس للولايات المتحدة. كان العنف المستشري في المناطق ذات الاغلبية السنية قد اثار الشكوك حول امكانية مشاركة المجتمع السني الذي حكم العراق طوال 80 عاماً في الانتخابات المقررة في نهاية كانون الثاني المقبل. وكانت مجموعة من الاحزاب السياسية العراقية قد طالبت في الشهر  الماضي بتأجيل الانتخابات ستة اشهر قائلة ان قلة من السنة سوف يشاركون في التصويت. مع ذلك يصر البيت الابيض على الالتزام بالموعد المحدد، فقد اعلن الرئيس بوش أن الولايات  المتحدة (متمسكة جداً) بتأريخ 30 كانون الثاني، ولتعزيز الوضع الامني سيصار الى زيادة عدد القوات الامريكية من 120.000 الى 150.000 جندي، وهو اعلى مستوى للقوات منذ الغزو في العالم الماضي.

تعتمد الولايات المتحدة السنية الرئيسة بمقاطعة الانتخابات، قال الياور للصحفيين إنه يعارض التأجيل. في مقابلة مع مجلة التايم في منزله المترف جداً في بغداد، كرر الياور ايمانه بأن الانتخابات حاسمة في تقويض اعمال العنف واضاف (نحن متلهفون لإجراء الانتخابات في موعدها، ولسنا مرتاحين لمقولة (الحكومة المعينة) ونريد ترشح للانتخابات. وبعد ان امضى اشهراً  في بناء قاعدة له تضم الشيعة والسنة فمن المؤمل ان يحصل الياور الحصول على الشرعية التي توفرها لنا الانتخابات). الياور ذاته امكانية ان يصبح ما يفتقده العراق الآن: زعيماً سنياً معتدلاً بإستطاعته توحيد السنة الساخطين دون ان ينفر الاغلبية الشيعية. وقال اياد السامرائي الامين العام للحزب الاسلامي العراقي ان للياور (الكثير من القوة: خلفية عشائرية،  سلوك عصري وشباب). وتقول جوان كول الخبيرة في الشؤون العراقية في جامعة مشيغان ان الياور (سيكون شخصية سياسية مهمة لفترة طويلة. انه امل عظيم للسنة).

لم تكن للياور امكانية كبيرة وقدرات عندما تسنم منصب الرئاسة في حزيران، فقد كان مرشح تسوية اللحظة  الاخيرة، وكونه ينتمي الى قبيلة شمر التي تضم شيعة وسنة فإنه مقبول من كلا الطرفين. في الاشهر الاولى من توليه منصبه كان قلما يرى او يسمع منه في بغداد، لأن التصريحات الحادة لرئيس الوزراء اياد علاوي القت بظلالها عليه. انتقد البعض الياور لقضائه الكثير من وقته في زيارات للعواصم العربية.

لكن هذه الزيارات لم تكن من اجل المتعة. يقول احد الدبلوماسيين الغربيين في بغداد ( ان سألت قادة الدول المجاورة عن اي شخص يودون التعامل معه فإن الجميع سيشير الى الياور).

وخلافاً لعلاوي، يبدو الياور في بعض الاحيان ناقداً، على سبيل المثال  لإستخدام الولايات المتحدة القوة المفرطة لإركاع المتمردين في مدن مثل سامراء والفلوجة. قال الياور لمجلة التايم (منذ الهجوم على الفلوجة تصاعد العنف في كل مكان حتى في الموصل التي كانت هادئة من قبل). انتقاداته هذه حازت الاعجاب والاستحسان في المثلث السني حيث ينظر الى المسؤولين في الحكومة بعين الازدراء والاحتقار. وحتى هيئة علماء المسلمين الراديكالية والتي دعت الى مقاطعة الانتخابات اثنت على تصريحات الياور. وقال الياور (ان الناطق بإسم الهيئة عبد السلام الكبيسي  يقول اشياء جيدة، لكن علينا ان نرى متى يتخذ الاجراءات الصحيحة). لكن الياور لا يبدو ساكناً ابداً. في الخريف الماضي عقد قرانه على زوجته الثانية، نسرين برواري، وزيرة الاشغال العامة في الحكومة المؤقتة. تقول جوان كول ان برواري تمنحه تأييداً عريضاً لم يحظ به اي سياسي عراقي من قبل.

للياور اربعة اطفال من زواج سابق ويقول ان زواجه الجديد هذا لا علاقة له بالسياسة بل بالرومانسية. وعندما سألناه كيف يجد متسعاً من الوقت لذلك برغم جدوله المزدحم رد قائلاً: ان لم تكن قادراً على الحب، فكيف لك ان تحب وطنك؟ ويبدو هذا التصريح شعاراً لحملة انتخابية.


من اجل ان يصبح الفقر شيئا من الماضي

ترجمة/ فاروق السعد عن الايكونومست

 قد يكون عام 2005 عاما حاسما في المعركة ضد الفقر.

" اننا نمتلك النقود، و نمتلك الادوية و العلم- و لكن هل نمتلك الارادة؟ هل نمتلك الارادة لجعل الفقر شيئا من التاريخ؟". حقا انه سؤال وجيه: سؤال كبير، و حاسم و- طالما يفهم الضمير"نحن" بشكله الواسع- صحيح تماما. و هو سؤال- كما يرى بونو- نجم الروك الذي اثاره- ستجيب عنه السنة القادمة.

في 2005، من المقرر ان يهيمن موضوع خفض الفقر على جدول اعمال صناع السياسة الدولية بشكل غير مسبوق. ستاتي اولا بعض التقارير الحالمة، تتصدرها دراسة جيفري ساكس الى الامم المتحدة( في كانون الثاني) و بعثة توني بلير الى افريقيا (من المحتمل في آذار). وفي حزيران، اذا لم يخسر السيد بلير بشكل غير متوقع الانتخابات العامة البريطانية، فانه يضيف قمة G8 لقادة الدول الغنية والتي ستتركز على معالجة الفقر، خصوصا في افريقيا. و في ايلول، ستعقد قمة خاصة للجمعية العمومية لمتابعة التقدم الحاصل في "اهداف تطورات الالفية" المتفق عليها في عام 2000، التي تتضمن الالتزام بخفض نسبة عدد البشر الذين يعيشون في الفقر في العالم الى النصف بحلول 2015. وبما ان التقدم كان بطيئا، فمن المحتمل ان تكون هنالك العديد من المبادرات و الوعود باتخاذ اجراءات جديدة. في كانون الاول، كما يؤمل، فان اجتماع منظمة التجارة العالمية في هونك كونغ سيختم العام بنهاية سعيدة بالاعلان عن صفقة تساعد على تحرير التجارة العالمية بطريقة تقدم دعما كبيرا لاقتصاديات البلدان الفقيرة.

اوجه التفاؤل

من الواضح بان هذا الاهتمام الكبير العالي المستوى بحاجات الفقراء هي امر مرحب به. كذلك هو الحال مع روح التفاؤل التي ينظر بها صناع السياسة و الناشطون العام القادم. و مع ذلك فان الامر لا يدعو الى السخرية في ان يتساءل المرء ان كانت كل هذه المؤتمرات الدولية قد تصبح، في النهاية، مجرد هذر بدلا من الافعال. هنالك خطر حقيقي من هذا الشيء. فقبل ان تفسح المجال الشعارات الرنانة الى خيبة الامل، من المفضل ان نتساءل عن المعارك، الواقعية، التي يمكن كسبها في الحرب على الفقر عام 2005.

ان بعض اشكال التفاؤل هي مبررة بالتأكيد. في المصطلحات الاقتصادية، لم يكن الجنس البشري ابدا اغنى، او افضل تسلحا بالمعرفة الطبية، و المهارات التكنولوجية و القوى الفكرية المطلوبة لدحر الفقر. ففي البلدان الغنية، كان من الممكن ان يتحول التركيز في السياسة الداخلية من الفقر المطلق(الذي هو نادر الوجود) الى النوع النسبي-وهي خطوة عملاقة الى الامام. و في البلدان الافقر، ايضا، شهدت العقود القليلة الماضية ارتفاعا غير معهود في الدخل و في مستوى معيشة مئات الملايين من الناس، معظمهم في آسيا، الذين لم يعودوا يكافحون لمجرد العيش من يوم الى آخر. ان استمرار معدلات النمو السريعة في الهند و الصين لوحدهما يبشر بتحرير مئات الملايين من الفقر خلال العقد القادم.

ومع ذلك فعلى الرغم من ان تجارب الصين و الهند مشجعة، الا انها تبين ايضا لماذا قد لا تكون القمة في العام القادم قادرة-وحتى بوجود افضل النيات و اقصى شكل من اشكال قوة الارادة-. لم يكن خفض الفقر في كلا البلدين في الاساس كنتيجة للسياسات الدولية الجيدة، او الصدقات التي تقدمها البلدان الغنية، و لكنها نتيجة لسياسة محلية افضل- بضمنها اجراء تحسينات اساسية في التعليم و العناية الصحية و، الاجراء المهم، وهو تحرير الاسواق. ففي كلا البلدين، يمكن لحكومة افضل ان تحقق خفضا اكثر للفقر. فعلى سبيل المثال، بقى الفساد منتشراً في كلا البلدين، و له تأثير حاد بشكل خاص على الفقراء عن طريق حرمانهم من الخدمات المطلوبة ورفع تكاليف وصولهم الى الاسواق و المال. و علاوة على ذلك، ففي تلك الاجزاء من العالم حيث تم تحقيق تقدم ضئيل في تخفيض الفقر-بشكل ملحوظ في افريقيا- يقع اللوم على الحكومة المتخلفة. ان ايجاد طرق لتحسين الصناعة، كحد ادنى، في البلدان ذات الحكم الرديء، هو امر على غاية الصعوبة( و موضع جدل) بالنسبة الى الدخلاء.

لا يتركز تقديم المساعدات في اعياد الميلاد فقط

و لكن هنالك ما يكفي من الكآبة. فمازال هنالك الكثير مما يمكن تحقيقه في السنة القادمة لمكافحة الفقر، خصوصا ان كان قادة العالم راغبين في ترتيب اولويات واضحة، و في ان يكونوا كبارا بما يكفي لان لا يدفعوا بمخططاتهم المفضلة على حساب التسويات الضرورية و الا جماع. فالجميع من كوفي عنان و جورج بوش الى جاك شيراك و السيد بلير يرغبون في ان يظهروا بانهم الساسة الذين كسروا ظهر الفقر العالمي، و كل واحد منهم لديه افكار تختلف جزئيا للوصول الى ذلك.

هنالك ثلاثة افكار اساسية من المتوقع ان تتصدر جدول قمة العام القادم: زيادة المساعدات التي تقدمها البلدان الغنية الى البلدان الفقيرة؛ وشطب اجزاء كبيرة من ديون البلدان الفقيرة؛ و تحرير التجارة، امام المنتجات الزراعية التي تعتبر اساسية بالنسبة للعديد من الاقتصاديات الفقيرة، التي تتعرض الان صادراتها بقسوة لتهديد من قبل امريكا، اليابان و الاتحاد الاوربي.

بخصوص المساعدات، ستكون خطوة كبيرة الى الامام بالنسبة للساسة في ان يتبنوا سياسة " اولا لا تلحق الاذى". هنالك امثلة لا تحصى عن مساعدات مقيدة بشروط تضمن بان الجزء الاعظم من الفوائد تذهب الى شركات البلدان المانحة، او تلك التي تنتهي في حسابات في بنوك خارجية تعود للساسة المحليين الفاسدين. و حتى في الحالات التي كانت فيها المساعدات فعالة- في الصحة، والتعليم و مشاريع تجهيز الماء- فان التغيرات الفجائية في سياسة البلدان المانحة قد نسفت الجهود الحميدة. ان المساعدات الدولية تمثل اكثر العناصر السريعة التبخر في ميزانيات البلدان النامية، و هو احد الاسباب التي تفسر كون بعض البلدان الافريقية الاكثر تفاؤلا اكثر حرصا على شطب الديون منه الى الحصول على المساعدات، لان الاولى تشكل تبرعا مضافا الى مصادرها لا يكون واهنا امام التغيرات الفجائية التي تحدث في سياسات البلدان المانحة.

في هذا الخصوص، هنالك الكثير مما يزكي "التسهيلات المالية الدولية" المقترحة من قبل السيد براون-التي ينظر لها الان مرة ثانية بجدية. برغم انها من حيث الجوهر طريقة ذكية للتحايل على قواعد الاستدانة للحكومات الوطنية، الا ان تلك الخطة قد تدفع المانحين الى زيادة المجموع الكلي للمساعدات (عن طريق الاستدانة على حساب ميزانيات المساعدات المستقبلية) و السماح بصرفها بطريقة يمكن التكهن بها بشكل افضل: ميزانية عامة غير متكافئة تمول بسبب جيد.

اما فيما يخص الكيفية التي تصرف فيها الاموال، فلن يكون هنالك نقص في المشاريع المرشحة. لسوء الحظ، فان الفكرة التي ادينت في يوم ما حول صرفها على مشاريع البنية التحية الكبيرة قد تم احياؤها مؤخرا. سيكون من الافضل اذا ما اخذ قادة العالم بنظر الاعتبار اجماع كوبنهاكن، و هو سلسلة من الدراسات و الخطط وضعت في بداية العام من قبل بعض من افضل اقتصاديي العالم. فقد استنتجوا ان افضل طريقة لصرف ، فلنقل، 50 مليار دولار ( التي هي فستق عبيد بالنسبة للبلدان الغنية) لمساعدة الفقراء قد تكون على برامج للحد من انتشار مرض العوز المناعي، و لمكافحة الملاريا و لتخفيض سوء التغذية.

ان تحرير التجارة، في المقابل، ينبغي ان يكون خيارا بسيطا بالنسبة للساسة في مكافحة الفقر . تقدر اوكسفام، و هي مجموعة رائدة في هذا المجال، على سبيل المثال، بان زيادة قدرها 1% في حصة افريقيا من الصادرات العالمية سيستحق ما قيمته خمسة اضعاف حصة القارة من المساعدات و شطب الديون. و مع ذلك فان تحرير التجارة يتطلب من الساسة في البلدان الغنية مواجهة الاصوات المطالبة بحماية المنتجات المحلية في الداخل. سيكون هذا امرا مؤلما و مكلفا من الناحية السياسية، و بهذا يتطلب الشجاعة. لذلك، فمهما كان الاتفاق، الذي سيتم التوصل اليه في لقاء منظمة التجارة العالمية القادم في كانون الاول الا انه قد يشكل اصدق اختبار فيما اذا كان هنالك حقا ارادة لجعل الفقر شيئا من التاريخ.


 اوكرانيا.. رهان عصيب لنا جميعاً

بقلم: سالوميه زورا بيشفيلي

ترجمة: زينب محمد

عن: لوفيغارو

 

اصبح رهان الانتخابات الاوكرانية حاسماً وعصيباً، إذ ان حادثة مهمة في التاريخ توشك على  ان تقلب وعلينا ان نتمكن من حل رموزها. اصبح الرهان عصيباً بالنسبة لأوكرانيا أولاً، لان الديمقراطية وأوروبا في ميزان واحد، والأمر يتعلق بمعرفة ان كانت أوكرانياً ستعيد/ ثورة الورودا في تشرين الثاني عام 2003 في جورجيا على طريقتها وتبني دولة القانون الديمقراطية الأوروبية في اقليمها وخياراتها. وازاء الاحداث الجارية، فإنني أرى صدى للعملية التي سمحت لي بشغل منصب وزير الخارجية لبلد يعلن بصوت عال وواوضح عن انتمائه الأوروبي والاطلسي.. وفي قضية الانتخابات ارى ان سيناريو نعرفه جيداً سوف يحدث ثانية وقد يقرر مصير اوكرانيا الديمقراطية والأوروبية في الحال، في الحال لان مستقبل اوكرانيا واضح مسبقاً، فهو ينضوي في تاريخها وفي جغرافيتها وفي الإدارة الوظيفية، والسؤال الوحيد المطروح هو معرفة ان كان سيتم الالتزام بهذا التوجه بشكل حقيقي مبكراً أو متأخراً سلمياً أم لا. وليس بوسعنا الآن ان نامل كجيران واصدقاء لاوكرانيا بان يكون الطريق قصيراً وسلمياً.

ان هذا التغير يعتبر عصيباً بالنسبة لجورجيا أيضاً لان التوقف الشديد أو البطء في الدينامية الديمقراطية الذي بدأ في تبليس في تشرين الثاني عام 2003 كان يمكن ان تكون له تأثيرات سلبية على تغيرنا في الداخل. ان التدخلالت المناهضة للديمقراطية باقية وان كل ما يمكنه المساهمة في تشجيعها يزعزع اصلاحاتنا ويضعفنا. والرهان عصيب لروسيا بشكل لا يقبل الجدل، فالامر يتعلق بمعرفة ان كانت ستقبل تحت ضغط الواقع بالمحتوم وهو ان الإمبراطورية لم تعد موجودة وان هذه الخيار النهائي الذي لم تعرف بعد ان تحققه إزاء جورجيا هو خيار وجود ستنجم عنه سياستها الإقليمية.

ان التخلي عن جورجيا شاق ومتعب على الصعيد النفسي، لكن التخلي عن اوكرانيا له ثقل آخر مختلف، هو ثقل الواقع.

وبعد اجتياز هذه الخطوة، لن تكون هناك عودة إلى الوراء ولا تمزق داخلي بين احلام الإمبراطورية والتطلع إلى التطبيع، وعندما تتحرك اوكرانيا لن يكون امام موسكو خيار آخر إلا ان ترتضي مثلما يجب بان تكون قوة ذات ماضٍ امبريالي وعندئذ فانها قد تمارس تأثيرها ونفوذها في الاطر الدولية المقبولة، وستجد أوروبا في النهاية الشراكة التي تنتظرها.

وهكذا فان الرهان لا يقل أهمية بالنسبة لاوروبا، وبالنسبة لسياستها الخارجية التي ستكون مختلفة جداً بموجب اوكرانيا الديمقراطية أو الاستبدادية، مع المغامرة بقارة منقسمة من جديد إلى قسمين ولصورتها عالمياً على نحو خاص، والتي ستكون واقعية لو اختارت عدم المجازفة كثيراً ازاء روسيا الجريحة إذا صممت على طرح ثقلها السياسي والاقتصادي من اجل الديمقراطية في كييف، واخيراً فان الرهان اوروبي ـ أمريكي، فإذا تركت أوروبا مرة أخرى لواشنطن احتكار الدفاع والديمقراطية فان الهوة بين الحماسة الاطلسية للداخلين الجدد وشك الأعضاء المؤسسين للاتحاد الأوروبي سوف تتعمق بشكل غير مجدٍ. ان مساعدة أوكرانيا اليوم واجب على جميع الأوروبيين وجميع الديمقراطيين، وجورجيا جزء من ذلك وستقوم بدورها، ولكن يجب ان نكون واضحين  عما تعنيه مساعدة أوكرانيا، إذ لا يجب ان يعني ذلك تشجيع المجابهات والمواجهة التي تؤدي إلى التشظي والمنطلقة من تدخلات خارجية. ومساعدة أوكرانيا العاجلة هي الارتقاء بطريق خروج متفاوض عليه وبتشجيع الوساطات. ان مساعدة أوكرانيا، على المدى الطويل تعني بشكل خاص مساعدة روسيا على التفاهم بشكل مختلف والتفكير في مستقبلها بطريقة مختلفة. هذا هو جوهر السياسة التي تنتهجها جورجيا مع جارتها القوية: اقناع روسيا بان الاستقرار  لا يتجزأ وان أية زعزعة للاستقرار اليوم سوف تساعد الإرهاب والقوى الخارجة عن السيطرة، ويتعلق الأمر باقناع موسكو بان التأثير والنفوذ المستديم لا يمكن اكتسابه إلا عبر وسائل ايجابية مثل الاقتصاد، الثقافة والدور البناء في حل الصراعات، والاثبات على ان زمن الرهانات قد ولى وزمن المواجهة الثنائية اميركا وروسيا للسيطرة على الأراضي قد انتهى فلننتضم إلى نظام جديد للتعاون والتشارك في هذه المنطقة الحساسة والستراتيجية التي هي القفقاس حيث يكون لكل واحد مكان: مكان شرعي للقوة الوصية السابقة، ومكان للمصالح الجيوسياسية والاقتصادية للولايات المتحدة الأمريكية ومكان لأوروبا التي يزداد حضورها فيها.

ان هذه الفلسفة نفسها يجب ان تطبق في أوكرانيا، ولكي تقبل روسيا بان تختار أوكرانيا مصيرها عليها ان تعترف بان هذا الخيار ليس خياراً يبعد أو يواجه النفوذ الروسي في دولة ترتبط معها بثقافة مشتركة وباقليات عديدة ومصالح اقتصادية قوية عبر قرون. يجب ان يكون خياراً شاملاً يسمح لاوكرانيا بالتقارب مع أوروبا دون ان تخسر علاقاتها الخاصة مع روسيا، ولن يكون هذا ممكناً إلا إذا تركت روسيا لأوكرانيا حرية اختيارها دون تدخلات يمكنها ان تعزز المشاعر المناهضة لروسيا والتي لا تتغذى على التنافس الأساسي بل على قرارات موسكو السياسية، ولن يكون هذا ممكناً إلا إذا  ابدت أوروبا استعدادها للقيام بدورها الطبيعي في أوكرانيا واستعادت مكانتها فيها، ويفترض ذلك عدم ترك واشنطن تحتكر الدفاع والديمقراطية، بل على العكس التحرك بشكل متكامل مع حليفها الأساسي.

 

 

للاتصال بنا  -  عن المدى   -   الصفحة الرئيسة