مجتمع مدني

الصفحة الرئيسة للاتصال بنا اعلانات واشتراكات عن المدى ارشيف المدى
 
 

بيان صـحفي عن انطلاق عملية اعادة اهلي الفلوجة

أعلن مجلس الوزراء، في جلسته المنعقدة اليوم، انطلاق عملية إعادة أهالي مدينة الفلوجة الى منازلهم و أماكن سكناهم في المدينة، و ستبدأ عملية العودة، يـوم الخـمـيـس، الثـالـث و الـعـشـرين من الشهر الجاري 23-12-2004.

وستتم أعادة أهالي الفلوجة الى مدينتهم، على عدة مراحل، حسب جدول زمني، و سوف يُسمح في اليوم الأول، و هو الـخـمـيـس 23-12-2004 بعودة أهالي منطقة حـي الأنـدلـس فــقــط، فيما سيتم الإعلان عن أسماء المناطق الاخرى في الأيام التالية، و ذلك في صحيفتي الصباح و بغداد، كما ستبث إعلانات بهذا الشأن من إذاعتي جمهورية العراق، و راديو دجلة.

وقد اعلن السيد وزير الصناعة و المعادن الدكتور حاجم الحسني، الذي يرأس لجنة إعادة إعمار الفلوجة: "لقد آن الأوان لعودة أهالي مدينة الفلوجة الى منازلهم" و أضاف سيادته: " ان الوزارات العراقية المختلفة و بالتعاون مع القوات متعددة الجنسية، أنجزت أشواطا في تأهيل مدينة الفلوجة و إعدادها لاستقبال المواطنين من سكنة المدينة. لقد قمنا بإزالة المتفجرات و الألغام التي تركها الإرهابيون، كما أن فرق العمل الوزارية تعمل وبدون كلل في استكمال اصلاح شبكة المياه و المجاري في الفلوجة، إضافة الى إعادة تشغيل الكثير من الخدمات الضرورية الاخرى في المدينة.

كما أوضح السيد وزير الصناعة و المعادن حاجم الحسني، ان كميات كافية من المواد الغذائية، و من المياه الصالحة للشرب و من الوقود و وسائل المعيشة الاخرى تم توفيرها في المدينة، كما سيتم تقديم مساعدة مالية فورية بمقدار مئة و خمسين الف (150000) دينار عراقي لكل عائلة، عن طريق أي فرع من فروع مصرفي الرشيد و الرافدين، وتدفع هذه المساعدة المالية بشكل مباشر، مقابل التأكد من ان المتسلم هو من سكنة مدينة الفلوجة، و ذلك اعتمادا على هوية الأحوال المدنية و البطاقة التموينة للمتسلم.

وفيما يتعلق بالتعويضات التي سوف تدفع عن الاضرار التي لحقت بالمنازل و الممتلكات، قال السيد وزير الصناعة و المعادن، رئيس لجنة اعادة اعمار مدينة الفلوجة:

" سوف يتم دفع تعويضات الى اهالي الفلوجة، عن الأضرار التي لحقت بمنازلهم و ممتلكاتهم. و سوف تتولى لجان مختصة من مختلف الوزارات تقدير هذه الأضرار، و دفع تعويضات أولية يمكن ان تصل الى عشرة آلاف (10000) دولار اميركي".

وقد أوضح السيد وزير الصناعة و المعادن، رئيس لجنة إعادة إعمار الفلوجة، ان الشرطة العراقية و قوات الحرس الوطني ستتولى مهمة توفير الأمن داخل مدينة الفلوجة و حولها، بمساندة القوات متعددة الجنسية، و شدد سيادته على ان الحكومة عازمة على توفير أقصى درجات الأمن لأهالي المدينة و التصدي للعناصر الإرهابية و منعهم من شن أي هجوم على الفلوجة او على أي مدينة عراقية اخرى. التفاصيل


ماذا يحصل بعد عودة العائلة الى منزلها في الفلوجة؟

من حق أهالي الفلوجة الحصول على مساعدة مالية عاجلة مقدارها مئة و خمسين الف دينار عراقي. و للحصول على هذه المساعدة، يمكن لأي شخص التوجه لاي فرع من فروع مصرفي الرافدين او الرشيد، و سيتم دفع المبلغ مباشرة مقابل التحقق من الهوية الشخصية و من البطاقة التموينية، للتأكد من أن المتسلم هو من أهالي مدينة الفلوجة.

كما ستكون هناك مساعدات مالية عاجلة أخرى، بمقدار خمسمئة (500) دولار أميركي، نوافيكم بتفاصيلها لاحقا.

و سيتم ايضا توفير جميع المستلزمات الضرورية للعائلة من وسائل معيشية و مواد تموينية و وسائل تدفئة و رعاية صحية أولية. و ستكون فرق اعادة البناء و الإعمار قد شرعت بتنفيذ برامج مختلفة لاعادة اعمار المدينة، و اعادة بناء شبكة الخدمات الاساسية من ماء و كهرباء و كذلك اعادة تعمير القطاع الصحي و التعليمي.التفاصيل


الناجون.... في عامرية الفلوجة

 الفلوجة / بعثة المدى/ بيان البكري وفؤاد مطلب

 في الطريق الى عامرية الفلوجة حيث المخيم الذي اقامته قبل اربعة ايام الجمعية الخيرية الاماراتية لم تكن الصورة واضحة تماما  حيال ما سوف اعاينه عن قرب من مشاهد تعيشه.

المخيم مؤقت، مثل حكومتنا، مثل أعمارنا، مثل مدننا، مثل كلامنا،  وهو يحمل الرقم (1) على أمل إنشاء غيره لباقي المدن العراقيَة، فهذا الرقم يضمر داخله كل الأرقام التالية له كما يقول الفلاسفة فالواحد سيغدو عشرة وما على القوات الأمريكيَة سوى الإضافة، إنَ الرقم (واحد) يعني افتتاح (خانة) عريضة للأرقام والألف ميل تبدأ بخطوة.

على أيَة حال فما علينا سوى أن نشكر من أنشأه، فشكراً لدولة الإمارات العربيَة المتَحدة ونخصُ هيئة الأعمال الخيريَة، ونخصُ بعد ذلك مشروع الإغاثة العاجلة للأسر العراقيَة ما دام الكثير من المؤقتين من الأسر العراقيَة ينتظرون دورهم وأرقامهم على لائحة الإغاثة العاجلة التي تقنع المنفيين بأنهم ما زالوا على قيد الحياة.

لقد أنشئ المشروع في تشرين الثاني عام 2004 لتدارك الوضع المزري الذي كان يعيشه المنفيون الناجون من القصف اليومي المباغت ويشرف عليه فريق عمل عراقي يأخذ توجيهاته من مقر الهيئة الإماراتي في بغداد وهو لا يألو جهدا في الإغاثة حقاً. وقبل أن نلتقي المسؤول العراقي عن الهيئة (اياد عبد الله يوسف أبو سارة) التقينا برب أسرة بدا عليه التعب والحيرة والقلق، ورسمت خطوط وجهه المتغضن صورة المنفيين الناجين من حطام التراشق واللعب بالأسلحة التي لا ترحم من تصادفه، صورة متفرج على ذلك التراشق وقد أذهله كيف يمكن للفرد - هذا الكائن العجيب الذي لا يمكن تكراره أبداً -أن يفنى بهذه السهولة والسرعة التي لا تنتظر اعتراضاً أو مهلةً للشهادة حتى، بادرنا بالدعوة إلى  خيمته الصغيرة فقلنا له كلا نريد أن نجلس هنا في العراء ونتحدث عن معاناتكم علَنا نستطيع إيصال صوتكم إلى العالم فسألناه، فعرفنا منه الآتي:

أسمي لطيف إبراهيم عبد الله أبو عماد، كنت أسكن قرب الكراج الرئيس لمدينة الفلوجة ولدينا أثاث بيت متكامل لم نستطع إخراج أي شيءٍ منه سوى الملابس التي أكثرنا منها خوفاً من أن تطول الأزمة لأننا انتظرنا حتى آخر يوم علَ الأمور تتحسن ولأننا لا نملك الأقارب الذين يمكن أن يعنونا في أزمتنا هذه وعددنا تسعة عشر فرداً سبع بنات وثمانية أولاد وزوجة وزوجتان لاثنين من أولادي. كنا كلنا نسكن في ذلك البيت وهو كافٍ لنا بل ربما تذمرنا أحياناً منه بسبب صغره. نحن لا نعرف حتى الآن ما الذي حل به كما أنني لا أملك غيره ولكنه من مالٍ حلال وآمل من الله تعالى أن يعوضنا عنه. وعندما بدأت بوادر القتل والموت تلوح في الأفق هربنا إلى منطقة الفحيلات وأقمنا في بيت لم يكتمل بعد تبرع لنا به أحد الخيرين وكنا نحتمله أيام الصيف ولكن ما أن جاءنا البرد القارس حتى ابتدأت معاناتنا تتضاعف يوماً بعد يوم، فالبيت مبنٍ بالطابوق وما بين كل واحدة وأخرى فتحة كبيرة تدخل الهواء البارد علينا بسخاء فضلا عن أن الأبواب والشبابيك غير موجودة أساساً وكنا نضع عليها بعض الأغطية والصفائح والمشكلة الأكبر تكمن في أنه ليس فيه مرافق صحية

* وكيف أتيتم إلى هنا ؟

- قلت لك أن معاناتنا ازدادت وحالتنا تعقدت حد الجنون ولكننا سمعنا أخيرا بأن هيئة خيرية أنشأت مخيما فأتيت أنا أولا من أجل التعرف على ما يقدمونه هنا فوجدت أنه أفضل من الهيكل الذي نعيش فيه ألف مرة ولذا انتقلنا إلى هنا قبل أسبوع، ومن ذلك التاريخ وأنا أنام ليلتي لقد وجدنا هنا المساعدات الجيدة والإحترام والتقدير. أعطونا لكل خيمة مدفأة وثلاثة أغطية ونحن نملك بعضها وهي كافية لنا.

* وكيف حياتكم هنا الآن ؟ وما الذي تعانونه ؟

- إنها مرة بكل الأحوال ولكنها أهون من حياة الهيكل السابقة، وما زالت لدينا بعض المشكلات حيث لا يتوفر النفط لدينا ويجب أن نشتريه وسعر اللتر ثلاثمائة دينار ولذلك نذهب يوميا لجمع الحطب من الصحراء لكي ندفئ به خيمتنا ونطبخ عليه طعامنا وندفئ الماء الذي نغتسل به وهو متوفرُ حاليا بشكل جيد ولكني لم اغتسل منذ خمسة أيام لأن السخان معتمد على الكهرباء الرئيسة وهي تنقطع باستمرار وحتى لو توفرت فإن الحمامات تكون مزدحمة لأنها أربعة فقط وعدد الأسر هنا كبير جدا وأما بناؤها فهو جيد حيث وفروا قسمين أحدهما للرجال والآخر للنساء وهي مرافق صحية وحمامات ومغاسل

* وهل عملك كاف لتوفير ما يلزمكم ؟

الله يشهد بأنني منذ عشرة أيام ليس في جيبي دينار واحد. لدي سيارة قديمة جدا وواردها لا يكفي لإعالة هذه العائلة الكبيرة ونحن نجلب الحطب الآن لأننا لا نملك المال الكافي لشراء النفط يومياً

التقينا بعد ذلك المدرس (حميد خالد أبو أحمد) وكان يدرس مادة اللغة العربيَة في مدرسة الخليج المتوسطة سألناه : كيف هو وضعكم هنا ؟

فقال : نحن نعيش الآن بمرارة قاسية ولا نظن أن لدينا مستقبلاً سوى مستقبل الفلسطينيين في مخيماتهم فأنا عندما سمعت بالمخيم فرحت جدا وأتيت إليه مباشرة فقد كنت أسكن في غرفة واحدة في العراء في منطقة ريفية لا يتوفر فيها أي شيء، ثم أن المال الذي كان معي قد نفد كله وهو حاصل ما جمعته من الرواتب التي لم تعد تكفي أصلا وقد أتينا إلى هنا علنا نحصل على بعض المساعدات التي تسد رمقنا ونحن عائلة تتكون من خمسة أفراد وزوجة وأنا.

* وهل حصلتم على مساعدات هنا من جهات أخرى ؟

- نعم وصلتنا مساعدات من الرمادي سيارة واحدة وفيها معلبات وألبان وهي جيدة لأن المجمع جديد ولم يسمع به كل الناس وننتظر معونتهم.

* وهل الخيمة جيدة بالنسبة إليكم ؟

- الخيمة في هذه الصحراء الممتدة لا يمكن لها أن تدفئنا جيدا ولكننا لدينا الكثير من الملابس التي نرتديها لتطرد البرد الذي من كثر شوقه لنا لا يريد مفارقتنا في هذا الزمن المر.. إنه ضيف ثقيل جدا علينا.

* وماذا فعلت لمدارس أولادك ؟

- أولادي وبناتي كلهم في المدارس وقد تركوها لهذا العام.  إنها خسارة لا تقدر بثمن ونحن نأمل من وزارة التربية أن تسهل عملية نقلهم إلى مدارس أخرى.

هل يتوفر هنا مركز صحي لعلاج الحالات الطارئة ؟.

انه خارج المجمع وفي منطقة العامرية وهو يعالج الحالات الطارئة والبسيطة فقط وبسعر خمسمائة دينار المفروض من الحكومة العراقية أن تجعله مجانا لأهالي الفلوجة

* هل سمعت أية أخبار عن بيتك في الفلوجة ؟

- لقد سمعنا بأنه تهدم ولكننا لن نذهب إلى هناك مجددا فالمقاتلون يقولون انهم غير مسؤولين عن سلامة كل على يدخل المدينة والأمريكان لا يغادرونها إلا بعد أن يجعلوها حطاما وفي كل الأحوال قالوا لنا بأننا سنذهب إليه مشيا ولاكثر من ساعتين وأنا غير مستعد للتضحية بنفسي وأولادي على هذا النحو.

شكرنا الأستاذ أبا احمد وتوجهنا إلى مدير المخيم (أبو سارة) فأخذنا إلى اكبر خيمة في المجمع وهي غرفة الإدارة ليس فيها سوى الأسرَة الحديديَة غير المفروشة فسألناه :

أين هو مدير الهيئة الآن ؟  فقال لنا : المدير موجود وقد ذهب قبل دقائق ليتفق مع بعض أصحاب السيارات من اجل جلب النفط وهو يفكر في الإقامة هنا في خيمة أخرى وعندما نعمل يعمل معنا بيده في نصب خيمة أو تقديم المساعدة للناجين من الحرب.

* ما ترتيبكم من اجل الحصول على المساعدات ؟

- نحن نتصل بالجهات الخيرية والمنظمات الإنسانيَة من اجل مساعدتنا في مهمتنا هذه ومن اجل الحصول على المساعدات المالية لكي نعين أصحاب الأسر بها ولكن لم نحصل على أية مساعدات مالية حتى الآن وقد تسلمنا مساعدات اليوم من هيئة علماء المسلمين حيث وزعوا لكل خيمة مدفأة و (جولة نفطية) ومن نادي الصيد العراقي الذي ساعدنا أيضا ببعض الأمور

* يقول الناس بأنهم لا يتوفر لديهم مركز صحي هنا هل هذا صحيح؟

- نعم لدينا الآن أطباء متبرعون للعمل مجانا وسننشئ خيمة نجعلها مركزا صحيا بانتظار وزارة الصحة ومن الممكن أن نعالج فيه الحالات الطارئة والبسيطة وبشكل سريع ريثما يصلون إلى اقرب مستشفى

وماذا عن الماء الذي يقال انه غير بشكل جيد ؟

- نعم نحن نريد مد خط مياه للشرب إلى هنا وهو يذهب إلى خزانات كبيرة معدة لخزنه وتوزيعه وسوف نوفره بشكل دائمي في اليومين القادمين

* هل الناس يعانون مشكلة النفط خصوصا مع هذا البرد الشديد ؟

- لدينا تنسيق مع وزارة النفط بخصوص توفير (صهريج) أو اثنين من النفط يكفيان الأسر على وفق عدد الخيم

وماذا عن عدم التحاق أولادهم إلى المدارس ؟

لقد فاتحنا وزارة التربية وقد طلبت منا أن تكون المدارس من ضمن المخيم والمدارس القريبة من المنطقة لم تفتح بعد لأن أهل الفلوجة يسكنون فيها ولذلك قررت الوزارة أن حل هذه المشكلة في يدنا ولذا سنقوم بإنشاء خيم جديدة تؤوي اكثر من مئة عائلة من ساكني المدارس لكي يتسنى للطلبة العودة إلى مدارسهم

* ألم توفروا وسائط لنقل النازحين إلى السوق ومنه من اجل التسوق وغيره ؟

السوق غير بعيد من هنا ومع ذلك نحن نفكر في توفير باص أو اكثر من اجل نقلهم مرة كل يوم إلى السوق الرئيس في العامرية

* وماذا تفعلون للمرافق الصحية التي يبدو أنها لا تكفي لهذه الأسر ؟

- إنها الآن جيدة وفيها ماء حار وبارد ولكن المشكلة أن الماء الحار يعتمد على الكهرباء وهي سيئة هنا ولذلك نفكر الآن في شراء مولدة كهربائية كبيرة تكفي المجمع

* وكم يؤوي هذا المخيم الآن ونحن نعرف أن الكثير من الأسر المنتشرة في الصحراء الغربية تنتظر دورها في السكن ؟

- المجمع يحوي مئة خيمة لمئة عائلة ولدينا مخيم آخر قيد الإنشاء بمئة خيمة أخرى وهو بالرقم (2) ومجمع ثالث في منطقة العامرية ب(400) خيمة سوف نعمل على إنجازها كلها خلال أسبوع أو اقل ولكن مشكلتنا هي في إيصال الخيم حيث تعرضت الشاحنة التي تنقلها إلى التسليب مرتين وتعرفون أن الطريق من بغداد إلى هنا صعب جدا وخطر.

* هل عندكم ما تريدون إضافته ؟

- أرجو من كل المنظمات الحكومية والأهليَة والإنسانيَة أن تمد يد العون لنا وأن تنظر إلى أهالي الفلوجة بعين العطف والرحمة ونطلب من الوزارات العراقية توفير ما نحتاجه وإيصاله إلينا حيث نطلب النفط من وزارة النفط ومن وزارة الإسكان أن تعيننا على إيجاد البدائل للمخيمات ومن وزارة العمل أن توجد فرص العمل للعاطلين لكي يستطيعوا تمشية أمور حياتهم وباختصار نرجو الحكومة أن تنظر إلى عمل دولة الإمارات وتحاول أن تضيف إليه ولو بشكل جزئي التفاصيل


الرحالة الجدد إلى التيه!

بعثة المدى/ بيان البكري وفؤاد مطلب

ها نحن أولاء نحط رحالنا اليوم في الصقلاويَة القضاء التالي مباشرة للمدينة المجتاحة والذي سمعنا أنَه استقبل العدد الأكبر من عوائل الفلوجة. وقفنا عند ثانويَة الأمل أوَلاً بعدما سمعنا بأن أكبر عدد من العوائل تقطن فيها ، ضحكنا بمرارة عندما لاحظنا التناقض الحاد بين الإسم الخارجي وبين الحال التي يعيشها الرحالة إلى هذه المدرسة. لقد رحلوا ولكن إلى التيه ، إلى صحراء تدور وتدور بهم بلا أمل بالخلاص منها. لقد رأينا الوجوه التعبى والأجساد الناحلة واللون الأصفر وهو ينتشر في كل شيء حتى في النظرات.

المدرسة

لقد وجدنا أن ستة عشر عائلة تقيم في هذه المدرسة الخربة وكل عائلة أخذت غرفة صف واحدة وقد عملوا قواطع من القماش بين غرفة وأخرى وهي شيء رمزي لأن المدخل إلى الغرف واحد والنساء منتشرون بين الغرف من أجل الطبخ، هذه القواطع مجرد عازل رمزي بين العوائل يريد الحفاظ على تقليد الستر لا أكثر مع علم الجميع بأنَه لم تعد هناك حدود بينهم فلقد أصبحوا عائلة واحدة!.

المرافق الصحية عاطلة عن العمل سوى واحدة تفوح منها الرائحة التي لا يمكن للإنسان أن يتحملها تحت وطأة أقسى الظروف ، والمغاسل والحمامات لايتوفر فيها الماء فضلاً عدم توفر الكهرباء أصلاً في شبابيك المدرسة كلها مكسرة والأبواب مخرَبة ومفتوحة على الساحات الواسعة بوسع التية تيههم الذي لم ينته بعد

لقد نسوا طعم اللحم وقبل يومين فقط تبرع لهم أحد الأشخاص بكيلو من اللحم لكل غرفة لأن لديه عزاء فقرر توزيع اللحم على التائهين في المدرسة، وهي المرة الوحيدة التي تذوقوه فيها منذ ثلاثة أشهر. إنهم يعيشون معاناة لا حدود لها بانتظار أي أحد يأتي إليهم ويسألهم عن احتياجاتهم ، قالوا لنا بأنهم أصبحوا يثقون بأي أحد يطلب منهم بطاقتهم التموينية إذا ما وعدهم بجلب شيء لهم لقد قالت لهم: منظمة الإغاثة العاجلة التابعة لوزارة الصناعة بأنها ستجلب لكل عائلة مدفأة وأعطوهم البطاقة الغذائية منذ أسبوع ولم يحصلوا على أي شيء بعد

وما زالت القوات الأمريكية التي تعسكر أمامهم تحاصرهم فقبل عشرة أيام ضربوا أحدهم بواسطة القناص لأنه كان يقف على الباب الرئيس للمدرسة عند الساعة الخامسة مساءاً ولذلك أبلغوهم بعدم الخروج من بيوتهم بعد الساعة الخامسة وهم يمنعون انتقال أي أحد خارج القضاء. لقد كانوا محاصرين مع الفلوجة وزال عنهم الحصار قبل أسبوعين تقريباً مع زوال الحصار التام عن الاولى.

حالات

التقينا أولا بنعمة كريم شهاب الذي كان يسكن في حي الضباط فسألناه : عما اذا وصل اليهم أية مساعدات، فقال : جاءتنا جمعيَات خيريَة عراقيَة كثيرة وأعطونا بعض الأمور البسيطة وجاءتنا هيئة علماء المسلمين ولكنهم عملوا لنا إحصاءاً فقط ولم يجلبوا لنا شيئاً بعد وبعض الوكلاء أعطونا حصة تموينية ولكن بعضهم لم يعطونا بعد ، ولم تصل إلينا أية إمدادات بالغاز أو النفط ولا على مدفأة لأي أحد وبعض العزائل تستخدم الحطب لأن سعر لتر النفط ثلاثمائة دينار وهو غال بالنسبة لنا مع بطالتنا وعندما يأتي الغاز إلى المحطات يقولون لنا بأنه نفد ، وجامع الأنوار تأتي إليه المساعدات وفي الليل يتم تنقل إلى أماكن مجهولة فضلاً عن عمليَات التسليب والسرقة وغيرها، وقد وزعوا علينا بطانيات وقطعتي اسفنج للنوم عليها ، جاء إلينا أحد الخيرين ووزع لنا لكل عائلة ( جولة ) نطبخ عليها وبعض العوائل باعتها في السوق لتشتري الطعام ، وطارق ابني يعيش معنا هو وزوجته وأطفاله وقد عزل مسافة تكفي له ولامرأته بواسطة خزانات الكتب المدرسية

*كم هو عدد أفراد عائلتك ؟

-نحن ستة عشر فرداً ،عيش في غرفة واحدة في غرفة مديرة المدرسة وقد جاءتنا بنفسها وطلبت منا أن نحافظ على أثاث الغرفة والرحلات والمقاعد الدراسية فقط وأعطتنا المفاتيح

*وكيف يمكنكم شراء ما تحتاجونه الآن؟

-تعلم أننا عاطلون عن العمل. لقد كنت أعمل حداداً في الصناعة وليس لدي وظيفة ولا لأولادي، والآن ليس لدي مصدر مالي يسد ما نحتاجه ولولا أن لدي بعض المال لكنت أستجدي الناس في الشارع والآن بدأت نقودي بالنفاد وبدأت ببيع ما نملكه في منزلنا مما هو غير ضروري مثل الأغطية الزائدة وأثاث البيت البسيط الذي تمكنا من إخراجه من الفلوجة لكي نشتري الطعام ولوازمه فقط

*هل تعودون الآن إلى المدينة ولم يتوقف القتال فيها بعد ؟

-كلا لا نستطيع العودة الآن فقد أبلغونا بأن القتال ما زال مستمرا وأن لا أحد يتحمل مسؤولية موت من يقرر الدخول إليها ، ثم ما نفع الدخول الآن وأنت لا تستطيع التحرك هناك ولا العمل ولا التسوق ومن يدري بأنه ما زال يمتلك بيتاً هناك لكي يرجع

اربعة امتار

تركنا السيد نعمة وتوجهنا بالحديث إلى السيد ستار حميد أبو أحمد الذي يسكن في بيتونة المدرسة التي تحتوي على سلمين وتتكون عائلته من اثنين وعشرين فرداً مع أخية وعائلته وهو على اية حال حدثنا عن هذا المكان الغريب.

فقال : البيتونة مساحتها اربعة أمتار مربعة في الصيف كنا مرتاحين لأننا ننام على سطح المدرسة ولكن عندما جاءنا الشتاء حلت الكارثة بنا فقد كنا ننام فيها على الرغم من شدة البرد وبعد ذلك فرغت إحدى الغرف لأن ابنهم توفي إثر مرضه وحدوث مضاعفات لديه وقد طلب من الأمريكان أن يسمحوا له بالخروج من القضاء لعلاجه ولكنهم رفضوا فبقي الطفل بحالة مزرية حتى توفي واسمه رحمن يوسف الجميلي وعل كل حال فالغرفة غير كافية لنا كلنا وهي كبيرة الحجم لا تكفيها المدفأة الوحيدة التي نملكها إنها أشبه بالسجن 

*ألم تستطيعو إخراج أي شيء من بيتكم القديم ؟

-كلا لم نستطع إخراج أي شيء لأننا بقينا في الفلوجة حتى اللحظات الأخيرة فليس لدينا من يستقبلنا بسبب كبر عدد عائلتنا

*وكيف هو وضع المرافق الصحية هنا ؟

-المرافق لاتتوفرهنا. هل تعلم أنني لم أغتسل منذ عشرين يوما، واليوم ذهبت إلى بيت صديقي واغتسلت عنده ونحن عملنا أغطية خارج المدرسة لكي نغتسل ، ونضطر لإخراج العائلة كلها خارج الغرفة ليغتسل أحدنا وخاصة النساء.

الراتب فقط!

ونحن نهم بالخروج نادتنا امرأتان يريدان الشكوى لنا فتوجهنا إليهن فقالت الأولى :

-أنا إيمان كريم كنت مدرسة في معهد إعداد المعلمات في الفلوجة والراتب هو مصدرنا المالي الوحيد ولم نتسلمه لمدة شهرين ولم تصلنا مساعدات ماليَة ولا مواد غذائية من أحد غير الأغطية وقطع الإسفنج للنوم فهل من الممكن أن توفر لنا مساعدات ولو بسيطة أو أن تعمل وزارة التربية على إيصال رواتبنا السابقة لنا وأنا امرأة لا أستطيع الذهاب إلى مسؤول الحسابات الذي يسكن ربما في العامرية لكي أطلب منه الراتب فضلاً عن خطورة الطريق بالنسبة لي الآن.

مرض الطفلة

وأما السيدة الأخرى وهي كبيرة العمر فقد قالت :

-أنا حنان هلال أم زينب ظروفنا تعسة جدا ولدي طفلة تبلغ من العمر ثلاثة أشهر وهي مريضة تعاني من فتحة في القلب ووالدها ظروفه غير جيدة ويجب أن تتلقى علاجا غاليا جدا ويجب أن يأخذها إلى بغداد كل شهر وليس لديه المال الكافي لذلك فالمراجعات صعبة ومكلفة فهل من الممكن إيجاد حل لهذه الطفلة البريئة بأي شكل؟.

تركنا السيدتين ونحن لا نعرف ما نقول لهم ، تركناهم وكلهم أمل بمحاولة بإيصال أصواتهم إلى من يريد أن يستمع إلى معاناتهم وحملنا معنا الشكوى على جامع الأنوار متوجهين إليه بوصفه مقر الإغاثة العاجلة لأهالي الفلوجة وهو مركز أبي بن كعب وهناك وجدنا يحيى غازي عضو لجنة الإغاثة لفرع الصقلاوية والشيخ وليد خالد عبود مدير الإغاثة في المركز فسألناهم عن لجنة الإغاثة ، طبيعتها وعملها فقال لنا عضو اللجنة : مابين الاغلاق والفتح.

-لجنة الإغاثة هي غرفة عمليات شكلت في وزارة الصناعة وتضم ممثلين من كل الوزارات العراقية برئاسة حاجم الحسني ، ومنذ بداية النزوح إلى الصقلاوية منذ الشهر العاشر تقريبا كانت لدينا مدرستان ولذلك أجلنا الدوام فيهما وكان العمل في البداية بسيطا نجمع من الخيرين الأموال ونشتري للنازحين ما يحتاجونه من أغذية وبعد الإجتياح ازداد عدد العوائل النازحة لأن الصقلاوية هي المنفذ الوحيد وقد حاصرتها القوات الأمريكية مع الفلوجة ولذا أصبحنا نعاني ما يعانونه من جوع ونقص في الأغذية والخضراوات والغاز والنفط والعلاج كانت الأمور مأساويَة فعلاً وبقينا محاصرين لمدة أسبوعين وتفاوضنا مع الأمريكان وفتحوا لنا منفذا واحدا لمدة يوم واحد ثم أغلقوه فرجعنا إليهم ففتحوه لمدة يومين وأغلقوه مرة ثانية فذهبنا إليهم مرة أخرى ففتحوه وهكذا بقي الغلق والفتح حتى فتحوه أخيراً بالكامل قبل أسبوعين

*ما الذي قدمتموه في هذه المحنة لأهالي الفلوجة ؟

-وزارة الصناعة أرسلت إلينا عشرن ألف غطاء وزعناها على العوائل المنتمين إلى مركزنا ثم أرسلوا لنا مائة خيمة وزعناها على من يحتاجها ثم أرسلوا عددا من قطع الإسفنج للنوم وقد قمنا بتوزيعها وأرسلت لنا وزارة التجارة  ستمائة وأربعين كيس طحين فقط علما بأن لدينا أكثر من أربعة آلاف نسمة وبعد ذلك أرسلوا لنا ثلاثة آلاف وسبعمائة كيس يحتوي كل واحد على تي شيرت وملابس داخلية وأخيرا أرسلت أربعمائة كيس رز وهذا كل ما حصلنا عليه من غرفة الإغاثة

*وهل حصلتم على مساعدات خارجية ؟

-نعم تبرع لنا أغنياء المناطق المجاورة ببعض الأموال التي اشترينا بها بعض المواد الغذائية ووزعناها للعوائل وبعض المناطق أرسلت إلينا مساعدات جمعوها من البيوت وتيار الصدر أرسل النفط إلى جامع الأرقم ولم ترسل لنا وزارة النفط لا النفط ولا الغاز ولا البنزين وكل ذلك طلبناه منهم ولكنهم لم يرسلوا لنا أي شيء

*وكيف يتم التوزيع ؟

-لدينا وكلاء لكل مجموعة يكونون مسؤولين عن التوزيع وقبل ذلك نسأل عنهم ويجمع القوائم والبطاقات التموينية ويتسلم منا كل ما يأتي إلينا وهو الذي يهتم بتوزيعه فقد وزعنا الطحين بواقع خمسة وعشري كيلو لكل عائلة مع العلم أننا نعلم أن بعض العوائل صغيرة وبعضها كبيرة ولكن هذا السياق هو الأسهل فأخذنا به وأما بالنسبة للخيم فقد نصبناها قرب البيوت لأن بعضهم يريد السكن قرب أقاربه ولم تنجح محاولة إنشاء مخيم كامل واحد

*ما هي المعاناة التي رأيتموها أثناء عملكم ؟

-وجدنا بيتاً غير مسقف يسكن فيه ثمانون فردا ولذلك وضعنا أولويات في التوزيع فأولا أصحاب الهياكل وبعدهم أصحاب المخيمات وأخيرا أصحاب المدارس ماذا يراد من الوزارات.. وهكذا.

*لقد وجدنا الناس يعانون من المشكلات الصحية ألم تفاتحوا وزارة الصحة لعلاجها ؟

-طلبنا من الوزارة فتح صالة عمليات وصالة ولادة لأننا لا يتوفر لدينا أي عيادات خارجية وقد أنشأنا البنايات الخاصة بها ولم تكتمل نهائيا بعد وأطباؤها من النازحين أنفسهم ووزارة الصحة وافقت على الطلب ولكننا عندما ذهبنا إلى المخازن قالوا لنا بأنه ليس لديهم سوى أكياس الدم . وقد وصلتنا مساعدات أدوية من الهلال الأحمر ومنظمة الإغاثة الإسلامية عبر العالم ورابطة الأطباء ووزارة الصحة حيث أرسلت لنا كميات من الشاش الطبي وأدوية الحروب وأدوية الحالات الخفيفة والسريعة وكميات قليلة من المضادات الحيوية لا تكفي فالمراجعون يصل عددهم إلى ثمانمائة مراجع يومياً والمستوصف يغلق أبوابه الساعة الثانية عشر ظهرا لكي يحافظ على وجبته الشهرية وليس لدى المرضى سوى الرحمة الإلهية وقامت منظمة اليونيسيف مشكورة بحملة لقاح للأطفال ضد الحصبة

*هل لديكم ما تطلبونه من الوزارات العراقية ؟

-ضحك الرجل وقال أكيد لدينا الكثير لنطلبه. نطلب من البلدية العمل على تنظيف القضاء وتوفير حاويات للأوساخ فيها وكابسات وساحبات وتوفير إطارات لتناكر الماء

ومن وزارة الإتصالات نطلب قابلوات ومولدات لتوفير المياه وقد وعدتنا وزارة الصناعة بتوفير مولدات للمؤسسات الخدمية لكي تستعيد نشاطاتها. نطلب. ومن وةزارة الصناعة توفير النفط والغاز والبنزين. وفتحنا حواراً مع وزارة التربية من أجل رجوع الطلبة إلى مدارسهم وقالوا لنا بأن العام الدراسي بالنسبة لأهالي الفلوجة سيبدأ اعتبارا من الأول من شهر شباط ويعوضون الدوام في العطلة الرسمية الصيفية ولدينا الآن نية لتوفير الخيم الكافية لإخراج العوائل المقيمة في المدارس من أجل تسهيل عودة الطلبة إليها

لقد وجدنا بأن حجم الطلبات لا يمكن أن ينتهي بالنسبة للرحالة الجدد وفي الوقت نفسه فإن هذه الطلبات كلها لا يمكن أن تعود بالمواطن إلى أن يعيش حياته الطبيعية المستقرة ولو نسبيا ، لقد رأينا المواطنين وهم يفغرون أفواههم طمعا في حكومة عادلة تنظر إلى شعبها بعين الرعاية والعطف.التفاصيل

 

 

للاتصال بنا  -  عن المدى   -   الصفحة الرئيسة