|
الناجون.... في عامرية الفلوجة
الفلوجة /
بعثة المدى/ بيان البكري وفؤاد مطلب
في الطريق الى
عامرية الفلوجة حيث المخيم الذي اقامته قبل اربعة ايام
الجمعية الخيرية الاماراتية لم تكن الصورة واضحة تماما
حيال ما سوف اعاينه عن قرب من مشاهد تعيشه.
المخيم مؤقت، مثل
حكومتنا، مثل أعمارنا، مثل مدننا، مثل كلامنا، وهو يحمل
الرقم (1) على أمل إنشاء غيره لباقي المدن العراقيَة، فهذا
الرقم يضمر داخله كل الأرقام التالية له كما يقول الفلاسفة
فالواحد سيغدو عشرة وما على القوات الأمريكيَة سوى
الإضافة، إنَ الرقم (واحد) يعني افتتاح (خانة) عريضة
للأرقام والألف ميل تبدأ بخطوة.
على أيَة حال فما
علينا سوى أن نشكر من أنشأه، فشكراً لدولة الإمارات
العربيَة المتَحدة ونخصُ هيئة الأعمال الخيريَة، ونخصُ بعد
ذلك مشروع الإغاثة العاجلة للأسر العراقيَة ما دام الكثير
من المؤقتين من الأسر العراقيَة ينتظرون دورهم وأرقامهم
على لائحة الإغاثة العاجلة التي تقنع المنفيين بأنهم ما
زالوا على قيد الحياة.
لقد أنشئ المشروع
في تشرين الثاني عام 2004 لتدارك الوضع المزري الذي كان
يعيشه المنفيون الناجون من القصف اليومي المباغت ويشرف
عليه فريق عمل عراقي يأخذ توجيهاته من مقر الهيئة
الإماراتي في بغداد وهو لا يألو جهدا في الإغاثة حقاً.
وقبل أن نلتقي المسؤول العراقي عن الهيئة (اياد عبد الله
يوسف أبو سارة) التقينا برب أسرة بدا عليه التعب والحيرة
والقلق، ورسمت خطوط وجهه المتغضن صورة المنفيين الناجين من
حطام التراشق واللعب بالأسلحة التي لا ترحم من تصادفه،
صورة متفرج على ذلك التراشق وقد أذهله كيف يمكن للفرد -
هذا الكائن العجيب الذي لا يمكن تكراره أبداً -أن يفنى
بهذه السهولة والسرعة التي لا تنتظر اعتراضاً أو مهلةً
للشهادة حتى، بادرنا بالدعوة إلى خيمته الصغيرة فقلنا له
كلا نريد أن نجلس هنا في العراء ونتحدث عن معاناتكم علَنا
نستطيع إيصال صوتكم إلى العالم فسألناه، فعرفنا منه الآتي:
أسمي لطيف إبراهيم
عبد الله أبو عماد، كنت أسكن قرب الكراج الرئيس لمدينة
الفلوجة ولدينا أثاث بيت متكامل لم نستطع إخراج أي شيءٍ
منه سوى الملابس التي أكثرنا منها خوفاً من أن تطول الأزمة
لأننا انتظرنا حتى آخر يوم علَ الأمور تتحسن ولأننا لا
نملك الأقارب الذين يمكن أن يعنونا في أزمتنا هذه وعددنا
تسعة عشر فرداً سبع بنات وثمانية أولاد وزوجة وزوجتان
لاثنين من أولادي. كنا كلنا نسكن في ذلك البيت وهو كافٍ
لنا بل ربما تذمرنا أحياناً منه بسبب صغره. نحن لا نعرف
حتى الآن ما الذي حل به كما أنني لا أملك غيره ولكنه من
مالٍ حلال وآمل من الله تعالى أن يعوضنا عنه. وعندما بدأت
بوادر القتل والموت تلوح في الأفق هربنا إلى منطقة
الفحيلات وأقمنا في بيت لم يكتمل بعد تبرع لنا به أحد
الخيرين وكنا نحتمله أيام الصيف ولكن ما أن جاءنا البرد
القارس حتى ابتدأت معاناتنا تتضاعف يوماً بعد يوم، فالبيت
مبنٍ بالطابوق وما بين كل واحدة وأخرى فتحة كبيرة تدخل
الهواء البارد علينا بسخاء فضلا عن أن الأبواب والشبابيك
غير موجودة أساساً وكنا نضع عليها بعض الأغطية والصفائح
والمشكلة الأكبر تكمن في أنه ليس فيه مرافق صحية
* وكيف أتيتم إلى
هنا ؟
- قلت لك أن
معاناتنا ازدادت وحالتنا تعقدت حد الجنون ولكننا سمعنا
أخيرا بأن هيئة خيرية أنشأت مخيما فأتيت أنا أولا من أجل
التعرف على ما يقدمونه هنا فوجدت أنه أفضل من الهيكل الذي
نعيش فيه ألف مرة ولذا انتقلنا إلى هنا قبل أسبوع، ومن ذلك
التاريخ وأنا أنام ليلتي لقد وجدنا هنا المساعدات الجيدة
والإحترام والتقدير. أعطونا لكل خيمة مدفأة وثلاثة أغطية
ونحن نملك بعضها وهي كافية لنا.
* وكيف حياتكم هنا
الآن ؟ وما الذي تعانونه ؟
- إنها مرة بكل
الأحوال ولكنها أهون من حياة الهيكل السابقة، وما زالت
لدينا بعض المشكلات حيث لا يتوفر النفط لدينا ويجب أن
نشتريه وسعر اللتر ثلاثمائة دينار ولذلك نذهب يوميا لجمع
الحطب من الصحراء لكي ندفئ به خيمتنا ونطبخ عليه طعامنا
وندفئ الماء الذي نغتسل به وهو متوفرُ حاليا بشكل جيد
ولكني لم اغتسل منذ خمسة أيام لأن السخان معتمد على
الكهرباء الرئيسة وهي تنقطع باستمرار وحتى لو توفرت فإن
الحمامات تكون مزدحمة لأنها أربعة فقط وعدد الأسر هنا كبير
جدا وأما بناؤها فهو جيد حيث وفروا قسمين أحدهما للرجال
والآخر للنساء وهي مرافق صحية وحمامات ومغاسل
* وهل عملك كاف
لتوفير ما يلزمكم ؟
الله يشهد بأنني
منذ عشرة أيام ليس في جيبي دينار واحد. لدي سيارة قديمة
جدا وواردها لا يكفي لإعالة هذه العائلة الكبيرة ونحن نجلب
الحطب الآن لأننا لا نملك المال الكافي لشراء النفط يومياً
التقينا بعد ذلك
المدرس (حميد خالد أبو أحمد) وكان يدرس مادة اللغة
العربيَة في مدرسة الخليج المتوسطة سألناه : كيف هو وضعكم
هنا ؟
فقال : نحن نعيش
الآن بمرارة قاسية ولا نظن أن لدينا مستقبلاً سوى مستقبل
الفلسطينيين في مخيماتهم فأنا عندما سمعت بالمخيم فرحت جدا
وأتيت إليه مباشرة فقد كنت أسكن في غرفة واحدة في العراء
في منطقة ريفية لا يتوفر فيها أي شيء، ثم أن المال الذي
كان معي قد نفد كله وهو حاصل ما جمعته من الرواتب التي لم
تعد تكفي أصلا وقد أتينا إلى هنا علنا نحصل على بعض
المساعدات التي تسد رمقنا ونحن عائلة تتكون من خمسة أفراد
وزوجة وأنا.
* وهل حصلتم على
مساعدات هنا من جهات أخرى ؟
- نعم وصلتنا
مساعدات من الرمادي سيارة واحدة وفيها معلبات وألبان وهي
جيدة لأن المجمع جديد ولم يسمع به كل الناس وننتظر
معونتهم.
* وهل الخيمة جيدة
بالنسبة إليكم ؟
- الخيمة في هذه
الصحراء الممتدة لا يمكن لها أن تدفئنا جيدا ولكننا لدينا
الكثير من الملابس التي نرتديها لتطرد البرد الذي من كثر
شوقه لنا لا يريد مفارقتنا في هذا الزمن المر.. إنه ضيف
ثقيل جدا علينا.
* وماذا فعلت
لمدارس أولادك ؟
- أولادي وبناتي
كلهم في المدارس وقد تركوها لهذا العام. إنها خسارة لا
تقدر بثمن ونحن نأمل من وزارة التربية أن تسهل عملية نقلهم
إلى مدارس أخرى.
هل يتوفر هنا مركز
صحي لعلاج الحالات الطارئة ؟.
انه خارج المجمع
وفي منطقة العامرية وهو يعالج الحالات الطارئة والبسيطة
فقط وبسعر خمسمائة دينار المفروض من الحكومة العراقية أن
تجعله مجانا لأهالي الفلوجة
* هل سمعت أية
أخبار عن بيتك في الفلوجة ؟
- لقد سمعنا بأنه
تهدم ولكننا لن نذهب إلى هناك مجددا فالمقاتلون يقولون
انهم غير مسؤولين عن سلامة كل على يدخل المدينة والأمريكان
لا يغادرونها إلا بعد أن يجعلوها حطاما وفي كل الأحوال
قالوا لنا بأننا سنذهب إليه مشيا ولاكثر من ساعتين وأنا
غير مستعد للتضحية بنفسي وأولادي على هذا النحو.
شكرنا الأستاذ أبا
احمد وتوجهنا إلى مدير المخيم (أبو سارة) فأخذنا إلى اكبر
خيمة في المجمع وهي غرفة الإدارة ليس فيها سوى الأسرَة
الحديديَة غير المفروشة فسألناه :
أين هو مدير
الهيئة الآن ؟ فقال لنا : المدير موجود وقد ذهب قبل دقائق
ليتفق مع بعض أصحاب السيارات من اجل جلب النفط وهو يفكر في
الإقامة هنا في خيمة أخرى وعندما نعمل يعمل معنا بيده في
نصب خيمة أو تقديم المساعدة للناجين من الحرب.
* ما ترتيبكم من
اجل الحصول على المساعدات ؟
- نحن نتصل
بالجهات الخيرية والمنظمات الإنسانيَة من اجل مساعدتنا في
مهمتنا هذه ومن اجل الحصول على المساعدات المالية لكي نعين
أصحاب الأسر بها ولكن لم نحصل على أية مساعدات مالية حتى
الآن وقد تسلمنا مساعدات اليوم من هيئة علماء المسلمين حيث
وزعوا لكل خيمة مدفأة و (جولة نفطية) ومن نادي الصيد
العراقي الذي ساعدنا أيضا ببعض الأمور
* يقول الناس
بأنهم لا يتوفر لديهم مركز صحي هنا هل هذا صحيح؟
- نعم لدينا الآن
أطباء متبرعون للعمل مجانا وسننشئ خيمة نجعلها مركزا صحيا
بانتظار وزارة الصحة ومن الممكن أن نعالج فيه الحالات
الطارئة والبسيطة وبشكل سريع ريثما يصلون إلى اقرب مستشفى
وماذا عن الماء
الذي يقال انه غير بشكل جيد ؟
- نعم نحن نريد مد
خط مياه للشرب إلى هنا وهو يذهب إلى خزانات كبيرة معدة
لخزنه وتوزيعه وسوف نوفره بشكل دائمي في اليومين القادمين
* هل الناس يعانون
مشكلة النفط خصوصا مع هذا البرد الشديد ؟
- لدينا تنسيق مع
وزارة النفط بخصوص توفير (صهريج) أو اثنين من النفط يكفيان
الأسر على وفق عدد الخيم
وماذا عن عدم
التحاق أولادهم إلى المدارس ؟
لقد فاتحنا وزارة
التربية وقد طلبت منا أن تكون المدارس من ضمن المخيم
والمدارس القريبة من المنطقة لم تفتح بعد لأن أهل الفلوجة
يسكنون فيها ولذلك قررت الوزارة أن حل هذه المشكلة في يدنا
ولذا سنقوم بإنشاء خيم جديدة تؤوي اكثر من مئة عائلة من
ساكني المدارس لكي يتسنى للطلبة العودة إلى مدارسهم
* ألم توفروا
وسائط لنقل النازحين إلى السوق ومنه من اجل التسوق وغيره ؟
السوق غير بعيد من
هنا ومع ذلك نحن نفكر في توفير باص أو اكثر من اجل نقلهم
مرة كل يوم إلى السوق الرئيس في العامرية
* وماذا تفعلون
للمرافق الصحية التي يبدو أنها لا تكفي لهذه الأسر ؟
- إنها الآن جيدة
وفيها ماء حار وبارد ولكن المشكلة أن الماء الحار يعتمد
على الكهرباء وهي سيئة هنا ولذلك نفكر الآن في شراء مولدة
كهربائية كبيرة تكفي المجمع
* وكم يؤوي هذا
المخيم الآن ونحن نعرف أن الكثير من الأسر المنتشرة في
الصحراء الغربية تنتظر دورها في السكن ؟
- المجمع يحوي مئة
خيمة لمئة عائلة ولدينا مخيم آخر قيد الإنشاء بمئة خيمة
أخرى وهو بالرقم (2) ومجمع ثالث في منطقة العامرية ب(400)
خيمة سوف نعمل على إنجازها كلها خلال أسبوع أو اقل ولكن
مشكلتنا هي في إيصال الخيم حيث تعرضت الشاحنة التي تنقلها
إلى التسليب مرتين وتعرفون أن الطريق من بغداد إلى هنا صعب
جدا وخطر.
* هل عندكم ما
تريدون إضافته ؟
- أرجو من كل
المنظمات الحكومية والأهليَة والإنسانيَة أن تمد يد العون
لنا وأن تنظر إلى أهالي الفلوجة بعين العطف والرحمة ونطلب
من الوزارات العراقية توفير ما نحتاجه وإيصاله إلينا حيث
نطلب النفط من وزارة النفط ومن وزارة الإسكان أن تعيننا
على إيجاد البدائل للمخيمات ومن وزارة العمل أن توجد فرص
العمل للعاطلين لكي يستطيعوا تمشية أمور حياتهم وباختصار
نرجو الحكومة أن تنظر إلى عمل دولة الإمارات وتحاول أن
تضيف إليه ولو بشكل جزئي
التفاصيل
|