استراحة المدى

الصفحة الرئيسة للاتصال بنا اعلانات واشتراكات عن المدى ارشيف المدى
 
 

الإضاءة : مديرية أمن الناصرية

محمد شريف أبو ميسم

مديرية أمن الناصرية، تسمية سيئة الصيت لدى أهالي المدينة، من فرط ما احتفى من ابنائهم الابرياء، في دهاليزها المعتمة، أو من خلالها إلى مصائر مجهولة، ومن فرط ما عانته المدينة من ارهاب وانتهاكات سافرة لحقوق ابنائها من قبل منتسبي تلك (المديرية) الذين تعاقبوا عليها.

هذا الصيت السيئ انعكس في اللاشعور الجمعي لأهالي المدينة على البناية التي كانت تشغلها هذه المديرية اللا أمنية.. فاختفت من على سطح الأرض، بعد ان كانت قد تعرضت إلى اضرار إبان الحرب. وكأن الاهالي أرادوا إزالة اثرها من خارطة المدينة ليتسنى لهم إزالة بصماتها المؤلمة العالقة في خارطة الذاكرة. فاختفت الهياكل الكونكريتية، كما اختفى الطابوق، وحتى الانقاض التي طمرت سراديبها الحالكة الظلمة، فاصبح المكان مجرد ارض منبسطة، وكأنها تتأمل صرحاً جديداً يقام على اطلالها، لخدمة الناس واشاعة ثقافة الحب والسلام.. احد العائدين من المنفى اقترح انشاء مدرسة متخصصة لتدريس حقوق الإنسان على نفس المكان لتعليم الجهلاء المصابين بعقد التسلط، على احترام وجود الكيان الإنساني وقبول الآخر وإشاعة ثقافة التسامح والديمقراطية. وربما يكون النبش في الذاكرة الملغومة بالحزن والألم، أمراً غير مستحب إلا ان فيه موعظة ودرساً لعراق جديد تكون فيه الأجهزة الأمنية معدة بشكل حضاري، فحكاية مثل حكاية الأستاذ المسرحي ياسر البراك مع تلك (المديرية) ربما تكون خارج مساحة الذكريات المؤلمة إذ أنها مرت على خير، إلا أنها تشير إلى دلالات كثيرة فقد أصدر الأستاذ البراك وهو المتخصص بعالم المسرح، في منتصف التسعينيات، مجلة معنية بشؤون الفن المسرحي اسماها (مشهد) وبعد ان صدر عددها الثاني وفي يوم رمضاني كان فيه البراك صائماً، وقبل موعد الافطار بدقائق، استدعي إلى تلك البناية، وبعد سين وجيم، تبين أنه متهم بتسمية مجلته على اسم احدى المدن الإيرانية، وهي مدينة (مشهد) وهنا كانت مهمة البراك عسيرة جداً لإثبات عدم العلاقة بين المسرح كفن انساني راقٍ يحمل رسالة ثقافية وجمالية وبين تلك المدينة الإيرانية التي ليست لها صلة بالمسرح.. وترتب على الأمر إغلاق المجلة، وخروجه سالماً إلا من ارتفاع بسيط في نسبة السكر مع انه كان صائماً إلى وقت متأخر من الليل.

واقعة (سلمية) كهذه ربما كانت الوحيدة التي نجيز لها الخروج من بين ركام الوقائع المثقلة بالحزن في تلك (المديرية الكولينالية) تلك الواقعة كانت مدعاة لاقتراح مفاده، الدعوة لإقامة صرح مسرحي على ارض تلك (المديرية) صرح يشيع ثقافة الجمال والحب والوعي الإنساني، وينسينا المشهد الذي لا بد له ان لا يتكرر في عراقنا الجديد.


التشكيلي فهد الصكر الانفتاح على التراث

حاوره/ غسان كاظم

أخلص لفنه بفضل طموحه وتصميمه على العطاء، تجده متفائلاً برغم مأساته بفقد أخوته الأربعة على يد النظام السابق، الذي شرده ولاحقه طويلاً، لكنه شق طريقه بنجاح وفرض حضوره بتألق موهبته التي توزعت بين اختصاصات عدة، وفضلاً عن كفاءته في الفن التشكيلي، فقد برع في النقش والزخرفة والرسم على الزجاج والخشب والنحاس، إضافة إلى مهارته في الخط العربي واعمال التصميم.. ولد في واسط عام 1956، انتقل بعدها إلى ميسان حيث أمضى طفولته وصباه، ثم إلى بغداد عام 1979 ليكمل دراسته الاكاديمية فيها، شارك في معارض عدة، وبعيداً عن القاعات المغلقة أقام معرضه الدائم في الهواء الطلق على ارصفة المتنبي، وكان معرضه الأخير في الدنمارك العام الفائت مكرساً (للبيئة والحياة البغدادية). التقينا الفنان فهد الصكر لنحتفي به ونسلط الضوء على مسيرته الفنية، فكان لنا معه هذا الحوار.

* ما قصة اهتمامك اللافت بالتراث البغدادي والفولكلور؟

تستهويني البيئة البغدادية، بحياتها اليومية ومجمل تراثها العريق، بما فيها بيوتاتها بطراز البناء الفريد، والجماليات الفائقة في الشناشيل، وتصاميم الابواب والشبابيك الخشبية باشكالها المقوسة ومحاريبها المستلهمة من الفن الإسلامي، مثلما تجتذبني قباب الجوامع والمنائر الذهبية، والازياء البغدادية القديمة.. اعتقد انني عشقت هذه البيئة واستلهمت منها الكثير من اعمالي الفنية على الزيت والزجاج والخشب والنحاس، وستجد بعضها موزعاً في معارض عدة منها (ركن الفن) و(وبيت التحفيات) و(معرض الفنون) فضلاً عن ذلك معرضي الأخير الذي اقيم في الدنمارك، كان مكرساً للتراث البغدادي، وأتهيأ في الوقت الحاضر لإقامة معرض لاعمال النحاس والزجاج خاصاً بتصويره الحياة البغدادية في العشرينيات.

* هل ثمة مدرسة فنية أثرت في توجهك الفني؟

لم اقع تحت تأثير مدرسة فنية أو اتمثل اسلوباً محدداً في اعمالي الفنية، ربما كنت انهل من جميع المدارس، لا أحب الانضواء تحت سماء واحدة، على الفنان ان ينفتح على سماوات الفن الرحبة، لئلا يضع نفسه في قفص ضيق بدافع تمثل هذا الأسلوب أو تلك المدرسة ولعل هذا سيؤثر في النهاية على عطائه ومنجزه الفني، ويؤدي إلى شحة نتاجه بانغلاقه على رؤية واحدة.

* على أي من الفنانين العراقيين تتلمذت؟

انا منبهر باعمال الفنان الكبير فائق حسن، وبراعته خاصة في رسم الخيول العربية الاصيلة، والفرسان بزيهم العربي، وتألق اعماله في رسم المناظر الطبيعية والبيوتات البغدادية وأزقتها التي تسورها الشناشيل، ورسومه الأخرى التي استلهمت واقعيات البيئة العراقية برمتها، ومما لا شك فيه ان الفنانين الرواد تركوا بصماتهم الخالدة في سماء الفن العراقي والعربي، مثل اعمال جواد سليم، وعطا صبري، واعمال التشكيليين مثل الراحل شاكر حسن آل سعيد، وتجربته المبهرة في التشكيل والخط العربي الإسلامي.

* حبذا لو تعرفنا على تجربتك مع الخط العربي.

انا خطاط بالفطرة! فمنذ نعومة اظفاري وانا شغوف بالكلمة ورسمها، ففي الابتدائية كنت ارسم الحروب بتأن اخطها على صفحات دفاتري وعلى الابواب والجدران وكانت اقلام الرصاص والحبر والفحم والماجك والطباشير لا تفارقني، وفي فترة مبكرة من دراستي اطلعت على انواع الخط ومدارسه وانجازات كبار الخطاطين ، ولطالما كنت اقف مبهوراً امام الجدران الذهبية للاضرحة المقدسة التي تنقش عليها آيات من الذكر الحكيم بالذهب والفضة والاحجار الكريمة، مما حفزني للعمل باستخدام الزجاج والخشب والنحاس، بعد امتلاكي مهارات الخط وآلية العمل لكل منهما.

 * أنت فنان متعدد المواهب، تشغلك اهتمامات فنية كثيرة في التشكيل والرسم والخط والزخرفة والتصميم والنحت على الخشب. اين تجد نفسك؟

لم يكن ذلك بارادتي، برغم أنني موزع بينهما، لكني احبها واشعر بالتوافق والانسجام بينها، لا فرق عندي، أنها متناغمة متداخلة، وهي في المحصلة تعبر عن رؤيتي وموقفي من هذا العالم، لقد تعثر عملي، وضاع مني الكثير من الوقت، حين أجبرت على الصمت، وترك العمل لفترات في عهد النظام الظالم الذي حارب الإنسان والفن وكل ما يتصل بالحياة، وفقدت من جراء بطشه أخوتي الأربعة ولحقتهم أمي التي ماتت من الحزن، لكنني لم أركن إلى اليأس، ولم يمنعني كل ما حصل على المثابرة والتواصل في عملي. وبعد التغيرات الهائلة التي حصلت اقول آن الأوان كي يأخذ الفن التشكيلي مكانته اللائقة ويعود تألقه من جديد إلى ساحة الفن.

 

 

للاتصال بنا  -  عن المدى   -   الصفحة الرئيسة