|
حاوره/ غسان كاظم
أخلص لفنه بفضل طموحه وتصميمه على العطاء، تجده متفائلاً برغم مأساته بفقد
أخوته الأربعة على يد النظام السابق، الذي شرده ولاحقه
طويلاً، لكنه شق طريقه بنجاح وفرض حضوره بتألق موهبته التي
توزعت بين اختصاصات عدة، وفضلاً عن كفاءته في الفن
التشكيلي، فقد برع في النقش والزخرفة والرسم على الزجاج
والخشب والنحاس، إضافة إلى مهارته في الخط العربي واعمال
التصميم.. ولد في واسط عام 1956، انتقل بعدها إلى ميسان
حيث أمضى طفولته وصباه، ثم إلى بغداد عام 1979 ليكمل
دراسته الاكاديمية فيها، شارك في معارض عدة، وبعيداً عن
القاعات المغلقة أقام معرضه الدائم في الهواء الطلق على
ارصفة المتنبي، وكان معرضه الأخير في الدنمارك العام
الفائت مكرساً (للبيئة والحياة البغدادية). التقينا الفنان
فهد الصكر لنحتفي به ونسلط الضوء على مسيرته الفنية، فكان
لنا معه هذا الحوار.
* ما قصة اهتمامك اللافت بالتراث البغدادي والفولكلور؟
تستهويني البيئة البغدادية، بحياتها اليومية ومجمل تراثها العريق، بما فيها
بيوتاتها بطراز البناء الفريد، والجماليات الفائقة في
الشناشيل، وتصاميم الابواب والشبابيك الخشبية باشكالها
المقوسة ومحاريبها المستلهمة من الفن الإسلامي، مثلما
تجتذبني قباب الجوامع والمنائر الذهبية، والازياء
البغدادية القديمة.. اعتقد انني عشقت هذه البيئة واستلهمت
منها الكثير من اعمالي الفنية على الزيت والزجاج والخشب
والنحاس، وستجد بعضها موزعاً في معارض عدة منها (ركن الفن)
و(وبيت التحفيات) و(معرض الفنون) فضلاً عن ذلك معرضي
الأخير الذي اقيم في الدنمارك، كان مكرساً للتراث
البغدادي، وأتهيأ في الوقت الحاضر لإقامة معرض لاعمال
النحاس والزجاج خاصاً بتصويره الحياة البغدادية في
العشرينيات.
* هل ثمة مدرسة فنية أثرت في توجهك الفني؟
لم اقع تحت تأثير مدرسة فنية أو اتمثل اسلوباً محدداً في اعمالي الفنية،
ربما كنت انهل من جميع المدارس، لا أحب الانضواء تحت سماء
واحدة، على الفنان ان ينفتح على سماوات الفن الرحبة، لئلا
يضع نفسه في قفص ضيق بدافع تمثل هذا الأسلوب أو تلك
المدرسة ولعل هذا سيؤثر في النهاية على عطائه ومنجزه
الفني، ويؤدي إلى شحة نتاجه بانغلاقه على رؤية واحدة.
* على أي من الفنانين العراقيين تتلمذت؟
انا منبهر باعمال الفنان الكبير فائق حسن، وبراعته خاصة في رسم الخيول
العربية الاصيلة، والفرسان بزيهم العربي، وتألق اعماله في
رسم المناظر الطبيعية والبيوتات البغدادية وأزقتها التي
تسورها الشناشيل، ورسومه الأخرى التي استلهمت واقعيات
البيئة العراقية برمتها، ومما لا شك فيه ان الفنانين
الرواد تركوا بصماتهم الخالدة في سماء الفن العراقي
والعربي، مثل اعمال جواد سليم، وعطا صبري، واعمال
التشكيليين مثل الراحل شاكر حسن آل سعيد، وتجربته المبهرة
في التشكيل والخط العربي الإسلامي.
* حبذا لو تعرفنا على تجربتك مع الخط العربي.
انا خطاط بالفطرة! فمنذ نعومة اظفاري وانا شغوف بالكلمة ورسمها، ففي
الابتدائية كنت ارسم الحروب بتأن اخطها على صفحات دفاتري
وعلى الابواب والجدران وكانت اقلام الرصاص والحبر والفحم
والماجك والطباشير لا تفارقني، وفي فترة مبكرة من دراستي
اطلعت على انواع الخط ومدارسه وانجازات كبار الخطاطين ،
ولطالما كنت اقف مبهوراً امام الجدران الذهبية للاضرحة
المقدسة التي تنقش عليها آيات من الذكر الحكيم بالذهب
والفضة والاحجار الكريمة، مما حفزني للعمل باستخدام الزجاج
والخشب والنحاس، بعد امتلاكي مهارات الخط وآلية العمل لكل
منهما.
* أنت فنان متعدد المواهب، تشغلك اهتمامات فنية كثيرة في التشكيل والرسم
والخط والزخرفة والتصميم والنحت على الخشب. اين تجد نفسك؟
لم يكن ذلك بارادتي، برغم أنني موزع بينهما، لكني احبها واشعر بالتوافق
والانسجام بينها، لا فرق عندي، أنها متناغمة متداخلة، وهي
في المحصلة تعبر عن رؤيتي وموقفي من هذا العالم، لقد تعثر
عملي، وضاع مني الكثير من الوقت، حين أجبرت على الصمت،
وترك العمل لفترات في عهد النظام الظالم الذي حارب الإنسان
والفن وكل ما يتصل بالحياة، وفقدت من جراء بطشه أخوتي
الأربعة ولحقتهم أمي التي ماتت من الحزن، لكنني لم أركن
إلى اليأس، ولم يمنعني كل ما حصل على المثابرة والتواصل في
عملي. وبعد التغيرات الهائلة التي حصلت اقول آن الأوان كي
يأخذ الفن التشكيلي مكانته اللائقة ويعود تألقه من جديد
إلى ساحة الفن. |