عمارة وتشكيل

الصفحة الرئيسة للاتصال بنا اعلانات واشتراكات عن المدى ارشيف المدى
 
 

ورقة مقدمة الى مؤتمر المثقفين العراقيين ..قضايا في العمارة العراقية: العمارة ، بصفتها منجزا ً ثقافيا ُ

د. خالد السلطاني

معمار ، واكاديمي

مدرسة العمارة / الاكاديمية الملكية الدانمركية للفنون

اصدرت اللجنة التحضيرية لمؤتمر المثقفين العراقيين بيانا يشير الى ارجاء موعد انعقاد المؤتمر  " .. الذي كان  من المقرر ان يلتئم اواخر تشرين الثاني الجاري الى وقت آخر مناسب ، .. نظراً للظروف غير المواتية التي يمر بها بلدنا " ،  واضافت في بيانها الصادر مؤخرا ".. ان إرجاء انعقاد المؤتمر، لا يعني بأي حال، الغاءه، فهو سينعقد في أقرب فرصة ممكنة، إننا نسعى ونطمح الى استمرار التواصل مع مثقفينا في أية جهة من الأرض كانوا. "

"وسعيا ً  لتوفير أطر مناسبة لرسم ستراتيجية السياسة الثقافية وآلياتها في بلدنا المتحول نحو الحرية والديمقراطية " ، فان   وزارة الثقافة العراقية كما جاء في بيانها  " .. تهيئ لمستلزمات عقد  "مؤتمر  المثقفين العراقيين" بمشاركة أوسع عدد ممكن من المثقفين داخل العراق وخارجه. هذا المؤتمر الذي يأتي أستكمالاً لـ " الملتقى الثقافي الاول عن العراق " الذي دعت اليه منظمة اليونسكو وضيفته في مقرها بباريس في شهر ايار الماضي، سيتولى رسم ملامح لما ينبغي القيام به على الصعيد الثقافي مستقبلا، مساهمة في ارساء قواعد الوطن الذي حلم ويحلم به الجميع، آخذين بالحسبان ان الثقافة الوطنية الجادة والمسؤولة ستكون الرافعة لذلك الوطن. فمن دون اعمار روح الانسان العراقي يصعب الحديث عن اي اعمار مادي، وليس افضل من الثقافة دواء للارواح المثقلة بسنوات من الحروب والحصار والقمع والتشرد .." .

وكان المفروض ان يناقش المؤتمر الذي يتألف " .. من "19" تسع عشرة ورشة عمل في الاختصاصات الثقافية والفنية المختلفة، وهي التالية:  ورشة المسرح، ورشة السينما، ورشة الموسيقا، ورشة الفن التشكيلي، ورشة التراث الشعبي ، ورشة الكتاب والنشر، ورشة الترجمة، ورشة ثقافة الطفل، ورشة الآثار والتراث، ورشة ثقافة المرأة، ورشة المكتبة الوطنية، ورشة الثقافة العلمية، ورشة التشريعات المتعلقة بالثقافة وبوزارة الثقافة، ورشة مصادر التمويل الثقافي، ورشة هيكلية الوزارة، ورشة العلاقات مع الوسط الثقافي ، ورشة المهرجانات والفعاليات الثقافية، ورشة تنمية الثقافات العراقية، ورشة الموروث المعماري. "

ادناه نص الورقة المقدمة من كاتب المقال الى المؤتمر المرجأ .

اود في البدء ان اشكر وزارة الثقافة العراقية لدعوتها الى  انعقاد مؤتمر المثقفين العراقيين لمناقشة  الوضع الثقافي العراقي ، والعمل على إمكانات تقصي سبل  تسهم في " اعادة صوغ اتجاهات جديدة اكثر حرية وشفافية لثقافتنا الوطنية " . واني اقدم الشكر لها مرتين : مرة لمبادرتها بالدعوة الى انعقاد مثل هذا المؤتمر ، والمرة الاخرى كونها ادخلت موضوع " العمارة " ضمن عناوين ورش العمل الاخرى ، ذلك لان العمارة ظلت في كثير من الاحيان  موضوعا غريبا ومقصياً بتعمد عن طيف  تنويعات الخطاب الثقافي العراقي لاسباب كثيرة ، ليس المجال هنا مناسبا لطرحها .

ولا يسعني ، وانا المهتم بالشأن المعماري والثقافي العراقي ، واحد ظليمي الحكم الاستبدادي ، الا ان اعبر عن فرحتي الكبيرة بزوال الدكتاتورية ونظامها التوتاليتاري المباد عن ربوع وطننا ، متطلعاً حالي حال الكثيرين ، نحو نظام ديمقراطي تعددي ، يكفل للجميع حرية الرأي والابداع ، في الوقت الذي يحترم الرأي الاخرويقبل في الاختلاف .

لقد عرقلت الدكتاتورية نمو وتطورمسار العمارة في بلدنا ، مثل ما عرقلت مسار اجناس عديدة من الانشطة الاخرى ، وحاولت بفكرها الشمولي المتخلف ان ترسي في الخطاب المعماري العراقي منظومة " قيم " و " تقاليد " غريبة ودخيلة ، على الممارسة المهنية المحلية  اتسمت على كثير من التخلف والنكوص والانكفاء .

كما حرمت الدكتاتورية العديد  من المعماريين المجيدين ، ولا سيما الشباب منهم ، من فرص اظهار نهجهم الابداعي وتأسيس طروحاتهم الخاصة ، موغلة في غلق جميع الابواب امام ممارسة النشاط المعماري الحرّ ؛ الامر الذي افضى الى هجرة المعماريين الى خارج العراق بصورة كثيفة ، تخلصاً من الاجواء التعسفية التى افتعلها النظام الدكتاتوري البغيض ، وقد نجم عن ذلك  حرمان البلد  من جهد وعمل الكثير من ابنائة المخلصين ، الساعين الى تقدم بلدهم ، والطامحين لرؤيته في مكان رحب لنهوض انجازات معمارية جادة وحقيقية .

وبالتزامن مع فرض سلطة الدكتاتورية  الغاشمة وتعاليمها الفجة في صميم الممارسة المهنية المحلية  ، انبرى عدد قليل من دعاة الفكر الشمولي المتخلف لترويج تلك " التعاليم " واخراجها بمظهر " الوصايا " المهنية القابلة لتأسيس اتجاه فكري / معماري جديد ، من خلال كتابات لمقالات بائسة ومملة عن فكر " القائد الضرورة " ، تسترجع فيها مقولاته الضحلة ،  وتردد مداخلاته السطحية فيما يخص الشأن المعماري ، جاعلة من خطبه المضجرة وكلماته البليدة التافهة التى تفوه بها يوما ما ، في " نقابة المهندسين العراقية " وكأنها منبع لظهور ذلك الاتجاه الفكري بالعمارة ومصدرا له، متوخية ومتبجحة في الوقت نفسه في  نيل رعاية مفترضة هشة ، والحصول على عطايا الدكتاتورية الفاسدة وثمارها المحرمة .

ومن حسن الطالع ، فان الذين قبلوا اداء ذلك الدور المشين هم قلة من اناس ، عدوا دائماً دخلاء على المهنة المعمارية الجادة ، من غير المدركين لخصوصيتها ، وغير العارفين لابسط مقوماتها الابداعية .

( 1 )

تثير موضوعة " العمارة " ، وتحديداً العمارة العراقية كثيراً من المقاربات الفكرية / الفنية المتنوعة ؛ مقاربات تعكس بدورها ذهنية اولئك القائلين بها والداعين اليها . وليس ضرورياً ان يشمل او يتضمن المشهد المعماري العراقي جميع  تلك المقاربات والافكار . لكن طرحها ، والادلاء بها بصوت مسموع سوف يغني الفعالية المعمارية ، ويجعلها اكثر ثراء وتنوعا ً ؛ وهو ما نأمل ان يتسم به خطاب العمارة العراقية المستقبلي . وتأسيساً على ذلك فان الملاحظات والافكار التى سترد لاحقاً ، ينبغي ان تؤخذ في حدود اطارها المعرفي / الابستيمولوجي ، اي انها لا تسعى الى ان تكون وصّية على نوعية الاداء المعماري ؛ انها تطمح لتضئ جانباً من جوانب الممارسة المعمارية العراقية من قبل شخص مهتم بالشأن المعماري العراقي : بحثاً ، وتدريسا ً،  ومشاركة ، ومتابعة لنشاطات ذلك الشأن وانجازاته ، مع التذكير دوماً بان تلك الاضاءات ماهي الا اجتهادات شخصية ، قابلة للنقاش والحوار الموضوعيين .

واذا قدر لي ان ابدأ مداخلتي هذه ، فاني سوف ابدأ من عنوان الورشة الخاصة بالعمارة ، وهي  ورشة " الموروث المعماري " . والتساؤل المنطقي الذي سيرد بعد قراءة  عنوان الورشة ، لماذا "الموروث المعماري "  قصراً وتحديداً ؟

 هل يراد بهذا التحديد معالجة قضايا " الموروث " المشّكلة لجزئية متواضعة من قضايا الفعل المعماري ؟ ، ام من مصطلح " الموروث المعماري " يراد به اختزال مهام " العمارة " ومنجزاتها بالكامل ، كما يفهم من سياق عناوين الورش الاخر المتضمنة اجندة مؤتمر المثقفين ؟ . واذا كان المقصود هو المعنى الاول ، اي مناقشة جزئية المنجز المعماري ، فان مثل هذا التعاطي سيكون قاصراً وناقصاً لادراك كنـه العمارة وقضاياها المهمة ، مع الاشارة الى خطورة تبني هكذا مفاهيم ، والتى قد توحي بان قضايا " الموروث المعماري " تمتلك وحدها  فقط أحقية تسميتها " بالقضايا الثقافية " . والسؤال الذي طرحناه توا ً، ما فتأ قائماً  ، لماذا هذا التغييب لفعاليات العمارة الاخرى؟ فالعنوان يشي بنوع  من الاقصاء للناتج المعماري الحديث ، الذي يهمنا كثيراً ، نحن المعاصرين  ، الالمام بطروحاته ، ومعرفة جيدة لمقارباته ؛ في الاقل من باب النزوع الثقافي ، الذي يفترض الاحاطة بطبيعة الاشياء ، والتوق لادراك مكنونات الحدث ،  والحرص على ادراك سياقات عمله ومجالاته ؛ هذا ،  اذا قدر لنا ان نتغاضى عن تأثيرات العمارة المعاصرة  العميقة والواسعة في طبيعة اساليب حياتنا اليومية وانعكاساتها القوية على  مجمل نوعية الاحياز التى توفر لنا فضاءات معيشتنا وعملنا ووسائل راحتنا . باختصار شديد ، لماذا يختزل مفهوم الفعل المعماري بناحية ، بجزيئة من مدى رحيب لنشاط مستمر وواسع ؟

قد يكون من المناسب التذكير بان نزعات التوجهات " الماضوية " ، بضمنها الحرص في جعل مفهوم " الموروث المعماري " دالة ومرجعية ، عدت في كثير من الاحيان وسيلة مؤثرة في خطاب تغريبي ، خطاب يهدف فيما يهدف الى اقصاء متطلبات الواقع المعيش ، والهروب من استحقاقاتها في لزوم ووجوب التمتع بمزايا " الحداثة  " والافادة من تبعات المستوى الحضاري الرفيع الذي بلغته الانسانية في العديد من  النواحي المختلفة .

كما ان هوس الدعوات  بمواضيع " الموروث المعماري " عدت لدى بعضهم بمثابة مقياس ، يقاس بها نوعية المنتج المعماري المعاصر، ومسطرة تضبط بها نوعية الاجتهاد التصميمي  . وفي اثناء تسلط النظام الشمولي المباد، ارتقى مفهوم  " التراث المعماري " بمعناه السطحي والساذج ليضحي بمنزلة  البداية والنهاية لمجمل العملية المعمارية ؛ بتعبير اخر قيُم الموروث الماضي ، على وفق المفاهيم   الشمولية ، ليكون  فضاءاً  دالاً على تخوم " ابداع " ، لا يستقيم الا بتكبيله بمرجعية تاريخانية ؛ وكانت الحجج التي تبرر مثل تلك الطروحات تستمد شرعيتها من ضرورة اثبات " الهوية " والتدليل على " الانتماء " والنأي عن " الانقطاع عن الجذور " في المنجز المعماري ؛ وهي حجج واهية ، بالطبع ، اريد بها تكبيل النشاط المعماري وتغريبه ؛ وجعله نشاطاً مطبوعاً بمرجعية واحدة ووحيدة ، تتصادى مع آحادية التفكير المطلق التي ترفض الاختلاف ، ولا تعترف بالاخر ؛ والتي منه تستمد الدكتاتورية وسائل ديمومتها ، ويتغذى منها نسغها الكلياني .

ومن نافل القول ، الاقرار هنا ،  بان مفهوم " الموروث المعماري " ظلّ على الدوام مفهوماً متحركاً ومتغيراً ، يتبع متغيرات طبائع الذائقة الفنية التى يفرزها عادة الوعي الجمعي ، ذلك الوعي المرتبط باحداثيات الزمان والمكان المحددين .  فنحن الان ، على سبيل المثال ، لنا تصوراتنا الخاصة عن هذا المصطلح ، تخالف وتباين تصورات اجدادنا عنه ، او تصورات اؤلئك الذين عاشوا " صدمة الحداثة " المعمارية  في العشرينيات او الثلاثينيات من القرن الماضي . وما يراه اخرون من معانٍ  يحملها ذلك  المفهوم ، ليس بالضرورة هي ذاتها التى نكررها نحن ! . ومن هذا المنطلق فان المزايا الايجابية لمفهوم الموروث المعماري ، سوف تتجلى بصورة واضحة فقط ،  عندما يكون ذلك المفهوم واقعاً ضمن دائرة التفسير والتأويل ، بعيداً عن التعاطي معه كونه مفهوما ً فكريا ً ثابتا ً ومستقراً يوحي استقراره بنوع من الحضور المنطوي على تبجيل زائف ، ويشي  رسوخه وديمومته الى امتلاكه قداسة مزعومة.

واذا قدُر لنا ان نقترح عنواناً آخر لورشتنا، التى نأمل ان تتعاطي بصورة جادة ورصينة مع اشكاليات العمارة ، فاننا في هذا المجال ، نقترح ان يكون العنوان ورشة " المنجز المعماري " بديلا عن " الموروث المعماري " لاهلية العنوان الاول في التصدي لتنويعات النشاط المعماري بصورة شاملة ووافية ؛ وبالطبع ، فان الامر هنا لا يتعلق  ، كما انه لا يمت الى رغبة واهية في الحرص على تبديل كلمات بكلمات ، وانما المقصود تجسيد نزوع حقيقي في ادراك كنه المعنى الذي ترمز اليه "علامة " الكلمة المختارة ، والاحتكام " لمدلولها " ؛ مدلول ينوب بحضوره عن ثيمة مفترضة ومعنى مقصود ، وعند غياب المدلول فان ذلك يعني تكثيفاً لحال غياب المعنى المقصود وثيمته المفترضة  معـاً.

( 2  )

 

تتشكل اهمية الممارسة المعمارية العراقية المعاصرة من نوعية القضايا المهنية التى تتعاطى معها تلك الممارسة . فكلما كانت تلك القضايا على درجة عالية من الجدة والرصانة ، شقت الممارسة المعمارية طريقاً مؤثرا وواضحاً في الخطاب الثقافي العراقي بشكل خاص والمنجز الحضاري العراقي بشكل عام . وبرغم النجاحات المهمة التى احرزتها العمارة العراقية الحديثة خلال عمرها القصير ، الذي ابتدأ من عشرينيات القرن الماضي  ؛ والمتضمن تأسيس مقاربات معمارية عُدت في حينها رائدة وطليعية في نوعيتها ومقاسها ، نسبة الى ما كان يجري في عمارة مناطق الاقاليم المجاورة ، وما انتجته من لغة معمارية حداثية ، وما رافق ذلك من بروز تنظيم مهني عال ، وتأسيس مدرسة معمارية رصينة ، قبل ان تستحوذ الدكتاتورية على جميع مفاصل الحياة المختلفة ، وتحيل تلك المنجزات الى خراب تام وانهيار شامل ؛ نقول برغم تلك النجاحات ، فان ما ينتظر ان تنجزه الفعالية المعمارية مستقبلا  يفوق اهمية ما تحقق سابقاً ، وذلك لطبيعة الاشكالات الكبرى التى يتعين على العمارة العراقية اليوم  ان تجد حلولا جادة ومقنعة لها .

يزخر المشهد المعماري المعاصر بجملة قضايا مهنية ملحة ، كما يحفل ايضا بإشكالات مهنية  متنوعة ، يتطلب فرزها والتصدي لها ، ومن ثم ايجاد حلول ناجعة وكفء لها ، يتطلب ذلك مهارة تصميمية عالية  ضمن  مقاربات معمارية جديدة ، مقاربات لا اخشى اذا وصفتها بأنها تتجاوز بقطعية كاملة مع  كل ما كان مألوفا ومتعارفاً عليه في الممارسة المعمارية الحالية . ذلك لان تغاضي الفعالية المعمارية العراقية لعقود من السنين. المشكلات الواقعية والحقيقية ، التى عاناها البلد ، بحكم سيطرة الحكم الدكتاتوري المباد وتوجهاته الشكلية ،  المتسمة على اخفاء الحاجات الاساسية للناس العاديين ، وعدم اكتراثه بمصائرهم واهماله آمالهم وطموحاتهم ، قد ادى الى حرف اتجاه الممارسة المعمارية العراقية، نحو طريق مغلق وكتيم  ، لا يمكن لتلك الممارسة  فيه  من  ان تنهض باعباء مسؤوليتها المهنية باي حال من الاحوال ،  او ان تتصدى بكفاءة واهلية لقضاياها الملحة. فالركض وراء البهرجة التزينية الكاذبة ، والولع في استخدام المفردات الماضوية بصيغتها النصّية والاستنساخية، وهوس الاستعارات التوليفية ، والتبجح باستخدام مواد انشائية مكلفة بلا مبرر، فضلا على توظيف  النشاط المعماري الرسمي  لخدمة وتلبية متطلبات افرازات الحكم الشمولي المتسمة بانحطاط فكري فاضح ،  والتعمد في ابراز" واجهات "  مؤسساته القمعية ، كل ذلك افضى لان تكون عموم الممارسة المعمارية العراقية مقصية عن اتجاهات وحقائق العمل المعماري المعاصر،  وبعيدة جدا ً عن  مسعى الانهماك في  مقارباته المهنية  الحداثية  .

ويتعين الان على جميع مهتمي الشأن المعماري العراقي ارجاع مسار الفعالية المعمارية الى نهجها و " سكتها " الصحيحة ، نهج ، وسكة تتصديان الى مشكلات الناس الحقيقية ، والتعرف عليها عن كثب ، املاً في ايجاد حلول مهنية : منطقية وعقلانية لها ،  في ضوء معطيات العمارة المعاصرة واتجاهاتها الحداثية . وبغير ذلك ، يتراءى لنا ، ان شدة ازمات الفعالية المعمارية ستزداد تعقيداً ، وسندور مرة اخرى في حلقة مفرغة ، ليس بمقدورها الا ان تفرز وهماً لحلول ، وسراباً خادعاً " لانجازات " متخيلة ! .

من هنا يبدو الحرص على اخضاع مسيرتنا المعمارية الحالية والسابقة لاشتراطات الفحص النقدي ، يبدو امراً غاية في الاهمية ، كما يتطلب وعي الدرس المعرفي لذلك الاخضاع الاستعانة بمفاهيم تسهم في ادراك طبيعة ازمات الممارسة المعمارية التى خلفتها الدكتاتورية ،وتفكيك مرجعياتها الغارقة في وهم تصوراتها الشكلية ، توخيا ً للانعتاق من مأزقها المهني الحالي . وفي هذا الاطار فان اعادة صوغ مهمات العمارة العراقية المعاصرة ، تقتضي التقرب وفهم  مشكلات الناس الحقيقية واحتياجاتهم الواقعية ، ومن خلال تهشيم الثنائيات الخانقة ، والتحرر من التماهيات الواهية الرائجة في المشهد المعماري المحلي ، بغية تجاوز تكبيلات تلك الازمات ،  والمساهمة في تسريع عمليات الابتعاد عنها .


بساط السماوة

امل بورتر

 

زرت مدينة السماوة لعدة مرات ومررت بالضفتين وتنعمت بحفاوة وكرم اهلها، ولكن هدفي كان بساط السماوة.

 هذه اللوحة الفنية التي بهرتني دائما، ولم اعرف اي شي عنها سوى جمالها، كل ما اعرفة ان نساء السماوة برعن في صناعتها وهذه البسط مقترنه بهن.

 لابد من وجود مبررات إنتاجية أو تجارية أو ربحية تتعلق بهذا الانتاج الفني ، الا ان ما يثير اهتمامي هو الجانب الفني التي تنفذه أنامل نسوية يشاع عنها أنها ساذجة، لكن المؤكد للعين الفاحصة أن ذلك النتاج ذا الجدوى والفائدة المعيشية قد حمل في طياته خيالا خصبا وعمقا جماليا يمت بالصلة لأرث فني غزير يعود الى سومر وحتى الى الفترات شبه الكتابية ، توارثته الأجيال بوعي او بدونه ،دون أن يعلن للملأ عنه،كما هو حال شجون الإبداع العراقي الذي نشاهد غزارته كما ونوعا في كل المجالات الفنية التراثية والفنون الجميلة والثقافية المختلفة.

  ومدينة السماوة لها مثل أمهات مدائن العراق قصة مع التاريخ، وهواجس مع الجغرافية، وشجون مع الإجتماع البشري والتقاليد الموروثة، فهي من  مدن العراق الجنوبية التي ورثت أعظم مدن العراق شهرة وهي (أوروك) التي يحدثنا التاريخ عنها بكثير من الفخر والاعتزاز.

وعودة إلى ذلك النوع من الكساء الفاخر،المسمى  الأزر ( مفردها إزار )او بساط السماوة ،والذي ينسج بعناية ويلون بألوان زاهية.وتضفي النسوة هنا في مخاض التفريغ الفني والتزويق ، حبكة من الأشكال الغزيرة دون تفريط أو مبالغة أو حتى تقتير ،..حيث نرصد دقة و أناقة تكتنف تنوعات وتوزيع تلك الأشكال . ومما يلفت النظر أن ثمة انسجاماً في وحداتها الزخرفية ،حيث يتلاقي العنصر (الموتيف) مع مثيلاته في رشاقة وخفة، ،وثمة انسجام تام بين الوحدة الزخرفية واختيار اللون،الذي ترصده العيون المجربة والفنية منها وكذلك الساذجة . كل ذلك يتمخض عن مهرجان لوني غني يتسم بالانسجام والتناغم الفذ و يتحدث عن حس لبق مرهف بالجمال ومكامنه.

المفردة التشكيلية المستعملة تعود بنا بالرغم منا الى الاختام الاسطوانية والحضارة السومرية ، والفكر والفلسفة الاسلامية، وكذلك يحدثنا البساط عن البعد السومري في الخطوط المتعرجة التي استعملها الفنان السومري تعبيرا عن النهر او الدوامات الرملية.

 النباتات و الاشكال الحيوانية والهندسية و الادمية كلها ايحاءات مشتركة بين تراث عريق وبين انتاج امرأة تستخدم خيطا من الصوف او شعر الماعز وابرةاو مخيطاً.

احتفظ بعدد من بسط السماوة في بيتي، ولقد رافقتني في كل هجراتي وتاريخها يعود الى عرس احدى الجدات في العائلة، لا امل من النظر الى هذه البسط ، تسحبني معها الى عوالم سحر المرأة واتقانها لصنعتها ، اذ اجد خلفية البساط محاكة بالجومة اليدوية من لون غامق نوعا ما، وبشكل ساذج وبسيط سداة ولحمة لا تعقيد ولا صناعة متطورة، عمل بسيط متواضع يهيأ ليستقبل ويكون خلفية لتصميم ذكي متطور غني، وعفويته  مقصودة ومحسوبة بدقة عالية وكذلك  كل مفرداته التصويرية واللونية.

ان صناعة السجاد والنسيج والبسط علم وفن قائم بذاته ومعلوماتي عنه ضئيلة جدا لا تخولني حق البحث فيه،

ولكنني اسمح لنفسي بالكتابة عن بساط السماوة من منطلق رد الجميل، اذ ان بساط السماوة انقذني من الاحباط والانهيار النفسي، و بسبب الاعجاب والانبهار وكمحاولة تقدير واحترام لفكروخيال تلك المرأة من السماوة التي تنسج وتطرز قطعة فنية على هذه الدرجة من الحس الجمالي العالي.

وقد تكون نفس المرأة السمراء التي نافست نخل السماوة في الجمال والبهاءوتغنى بها الشاعر الشعبي.

ان صناعة بساط السماوة تتم على مراحل، من مرحلة تهيئة خيوط الصوف او الشعر والتي اغلبها من شعرالماعز ثم تلوينها بالالوان الطبيعية المستخرجة من النباتات المتوافرة في بيئة السماوة او التي تدخل في استعمالات الحياة  اليومية ، هذه المعلومات التقنية احتاج الى من يوضحها لي بشكل تفصيلي واترك ذلك للمهتمين ولأهل السماوة .

لكن ما يهمني هو صياغة الوحدة التشكيلية وتناغمها مع بعضها البعض ،فلو نظرنا الى البساط وقسمناه الى اجزاء بدءاً من الحافات، فسنجد تلك المرأة البارعة قد فكرت في ان تترك مسافة سنتمتر ونصف غير مطرزة بأي لون لتحصر اشكالها  ضمن اطار،(الاطار الذي يفخر عصر النهضة بسبق اكتشافه وينسبه الى دافنشي) تم تبدأ بتحديد عملها بخط مطرز طويل سيكون مقاسها لحصر الاشكال التي تنبع من مخيلتها ومستوحاة من تراثها وبيئتها،ثم تقسم مساحة عملها الى ثلاثة امتدادات طويلةشبه متساوية المقاسات.

الامتداد الاول والذي يقابله الامتداد نفسه من الجهة الثانية مقسم ايضا الى ثلاثة امتدادات، اثنان منها في كل جانب متساويان وياتي الامتداد الثالث والاخير والذي هو اقرب الى وسط البساط ليكون اقل عرضا واتساعا، ثم يتوسط هذه الامتدادات الثلاثة امتداد طولي اخر ما اسميه انا بيت القصيد، اذ توزع هنا كل معارفها من الوحدات التشكيلية المعقدة ولكن بعد ان تحولها الى لغة بسيطة مجردة،هذا الامتداد الوسطي هو بؤرة ارتكاز النظر مقسم الى وحدات رباعية الشكل وكل وحدة جوهر قائم بحد ذاته بمدلولاته وتنوعه الزخرفي، هذا هوالبناءاو التركيب الانشائي العام للوحة البساط.

البساط مصمم بشكل تلقائي عفوي،  الوحدة الزخرفية المستعملة تتنوع ما بين الخطوط المتعرجة ، المائلة او المستقيمة والاشكال الهندسية مثل المثلث والمربع والمعين والجمع بينها ، ثم الوحدة النباتية المتنوعة نسبيا من زهور  وفروع نباتات ثم تاتي الاشكال الحيوانية والانسانية.

الخطوط المختلفة والاشكال الهندسية تاخذ حصة كبيرة في التصميم، وهذا يعود بنا الى الفلسفة الاسلامية في الفن، حيث امتداد الخط كتعبير عن امتداد الحياة الى ابعاد كونية اخرى، وفي اغلب هذه البسط نجد ان الخط لا ينتهي الا في حالة كونه اطاراً للشكل العام، اما الخطوط الاخرى فهي متداخلة ويصعب معرفة بدايتها ونهايتها. البساط ككل محشو بالمفردات التشكيلية بدون مغالاة ولا نجد مساحات فارغة كما في تصميم بقية انواع السجاد او البسط الاخرى، وهذا ايضا دلالة اخرى تعود الى الفلسفة الاسلامية في الفن فان الفراغ من عمل الشيطان.الاشكال الهندسية ايا كان منشؤها كانت دائما محور اهتمام الفنان المسلم، ومن مميزات الفكر والفلسفة الاسلامية  التاكيد على تفكيك المفردات و العناصر ثم توحيد العناصر عند تحويلها الى مفردة تشكيلية من خلال التكرار والتسطيح، وهذه  المفردات مقتبسة من المحيط العام الذي يعيشه الانسان، فالبيئة التي تحيط بالبشر تاخذ اشكالا هندسية لاريب في ذلك، وهنا اقتبست هذه الاشكال ووظفت في مكانها المناسب ولم تقحم اقحاما، بل استخدمت بكثير من الاناقة وبموضوعية واضفت قيمة جمالية على العمل ككل.

الاشكال الانسانيةو الحيوانية  ايضا اضيفت الى العمل ولو على نحو مجرد، الا انها تتحدث بصراحة عن كونها جسداً بشرياً او حيوانياً، ولم تقف المحرمات الدينية عقبة امام هذه الاستخدامات، فنجد صورة لجسم على الاغلب انثوي لمجرد وجود انحناءات فيه تنبئ بذلك، والاشكال الحيوانية قد تكون لطيوراو اسماك يصعب تحديد فصيلتها تماما الا انها اقرب للطيوروالاسماك المنتشرة في بيئة السماوة مع تجريدها من معالمها الدقيقة.

الاشكال النباتية لها حضورها الواضح من زهور واشواك الخ، هذه الاشكال يسهل تطويعها في عمل الابرة والخيط، ومن السهولة ان تملأ بها الاماكن التي تصعب فيها اضا فة اي شكل هندسي، اذ ان النباتات مطواعة في احجامها واشكالها، ومهما كانت درجة تنفيذها فطرية فستبقي تحمل دلالاتها، لذا نجدها منثورة على ارضية البساط بسخاء وكرم متناهين.

الالوان في بساط السماوة فرحة بهيجة، تتكرر بدون ملل ورتابة، بل تضفي على الوحدة التشكيلية بعدا واقعيا احيانا واغلب الاوقات بعدا خياليا تماما، الا انها بدون شك قد اثرت عليها شمس السماوة الساطعة ومنحتها الوانا برتقالية ، حمراء وصفراء بدرجات مختلفة (غروب وشروق) ، نجد هنا في بساط السماوة احتفالية لونية على درجة عالية من المرح والبهجة مما تتيح  للناظر ان يتنعم  بجو ملؤه الجمال و الحبور والفرح.

بساط السماوة عمل فني فطري متكامل يحوى كل مقومات العمل الحرفي  بمواصفات عالية، من سعة الخيال الى  تعدد نوعية الوحدة التشكيلية ،و تنوع  الالوان و ان هذا العمل الفني ما هو الا نتاج للآيحاءات البيئية واستلهامات التراث، قد نفذ بدون حذلقة وتصنع بل بتمام العفوية والبساطة والتلقائية

 

 

للاتصال بنا  -  عن المدى   -   الصفحة الرئيسة