اراء وافكار

الصفحة الرئيسة للاتصال بنا اعلانات واشتراكات عن المدى ارشيف المدى
 
 

نوعان من المقاومة والمعارضة (1-2): اعادة بناء فكرة المقاومة

ميثم الجنابي

تقول إحدى الحقائق الفلسفية الكبرى، أن الأمور البديهية حالما تصبح مادة للشك والجدل،  تكف عن أن تكون بديهية. وحينئذ تصبح جميع الأحكام والقيم عرضة للتسخيف والتزييف. وذلك لأنها تعطي كل عابر سبيل إمكانية القول عن نفسه ما يشاء، كما يمكن للجميع اتهام الجميع بما يحلو لهم. وهي حالة لا يمكنها أن تصنع يقينا ولا التزاما ولا حقا ولا وجوبا. ففي مجال الفكر تصبح صانعة المغالطات (السفسطة) الكبرى والصغرى، وفي مجال الاجتماع أسلوبا للابتزاز، وفي مجال الأخلاق مرتعا للرذيلة، وفي مجال السياسة وعاءً حاويا على المغالطة والابتزاز والرذيلة.

وهي الحالة التي تمثلها بصورة نموذجية ما يسمى بـ(المقاومة العراقية) الحالية. فهي "مقاومة" تجسد بصورة تامة تاريخ وواقع المغالطات الفكرية والابتزاز الاجتماعي والرذيلة الأخلاقية. فهي تجسد بصورة لا سابق لها في تاريخ العراق أسلوب التشكيك في اكثر الأمور يقينا وجلاء. ولعل من بين اكثر هذه الأمور بالنسبة لمفهوم المقاومة الوطنية "الشريفة" و"النزيهة" وما شابه ذلك من أحكام أن تتصف بالعلنية والوضوح الاجتماعي والسياسي والأخلاقي. إذ لا شيء يمكنه أن يرهب فعلا الوطني الشريف النزيه! على العكس إن تاريخ "المقاومة" في كل مكان وزمان يبرهن على ضرورة الكشف الفعلي والعلني عن حقائقها الكبرى في الشعارات والأسماء والأفعال. إذ تفترض الوطنية وتمثيلها في المقاومة إدراك كونها جزءاً من الوطن والشعب. ومن ثم تمثل وتحقيق ما يصبوان إليه.  وذلك لان الشعب والوطن هما الحاضنة الفعلية والمؤيد الشامل لجهود كل مقاومة وطنية حقيقية على امتداد التاريخ والجغرافيا. والتشكيك في ذلك يعني التشكيك في أشد الأمور جلاء وأكثرها بديهية. ثم انه لا شئ أعلى وأغلى للوطني الشريف النزيه من مواجهة شعبه أولا وقبل كل شئ بما يسعى إليه.

غير أن "المقاومة الوطنية العراقية" لا تتصف بأي من هذه الصفات. إذ اننا لم نر غير ملثمين وموشحين بالسواد وحاملي سيوف وسكاكين وأسلحة نارية يتوسطون لافتات ومختطفين من نساء وسائقي شاحنات يرغمون على التباكي و"الدعوة" بمطالب مختلفة مقابل الحفاظ على حياتهم! بعبارة أخرى، إن المظهر المجهول يعبر عن مظهر جاهل بحقيقة المقاومة، والاختفاء  وراء السواد هو إشارة غير واعية إلى حب الظلام والظلمة، والاختباء في الأقبية هو دليل على خوف المواجهة العلنية، وإرغام المختطفين على قول كلمات لا يمكنه أن يصنع سياسة، كما أنه دليل على معارضة ابسط مقومات المنطق والعقل في مواجهة الإشكاليات التي يتعرض لها العراق في ظروفه الحالية.

كل ذلك يشير إلى أن "المقاومة العراقية" الآنفة الذكر هي الصيغة النموذجية لمخالفة البديهيات. والبديهيات هي ليست مقولات منطقية وذهنية بل انها ذات مضامين اجتماعية وسياسية حساسة يتوقف على كيفية فهمها وتحقيقها العملي حل المشكلات الكبرى التي تعانيها منها الدولة والمجتمع والثقافة. وهو الأمر الذي يضع مهمة تحديد ماهية المقاومة الحقيقية في صلب ما يمكن دعوته بالبديهية السياسية الكبرى في ظروف العراق الحالية. فالعراق الآن بحاجة إلى كتلة هائلة من البديهيات السياسية. فغياب البديهيات السياسية هو دليل على ضعف أو رخاوة الوعي السياسي. وإذا كان هناك خلاف حاد حتى الآن بشأن تحديد ماهية المقاومة، فان التعقيد سوف يصبح اشد إثارة فيما يتعلق بمفهوم المعارضة. مع انهما مفهومان يتلاقيان ويتقاربان من حيث المضمون والغاية. بمعنى أن المعارضة هي المضمون والمقاومة هي أحد أشكالها. ولكن حالما تصبح "المقاومة" هي الكل، فإن ذلك يعني سيادة النزعة الراديكالية أو الغلو والتطرف بمختلف مضامينه.

إن إحدى البديهيات السياسية الكبرى الضرورية للعراق المعاصر تقوم في العمل على  إرساء أسس الدولة الشرعية والنظام الديمقراطي والمجتمع المدني. فهي البديهية التي يمكن بل ينبغي وضعها في صلب مضمون المقاومة والمعارضة الحقيقية. وذلك لما فيها من إمكانية واقعية وعقلانية بل وضرورية بالنسبة لتذليل بقايا التوتاليتارية البعثية والدكتاتورية الصدامية التي أرجعت العراق إلى مرحلة ما قبل الدولة وأنهكت قواه الاجتماعية والروحية مع ما ترتب على ذلك من تهميش شامل للفرد والمجتمع وخراب اقتصادي وثقافي وانحطاط علمي وتدهور لا مثيل له في التاريخ الحديث. بعبارة أخرى، إن المضمون الحقيقي للمقاومة والمعارضة ينبغي أن يكون منظومة من الأفعال الواقعية والعقلانية لبناء الدولة والشرعية والنظام الديمقراطي السياسي والمجتمع المدني. وفي الحقيقة ليس هناك من معيار آخر يمكنه أن يحتوي ويعبر عن مفهوم المقاومة والمعارضة الحقيقية في ظروف العراق الحالية من دون هذه المنظومة الواقعية والعقلانية الهادفة لبناء العراق الجديد. فهو المعيار الفعلي الذي يمكن أن توزن به الأفعال السياسية وغايتها.  وهو المعيار الصالح للفعل والحكم وذلك لقيمته الضرورية لتحقيق الحرية والقانون والعدالة والمساواة. كما انه المعيار الذي يكشف بدوره عن طبيعة ومستوى تطور المقاومة والمعارضة، لا سيما أنها الحالة الضرورية لوجود الأشياء. كما أن قوة المعارضة والمقاومة هما دليلان على حيوية الدولة والمجتمع المدني والنظام السياسي. بل يمكننا القول إنه كلما كانت المعارضة قوية كانت الدولة والنظام السياسي اكثر قوة. وان قوة المعارضة وروح المقاومة والتحدي فيها هو دليل ومؤشر على قوة المجتمع وروحه الأخلاقي. ففي مستوى هذه المواجهة والتحدي والصراع  يتجسد مستوى تطور الحرية والشرعية.

وهي حالة يشير إليها أيضا واقع العراق البائس في ظروفه الحالية. فهو اشد حيوية وعافية وقوة وديناميكية من أي وقت مضى، وبالأخص على خلفية عهد "الأمان" المميز للتوتاليتارية البعثية والدكتاتورية الصدامية. إذ لم يكن الأمان آنذاك سوى الحالة المشوهة لسيادة "الأمن" وتغلغله في كل مسام الوجود الفردي والاجتماعي. بعبارة أخرى لم يكن الأمان سوى الوجه الآخر للعبودية الشاملة. وهو سبب فقدان المعارضة والتحدي والمواجهة سابقا. ذلك يعني أن كل المعارضة والمقاومة الحقيقية، اي تلك التي تعمل على إرساء أسس منظومة الدولة الشرعية والنظام الديمقراطي والمجتمع المدني، بل حتى التي تتطفل عليها من قوى الإرهاب والغلو الديني والدنيوي هو النتاج الطبيعي والإيجابي لهذا التحول التاريخي الهائل من التوتاليتارية إلى الديمقراطية.

ذلك يعني أننا نقف أمام ضرورة تأسيس وتحقيق عقلاني وواقعي لفكرة المقاومة والمعارضة العراقية بالشكل الذي يمكنه أن يذلل بقايا التوتاليتارية البعثية والدكتاتورية الصدامية واستمرارها الحالي في مختلف التيارات الراديكالية والمتطرفة وسبائكها الجديدة ممن أدعوهم بالغلاة الجدد، وبالأخص سبيكة التيار التيوقراطي الإسلامي وبقايا التوتاليتارية البعثية. وهو تأسيس له مذاقه الخاص في تاريخ المقاومة والمعارضة الفعلية في العراق. وذلك لان تاريخ العراق الحديث في مجمله هو تاريخ الصراع الحاد والدموي بين تيار المقاومة الفعلية والنظم الاستبدادية والدكتاتورية التي لا مثيل لها في العالم العربي الحديث. وهو الأمر الذي أعطى المقاومة والمعارضة العراقية أشكالا وأبعادا متنوعة جعل حتى أكثرها عقلانية وإنسانية لا يخلو من اللاعقلانية والدموية وذلك بسبب غلبة الرؤية الأيديولوجية واضمحلال تاريخ الدولة الشرعية ومؤسساتها المدنية. وقد شكل الانقلاب العاصف الذي أطاح بالصدامية النهاية الفعلية أيضا لهذا النوع من المقاومة والمعارضة من خلال نقلها للمرة الأولى إلى ميدان ومستوى الصراع السياسي المباشر. بمعنى انتقالها من تقاليد الاحتراب الضيق إلى فضاء الصراع السياسي الضروري بالنسبة لتطور الدولة ومؤسساتها الشرعية. وهو انتقال سوف يطول بالضرورة وان بصورة تدريجية أشكال وأساليب الصراع السياسي وكذلك الأفكار والأيديولوجيات. بمعنى انه سوف يضع جميع القوى السياسية أمام امتحان غاية في الصعوبة والتعقيد. فهي المرة الأولى التي تنتقل فيها المقاومة والمعارضة العريقتين في العراق  من الخفاء إلى العلن، ومن الخارج إلى الداخل ومن المؤامرة إلى الشرعية. مما يستلزم بدوره تكسير كل الموازين  القديمة في تقييم ومواجهة الإشكاليات الكبرى لبناء الدولة الجديدة ومؤسساتها والمجتمع المدني واقتصاد السوق والديمقراطية الاجتماعية. وهي عملية غاية في التعقيد لأنها تفترض ثورة فعلية كبرى في القيم والمواقف والرؤية والسلوك. أي كل ما يشكل معيار البديل الفعلي بالنسبة للمقاومة والمعارضة العراقية. وهو المعيار الذي يمكنه أن يكشف عن حقيقة ونوعية المقاومة والمعارضة.

فالعراق يحتوى في الإطار العام على ثلاثة أنواع كبرى من المعارضة والمقاومة، الأولى وهي مقاومة ومعارضة توتاليتارية، والثانية مقاومة ومعارضة أصولية جديدة والثالثة مقاومة ومعارضة مستقبلية. ذلك يعني إن العراق المعاصر يحتوي على مكوناته السياسية الكبرى القديمة إلا أنها تعرضت لتغير جوهري من حيث الموقع والقوة.

فالمقاومة والمعارضة الأولى والثانية هي من بقايا الزمن التوتاليتاري والدكتاتوري بشقيه الديني والدنيوي أو من خلال توليفهما في سبيكة الغلاة الجدد. أما الثالثة فإنها ممثلة الاحتمالات الكبرى للبدائل العقلانية في العراق بعد أن ينجز، وهو لا محالة ناجز، مرحلة الانتقال من زمن الاستبداد والدكتاتورية إلى تاريخ الشرعية والديمقراطية.

فالمقاومة والمعارضة الممثلة لتقاليد التوتاليتارية البعثية والدكتاتورية الصدامية بلا آفاق ومستقبل. إنها الممثل النموذجي للماضي واللاشرعية ونفسية المؤامرة وتقاليد الجريمة المنظمة والعقائدية المتحيونة. ومن ثم لا تعني مقاومتها ومعارضتها من الناحية التاريخية سوى العمل ضد فكرة الدولة الشرعية ونظام المؤسسات والديمقراطية الاجتماعية. من هنا رجوعها إلى قيم ما قبل الدولة والتاريخ الفعلي للمعاصرة. وهو الأمر الذي يجعلها تتكلم بمنطق الطائفية والجهوية والمصالح الضيقة واستعمال أساليب العنف والإكراه والغدر والخديعة.

بعبارة أخرى: إن هذه المقاومة والمعارضة التوتاليتارية تتمثل في وسائلها وغاياتها تقاليد الخروج على منطق الدولة والشرعية والديمقراطية. وهو الأمر الذي يجعل منها معارضة ومقاومة للمصالح الجوهرية للعراق وآفاق تطوره الطبيعي. ومن ثم يخرجها عن حقيقة العلاقة بالعراق. كل ذلك يفترض التعامل معها بحسب قواعد القانون في تعامله مع القوى الخارجة على الدولة والشرعية والحق. لاسيما أنها مقاومة ومعارضة موجهة من حيث الجوهر ضد القانون والشرع. من هنا فإن التعامل معها ينبغي أن يكون بمنطق عدمها خير من وجودها.

إضافة إلى ذلك لا معنى للحوار معها بأي شكل كان من الأشكال، انطلاقا من عقم وعدم جدوى فكرة الحوار في مرحلة تأسيس الانتقال من التوتاليتارية إلى الديمقراطية، ومن الاستبداد إلى الشرعية. فالجميع يتمتع بحق النشاط والعمل ضمن حدود الشرعية المكفولة للجميع. وبالتالي فإن الحوار الخاص مع أي طرف يتضمن دلالة الاستثناء لجهة على أخرى. بينما الحوار الممكن والضروري هنا هو فقط الحوار مع النفس ومع المجتمع من خلال الرجوع إليه وكسبه إلى صندوق الاقتراع.


نحو تحقيق المصالحة الوطنية وتوسيع المشاركة في الانتخابات

د. عبد الامير رحيمة العبود (وزير الزراعة سابقاً)

ما من شعب تعرض للقتل والتعذيب والخطف والرعب وغياب الامن كالشعب العراقي،  وما من بلد تعرض للدمار والهدم والحرق والسرقة وتعثر النشاط الاقتصادي والاجتماعي كالعراق. كان اغلب هذا الدمار قد حصل ابان فترة حكم صدام حسين، لكن ما حصل بعد التحرر من حكم صدام حسين لم يكن اقل شأناً، بل ربما اكثر قسوة وتدميراً. اذ دخلت في قاموس الارهاب في عراقنا الجريح ظواهر جديدة كذبح البشر ورمي جثثهم في المناطق العامة وحرقهم احياناً، وبيع المخطوفين فيما بين مجموعات الخاطفين، وقتل العوائل بالجملة، والانتقام من البشر على الهوية فقط، وحرق ابار وانابيب النفط والغاز، وهي ثروة كل العراقيين ورصيد مستقبلهم، وهدر اموال الشعب بأشكالها المختلفة،  وغيرها من جرائم لم يألفها البشر. الجزء الاكبر من هذه العمليات الارهابية والاجرامية تحصل بالتأكيد من قبل مجموعات اتباع نظام صدام حسين من رجال الامن والمخابرات والامن الخاص والفدائيين ومن لف لفهم ممن كانوا يستحوذون على امكانات العراق  وثرواته لمجرد سيطرتهم على السلطة من دون ان يتميزوا بالكفاءة والاخلاص او القيام بالاعمال المنتجة او المفيدة وغير هؤلاء من المجرمين الذين اطلق سراحهم صدام حسين، والمتسللين عبر الحدود الذين تجمعهم هوية الارهاب واهدافه، والذين لا يستهدفون غير اعادة السيطرة على الحكم والاستحواذ على امكانات العراق والعراقيين. لكن الغريب ان تلك العمليات الارهابية والاجرامية كانت تدعم وتبارك من قبل تيارات سياسية باسم المقاومة الوطنية، بعضها ذات توجهات دينية الآخر وطنية وقومية، وكلها تعد جلاء قوات الاحتلال فوراً شرطاً للتعاون مع بقية التيارات السياسية في انجاز العملية السياسية وسبباً لعدم شجب اعمال العنف والارهاب وهي تعلم بأن جلاء القوات الاجنبية على الفور يعني اندلاع الحرب الاهلية بسبب غياب الاجهزة الامنية المؤهلة والقادرة على تحقيق الامن والاستقرار.

لقد كان الخروج من مأزق غياب الامن واستفحال الاعمال الارهابية موضع اهتمام جميع التيارات السياسية العراقية، يشاركها العديد من المحافل الدولية والاقليمية كمنظمة الأمم المتحدة والولايات المتحدة  وحليفاتها ودول اوربا الغربية والدول العربية والاسلامية، وقد كان العلاج للخروج من هذا المأزق واعادة بناء العراق الذي اتفقت عليه تلك الاطراف كافة، كما هو معروف هو اجراء الانتخابات وانبثاق مجلس وطني وحكومة وطنية شرعية تاخذ على عاتقها اتخاذ جميع الاجراءات ذات الصلة بمستقبل العراق الاقتصادي والاجتماعي وبضمنها تحديد جدول زمني لجلاء قوات الاحتلال عند استتباب الامن والاستقرار والسير في عملية اعادة بناء العراق وتحقيق الانتعاش الاقتصادي والاجتماعي. وقد اقترنت توجهات هذه الاطراف بضرورة اجراء الانتخابات في موعدها المحدد وان تشمل مناطق البلد بكاملها وان تشترك فيها جميع فصائل الشعب وقومياته واديانه وطوائفه، لان عدم مشاركة اية منطقة او فئة من فئاته تعني الخلل والنقص في العملية الانتخابية.

ومن هنا تبرز المصالحة الوطنية بين جميع اطراف العملية السياسية، بخاصة تلك الفئات الوطنية التي لم يكن هدفها الارهاب والاجرام والعودة الى النظام الدكتاتوري البغيض.

وحقيقة، فإن الحكومة الوطنية المؤقتة قد بذلت جهوداً مضنية عبر المفاوضات المتعددة والمستمرة لاحتواء هذه الفصائل وتلبية مطالبها لكن محاولاتها كانت تجابه بالشروط التعجيزية التي تلغي دور الدولة وسيادتها، وربما كان وراء ذلك تأثير عناصر الارهاب وعشاق النظام الدكتاتوري.

ويبدو ان الدعوة للمصالحة الوطنية قد اصبحت حالياً هي الهاجس لكل الظروف التي يهمها نهوض العراق سليماً معافى وقد تكررت هذه الدعوة من قبل مختلف المحافل الدولية والعربية والاسلامية واخرها مؤتمر شرم الشيخ المنعقد بشأن العراق والذي افرد مادة كاملة من بيانه الختامي بخصوص ضرورة توسيع المشاركة السياسية في الانتخابات القادمة. وبطبيعة الحال فإن هيمنة النظام الدكتاتوري وغياب النهج الديمقراطي والتجربة السياسية الحرة ابان العقود الثلاثة الماضية من حكم زمرة صدام حسين قد خلقاً في النظام الجديد حالة من التعدد والتنوع في الطموح والامال في التوجهات السياسية، والانطلاق من المصالح الشخصية احياناً، لدى التيارات السياسية المتعددة والكثيرة جداً من الشعب العراقي حتى اضحى من العسير استيعاب هذه التيارات في برنامج سياسي متقارب، ناهيك عما تفرزه الحرية السياسية من رغبة جامحة لدى بعض التيارات السياسية في تحقيق جميع تطلعاتها من دون النظر الى تطلعات وتوجهات الاطراف الاخر.

الا انه حينما تكون مصلحة العراق ومستقبل اطفال العراق معياراً لاتخاذ المواقف السياسية، عندئذ سوف يذوب الكثير من الاشتراطات والتوجهات وسوف تبرز في افق التعاون قواسم مشتركة كثيرة وامكانات متعددة للتعاون والتآلف من اجل بناء العراق الديمقراطي الجديد.

ختاماً ان اولادنا واحفادنا يطالبوننا بالتسامح والتآلف والتكاتف من اجل بناء العراق الديمقراطي الجديد لكي يعوضوا ما فاتهم ابان السنين العجاف من حكم زمره ان صدام حسين مما يقتضي بذل الجهود والمحاولات الجديدة لانجاز المصالحة الوطنية قبيل الانتخابات في سبيل توسيع المشاركة فيها.


(آلية مراقبة الانتخابات في الانتخابات المقبلة) عن مراقبة عملية تسجيل الناخبين

قاسم علوان

مراقبة انتخابات تشكيل البرلمانات الوطنية او المجالس المحلية او الانتخابات الرئاسية في العالم المتمدن كله من الآليات المعروفة والمهمة جداً في العملية الانتخابية في أي بلد ديمقراطي في العالم، وهي المعول عليها في ضمان حسن سير الانتخابات، او في توفير نسبة من النزاهة المقبولة، وخاصة في المجتمعات المدنية حديثة التكوين مثل مجتمعنا. وغالباً ما تتبنى هذه الآلية منظمات المجتمع المدني غير الحكومية، من التي تعرف وظيفتها ودورها في المجتمع، أي لخدمة شرائح منه كمنظمات للنفع العام، وليس كما هو الحال للاسف في بعض منظمات المجتمع المدني العراقية، حديثة التكوين في مجتمعنا، والتي لا تعرف مهامها ولا وظيفتها الاساسية ولا الدور المنوط بها، فقد سارع بعض منها الى الدخول في العملية السياسية والترشيح ككيان سياسي مثلاً..! ورغم ذلك تبقى وظيفة المراقب المحلي المحايد من وظيفة تلك المنظمات ولو مبدئياً.

لقد شرعت مؤخراً المفوضية العليا المستقلة للانتخابات في العراق نظام رقم (5) لتنظيم عمل المراقبين في الانتخابات. وقد جاء اقرار هذا النظام من المفوضية وعياً منها لاهمية المراقبة المحلية المحايدة في العملية الانتخابية، ولكن للاسف جاء ذلك القرار متأخراً بعض الشيء. فقد اعلن بعد ان قطعت عملية تسجيل الناخبين اشواطاً بعيدة، بينما عملية المراقبة الانتخابية كان يجب ان تطول عملية التسجيل نفسها، باعتبارها الجزء المهم في العملية الانتخابية، وخاصة في ظروف بلد مثل العراق في هذه الفترة المهمة والحرجة الانتقالية من حياته السياسية التي اعقبت الحرب وتغيير نظامه السياسي من نظام مستبد فردي الى نظام ديمقراطي تعددي لا مركزي كما هو مفترض ان يكون.

كما ان مشكلة فتح  حدود العراق على مصراعيها من مختلف الجهات ولاكثر من عام بعد وقف الحرب وسقوط النظام، ودخول لاجئين عراقيين  وغير عراقيين من اصول واعراق مختلفة وتحت مظلات واهداف مختلفة ايضاً، وبأعداد كبيرة، كما شهدت ذلك المحافظات الجنوبية المحاذية لايران تحديداً، سوف تؤثر في عملية التصويت المرتقبة، وسوف تدخل بعملية التوازنات السياسية الدقيقة في مجتمع متعدد الديانات والطوائف والاعراق، ومصدر هذه الهجرة كما اشرنا من الجوار الايراني الذي يملك اصلاً مصالح ملموسة وحيوية في تغيير تلك التوازنات في مستقبل عراق ما بعد الحرب، وهذا بعد سنوات الحرب الطويلة بين البلدين، وسقوط النظام الذي قاد تلك الحرب الطاحنة وغير المبررة، نحن نتحدث عن حالات شهدناها بالعين المجردة خلال يوم واحد فقط كمثال، وهو دخول 50 عائلة افغانية بكامل افرادها لا يمكلون اية وثيقة تسند صلتهم بالعراق غير ادعائهم انهم في السابق كانواا يسكنون هذا البلد وهاجروا منه في اواسط السبعينيات، القليل منهم يجيد العربية الركيكة، و هؤلاء ادخلتهم منظمات الامم المتحدة من ايران..المنظمات التي تعمل على عودة اللاجئين الى بلدانهم الاصلية.

برغم التداخل والتشاكل في المواقف السياسية بين البلدين في السنوات الماضية، والمبررات التي ادت الى استمرار تلك الحرب كل تلك السنوات الطويلة بين الجانبين، والهجرة الملحوظة دولياً للعراقيين بهروبهم من بلدهم مرغمين، ومن ثم ستكون ايران الدولة المضيفة رقم واحد لاعداد كثيرة من اولئك المهاجرين والمعارضين السياسيين واللاجئين العراقيين الذين هجروا او هاجروا، او من ذوي الاصول الاجنبية الذين عاشوا سابقاً في العراق، والذين لم يحسم امر تجنيسهم حتى في ظروف الدولة الطبيعية المستقرة سابقاً، لاسباب نعرفها، اغلبها تعسفية وكل هذا في الوقت الحاضر في ظل توفر ما تشاء من وثائق الجنسية العراقية المزورة المحلية وبأنواع مختلفة الى حد التباسها مع الوثائق الاصيلة خلال هذه الفترة، بالتأكيد ان هذه الحالة ستشكل مؤثراً قوياً وفاعلاً في نتائج الانتخابات المقبلة. هذا فيما يخص موضوع تسجيل الناخبين الذي تم او سوف يتم بدون اية مراقبة تذكر.

نعود الى موضوع مراقبة الاقتراع، ينص نظام المفوضية رقم (5) المشار اليه آنفاً والذي ينظم عمل المراقبين المحليين، على ان تقبل مراقبة المنظمات او الجماعات وليس الافراد، كما يضع ضوابط لعمل المراقبين وتنظم وجودهم داخل مراكز الاقتراع، الى جانب وجود ممثلي او مندوبي الكيانات السياسية كمراقبين ايضاً، ولكن بالتأكيد ان عمل المراقب المحلي المحايد يختلف عن عمل ومراقبة ممثل الكيان السياسي غير المحايد، باعتباره صاحب مصلحة محددة في فوز الكيان الذي يمثله، ورفض مراقبة الافراد يعود الى عدم جدوى تلك المراقبة اصلاً مقارنة بعمل مراقبة المنظمات والجماعات الذي يفترض ان يكون منظماً ومنسقاً، بحيث يرتبط بآلية عمل منظمة مسبقاً لنقل المعلومات وتدقيقها واعلانها.

التجربة الاندنوسية

لقد تسنى لنا الاطلاع على احد تقارير المراقبين العراقيين الذين ذهبوا كمراقبي انتخابات متدربين الى اندونيسيا في انتخاباتها الرئاسية الاخيرة في العام الحالي، يتحدث التقرير عن نجاح عملية المراقبة المتكونة من جهات دولية محلية عديدة من منظمات المجتمع المدني في اندونيسيا، ومن ثم نجاح عملية الانتخابات لانها جرت بدون خروقات تذكر، كما يرد في التقرير ان سبب اختيار اندونيسيا كموضوع اختبار للمراقبة بسبب تماثلها في نواحٍ كثيرة مع اوضاع العراق، من ناحية التعددية العرقية والدينية والطائفية، وكونها خرجت للتو من نظام دكتاتوري قمعي مماثل الى حد ما مع النظام العراقي السابق.

يرد في التقرير ان عملية المراقبة امتدت الى ثلاث مراحل، هي مراقبة الانتخابات قبل يوم الاقتراع لتشتمل على عملية تسجيل الناخبين وتسجيل المرشحين  ومراقبة عمل اللجنة العليا للانتخابات والحصول على كل وآخر التعليمات. اما المرحلة الثانية فهي لمراقبة المراكز الانتخابية من حيث شكلها وموقعها، وبعدها عن أي تأثير او مؤثر لاي مرشح، كذلك قربها او بعدها عن مراكز العبادة للطوائف المختلفة، وتوافر جميع مستلزمات الاقتراع من قوائم الناخبين وبطاقات الاقتراع، ومراقبة تصرفات العاملين في المركز الانتخابي، ومراقبة الفرز السريع للاصوات لكل مركز انتخابي.

اما المرحلة الثالثة فهي لمراقبة ما بعد يوم الاقتراع، وذلك بمراقبة الاحصاء السريع للاصوات من قبل اية جهة مختصة بهذا الاحصاء مثل اللجنة العليا للانتخابات، او مركز ابحاث علمي او منظمة مجتمع مدني متخصصة بذلك. وكذلك مراقبة وسائل الاعلام وما تعرضه عن المرشحين ومراقبة المرشحين وتصريحاتهم وردود افعالهم ومقارنة ذلك كله بالبعض الاخر من اجل الحصول على نتيجة واحدة وهي اجراء انتخابات عادلة ونزيهة.

بالتأكيد لن نحصل نحن على مراقبة مثل هذه فقد خرجت اندونيسيا قبلنا بأربع سنين من نظامها الدموي الدكتاتوري السابق، كما تسنى لها التمتع بانتخابات برلمانية قبل سنتين من انتخاباتها الرئاسية هذه، وكذلك تنعمها بفترة استقرار سياسي نسبي بعد التحول الكبير الذي حدث فيها لكن استعجال قوى سياسية محلية عديدة في دعوتها للانتخابات في العراق بعد وقت قصير من وقف الحرب، ومن ثم بعد العمر القصير للحكومة الحالية المؤقتة، وعدم منحها الوقت الكافي لمعالجة بؤر الارهاب والتوتر والكيانات المسلحة في الداخل العراقي، كل هذا سيضع تجربة الانتخابات العراقية في كف عفريت او في الاقل سيحرم الكثير من المواطنين في المناطق غير الآمنة من المشاركة فيها.  

 

 

للاتصال بنا  -  عن المدى   -   الصفحة الرئيسة