|
ميثم الجنابي
تقول إحدى الحقائق الفلسفية الكبرى، أن الأمور البديهية حالما
تصبح مادة للشك والجدل، تكف عن أن تكون بديهية. وحينئذ
تصبح جميع الأحكام والقيم عرضة للتسخيف والتزييف. وذلك
لأنها تعطي كل عابر سبيل إمكانية القول عن نفسه ما يشاء،
كما يمكن للجميع اتهام الجميع بما يحلو لهم. وهي حالة لا
يمكنها أن تصنع يقينا ولا التزاما ولا حقا ولا وجوبا. ففي
مجال الفكر تصبح صانعة المغالطات (السفسطة) الكبرى
والصغرى، وفي مجال الاجتماع أسلوبا للابتزاز، وفي مجال
الأخلاق مرتعا للرذيلة، وفي مجال السياسة وعاءً حاويا على
المغالطة والابتزاز والرذيلة.
وهي الحالة التي تمثلها بصورة نموذجية ما يسمى بـ(المقاومة
العراقية) الحالية. فهي "مقاومة" تجسد بصورة تامة تاريخ
وواقع المغالطات الفكرية والابتزاز الاجتماعي والرذيلة
الأخلاقية. فهي تجسد بصورة لا سابق لها في تاريخ العراق
أسلوب التشكيك في اكثر الأمور يقينا وجلاء. ولعل من بين
اكثر هذه الأمور بالنسبة لمفهوم المقاومة الوطنية
"الشريفة" و"النزيهة" وما شابه ذلك من أحكام أن تتصف
بالعلنية والوضوح الاجتماعي والسياسي والأخلاقي. إذ لا شيء
يمكنه أن يرهب فعلا الوطني الشريف النزيه! على العكس إن
تاريخ "المقاومة" في كل مكان وزمان يبرهن على ضرورة الكشف
الفعلي والعلني عن حقائقها الكبرى في الشعارات والأسماء
والأفعال. إذ تفترض الوطنية وتمثيلها في المقاومة إدراك
كونها جزءاً من الوطن والشعب. ومن ثم تمثل وتحقيق ما
يصبوان إليه. وذلك لان الشعب والوطن هما الحاضنة الفعلية
والمؤيد الشامل لجهود كل مقاومة وطنية حقيقية على امتداد
التاريخ والجغرافيا. والتشكيك في ذلك يعني التشكيك في أشد
الأمور جلاء وأكثرها بديهية. ثم انه لا شئ أعلى وأغلى
للوطني الشريف النزيه من مواجهة شعبه أولا وقبل كل شئ بما
يسعى إليه.
غير أن "المقاومة الوطنية العراقية" لا تتصف بأي من هذه
الصفات. إذ اننا لم نر غير ملثمين وموشحين بالسواد وحاملي
سيوف وسكاكين وأسلحة نارية يتوسطون لافتات ومختطفين من
نساء وسائقي شاحنات يرغمون على التباكي و"الدعوة" بمطالب
مختلفة مقابل الحفاظ على حياتهم! بعبارة أخرى، إن المظهر
المجهول يعبر عن مظهر جاهل بحقيقة المقاومة، والاختفاء
وراء السواد هو إشارة غير واعية إلى حب الظلام والظلمة،
والاختباء في الأقبية هو دليل على خوف المواجهة العلنية،
وإرغام المختطفين على قول كلمات لا يمكنه أن يصنع سياسة،
كما أنه دليل على معارضة ابسط مقومات المنطق والعقل في
مواجهة الإشكاليات التي يتعرض لها العراق في ظروفه
الحالية.
كل ذلك يشير إلى أن "المقاومة العراقية" الآنفة الذكر هي
الصيغة النموذجية لمخالفة البديهيات. والبديهيات هي ليست
مقولات منطقية وذهنية بل انها ذات مضامين اجتماعية وسياسية
حساسة يتوقف على كيفية فهمها وتحقيقها العملي حل المشكلات
الكبرى التي تعانيها منها الدولة والمجتمع والثقافة. وهو
الأمر الذي يضع مهمة تحديد ماهية المقاومة الحقيقية في صلب
ما يمكن دعوته بالبديهية السياسية الكبرى في ظروف العراق
الحالية. فالعراق الآن بحاجة إلى كتلة هائلة من البديهيات
السياسية. فغياب البديهيات السياسية هو دليل على ضعف أو
رخاوة الوعي السياسي. وإذا كان هناك خلاف حاد حتى الآن
بشأن تحديد ماهية المقاومة، فان التعقيد سوف يصبح اشد
إثارة فيما يتعلق بمفهوم المعارضة. مع انهما مفهومان
يتلاقيان ويتقاربان من حيث المضمون والغاية. بمعنى أن
المعارضة هي المضمون والمقاومة هي أحد أشكالها. ولكن حالما
تصبح "المقاومة" هي الكل، فإن ذلك يعني سيادة النزعة
الراديكالية أو الغلو والتطرف بمختلف مضامينه.
إن إحدى البديهيات السياسية الكبرى الضرورية للعراق
المعاصر تقوم في العمل على إرساء أسس الدولة الشرعية
والنظام الديمقراطي والمجتمع المدني. فهي البديهية التي
يمكن بل ينبغي وضعها في صلب مضمون المقاومة والمعارضة
الحقيقية. وذلك لما فيها من إمكانية واقعية وعقلانية بل
وضرورية بالنسبة لتذليل بقايا التوتاليتارية البعثية
والدكتاتورية الصدامية التي أرجعت العراق إلى مرحلة ما قبل
الدولة وأنهكت قواه الاجتماعية والروحية مع ما ترتب على
ذلك من تهميش شامل للفرد والمجتمع وخراب اقتصادي وثقافي
وانحطاط علمي وتدهور لا مثيل له في التاريخ الحديث. بعبارة
أخرى، إن المضمون الحقيقي للمقاومة والمعارضة ينبغي أن
يكون منظومة من الأفعال الواقعية والعقلانية لبناء الدولة
والشرعية والنظام الديمقراطي السياسي والمجتمع المدني. وفي
الحقيقة ليس هناك من معيار آخر يمكنه أن يحتوي ويعبر عن
مفهوم المقاومة والمعارضة الحقيقية في ظروف العراق الحالية
من دون هذه المنظومة الواقعية والعقلانية الهادفة لبناء
العراق الجديد. فهو المعيار الفعلي الذي يمكن أن توزن به
الأفعال السياسية وغايتها. وهو المعيار الصالح للفعل
والحكم وذلك لقيمته الضرورية لتحقيق الحرية والقانون
والعدالة والمساواة. كما انه المعيار الذي يكشف بدوره عن
طبيعة ومستوى تطور المقاومة والمعارضة، لا سيما أنها
الحالة الضرورية لوجود الأشياء. كما أن قوة المعارضة
والمقاومة هما دليلان على حيوية الدولة والمجتمع المدني
والنظام السياسي. بل يمكننا القول إنه كلما كانت المعارضة
قوية كانت الدولة والنظام السياسي اكثر قوة. وان قوة
المعارضة وروح المقاومة والتحدي فيها هو دليل ومؤشر على
قوة المجتمع وروحه الأخلاقي. ففي مستوى هذه المواجهة
والتحدي والصراع يتجسد مستوى تطور الحرية والشرعية.
وهي حالة يشير إليها أيضا واقع العراق البائس في ظروفه
الحالية. فهو اشد حيوية وعافية وقوة وديناميكية من أي وقت
مضى، وبالأخص على خلفية عهد "الأمان" المميز للتوتاليتارية
البعثية والدكتاتورية الصدامية. إذ لم يكن الأمان آنذاك
سوى الحالة المشوهة لسيادة "الأمن" وتغلغله في كل مسام
الوجود الفردي والاجتماعي. بعبارة أخرى لم يكن الأمان سوى
الوجه الآخر للعبودية الشاملة. وهو سبب فقدان المعارضة
والتحدي والمواجهة سابقا. ذلك يعني أن كل المعارضة
والمقاومة الحقيقية، اي تلك التي تعمل على إرساء أسس
منظومة الدولة الشرعية والنظام الديمقراطي والمجتمع
المدني، بل حتى التي تتطفل عليها من قوى الإرهاب والغلو
الديني والدنيوي هو النتاج الطبيعي والإيجابي لهذا التحول
التاريخي الهائل من التوتاليتارية إلى الديمقراطية.
ذلك يعني أننا نقف أمام ضرورة تأسيس وتحقيق عقلاني وواقعي
لفكرة المقاومة والمعارضة العراقية بالشكل الذي يمكنه أن
يذلل بقايا التوتاليتارية البعثية والدكتاتورية الصدامية
واستمرارها الحالي في مختلف التيارات الراديكالية
والمتطرفة وسبائكها الجديدة ممن أدعوهم بالغلاة الجدد،
وبالأخص سبيكة التيار التيوقراطي الإسلامي وبقايا
التوتاليتارية البعثية. وهو تأسيس له مذاقه الخاص في تاريخ
المقاومة والمعارضة الفعلية في العراق. وذلك لان تاريخ
العراق الحديث في مجمله هو تاريخ الصراع الحاد والدموي بين
تيار المقاومة الفعلية والنظم الاستبدادية والدكتاتورية
التي لا مثيل لها في العالم العربي الحديث. وهو الأمر الذي
أعطى المقاومة والمعارضة العراقية أشكالا وأبعادا متنوعة
جعل حتى أكثرها عقلانية وإنسانية لا يخلو من اللاعقلانية
والدموية وذلك بسبب غلبة الرؤية الأيديولوجية واضمحلال
تاريخ الدولة الشرعية ومؤسساتها المدنية. وقد شكل الانقلاب
العاصف الذي أطاح بالصدامية النهاية الفعلية أيضا لهذا
النوع من المقاومة والمعارضة من خلال نقلها للمرة الأولى
إلى ميدان ومستوى الصراع السياسي المباشر. بمعنى انتقالها
من تقاليد الاحتراب الضيق إلى فضاء الصراع السياسي الضروري
بالنسبة لتطور الدولة ومؤسساتها الشرعية. وهو انتقال سوف
يطول بالضرورة وان بصورة تدريجية أشكال وأساليب الصراع
السياسي وكذلك الأفكار والأيديولوجيات. بمعنى انه سوف يضع
جميع القوى السياسية أمام امتحان غاية في الصعوبة
والتعقيد. فهي المرة الأولى التي تنتقل فيها المقاومة
والمعارضة العريقتين في العراق من الخفاء إلى العلن، ومن
الخارج إلى الداخل ومن المؤامرة إلى الشرعية. مما يستلزم
بدوره تكسير كل الموازين القديمة في تقييم ومواجهة
الإشكاليات الكبرى لبناء الدولة الجديدة ومؤسساتها
والمجتمع المدني واقتصاد السوق والديمقراطية الاجتماعية.
وهي عملية غاية في التعقيد لأنها تفترض ثورة فعلية كبرى في
القيم والمواقف والرؤية والسلوك. أي كل ما يشكل معيار
البديل الفعلي بالنسبة للمقاومة والمعارضة العراقية. وهو
المعيار الذي يمكنه أن يكشف عن حقيقة ونوعية المقاومة
والمعارضة.
فالعراق يحتوى في الإطار العام على ثلاثة أنواع كبرى من
المعارضة والمقاومة، الأولى وهي مقاومة ومعارضة
توتاليتارية، والثانية مقاومة ومعارضة أصولية جديدة
والثالثة مقاومة ومعارضة مستقبلية. ذلك يعني إن العراق
المعاصر يحتوي على مكوناته السياسية الكبرى القديمة إلا
أنها تعرضت لتغير جوهري من حيث الموقع والقوة.
فالمقاومة والمعارضة الأولى والثانية هي من بقايا الزمن
التوتاليتاري والدكتاتوري بشقيه الديني والدنيوي أو من
خلال توليفهما في سبيكة الغلاة الجدد. أما الثالثة فإنها
ممثلة الاحتمالات الكبرى للبدائل العقلانية في العراق بعد
أن ينجز، وهو لا محالة ناجز، مرحلة الانتقال من زمن
الاستبداد والدكتاتورية إلى تاريخ الشرعية والديمقراطية.
فالمقاومة والمعارضة الممثلة لتقاليد التوتاليتارية
البعثية والدكتاتورية الصدامية بلا آفاق ومستقبل. إنها
الممثل النموذجي للماضي واللاشرعية ونفسية المؤامرة
وتقاليد الجريمة المنظمة والعقائدية المتحيونة. ومن ثم لا
تعني مقاومتها ومعارضتها من الناحية التاريخية سوى العمل
ضد فكرة الدولة الشرعية ونظام المؤسسات والديمقراطية
الاجتماعية. من هنا رجوعها إلى قيم ما قبل الدولة والتاريخ
الفعلي للمعاصرة. وهو الأمر الذي يجعلها تتكلم بمنطق
الطائفية والجهوية والمصالح الضيقة واستعمال أساليب العنف
والإكراه والغدر والخديعة.
بعبارة أخرى: إن هذه المقاومة والمعارضة التوتاليتارية
تتمثل في وسائلها وغاياتها تقاليد الخروج على منطق الدولة
والشرعية والديمقراطية. وهو الأمر الذي يجعل منها معارضة
ومقاومة للمصالح الجوهرية للعراق وآفاق تطوره الطبيعي. ومن
ثم يخرجها عن حقيقة العلاقة بالعراق. كل ذلك يفترض التعامل
معها بحسب قواعد القانون في تعامله مع القوى الخارجة على
الدولة والشرعية والحق. لاسيما أنها مقاومة ومعارضة موجهة
من حيث الجوهر ضد القانون والشرع. من هنا فإن التعامل معها
ينبغي أن يكون بمنطق عدمها خير من وجودها.
إضافة إلى ذلك لا معنى للحوار معها بأي شكل كان من
الأشكال، انطلاقا من عقم وعدم جدوى فكرة الحوار في مرحلة
تأسيس الانتقال من التوتاليتارية إلى الديمقراطية، ومن
الاستبداد إلى الشرعية. فالجميع يتمتع بحق النشاط والعمل
ضمن حدود الشرعية المكفولة للجميع. وبالتالي فإن الحوار
الخاص مع أي طرف يتضمن دلالة الاستثناء لجهة على أخرى.
بينما الحوار الممكن والضروري هنا هو فقط الحوار مع النفس
ومع المجتمع من خلال الرجوع إليه وكسبه إلى صندوق
الاقتراع.
|