|
ينبغي ان لا نفرط بأراضي الصحراء الغربية
د. عبد
الامير رحيمة العبود
وزير
الزراعة سابقاً
حينما نفترض بأن
النفط ثروة ناضبة، وان اختراع مصادر جديدة للطاقة عبر
التطور التكنولوجي المتلاحق قد يفضي الى تضاؤل دور النفط
كقطاع رئيس في الاقتصاد العراقي، عندئذ تظهر لنا أهمية
القطاع الزراعي كقاعدة رئيسية، وربما القطاع رقم (1) في
الاقتصاد العراقي. وفي كل الأحوال فان هذا القطاع يعتبر في
الوقت الحاضر احد اهم قطاعات الاقتصاد العراقي بالنظر
لدوره الحيوي في توفير الأغذية للسكان وتشغيلهم وتوفير
أسباب المعيشة لسكان الريف، وتوفير المواد الأولية ذات
الأصل النباتي والحيواني للصناعات ورفد التصدير بالمنتجات
الزراعية والحيوانية .
من هنا تبدو أهمية
وضع سياسة زراعية حكيمة لهذا القطاع ووضع الخطط قصير ة
الأمد وطويلة الامد لتطويره وتوسيع دوره في تنمية الاقتصاد
العراقي وتحقيق الرفاه للشعب العراقي.
لكنه بالرغم من
مقومات التطور والنمو أمام هذا القطاع من حيث توفر الرصيد
الواسع من مصادر التمويل الداخلية والخارجية ، فأن هذا
القطاع لايزال يعاني من التخلف الشديد، بدليل انخفاض
معدلات الإنتاج والإنتاجية وتردي النوعية، واضطرارنا الى
استيراد نسبة عالية من حاجتنا للسلع والمواد ذات الاصل
الزراعي من الخارج، وعجزنا عن تصدير هذه المواد بكميات
توازي ما يستورد منها.
وللتخلف هذا
بطبيعة الحال أسباب وعوامل متعددة ومعروفة لا نود الخوض
فيها في هذا المجال، لكننا نود هنا ان نؤكد على جانب واحد،
وهو انخفاض نسبة الاراضي المزروعة فعلاً من بين مجموع
مساحة الاراضي الصالحة للزراعة، وكيفية العمل من اجل توسيع
رقعة هذه الاراضي ومدى الجدوى من استغلالها زراعياً في
المستقبل القريب والبعيد، فالمعروف ان حجم الأراضي
العراقية الصالحة للزراعة تتراوح تقديراتها بين 35- 48
مليون دونم وهي تشكل قرابة 20 -27 من مجمل مساحة العراق،
وهي نسبة جيدة بالمقارنة مع الكثير من الدول النامية. خذ
مثلاً مساحة الاراضي الصالحة للزراعة في مصر لا تشكل سوى
3-6 % من مجمل مساحته . غير ان الاراضي المزروعة فعلاً لا
تشكل سوى 13 مليون دونم تقريباً، بنسبة 7% من مجمل مساحة
العراق، وهي تعاني كما ذكرنا من حالة عدم التنوع وانخفاض
الإنتاجية وغياب الاستغلال الامثل والعديد من مظاهر
التخلف.
وفيما يتعلق
بالأراضي المتروكة، بمعنى الصالحة للزراعة ولكنها غير
مستغلة زراعياً، والتي لم تكتمل الدراسات والمسوحات عنها
حتى الان ولا توجد عنها معلومات دقيقة، فان الاراضي
الصحراوية تشكل الجزء الكبير والمهم منها، وبصورة خاصة
اراضي الصحراء الغربية التي تمتد من الموصل شمالاً حتى
البصرة جنوباً. الا ان هذه المناطق الصحراوية تشتمل على
مناطق تتوفر فيها المياه الجوفية العذبة بمساحات تقارب
المليوني دونم حسب الدراسات الاولية المتوفرة وجزء كبير
منها تحتوي على المياه الجوفية المتجددة، التي لاتنضب فيها
بمجرد زراعتها لفترات قصيرة، وجزء كبير منها يتاخم كلاً من
السعودية والكويت والسؤال الذي نطرحه الآن: كيف ينبغي ان
نخطط لاستثمار هذه الاراضي؟ وما هو الوجه الافضل
لاستغلالها؟
أبتداءً لابد ان
نشير الى ان دول الخليج، وبخاصة السعودية تعاني ألان من
شحة المياه الجوفية، الامر الذي أضطرها الى منع زراعة الجت
والبرسيم في مساحات كثيرة من أراضيها رغم حاجة مشاريع
الإنتاج الحيواني الضخمة والكبيرة الى هذين المحصولين كعلف
حيواني. وهو ما يدفع المنتجين الخليجيين الى التوجه نحو
الأراضي العراقية الصحراوية المتاخمة لحدود تلك الدول لغرض
زراعتها بالجت والبرسيم.
وبالفعل فقد بدأ
بعض المستثمرين الخليجيين بتقديم طلباتهم الى وزارة
الزراعة العراقية لغرض تأجير هذه الأراضي، ولو لا المشاكل
الأمنية عندنا لكان عددهم كبيراً جداً، وفي كل الأحوال فان
الطلب على هذه الأراضي لغرض زراعتها سوف يكون واسعاً سواءً
من قبل المستثمرين الخليجين او غيرهم من المستثمرين
الاجانب، فضلاً عن المستثمرين العراقيين وهو ما يستدعي
التروي في اختيار عقود الاستثمار وصياغة شروط التعاقد على
الوجه الذي يضمن تحقيق أفضل المنافع للاقتصاد العراقي.
ولعل المسالة
الأساسية التي ينبغي تدارسها بدقة هي مستويات الإيجار لهذه
الأراضي، طالما ان هذه العقود مع الشركات الأجنبية تتصف
بالاجال الطويلة التي قد تصل الى أربعين عاماً طبقاً
لقانون الاستثمار الأجنبي الجديد. لذا ينبغي ان لا ينخفض
مستوى الإيجار هذا عما هو حاصل في الدول المجاورة او الدول
العربية حيث لا يقل مستوى الإيجار السنوي الواحد عن 25
دولاراً بخاصة بالنسبة للعقود التي تشترط زراعة الجت
والبرسيم، وذلك في سبيل ضمان الحصول على موارد مالية مجزية
لميزانية الدولة، ولان آثار مثل هذه الاستثمارات تكاد تكون
محدودة على الاقتصاد العراقي. حيث انها لا تساهم في تشغيل
عدد كبير من العراقيين، كما لا تنطوي على توفير منتجات
زراعية مهمة للسوق المحلية، ولان الغرض الرئيس للمستثمرين
منها هو انتاج الجت والبرسيم بقصد ارساله الى مؤسساتهم
الإنتاجية في دولهم.
ومن الممكن تخفيض
مستويات الايجار هذه حينما يكون الغرض من استغلال هذه
الاراضي هو زراعة الحبوب او المحاصيل الصناعية او أية غلة
ضرورية للسوق العراقية.
على ان هذا التوجه
نحو رفع مستويات الإيجار لتلك الاراضي ينبغي ان لا يشمل
المستثمرين العراقيين من شركات او افراد، بل ينبغي ان تكون
مستويات متهاودة بالنسبة لهؤلاء تشجيعاً للانتاج الوطني
بخاصة حينما تكون القطع المستأجرة صغيرة الحجم ولعل أسلوب
التدرج في أسعار الإيجار تبعاً لحجم المساحات المؤجرة يتيح
ذلك، وفي سبيل تحقيق التنوع في زراعة الاراضي الصحراوية
وتشجيع زراعة النخيل والفواكه تقترح ان تتضمن شروط التعاقد
على هذه الاراضي التزام المستثمر باحاطة المنطقة المزروعة
بسياج من النخيل والفواكه.
وان يمنح المستثمر
التسهيلات والمساعدات حينما يلتزم بتحقيق التكامل الزراعي
الصناعي عن طريق اقامة مصانع الالبان واللحوم ومحطات تربية
المواشي او الدواجن الى جانب زراعة الأعلاف او اية غلة
زراعية اخرى، لما لهذا النوع من الاستثمار من آثار ايجابية
مفيدة للاقتصاد العراقي.
والخلاصة هي ان
اراضي الصحراء الغربية هي رصيد المستقبل لاولادنا واحفادنا
فيما يتعلق بتوفير الأغذية والمنتجات الزراعية في
المستقبل، حينما تصبح الاراضي الصالحة للزراعة التي تتوفر
المياه العذبة شحيحة وربما نادرة، لذلك فحينما نتجه نحو
استثمارها في الوقت الحاضر ينبغي ان نضمن أكثر الفوائد من
عقود إيجارها، وان لا نفرط بها.
|