استراحة المدى

الصفحة الرئيسة للاتصال بنا اعلانات واشتراكات عن المدى ارشيف المدى
 
 

جسر في الحلةقبل تسعة قرون

بابل / مكتب المدى محسن الجيلاوي
الحلة بكسر الحاء وتشديد اللام .. تعني باللغة القوم النزول وفيهم كثرة واسم يطلق على اربعة اماكن اشهرها حلة بني مزيد ، ومؤسسها الامير سيف الدولة صدقة بن منصور بن دبيس المزيدي الاسدي عام 495 هـ - 1101م ، على ارض تسمى ( الجامعين ) وتشير المصادر التاريخية الى ان الجامعين كانت مدينة ( آهلة السكان واسعة الاطراف ، قبل ان تختط الحلة من لدن الامير صدقة ) . والان هي اسم يطلق على اقدم محلاتها واشهرها، وفي عام 545 هـ انقرضت الامارة المزيدية وعادت الحلة تحت الحكم المباشر للدولة العباسية .
شط الحلة الفراتي يقسمها الى قسمين يعرفان محلياً بـ ( الصوب الصغير والكبير ) وقد انشئت على الشط عدة جسور أقيم اولها عام 585 هـ حيث تم انشاؤه في زمن الخليفة العباسي الناصر لدين الله .
ذكره ابن جبير في رحلته .. من خلال وصفه مدينة الحلة ( والفينا بها جسراً عظيماً معقوداً على مراكب كبار ، متصلة من الشط الى الشط ، تحّف بها من جانبها سلاسل من حديد ، كالاذرع المفتولة عظماً وضخامة ، تربط الى خشب مثبت في كلا الشطين ، تدل على عظمة الاستطاعة والقدرة . أمر الخليفة بعقده على الفرات ، اهتماماً بالحجاج واعتناء بسبيله وكانوا قبل ذلك يعبرون في المراكب ) .
ولأهميته العسكرية والاقتصادية اهتم به العثمانيون عند احتلالهم البلد ، اذ هو المعبر الوحيد ، فوضعوا قوة من رجال الخيالة لحراسته وكانت هناك تعليمات لا تسمح للسكان باستخدامه ليلاً وحتى صباح اليوم التالي لأسباب امنية تتعلق بحركة الجند وموظفي الحكومة بين جانبي المدينة .
وقال د . علي هادي المهداوي / كلية التربية بابل :
(يعتبر هذا الجسر من ابرز معالم مدينة الحلة ، وتعليمات السلطات العثمانية الغرض منها اخذ الاحتياطات المسبقة حتى لا يقع تحت سيطرة القوى المحلية او الخارجية المعارضة للسياسة العثمانية )، ووصفه الرحالة الفرنسي نيبور عام 1765م انه جسر رديء يقوم على 32 عوامة ( قارباً ) ، بينما اشار له الرحالة بارسنزر عام 1774م بالقول : ( هو جسر واسع كجسور بغداد يطفو على 29 قارباً ، مثبتة بسلاسل منفردة ، ويبلغ عرضه خمسة اقدام ، لكن ارضيته مفروشة بالقش بدلاً من الحصى ) .
اما الرحالة بورتر فقد ذكره عام 1818م ( انه يربط جانبي الحلة الشرقي والغربي ، ويطفو على 36 عوامة ).
وفرضت السلطات العثمانية ضريبة ( رسوم مرورية ) على كل من يعبر عليه ووفرت لها موارد مالية بلغت اكثر من ( 79046 ) قرشاً من المدة (1886
– 1887م ) كما جاء في جريدة الزوراء الصادرة في 10 جمادي الاول 1303هـ .
وكان الجسر يتعرض بين فترة واخرى الى اضرار سببها عدم الادامة وسوء الاحوال الجوية كالعواصف والرياح فتقتلع بعض أجزائه .. مما يضطر المواطن الى عبور الشط سباحة او بواسطة ( القفف ) .
وقال : الاستاذ عدنان سماكه الباحث في التراث الحلي :
( ان جسر القوارب .. الذي سمي فيما بعد بالجسر الخشبي موقعه كان قرب بناية بلدية الحلة الحالية وكان قائماً على ( دوب ) ومثبتاً بالحبال من الجانبين ) .
وهناك حادثة مازال كبار السن يتذكرونها .. في احدى المرات انقطعت حبال الجسر مما ادى الى ( تفككه ) واصبح عائماً في مياه الشط . وان امرأة كانت على احدى (الدوبات) فاستطاعت الوصول الى الضفة الثانية (محلة الوردية) في حين ظل زوجها على ( دوبه ) اخرى سابحة يدفعها الماء والزوجة تنادي الناس بأعلى صوتها طالبة المساعدة لأن زوجها لا يعرف السباحة : فأجابها الزوج بأن تذهب الى البيت وانه سيعود وعندما قالت له متى ؟ قال : عندما تقف ( الدوبة ) ، واوصاها بالعيال وبذمته بعض المال لفلان وعليها ان تسدده اذا لم يعد حتى لا يبقى بذمته دين يحاسب عليه يوم القيامة .
(واصبحت ظاهرة هروب الجسر من وسطه ) حالة مألوفة كما يسميها الحليون وفي كل مرة يلحقون به عند منطقة الفارسي ويعاد الى مكانه وسط مباهج الفرح ويفك الجسر من منتصفه في ايام محددة ومعروفة وذلك لعبور السفن الصغيرة التي كانت تنقل البضائع بين مدن نهر الفرات ، وكان يفك ويفتح على الصوب الكبير، وما قاله العلامة يوسف كركوش في كتابه تاريخ الحلة ( من اهم الاعمال العمرانية التي قام بها السيد عبد الجبار الراوي عندما كان متصرفاً للواء الحلة 26 / 7 /1937
– 13 / 12 / 1939 ، هو بناء جسر ثابت بدلاً من جسر القوارب الذي كان في وسط الحلة لعبور المارة والدواب ولمرور السيارات الخصوصية وقد شكا الاهالي منضيق الجسر الذي لا يفي بالغرض بسبب الازدحام والانتظار طويلاً للسير عليه والعبور الى الجانب الاخر) .
انه الجسر الحالي الواقع قرب مصرف الرشيد والذي يسميه الحليون بـ ( الجسر العتيق ) وقال الاستاذ عدنان سماكه :
( حينما انشئ الجسر اقيمت الاحتفالات واطلقت الزغاريد ابتهاجاً بهذا الانجاز الكبير وكانت بعض العوائل تتناول الطعام وتشرب الشاي على الجسر ليلاً .. وقد انار الجسر الاستاذ المحامي الشاعر محمود الهلالي مدير البلدية بمصابيح كهربائية عديدة ) ، وتعاقب على تنظيم عبور الجسر اشخاص عديدون اشهرهم المرحوم محمد الجسّار اذ مازال الحليون يتذكرون صوت صفارته .. وهو الان مخصص لعبور السابلة فقط وافترش الباعة ارضيته التي لا تزيد عن ثلاثة امتار ، ما جعل السير عليه صعباً واصبح مشكلة ازلية لا يقدر على حلها أي مسؤول يأتي الى الحلة ..!! رغم الشكاوى المستمرة من قبل المواطنين
وفي لقاء مع المهندس ماجد سليم مدير طرق وجسور بابل قال :
( نحن وضعنا ضمن خططنا المستقبلية انشاء جسر مكان الجسر القديم لفك الازدحام المروري الذي تعاني منه المحافظة وهذا يتطلب تنسيقاً مع مديرية التخطيط العمراني لدراسة الرقعة الجغرافية للمدينة من جهة وتحديد المفترقات والتقاطعات المرورية الجديدة ) .
فهل يصبح جسر القوارب الذي انشأه العباسيون قبل ( 841 سنة ) جسراً عصرياً ضمن خطة الاعمار التي سمعنا عنها وقرأنا في الصحف كثيراً.


صباحات

جمال كريم

صباح الحرية بغداد، والمتنبي الشاعر، يذبح في قضائك مرة اخرى! صباح بلا حرية حقيقية تملأ اجواءنا، ليس بصباح يا بغداد، فاليوم سيكون فيه غائماً، حطام راس شاعر مازال يملأ الدنيا ويشغلها اليوم، بهكذا صباح سيفقد معناه وسيكون بلا شهية للاستمرار والتواصل والبقاء. الحياة ستتنازل عن بهائها وجمالها، حين يطال بعض مقومات وجودها، كالحرية والامن والسلام، المسخ والتشويه.
الصباح سيفقد شهوته للاشراقة الأولى، حين لا يأمن طريق الأطفال الذاهبين الى مدارسهم أو العمال وهم يعرضون عرق جبينهم في (مساطر) تجمعاتهم، أو الموظفين القاصدين مؤسساتهم. الحرية التي مازلنا نبحث متعطشين، لمعانيها الإنسانية النبيلة ليست هي الكلمة الحلوة التي يتغنى بها لاعبو الالفاظ البارعون في الدهاء والمناورة لتبقى مجرد قيمة محصورة بجغرافيا الرؤوس لا حيز الواقع الملموس في بيوتنا ومدارسنا وجامعاتنا ومؤسساتنا. هذه الحرية التي نريد مفتاح لمغاليق وقيود كثيرة اوصدت نفوسنا وعقولنا وثقافتنا. الحرية التي نريد، تتطلب منا العمل والتضحيات، فضلاً عن الوعي والثقافة بقيم حياتنا الجديدة، واشاعة ثقافة الحوار واحترام صوت الآخر، بعيداً عن ذهنية الالغاء واقصاء الآخر مسبقا قبل ان نرى أو نسمع أو نقرأ، أو نصغي، ثم لنتقبل أو نرفض أو نزيح هذا الرأي أو ذاك، لا ان ننسف أو نفجر حد الموت الآخر، صوتا وحياة. الحرية ببساطة محض اصرارا يكتبه الإنسان


ريجيم العصر الحجري افضل الوسائل للتخلص من السمنة

اعداد المدى
السمنة مرض المجتمعات الحديثة ولم تعان منها المجتمعات البدائية.. هذه حقيقة أكدتها الدراسات العلمية، ونموذجها الواضح قبيلة شهيرة للهنود الحمر قسمها خط رسم الحدود بين أمريكا والمكسيك الى قسمين، وبعد عدة عقود من الزمن كان القسم الذي يعيش في أمريكا يعاني من أعلى نسبة سمنة في العالم، فيما ظل القسم المكسيكي على حاله من الرشاقة وعدم امتلاء الجسم. والتفسير الذي ذكره العلماء هو استعمال القسم الأمريكي لأساليب الحضارة الحديثة في الغذاء والوجبات السريعة الغنية بالدهون والنشويات مما أدي الى سمنة مفرطة، بينما تمسك القسم الآخر بعاداته الغذائية التقليدية. وهذا يثبت أن السمنة ليست فقط في الجينات والاستعداد الوراثي، بل أنه هناك دورا كبيرا للبيئة وأسلوب الحياة.
وهناك حيوانات تظل تأكل طوال اليوم بفطرتها الطبيعية ولا تعاني من السمنة. ويقول علماء الحيوان أن الغوريللا لا تقرع على صدرها وهي تزأر كما تظهرها السينما لسبب بسيط، هو أنها لا تجد وقتا لذلك فهي تمضي الوقت في الأكل فقط ومع ذلك لا توجد غوريللا سمينة.
واذا طبقنا هذا النظام على الانسان نجد أن فطرته الطبيعية في الغذاء كانت تدعوه الى أكل الثمار المتساقطة من الأشجار، والخضراوات الطبيعية، ولحوم الحيوانات التي يصطادها. لم تكن هناك مطاحن للدقيق أو أفران لخبز العيش، ولا مصانع للسكر والحلويات المختلفة. كان يحصل على الطاقة اللازمة لحياته من الأغذية الطبيعية التي تستهلك بالكامل في هذه العملية. ثم عرف الانسان زرع الحبوب والبقول ثم طحنها وفصل دقيقها عن باقي مكوناتها وخبز العيش، ثم صناعة السكر بعد ذلك بزمن طويل، وهكذا أصبح لديه مصدر سريع للطاقة، فلا تستهلك الطاقة الموجودة في مكونات الغذاء الأخري التي أصبحت تختزن في الجسم على هيئة دهون. ومن هنا جاءت كارثة زيادة الوزن والسمنة لانسان العصر الحديث. ومن هنا يرى العلماء أنه لا حل لمشكلة السمنة الا بالعودة للحياة الطبيعية، والحصول على الطاقة من الأغذية الطبيعية الموجودة في البيئة دون تعديل كبير.
ولقد وجد العلماء أن انسان العصر الحجري (الباليوسي) كان صيادا وجامعا للثمار في وقت واحد، مما يعني أنه كان يأكل لحوم ما يصطاد من حيوانات، وأيضا فواكه وثمار مما يجمعه، وبالطبع الأوراق الخضراء الصالحة للأكل، ويشرب كثيرا من الماء. وهو ما كان متسقا من قدرات أعضاء الجسم، وكافيا لاحتياجاته العضوية بطريقة مناسبة.وعندما يتبنى الانسان طعاما يماثل طعام الانسان الأول، فانه يحمي نفسه من أمراض السمنة الناتجة عن التغذية العصرية وتوابعها مثل مرض ضيق الشريان التاجي للقلب، والسكتة الدماغية ومرض البول السكري وتآكل مفاصل الركبتين، وارتفاع ضغط الدم وغيرها، وأيضا مرض هشاشة العظام -وهو واحد من أوبئة العصر الحديث - حيث أن الخضراوات تحتوي على كثير من الكالسيوم. وجدير بالذكر ايضا أن التقليل من استعمال ملح الطعام (وهوآفة غذائية حديثة نسبيا) سيؤدي بالتالي الى التقليل من فقد الكالسيوم في البول. والحقائق العلمية تؤكد أن نسبة الكالسيوم وكثافة العظام كانت أكبر في الهياكل العظمية للانسان القديم. ولاحظ العلماء أيضا عدم وجود علامات لاصابة أطفال الانسان القديم بمرض الكساح الناتج عن نقص الكالسيوم وفيتامين دي ويرجع العلماء زيادة نسبة هذا المرض بعد التمدن والتصنيع الى تثبيط امتصاص الكالسيوم بواسطة مادة موجودة في الحبوب التي كثر استخدامها كطعام في العصور الوسطى وليس لقلة التعرض للشمس والتي تؤدي الى تكون فيتامين د في جسم الانسان.
وفي العشرين سنة الماضية كانت الحكمة التقليدية في التغذية تضع الغذاء الغني بالنشويات والقليل في الدهون كطعام كامل، مع التقليل من أهمية تناول كميات كبيرة من البروتين باعتبارها خطرا على الصحة. لكن الأبحاث المتطورة أعطت أدلة قوية على أن الطعام البروتيني في الحقيقة هوالغذاء الذي تطور عليه الجنس البشري في مراحله الأولى. وأدي هذا الى تغير الصورة مؤخرا بحيث يوضع في الاعتبار أن الغذاء عالي البروتين منخفض المواد النشوية والسكرية، والغني بالخضروات والفواكه قد يكون الأكثر مناسبة للجنس البشري.
وفي دراسة حديثة ظهرت أدلة على أن الانسان الأول
الصياد جامع الثمار كان يتناول طعاما يتكون في المتوسط من نحو 50% من الطعام الحيواني. ويتفق ذلك مع حقيقة أن الكيمياء الحيوية لجسم الانسان تتوافق مع تلك التي لجنس القطط (بما فيها من أسود ونمور) في اعتمادها على المكونات الغذائية الماخوذة من أطعمة حيوانية، حيث لا يمكن لجسم الانسان أن يصنعها من الأطعمة النباتية مثل بعض الأحماض الأمينية.
من أمثلة ما تحتوي عليه القائمة الطبيعية أو ما يسمى بريجيم العصر الحجري: البروتينات الحيوانية مثل اللحوم الحمراء، والبيض، والدواجن، والأسماك، والفواكه مثل التفاح، والبرتقال، والكمثرى، والموز، والفراولة وغيرها، والخضروات الورقية مثل الخس والجرجير والفجل، وأيضا الكرنب والقرنبيط والطماطم والخيار والبصل، وخضار الطبيخ، وزيت الزيتون، كما تحتوي القائمة على المكسرات مثل البندق واللوز وعين الجمل. مع شرب كثير من الماء. ويمكن اضافة الحبوب الكاملة وخبر القمح الكامل. لكن القائمة لا تحتوي على أغذية يدخل في تركيبها ما اصطلح علي تسميته بالسموم البيضاء، ونقصد بها هنا السكر، والدقيق الأبيض، والملح، كما لا يدخل فيها منتجات الألبان.


دم شاعر

اعداد/علي جعفر

جاء في مسامرات ابي حيان الليلية مع الوزير ابن سعدان في ليلته السابعة والعشرين، ان الوزير قال: كنت احب كلاما في كنه الاتفاق وحقيقته، قانه مما يحار العقل فيه، ويزل حزم الحازم معه، واحب ايضا ان اسمع حديثا غريباً فيه، فكان من الجواب: ان الرواية في هذا الباب من الاطلاع على سره، والظفر بمكنونه، فقال: هات ما يتعلق بالرواية، قلت: حكى لنا ابو سليمان في هذه الأيام ان ثيود سيوس ملك يونان كتبالى كنتس الشاعر ان يزوده بما عنده من كتب فلسفية؛ نجمع ماله في عبيه ، وارتحل قاصدا نحوه، فلقي في تلك البادية قوما من قطاع الطرق، وطمعوا في ماله وهموا بقتله، فناشدهم الله الا يقتلوه وان يأخذوا ماله ويخلوه، فابوا، فتحير ونظر يمينا وشمالا يلتمس معينا وناصرا فلم يجد، فرفع راسه الى السماء، ومد طرفه في الهواء، فرأي كراكي تطير في الجو محلقة، فصاح ايتها الكراكي الطائرة، قد اعجزني المعين والناصر، فكوني الطالبة بدمي، والاخذة بثاري، فضحك اللصوص،وقال بعضهم لبعض: هذا انقص الناس عقلاً، ومن لا عقل لا جناح في قتله، ثم قتلوه واخذوا ماله واقتسموه وعادوا الى اماكنهم؛ فلما اتصل الحديث باهل مدينته حزنوا واعظموا ذلك، وتبعوا اثر قاتله واجتهدوا فلم يغنوا شيئا ولم يقفوا على شيء، وحضر اهل اليونان واهل مدينته الى هيكلهم لقراءة التسابيح والمذاكرة بالحكمة والعظة وحضر الناس من كل قطر وصوب، وجاء القتلة واختلطوا بالجمع، وجلسوا عند بعض اساطين الهيكل، فهم على ذلك اذ مرت كراكي تتناغى وتصيح، فرفع اللصوص اعينهم ووجوههم الى الهواء ينظرون ما فيه، فاذا كراكي تصيح وتطير وتسد الجو؛ فتضاحكوا، وقال بعضهم لبعض: هؤلاء طالبو دم كنتس الجاهل- على طريق الاستهزاء- فسمع كلامهم بعض من كان قريبا منهم فأخبر السلطان فاخذهم وشدد عليهم، وطالبهم فأقروا بقتله، فقتلهم؛ فكانت الكراكي المطالبة بدمه، لو كانوا يعقلون ان الطالب لهم بالمرصاد.


حكاية الطنطل!

عمران السعيدي

تغيب الشمس وتهدأ النفوس ببعض نسمات باردة من اماسي تموز وهي تضرب ملابسنا الندية بالعرق الذي يجف تدريجيا ويحول أطراف الدشاديش الى لون أبيض. يصيح الوالد من بين غابة التوت والصفصاف بعبارته المعروفة: "روحوا.. روحوا... يابه.. الصباح رباح..." ويعني بذلك ان اتركوا العمل ليرتاح الجميع استعدادا لمسيرة العودة الى الدار على الشاطيء الهاديء بقافلة تضم العديد من الحمير والخيول والأبقار سالكة دربها اليومي مع مجموعة (الحواشيش) والرعاة كل في اتجاه بيته بعد نهار تموزي مهلك بالعمل الجاد.
يصل الجميع الى القرية وتهجع النفوس لدى كبار السن ويتناول اكثرهم الفراش مبكرين بعد وجبة عشاء بسيطة. اما نحن الصبية المشاكسين والمحبين للهو والسهر في درابين قريتنا برغم التعب نخرج إلى الدروب الترابية المزروعة باعمدة الخشب ذات الفوانيس النفطية في نهاياتها التي يأتيها عصر كل يوم الحاج (أحمد ابو الفوانيس) قبل مغيب الشمس ويبدأ بانزالها واحدا بعد الآخر وينظف زجاجها المعتم بخرقة بيضاء ويزيد نفطها اذا كان ناقصا ثم يشعلها ويعيدها الى مكانها باستخدامه السلم الخشبي. وهكذا الى ان ينتهي منها جميعا، كنا نحب العم احمد كثيرا لانه يضيء لنا دروب القرية الترابية.
كنا نجتمع تحت عمود امام باب دارنا كل ليلة تقريبا مجموعة من الأولاد ويأتينا شاب اكبر منا سنا ونحبه كثيرا ويدعي (دهيج) ولكن اسمه الحقيقي هو (محمد بن عمره)، يجلس وسطنا ونلتم حوله وهو من النوع الأبرص ولهذا سمي بـ (دهيج) ويحكي لنا قصصا خرافية جميلة من نسيج خياله تشدنا له ويترك حكاياته كل ليلة دون تكملة لكي يجعلنا في شوق لتكملتها في الليلة التالية وكأنها مسلسل تلفزيوني.
وكان كثيرا ما يحدثنا عن (الطنطل) الشخصية الخرافية وكان يذكره بأنه اطول من النخلة (العيطه) وله اوجه كثيرة وحركات غريبة حتى يجعلنا نحلم به وبمطاردته لنا بين الدرابين وعبر البساتين.
كنا نذهب الى مدرسة ابتدائية تبعد عن قريتنا مسافة قصيرة ونمر في الطريق اليها خلال بساتين كثيرة من النخل والعنب والبرتقال. كان هذا في العام 1956 وشاءت الصدف أن تنهال علينا بعض الاحجار من قمة احدى شجرات النخيل العالية المطلة على السدة المؤدية الى تلك المدرسة.
كان ذلك اثناء غياب الشمس حين يبدأ الظلام يغطي تلك السدة. نهرب منها بعيدا ويأخذنا الرعب متناثرين بين ممرات البستان المجاور تكررت الحالة عدة مرات بعد ان شعر اهالونا بالخطر وبأن هناك رعبا لدى الأبناء الذين امتنعوا عن الذهاب الى المدرسة. وحين نعود الى مجلس (دهيج) ونذكر له ما حدث يقول لنا وبكل هدوء: (هذا يمكن الطنطل)! وتستمر الحال يوميا ونحن في خوف شديد من تلك النخلة العالية حتى صرنا نبتعد عنها كلما اتجهنا صوب المدرسة. خافت القرية كلها من هذا (الطنطل) وقرر حارس البستان (عجيل) الجريء الذي لايخشى ظلاما او لصوصا او حتى الخنازير البرية التي كانت تأتي من دجلة ان يواجه (الطنطل) المرعب ببندقية صيده (الكسرية).
جلس خلف كومة من الحلفاء والكبر ونبات العليق (العلكة) الشوكي. ثم يأتي الظلام ويمر الاطفال عائدين من مدرستهم على السدة وتنهال عليهم الحجارة وبسرعة من قمة النخلة (العيطه) ويبدأ الصراخ والهرب في كل اتجاه. يصوب (عجيل) فوهة بندقيته نحو قمة النخلة ويطلق اطلاقة ويهبط من النخلة جسم بشري بدشداشة سوداء الى الارض ويحدث ضجة كبيرة فوق اكوام الحطب والحشائش الكثيفة. يتراكض الناس وعجيل والاطفال نحو هذا الجسم الغريب وحين الوصول يفاجأ الجميع بأن (الطنطل) هو (محمد بن عمره.. دهيج) صديقنا ومحدثنا المحبوب بقصصه الرائعة حول (السعلوة والطنطل). يقع (دهيج) مضرجا بدمه الذي غطى وجهه الأبرص واطراف ثوبه البسيط وهو بلا حركة حيث جاءت اطلاقة الصيد متناثرة على وجهه مباشرة، اودت بحياة صديقنا وسلوة امسياتنا... حمله الرجال الى دار امه العجوز وهي الوحيدة في بيتها الطيني البائس.
وفي اليوم التالي تتم مراسم دفن الصديق العزيز (دهيج) في مقبرة الدورة القريبة من دورنا واذكر كيف نقله المشيعون على الاكتاف فوق مجموعة من جرائد النخل مربوطة مع بعضها ومغطاة بقطعة قماش متواضعة ويسمي اهل القرية هذه النقالة بـ (الشريجة). انزله الدفان الى داخل القبر بكل الم والدموع تغطي وجوه الجميع وخاصة نحن الاطفال فقد أحببناه كثيرا لطيبته ومعشره الطيب ومساعدته لكل من يطلب منه العون فكان (يفزع) برغم ضعف بصره نهارا. غاب (دهيج) تحت اكوام التراب وغابت معه حكاياته الجميلة التي لا نزال نذكر بعضها الى اليوم ونبتت عند قبره شتلات من الحرمل.


نصب وتماثيل: الرصافي 1875- 1945

بغداد/علي ياسين
يقف الشاعر الغني عن التعريف، معروف عبد الغني الرصافي، اليوم، تمثالاً اصفر فاقعاً! في احدى ساحات بغداد من شارع الرشيد، وسط فوضى الازدحامات الخانقة من الناس المارة والسيارات. وزعيق واصوات باعة خلف (مسطبات) قوت المعيشة، يقف بعينين بروزنزيتين جامدتين، لا ترى ما يحدث في الساحة وما حولها، من هرج ومرج ونفايات مخلفات المحال التجارية مع افول النهار. الرصافي، إضافة الى كونه شاعرا كبيراً، له مؤلفات في اللغة وعلومها، فضلاً، عن مخطوطته (الشخصية المحمدية) التي حققت وطبعت مؤخرا في كتاب يحمل العنوان نفسه عن دار الجمل في ألمانيا. التمثال، اذاً في تلك الساحة الصاخبة والتي لم تكن كذلك مطلقا، حين انتصب الرصافي تمثالا عام 1970 ببراعة يد أبدعته قدرة الفنان اسماعيل فتاح الترك، صنع التمثال من مادة البرونز وبطول (3.50) متر، وقد صبت قوالبه في مصهر بشارع الشيخ عمر وسط العاصمة بغداد. ويعد هذا العمل النحتي البديع الأول الذي تم انجازه في بغداد من حيث الصهر والصب، بعد ان كانت اغلب اعمالنا النحتية البارزة في هذا الفن، تسفر الى مصاهر في مدن اوربية وبخاصة مصاهر ايطاليا. الرصافي الذي ضم ديوانه الشعري (ديوان الرصافي) الكثير من القصائد الوطنية الخالدة التي تغنت بالعراق، يعاني الاهمال والاساءة ليس لشخصه فحسب، بل للشعرية العراقية ومكانتها الريادية في الشعر العربي الحديث، فالشاعر مثلما عاش اغترابا واقعياً وحقيقياً طوال سنوات حياته، يعيش الان الاغتراب نفسه في ساحته المختلفة التي كلما حاولت ان تتنكر له وتنساه، تذكرته أكثر!


النكتة هل هي ضرورية ام ماذا؟

بغداد/احمد عبد القادر

النكتة فن يعبر عن ذكاء منقطع النظير، وأجمل النكات هي التي تجعلنا نضحك من القلب، لما فيها من طرافة وضربة حادة لا يتوقعها السامع، ولو تصفحنا كتب التراث لرأينا الكثير منها يروي طرائف باسلوب ساخر يدهش القاريء ببراعته، وعمق مغزاه.
والنكتة، او النادرة، او الطريفة، لها صانعوها، وقد اشتهروا بها، فمن هؤلاء اشعب الطماع، وأبو نؤاس وجحا الرومي، وفي العصر الحديث كثيرا ما تروى نكات عن اشخاص قد لا يكونون صناعها، لكن لاسمائهم وما يلصق بها من افعال، دلالات توحي للسامع بانهم اصحابها كالنكات المنسوبة الى سعدي الحلي، فما ان يسمع المتلقي بهذا الاسم حتى تسبقه الضحة لأنه يتوقع نادرة غير عادية عن هذا الشخص الذي قد لا يكون مرتبطا بالنكتة في واقع الأمر.
ومن اجل معرفة مدى اهتمام الناس بالنكتة التقنيا عددا منهم وسألناهم عن النكات المفضلة لديهم؟ وهل يستمتعون بها؟ فكان اول المتحدثين السيد مزهر، وهو رجل مثقف له قراءات طيبة في الأدب والفن فأجاب:
انا اعشق النكتة، ولاسيما السياسية منها، وفي زمن النظام السابق، كنا نجلس ـ أنا وبعض الاصدقاء ـ وكان أحدنا فنانا في القاء النكتة، وخاصة السياسية، ولم ندر من اين يأتي بنكاته، فما ان يبدأ بنكاته حتى يضج المجلس بالضحك، وكان بطل نكاته في أغلب الاحيان هو عزة الدوري الذي تصوره النكات شخصا لا يحل ولا يربط، انما هو شخص تابع لمولاه، الذي يتحكم به، ويذيقه من السخرية الوانا، ولا اكتمك سرا، اننا كنا نتحفظ في الكلام، حين يدخل شخص لا نثق به، فقد يسجل ما نقوم به ويوصله الى الجهات الأمنية، وعندها نذهب الى حيث لايدري بنا أحد.
الطالبة الجامعية ـ براء ـ خفيفة الظل، دائمة الابتسام، سألناها عن مدى حبها للنكتة، وأي النكات تفضل، اجابت: انا اعشق النكات الاجتماعية الخالية من الابتذال، فحين أجلس مع زميلاتي في نادي الكلية تبدأ احدى زميلاتنا برواية الطرائف التي تجعلنا نضحك بصدق وعفوية، وهي فنانة ماهرة في الحديث، وهي على كثرة ما ترويه من نكات، لم يزل لسانها يوما بقول فاحش او بذاءة مما جعل الجميع ـ وحتى المتحفظات ـ يأنسن الى مجلسها وحديثها.
اما السيد عبد الفتاح فحين سألناه عن النكات، وأيها يفضل اجاب: انا رجل جاد في حياتي، عشتها مريرة شاقة، فالتجأت الى الكتب الدينية، أقرأ منها ما يصلح دنياني وأخرتي، وقد قرأت حديثا او قولا مأثورا يقول (الضحك يميت القلب) لذلك انا لا اضحك الا قليلا جدا، فمن الصفات المعروفة عني هي أني عبوس، حتى سمعت من احدهم، ان الناس يلقبونني (ملك الموت) الذي لا يضحك ابدا كما جاء في قصة الاسراء والمعراج، لذا انا امقت النكات وقائليها وسامعيها لانها تعبر عن سفاهة هؤلاء، ومدى ابتعادهم عن المعنى الحقيقي للحياة، الا وهو الجد والعمل الدؤوب، وقد فرضت على عائلتي نظامي الصارم، حتى اصيبوا بالعدوى، فزوجتي كئيبة، واطفالي متجمهون، وهذا ما يبعث الراحة في قلبي.
واخيرا، التقينا الطبيب النفسي ـ قاسم ـ وسألناه عن العلاقة بين النكتة والانسان فأجاب: الانسان السوي هو الذي يستجيب لجميع المشاعر الانسانية، فهو يحزن في الحالات الموجبة للحزن، ويضحك ويبتسم في مواطن الفرح ومسبباته، وهنالك معادل موضوعي بين الفرح والحزن، والضحك والبكاء، فطغيان حالة على اخرى هو نوع من المرض النفسي، لذا، نرى نحن الاطباء ان الكآبة الدائمة مرض يجب ان يعالج، والضحك الدائم هو نوع من البلاهة المعبرة عن خلل في التركيب البشري. وأنا أرى، ان الانسان العراقي مر بأهوال ومصائب لا تحصى جعلت منه كائنا سوداويا يحتاج الى التنفيس عن مثبطاته المتشابكة بالنقيض لما عاناه، اي انه يحتاج الى النكتة، والاغنية المفرحة، والهواء النقي في الساحات المفتوحة والحدائق النظيفة.
لذلك فأنا اقدم لمرضاي المصابين بالكآبة وصفة يعدها بعض الزملاء غير نافعة الا وهي مشاهدة المسرحيات الكوميدية، وسماع النكات، والأغاني الخفيفة، وقد شفي الكثير من مرضاي بهذه الوصفات بعد ان اتخمهم أطباء آخرون بالادوية حد الثمالة.

 

 

للاتصال بنا  -  عن المدى   -   الصفحة الرئيسة