المدى الثقافي

الصفحة الرئيسة للاتصال بنا اعلانات واشتراكات عن المدى ارشيف المدى
 
 

رواية عنوانها (شبيه الخنزير)*

عبد الستار ناصر
منذ وقت بعيد، لم أقرأ عملاً روائياً عربياً بمستوى " شبيه الخنزير"، ولو كان مؤلفها وارد بدر السالم في بلد أوروبي أو أمريكي، لصار اليوم من أصحاب الملايين، كما حدث مع فرانسوا ساغان ودان براون وغيرهما ممن حصل على المجد والمال من أول كتاب نشروه، لكن حظ الكاتب العربي (والعراقي بخاصة) لا يزال أدنى في حدود المقبول.
هذه الرواية تجعل من الفانتازيا أمراً ممكناً، بل يقنعك المؤلف أن هذا اللامعقول قد حدث فعلاً في أهوار العراق عندما يتغير بطل الرواية " لازم " من ملامحه البشرية الى شبيه بالخنزير، ويا لها فضيحة بين بقية العشائر لا يمكن السكوت عليها.
عندما ظهرت (المسخ) للروائي الكبير فرانز كافكا، كتبوا عنها مئات الدراسات والمقالات النقدية وترجموها الى لغات العالم كلها، ذلك أنها ظهرت في المكان الصحيح للقراءة والزمان الصحيح أيضاً، بينما " شبيه الخنزير" قد تمر مرور الكرام عند القراء العرب دون أن يلتفت أحد إليها، ذلك أن عصر القراءة (عربياً) يوشك أن ينطمر تحت هالة التلفزيون والفضائيات وأخطبوط الأنترنيت، وهي بحق رواية لا تقل شأناً عن مسخ كافكا وعن رواية (العطر) للروائي الشاب " باتريك زوكيند".
سأعترف بأنني حزين على مصير المبدع العربي، لا فرق بين مصيره البائس في بغداد أو مصيره في القاهرة وعمّان وبيروت ودمشق، والزمن الذي جاءت فيه رواية مهمة مثل " موسم الهجرة الى الشمال " للطيب صالح، ليس هو نفسه الذي نحن فيه الآن، وإذا ما سألنا عن كمية النسخ التي تباع من أفضل أعمال نجيب محفوظ فهي - باعتراف أصحاب دور النشر وباعة الكتب - لا تزيد على خمسمائة نسخة في مصر كلها، مع أن عدد سكانها تجاوز الأربعة وسبعين مليون نسمة، فماذا ترانا سنقول عن بقية المؤلفين من روائيين وشعراء وكتّاب قصة قصيرة ؟
رواية " شبيه الخنزير" تدور أحداثها في أهوار العراق في فترة لم يحددها المؤلف، وبرغم ذلك فهي خارج الزمن المعقول وخارج المكان المألوف، مع أنها تشير الى الحياة نفسها التي عاشها أبناء القرية داخل تلك الأهوار الممتدة على مساحات شاسعة من جنوب العراق، يوم حلّت عليهم اللعنة وصار أحد أبرز رجالاتها شبيهاً بالخنزير، ثم توشك أن تنسى لا معقولية الحدث، فقد تمكن وارد بدر السالم، صفحة بعد صفحة، من أن يقنعك بما جرى هناك بين البردي والدواوين والقصب الغاطس في أعماق المياه.
" انحشر الكلام في فمه الصغير وكان ينظر الى بوز والده المقزز والشعر النافر من أردانه والزبد المتجمع حول فمه المطاطي، فضايقه أن يبقى تحت الأنظار كل هذا الوقت، ولم يستطع الانفصال عما يجري هناك خارج الصريفة حيث بكاء النساء الذي لا يكف ونحيب أمه الموجع، فنهض هارباً مرتعشاً كسعفة مبلولة، شاقاً الحشد البشري، كالمطارد ليرى ما لم يره أحد منذ سالف الزمان، وهنا كان يحكي عن ابن الرجل الذي صار شبيهاً بالخنزير.. "ص 21 والمؤلف يشتغل على الجزء التحتاني الغامض من النفس البشرية، قال كلمته اللامعقولة بأسلوب معقول وحكى عن الواقع كمن يحكي عن شيء رآه، مع أنه في أقصى حالات الغرائبية، ودعونا نتذكر كيف بدأ فرانز كافكا روايته " المسخ " فهو يأخذنا الى الدهشة والسريالية من أول سطر في حكايته العجيبة حينما يصحو بطل الرواية ليجد نفسه وقد تحول الى صرصار كبير.
شخصيات وارد بدر السالم أمامك في كل شبر من أهوار العراق، سليمة " زوجة الخنزير" والشيخ شبوط والملاّ ناصر والسيد ياسر، وترى السادة والأجناب (الغرباء) والفقراء، لا شيء غريب هناك غير " لازم" الذي تحولت ملامحه الى خنزير (خنزير حقيقي) حيث تصل الرواية الى أقوى شوطها حين يأخذون لازم بشكله الممسوخ الى الإمام الطاهر طمعاً بشفاعته ورحمته وحكمته، فقد تمكن الكاتب من رسم المشهد على قسوته وصعوبته كما يرسم سلفادور دالي لوحاته العجائبية التي تبعث الدهشة الصاعقة في النفوس.
" تحول الصحن البشري الى مأتم جنائزي، واختلط البشر الهائجون على غير هدىً، وبصعوبة بالغة دخلنا الحضرة المعطرة، جررنا الخنزير الذي حرن مذعوراً، وكنا نزحف على البلاط المرمري وكأننا نرمي بأجسادنا على ماءٍ صافٍ تائهين في خضم الفضيحة، فأحاطتنا رائحة أثيرة كأننا في بستان من الجنّة وبهرت عيوننا أضواء ساطعة تنبثق من كل شبر في الحضرة، ومن خلفنا الألوف من الناس تهدر مستغفرة من ذنوب كثيرة وإن طوتها السنوات" ص62
إنها حكاية تنمو الى رواية ثم تأخذ حجم الأسطورة، كتبها - كما يقول الناشر - قدرٌ أعمى ونفّذها رجل متسلط وحملتها امرأة باسلة ورواها خنزير، مكانها أهوار العراق وزمانها دون زمان محدد، يمكنها أن تحدث في أي وقت يشاء فيه الشيطان أن يفعلها حتى يفرض سطوته وسلطته على البشر ويستخف بضعفهم الذي يبدو لهم (قوة) إذا لم تسقط الشدائد فوق الرؤوس.
قوة هذه الرواية تكمن في اللعب على وتر السياسة دون أن يكتب عن خفاياها وأسرارها الدفينة، فهو يقول في رواية ثانية له عنوانها (مولد عراب) هي جزء من الفكرة العامة لكتاباته:
- أي زمان هذا الذي جعلكم " تحبلون " كما النساء ؟
بينما نجد في " شبيه الخنزير" إشاراتٍ متفرقة يقول في واحدة منها:
- راحة البال نشتريها بفلوس...ص 88
أو قوله على الصفحة 119:
- كم كنا مغفلين، كم علينا أن نعترف بفداحة صمتنا!
لكنه يرفض أن يقترب من (شاهنشاهيات) القصور أو خبايا النفوس المتسلطة على رقاب العباد تذبح وتقتل وتطرد وتطارد البشر دون أي حق، بل تراه ينصرف الى عالم بعيد عن أصحاب القرار ويلعب لعبته الذكية خارج المصائب والقضايا التي يمكنها أن تعاقبه على ما يقول (ويكتب) حتى أنه أدخل آياتٍ من القرآن الكريم في شعاب روايته زيادة في صيانة وحماية نفسه من أي افتراض لاحق، وقد تمكن من إدهاشنا مرتين، الأولى حين كتب عملاً روائياً متميزاً، والثانية عندما علّمنا كيف نحترس وكيف نحرس أنفسنا من مزالق السياسة وطحالبها ومخاطرها الجسيمة، وما من شك في أن وارد بدر السالم عاش بدوره تجربة خطيرة رممت الفجوات الخبيثة في حياتنا العسيرة (جداً) وأعادت الأشياء المحروقة الى شكلها القديم قبل أن (تُمسخ) على هيأة خنزير، وقد أبدع في كتابة روايته حدّ أنني أتساءل اليوم عن المسافة التي قطعها بهذه السرعة صوب " شبيه الخنزير" التي أراها واحدة من بين أفضل الروايات العربية المعاصرة.
"شبيه الخنزير" عمل أدبي في أقصى حالات التكثيف، وكان يمكنه أن يجعل من هذه الرواية ما يزيد على ضعفها - كما يفعل العشرات من كتّاب الرواية - لكنه أمضى ما يقرب من أربع سنوات في كتابة 124 صفحة فقط، وكل صفحة يمكنها أن تكون ثلاثاً أو أكثر، ومن هنا ترى من غير الممكن حذف سطر أو كلمة، بل جاءت الرواية في صلب معناها ومضمونها وشكلها الذي يستحق كل إعجاب بما فعل المؤلف.
دون ريب، أنا أكن المحبة والاحترام لروائي بمستوى الراحل عبدالرحمن منيف "مثلاً" لكنني أستطيع حذف عشرات الصفحات من رواياته ذات الأجزاء الأربعة أو الثلاثة، وكذلك الحال مع صنع الله إبراهيم وبخاصة روايته " أمريكانلي" المحشوة بأخبار الصحف والمجلات، بينما الحال سيكون مختلفاً مع وارد بدر السالم، فهو يكتب الكلمة في جملة ما لتصبح سطراً لا يمكن حذف أي حرف من الصفحة كلها، بينا تراني أشطب على مئات السطور في أعمال كثيرة أخرى دون أن تصاب الرواية في البناء أو خراب في التسلسل أو المعنى.
الرغبة في تمديد أو إطالة بعض الروايات، عرفناها في أعمال عربية لم تحصل على الشهرة برغم الجهد المبذول في إطالتها، أجزاء وفصول تشكو من فراغ مؤكد أو حوارات سريعة هشة تأخذ عشرات الصفحات ولكن لا فائدة منها، وصارت بعض تلك الروايات تعود الى أصحابها تتراكم في صناديق مهملة بعد إن اكتشف القارئ أن طول الرواية لا يعني بالضرورة طول باعها أو باع مؤلفها، إنما محض كلام على كلام مربوط لا يجدي نفعاً وبإمكانك حذفه إن شئت ذلك.
ومن هنا، رأيت في " شبيه الخنزير" رواية لا تركض خلف موضة (النفخ) في الصفحات بلا جدوى، وهي على قصرها (كما هو الحال مع مسخ كافكا) قالت أشياء كثيرة جداًُ في صفحات قليلة جداً، وهي من نمط الروايات التي تُقرأ أكثر من مرة.
وهذا ليس بالأمر اليسير في زمن كهذا..

*شبيه الخنزير".رواية. وارد بدر السالم.منشورات مركز الحضارة العربية. القاهرة 2004


يوم للعمل الأدبي بريجيت كروناور تتسلم جائزة جورج بوشنر

ترجمة: سلمى حربه
بقلم: المحرر الأدبي لجريدة كولنر شتات أنتسايكر الألمانية
يمكن القول أن أعمال بريجيت كراناور قادرة على إعطاء صورة دقيقة للأدب الروائي الألماني باعتبارها واحدة من أبرز ممثليه، بأسلوب لا يمكن تغييره أو البحث له عن بديل.
تعتني رواية بريجيت كروناور بالدراما كثيرا بل هي تشكل دعامة أساسية لها، وهذا عامل مهم في جذب القارئ إلى متابعتها، لقد استغرق منها هذا الأسلوب وقتا طويلا كي تصل إليه،وهو يعتبر الان نوعا فريدا وفذا، دخل عالم الأدب الألماني برحابة وتقبله القراء لما فيه من متعة كبيرة يقدمها لهم
منذ عام 1985 بدأت الجوائز الأدبية وشهادات التقدير تنهال عليها اعترافا بأعمالها، لقد وصلت إلى كونها كاتبة رواية معروفة جدا وهي الآن تشرف على الخمس والستين عاما لتنال جائزة جورج بوشـنر التي تقدمها الأكاديمية الألمانية لتلك الأعمال الإبداعية المتميزة، وقد اعتبرت الأكاديمية لغتها ذات طاقات شعرية غنية إلى أبعد الحدود، وقيمة الجائزة40 ألف يورو، وفي عام 1989 حصلت على جائزة هنريش بول، وقد جاء في التقييم الذي بسببه قدمت الجائزة لها: إنها كاتبة مستعدة لأن تكون متميزة دائما وهي جديرة بأن تقف في الطليعة دائما.
الدافع الخلقي
لغة بريجيت كروناور الروائية فريدة من نوعها وهي شيء لصيق بها، يمكن القول أنها شاعرة الناس العاديين، شاعـرة الحياة العادية التي تسلط الضوء على احتياجات الناس وعوزهم، كل شيء هنا له نكهة واقعية، يهمها من الواقع أن تعرض التجارب الحسية بشكل درامي لكن على درجـة كبيرة من الضبط، وقد عملت على تصوير الظاهر والمكشوف بأبعاده كافة، ربما نستـطيع القول إنها كشفت عن جميع المسامات التي يتشكل منها جـسد الواقع، نرى في ذلك تقلبات الأحوال والهنات الإنسانية المحملة بالخطايا، والخبرات التي لا يمكن إغفالها.
أما بالنسبة للدافع الخلقي فإنه يشرق عندها بشكل فعال وشاف في اختيار المادة الروائية: الدافع الخلقي هو القناعة في أهلية الأدب للتدقيق في الكيان والوجود الإنساني وهو الديمقراطية، فهي عندها " أن نضع الحق في نصابه ".
في روايتها " مـناديل الورق " 1994 يتحدث البطل " فيلي فنكس " وهو صيدلي ينحدر من عائلة متواضعة في المواصفات الدارجة، ومن خلاله تسرد الكاتبة ذكرياتها بطريقة جديدة وفريدة من نوعها مستفيدة من أجواء الأساطير، إنها ذكريات تبحث في تغيير الإساءة والأذى للمبتذل والتافه.
تعامـلت بريجيت كروناور عام 1980 مع السيدة مولن بك وهي مصممة أغلفة كتب وكانت لهذه المرأة خير معين في دفعها للصعود في عالم التصميم.وكتبت مع ريتا موينسر
Rita Muenster كتاب تحرير الصمت وقد كتبت معها الجزء الأول من هذه الثلاثية التي تتكون منها هذه الرواية، وفي هذا الجزء عارضت وقاومت كل ما هو راديكالي تقليدي.
والكاتبة ذات إنتاج غزير ومتواصل، في عام 2004 إنتهت من كتابة روايتها " الشوق للموسيقى والجبال "، أسلوب هذه الرواية سهل للقارئ العادي رغم أنها إعتمدت الألعاب اللغوية وترادفاتها في العرض والتشكيلات التي تثري الى حد كبير موسيقى اللغة الداخلية منها والخارجية وذلك ما يزيد من تشويق القارئ لمواصلة تصدي كروناور للشر من خلال عالم لغتها الأصيل، ولا يمكن أن نغفل تأثرها بعصر جوته
Goete الكلاسيكي الذي يزخر بالكثير من خطابات السخرية.
سيرة بريجيت كروناور الذاتية
ولدت عام 1940 في مدينة " أسن " ونمت في " بوخوم " و" آخن ". درست علم النفس في جامعة كولن وآخن وعندما أنهت دراستها في عام 1971 أصبحت مدرسة في مدينة آخن ثم كوتنبرغ، انتقلت إلى مدينة هامبورغ عام 1974 وفيها احترفت الكتابة، وكان إنتاجها غزيرا في كتابة الروايات والمقالات الأدبية.
فازت بجوائز أدبية مهمة منها : جائزة فونتانا 1985. جائزة هنريش بول 1989. جائزة بريمر الأدبية 2003. جائزة ماس 2004 وأخيرا جائزة جورج بوشنرعام2005


عودة إلى الحروف والفن التشكيلي

أمل بورنز

استغرق الانسان وقتا طويلا جدا ليكتشف الكتابة ويحول ما ينطق به الى رموز واشارات مقروءة، ولكن ما ان اخذت الكتابة واقعا مترسخا رغم صعوبتها وقلة ممارسيها حتى فرضت نفسها على المجتمعات بصور عديدة متنوعة، اذ اخذت تسجل الفكر الاقتصادي والملاحمي والأسطوري والقانوني، والفترة شبه الكتابية في وادي الرافدين سجلت حضورا مهما للتخاطب برموز يفهمها ويعيها الانسان ولعبت هذه الفترة دورا مهما في بلورة الافكار
وتطورت الممارسات التشكيلية التي تبنت فكرة الرموز المعبرة عن فكر يسعى حثيثا ليكتب.
ففي فخاريات هذه الفترة اشارات واضحة تدل على فكر يريد ويتطلع إلى ان يتخاطب بطريقة اخرى غير شفاهية، والفخار واسطة تشكيلية مهمة جدا لكونها اكثر ديمومة وبقاء من اصناف اخرى، فلقد حدثتنا عن هذه التطلعات بوضوح ووصلتنا منها وثائق كثيرة تدلنا على هذا التطلع والرغبة بايصال الافكار المكتوبة.
البعد الكتابي في النتاجات التشكيلية كان واضحا، ففي الاختام الاسطوانيةاو النصب التذكارية او غيرها من اللقى في وادي الرافدين نجد الكثير من الكتابات المسمارية كما في شكل واحد(1) واذا حاولنا تحليل الشكل تشكيليا فاننا لا نجد ان الكتابة قد اقحمت على الموضوع بل نجدها مكملة له وتزيد جمالية الشكل من ناحية التوزيع والوزن، واحيانا تسيطر الكتابة في توزيعها على مجمل النص التشكيلي فتزاحمه وتدفع المتلقي الى الانتباه الى النص الكتابي وكأنه نمو عضوي اصيل لا يختلف عن نمو النص التشكيلي. ففي هذا الشكل التذكاري الذي يصور اورنانشي وهو يقدم التراب- الطين محمولاً في سلة على راسه لبناء معبد في تلو(لكش) نجد افراد عائلته كل واحد منهم مكتوب اسمه على ملابسه او بالفراغ المجاور له، ولقد روعي في الكتابة ان تملأ المساحات الفارغة وان تكون مسيطرة على التصميم والحدث وتم الاعتناء بها وابرازها او التباهي بها، في حين ان الاشخاص تم تنفيذهم بطريقة فجة بعض الشيء وبنوع من اللامبالاة قياسا بالدقة السومرية المتعارف عليها في تنفيذ الاعمال التشكيلية.
وتستمر حضارة وادي الرافدين في ابراز الكتابة واظهارها على الاعمال التشكيلية وتوازي اهميتها العمل التشكيلي وتستمر الكتابة ان كانت شرحا او تعريفا في اضفاء الاهمية الفنية والتاريخية على العمل وتمثال كوديا في اللوفر وهو جالس ومحفورة على جسمه وحضنه كتابة مهمة هي خير مثال على اهتمام الفنان التشكيلي باستخدام الكتابه لتعبر عن مضمونها وتوظيفها لتكمل الموضوع التشكيلي.
وبكثير من التعقيد والتوسع والتطوير تسير الكتابة سيرا سريعا لتسبق كل الفنون وتسيطر على الساحة بقوة وثقة اذ تقدم ابعاداً ادبية وشعرية واستلهامات مبتكرة وجديدة، ويعرف الفنان التشكيلي اهميتها ويقرر بوعي ان يوظف هذه المفردة الجديدة على نحو او اخر في نتاجاته ان كانت نحتاً ام رسماً ونجد ان للكتابة حضوراً واضحاً وقوياً ومؤثراً في اعمال تشكيلية لعدة حضارات متباينة وبعيدة الواحدة عن الاخرى، ففي اوربا العصور الوسطي عندما كان الفكر الديني تسلطياً وسلطوياً وقبل عصر النهضة نجد ان الاعمال التشكيلية التي تصور الانسان الاعتيادي او الاسطوري تتخذ منحىً تقشفيا كما في لوحة النعم الثلاث(3-4) ولكن الأعمال التي تصور الفكر الديني يبدو عليها الترف التشكيلي موضوعا وتنفيذا واضيفت الكتابة اليها تعزيزا لأهميتها(صور5-4) وهذا ما حدث في الفترة ما قبل الكولومبية في امريكا الجنوبية وهنا لابد من الاشارة الى الواسطي الذي هو معجم للمفرادات التشكيلية، الواسطي ادخل الكتابة في اعماله الفنية مبتعدا عن التقاليد السائدة في المنمنمات او التزويق التقليدي اذ ركز الواسطي على الفراغ واعطاه اهمية وجعل مساحات الفراغ كبيرة نسبيا ووضع الكتابة في الفراغ وتركها سائبة تموج في فضاء رحب من الحرية واعطى للكلمات المكتوبة اهمية بجعل حجمها كبيراً نسبيا وتنوع في استخدام انواع الخطوط ولم يقتصر على اسلوب خط واحد وهذا الاسلوب خروج تام عن المتعارف عليه.
ولكن الكتابة بشكل عام في العالم العربي والاسلامي بقيت تاخذ بعدا تشكيليا في مجالات الفنون عامة نظرا لمحدودية السماح باستخدام المفردات التشكيلية الادمية والحيوانية والتركيز على الزخارف والتزويق والغاء المواضيع الحياتية اليومية بشكل عام والتي تعبر بحس وجداني عميق عن خلجات الفنان وتطلعاته.
في فترة عصر النهضة الأوروبي اتخذت الفنون التشكيلية ارضا صلبة تستند إليها وبدات النزاعات مع سيطرة الكنيسة تبدو واضحة، وكان هناك فوران في المجتمع وتغيرت انظمة حكم وظهور جمهوريات مثلما حدث في هولندا وفينيسا وغيرها والحروب التي اشتعلت لاسباب دينية او اقتصادية كلها دفعت الكتابة للسيطرة على الاجواء العامة واحتلت حيزها المهم، وكذا فعلت الفنون التشكيلية وانفصلت الكتابة عن الأخيرة ولم تعد الأخيرة بحاجة الى سند الكتابة والعكس بالعكس، وظهرت الطباعة التي قدمت الكتب بكلمات واضحة ونصوص مهمة فلم تعد هناك حاجة الى نص تشكيلي مدعوم بالكتابة ليوضح الفكرة.
ولكن في الفترة الرومانسية حدث انعطاف عاطفي في كيفية التعامل مع النص المقروء والعمل التشكيلي وحمل راية هذا الانعطاف الشاعر والفنان التشكيلي وليم بليك فنجده وظف الكتابة وفقا لرؤياه الرومانسية فوق الواقعية، ورغم ان لوحاته جاءت ضمن كتبه، وعزز النص التشكيلي- الكتابي بعضهما البعض بحس رومانسي يعتمد الرؤيا التي كان بليك يدعي انه يستلهم موضوعاته منها، وهي رؤيا سماوية والهامات قدسية فإن هذه الفترة شهدت كثيراً من الكتب المصورة، الا ان بليك زاوج بين الكتابة والعمل التشكيلي باسلوب متفرد جديد تماما.
مدرسة الدادا استخدمت الكتابة بوضوح واصرار كنوع من التخريب للعمل التشكيلي اذ كان هدف الدادا هو محو كل شيء والبدء من نقطة الصفر، ولكن بما ان قتل او محو كل شيء يعني حتى قتل او محو الجمهور المشاهد ( رمزيا) فلم يعد هناك من يتمتع بالفن، وماتت الدادا رغم افكارها الجديدة المبتكرة، واعلن برتون موتها بخلق السوريالية التي احتضنت الحرف والكتابةواخذت تستعين به ادبيا وتشكيليا على نحو بعيد عن الوعي، اذ استندت إلى اللاوعي والفكر العصابي ومقومات أخرى، لعب الحرف فيها دوراً مهماً. وفي التكعيبية إذ كانت الحروف والكتابة وقصاصات الاوراق المكتوبة عنصرا فعالا في نموها التشكيلي ومن مقوماتها المهمة.
ولم يتوان براك وبيكاسو وجريس عن استخدام قصاصات الصحف او كتابة كلمات عابثة أو رمزية كنوع من الغموض والتحدى في نتاجاتهما التكعيبية.
ان استخدامات الحروف في النتاجات الفنية التشكيلية المعاصرة سارت بالمنحى نفساً اذا زاوجت بين التراث والحداثة. وليس من السهولة تحليل اعمال حروفية عراقية او عربية لعدة اسباب منها عدم اطلاعي على اعمال كثيرة فاننا في الدول العربية لا نملك سجلا لتسجيل الاعمال الفنية المعاصرة كدليل او كمتحف، لذا فلا مرجع لدينا لنستشف منه ما ينتج فنيا كما يحدث في الدول المتقدمة فنيا، بالاضافة الى انني شخصيا قد عشت في انعزال في منفى طوعي منذ اواسط السبعينيات الى اخر عام من الثمانينيات داخل العراق، وما ان غادرت العراق حتى كان القرار الصعب وهو قطع العلاقة تماما والابتعاد كليا، الا انني اتذكر مبادرة مديحة عمر الذكية في ادخال الحرف بصيغ حديثة ومبتكرة ولو اردت الحديث عن هذا الموضوع فهذا يستوجب الاطلاع على الكثير من نتاجات فنية وقراءة اعمال تشكيلية كثيرة واجراء مقارنات في مجال لا يوجد سجل ولا متحف يضمها، الا انني قد اطلعت على اعمال بعض الفنانين العرب من خلال عملي التدريسي في جامعات عربية وهذا يستوجب بحثا خاصاً فلدي تحفظاتي الكثيرة، اذ اجد في الكثير قد اقحم عليها الحرف، اقحاما وكذلك الدلالات الشعبية، الا في اعمال جواد سليم فاجد نمواً عضوياً وتناغماً تشكيلياً واضحاً وتنبري هنا استلهامات تسير متوازية مع استلهامات الواسطي الحية.
اما انا في استخداماتي المتواضعة ولفترة معينة للحروف فلم تكن الا توطيداً لأحساسي العميق بان الخط العربي هوخير تعبير لحضور انثوي، انني اتعامل مع الحرف كمفردة محرفة توحي بتعبير انثوي حرف الواو امرأة ترتدي العباءة والياء شبه جالسة ارضا والفاء مستلقية والخ، واستعمل الحروف بشكل مقتصد اذ انني لا اعرف اتباع اساليب الخط العربي ولا يهمني لو حورت الحرف وفقا لتصوراتي التي تجلعني احس به كانثى تسبح في فضاء اللوحة.

 

 

للاتصال بنا  -  عن المدى   -   الصفحة الرئيسة