مسرح

الصفحة الرئيسة للاتصال بنا اعلانات واشتراكات عن المدى ارشيف المدى
 
 

اطلالة على مملكة المخرج ريدلي سكوت .. (مملكة السماء) فتحت له ابواب هوليوود

لقاء أجرته: ألاين لبورث

ترجمة وأعداد: علي سالم

عن صحيفة الأنديبندت

إنه المخرج ريدلي سكوت صانع الأفلام ذات المشاهد الضخمة، والتنظيم اللوجستي المعقد، والميزانيات الكبيرة الذي قدم لنا رؤية جديدة في افلام الخيال العلمي من خلال فيلمة الجريء.
"عدّاء"
Blade Runner الذي لعب بطولته الفنان المبدع هاريسون فورد عام 1982. وهو المخرج الذي قلب ثيمة الافلام التي تدورعن الصداقة رأساً على عقب في فيلم (ثيلما ولويز) عام 1992 من خلال عرضه صداقة فتاتين وليس رجلين والذي لعبت دور البطولة فيه الممثلتان جينا ديفس وسوزان ساراندن. وهو أيضاً المخرج الذي اعاد من خلال فيلمه غلادييتر (المجالد) الفائز بالاوسكار عام 2000 الذي قام ببطولته الفنان الاسترالي راسل كرو ذكرى الافلام التاريخية الملحمية التي كانت تهز شباك التذاكر. أما فلمه التاريخي الأخير (مملكة السماء) الذي تم تصويره في المغرب وعرض هذا العام 2005 ، فقد كان آخر عمل يستمد موضوعة من التاريخ ، وهو تاريخ ملغم بالاسئلة وسوء الفهم يطرح فيه رؤية جدلية حول علاقة الاسلام بالغرب من خلال الحروب الصليبية. تدور احداثه في القدس أبان القرن الثاني عشر.
يعمل المخرج سكوت الآن على مشروع فيلم جديد أسمة (السنة السعيدة) وهو كوميديا خفيفة تدور أحداثها في مزرعة للكروم، ويقوم ببطولته صديقه الممثل راسل كرو أيضاً. والفلم المأخوذ عن رواية للكاتب بيتر مايل باسم (عام في الريف) يحكي قصة رجل أعمال بريطاني يرث مزرعة للكروم ويذهب للعيش في فرنسا. ومن حسن حظ سكوت انه يملك مزرعة كروم حيث سيقوم في الاشهر القليلة القادمة بالعمل من داخلها. "لقد عشت في المزرعة لمدة 14 سنة وأنا احب هذا المكان. لقد كنت أريد دائماً عمل فيلم في مثل هذه الأماكن. فيلمي الجديد كوميدي ، وهو شيء جيد، كنت أتوق دائماً لعمله لأنه مقتبس عن كتاب مضحك حقاً " كنا نتحدث تحت دفء ظهيرة باسادينا المشمسة، في كاليفورنيا التي حضر اليها لعقد عدد من اللقاءات، كان يرتدي بلوزة خضراء وسروال فضفاضاً من الخاكي، وكان مظهرة أقرب الى مظهر المحامي المتقاعد منه الى أحد مخرجي هوليوود الكبار. يبلغ الآن السابعة والستين من العمر ولا يزال يحتفظ بشعره الأصهب الكثيف ولحيته وقد غزاهما الشيب ،عيناه مرهقتان وثمة شيء من الرقة في ملامحه طبعتها السنين على وجهة.
عندما قلت أنه يوصف غالباً بأعظم مخرج بريطاني بعد الفريد هيتشكوك، ابتسم واعترف بفرح قائلاً انه واثق في دخيلته من ذلك. " أطلق لنفسي العنان دائماً لكي تهيم في عوالمها الوهمية . لم أشعر بالتردد يوماً. لقد تدربت كثيراً والعمل يحتاج الى قدرة هائلة على التحمل. عليك ان تصحو قبل الآخرين بوقت طويل. فالاخراج هو ان تمضي نصف وقتك قائلاً: لا،لا..، وأنا اجيد ذلك".
ذاق سكوت مرارة الفشل وتعرضت بعض أفلامه الى النقد ولم تحقق نجاحاً في شباك التذاكر مثل فيلم (هوايت سكوال) أو الريح البيضاء عام 1996 وفيلم (جي آي جين) الذي لعبت بطولته ديمي مور، لكن سكوت لا يسمح لنفسه بالاستسلام لكآبة الفشل كما يقول مبتسماً "عليك أن تواصل القفز والاغرقت. يسألني الناس دائماً أن كانت لدي خطة عمل جديدة ؟ وأجيبهم بالنفي قائلاً أنني أطارد دهشتي القادمة".
يتمتع ريدلي سكوت بحس غريزي جيد ساعده على تحقيق افلام رائعة مثل ( أيليان-
Alien) عام 1979 أو(المخلوق الكوني) الذي يصور قصة رواد سفينة فضاء تجارية يتعرضون للفناء على يد مخلوق فضائي شرس تسوقهم اليه المقادير في كوكب مهجور. وفيلم المجالد الذي ورد ذكره وفيلم هانيبال عام 2001 وفيلم (بلاك هوك داون) سقوط مروحية بلاك هوك عام 2001 أيضاً، كل هذه الافلام حققت نجاحات هائلة وجمع منها ثروة تقدر بمئة مليون جنيه إسترليني. لكن بالرغم من كل هذه الاموال الطائلة وهذا الدوي الهوليوودي الذ ي احاط به وحتى منحه لقب الفروسية، يظل السير ردلي سكوت ذلك الصبي الشمالي الذي لا يتغير.
ولد سكوت في ساوث شيلدز التي لا يزال يحتفظ بلهجتها المحلية الناعمة، وتسرح به الذاكرة الى تلك الايام حين كان طالباً في مدرسة الفنون "لقد تلقينا تربية حسنة من عائلة مشجعة كانت تقف الى جانبنا في كل ما نفعل، لقد كان والداي غير عاديين، لأني عندما أخبرتهما برغبتي في الدخول الى مدرسة الفنون ، ورغبة مثل هذه كانت تثير الرعب في قلوب معظم الآباء آنذاك ، قالا لي ( وراح يقلد صوتيهما بطريقة كاريكاتيرية هازاً إصبعه) ستعمل في مكتب محاماة، ولسوف تبدأ غداً الاثنين. لكني لم أكن أرغب في العمل محامياً. وفي النهاية لم يجبرني احد منهما ولم تجد والدتي بداً من الشعور بالسرور لقراري"..
لم يقم سكوت بعمل أي فيلم حتى بلوغه الاربعين، حيث كرس وقته لعمل أفلام الاعلانات التجارية وبرامج تلفزيونية اخرى منها برنامج دعائي عن السيارات يدعى ( ذي كارز) وقد صنع أفلاماً دعائية لا تنسى لشركتي هوفس وشانيل.
ويقول ردلي سكوت " كنا نحقق أرباحاً جيدة ،ولم نفكر بعمل اية أفلام روائية لمدة 13 عاماً . لقد كنت اعرف كيف أسوق أفكاري وخيالاتي، وكنت أستمتع حقاُ في خلق عوالمي . ثم انتبهت لنفسي، وقلت يا الهي أنني أتقدم نحو الاربعين وقد حان الوقت لصنع فيلم حقيقي" . وهذا ما كان عندما أخرج فيلمه الروائي الأول (المبارزون) عام 1977. ويقول سكوت عن ذلك "كان سعر الدولار آنذاك هابطاً وقلت للمنتج خذ أجري سأكون أنا الضمانة والرهن، ولم أتلق أي أجر ابداً، لقد كانت مقامرة ، لكن المقامرة جاءت موفقة ونجح الفيلم" ثم اخرج فيلمه الثاني. (المخلوق الكوني) الذي نجح نجاحاً كبيراً يعتبر الآن من كلاسيكيات السينما الحديثة في مجال الخيال العلمي التي تجعل الفضاء والكواكب البعيدة والمخلوقات الكونية الغريبة الأشكال موضوعاً لها. أما فيلمه الأخير مملكة السماء المثير للجدل ، الذي قام ببطولته أورلاندو بلوم، فقد مثّل اكبر تحد شخصي له حسب قوله. ولا يزال هذا الفيلم يشكل محوراً ساخناً للنقاش بين دارسي "الثيولوجيا" علم الأديان والأكاديميين. لقد تنوعت ردود الأفعال على هذا العمل، فمنهم من هاجمه على أساس أنه ضد المسلمين ومنهم من يعتقد بانه يشكل خطراً على العلاقات مع العرب بينما يرى آخرون أن الفيلم يقدم صورة مشوهة للتاريخ من خلال محاباة العرب بتقديم صورة غير نمطية عنهم ..الخ . لكن كل هذه الآراء المتضاربة لم تنل من هدوء سكوت ورباطة جأشه.
قال موضحاً " لقد حاولنا تسليط الضوء على الفريقين بشكل متوازن. وأرى أن استقبال العالم الاسلامي للفيلم كان في الواقع جيداً ، وأعتقد أن بامكاني الآن قضاء عطلتي في لبنان متى ما شئت. لقد شعرت بان الطريقة التي صورنا بها المسلمين كانت صحيحة ، خصوصاً أن الممثلين الذين استخدمتهم كانوا من المسلمين".
ويقول سكوت "أعتقد أن للفيلم أهمية في هذا الوقت، لأنه يؤكد على التسامح والتفاهم، أنه يدعو الى القيام بما هو صحيح ، وهو أما أن تكون طيباً أو لا ". ثم ينفجر ضاحكاً قبل أن يكمل "لقد كانت لي قيمي الأخلاقية التي زرعتها في داخلي والدتي ، وهذه القيم ستظل ملتصقة بي الى الأبد!".
يتحدث سكوت المولود عام 1937 كثيراً عن والدته التي أنجبت ثلاثة ذكور كان ترتيبه الثاني بينهم. يقول "كانت أمي امرأة حديدية لها قواعدها ومعاييرها الأخلاقية ، لكنها لم تكن متسلطة. و كانت تمثل لنا الأم والأب معاً لأن أبي كان في الجيش ويغيب كثيراً، لقد فهمت الكثير عن عالم النساء عن طريق أمي، كما أعتقد" و يديرسكوت الآن شركة (سكوت فري فيلمز) شركة أفلام سكوت الحرة مع اخيه طوني وهو مخرج سينمائي أيضاً قام باخراج فيلم (توب غن) وفيلم (دومينو) وهو من أفلام الحركة أو الآكشن التي ستجد طريقها الى دور العرض.
فكرسكوت بالتمثيل في سن المراهقة عندما كان يدرس قواعد اللغة الانكليزية في مدرسة الحي، لكن فكرة الاخراج السينمائي اسرته. وقد شكلت تجربة اخراجه أول شريط سينمائي له عندما كان في التاسعة عشرة من العمر بالتعاون مع أخيه الأصغر طوني المحطة الأولى في حياته كمخرج وذلك عندما عاد من مدرسة الفنون لقضاء أجازة الصيف حيث قام بكتابه السيناريو بنفسه. "كنت أعلم بأنني لن أجد من يساعدني" قال ذلك وهو يزيل غلاف قطعة من الحلوى المطبوخة ويلتهمها على مهل: "لذا لم يكن أمامي غير شقيقي طوني . كنت قد حصلت على كاميرا من نوع بوليكس لتشغيل أفلام 16ملم وذهبت الى طوني الذي كان لا يزال راقداً في السرير، وقلت له هيا أنهض لنخرج فيلماً . وأستغرق العمل ستة أسابيع وتمكنا من أخراج فيلم سميناه (صبي على دراجة هوائية ). وقد كره طوني كل لحظة من لحظات العمل، لأني افسدت عطلته. لقد كنت اتحكم به وأقول له: أذهب وأجلب السجائر وشطائر الأكل ،قبل أن نستأنف التصوير. لا يمكن نسيان تلك الايام . أنها تجربة مهمة في حياة كل منا".
المحطة المهمة الثانية في مسيرة ريدلي سكوت هي رحلته الى أمريكا، تلك الرحلة التي اسهمت في تغيير حياته، عندما غادر الكلية الملكية للفنون في بعثة دراسية الى الولايات المتحدة . لقد كلفته الرحلة سبعين دولاراً أنفقها على أحد باصات غريهاوند طافت به الولايات المتحدة في رحلة طولها ألف ميل. ويتحدث سكوت عن ذكرياته في هذه الرحلة قائلاً " توقفنا في لاس فيجاس ودخلت فندق ساندس واخترت طاولة رخيصة ، ورحت أنظر الى الفيس بريسلي. لقد كان مشهداً متكاملاً وأنا أحدق بالفس وهو يجلس أمامي وسط الحشد . ثمة شعور يعتري القادم من هارتلبول عندما يشاهد مثل هؤلاء الناس هناك ، وهو أنه ينظر الى بشر غير عاديين. لقد دفعت ثلاثة دولارات لأشاهد سامي ديفس جي آر يقدم نمرته ، ثم رأيت جون واين يدخل الفندق ، وكان رأسه وكتفاه يعلوان فوق الحشد ، وشاهدت دين مارتن وهو يعزف على آلة الكرابس، وكانت السعادة بادية عليه. كان المشهد مدهشاً، ساحراً. ثم دعا سامي ديفس الفيس للصعود الى المنصة وجعله يغني وصلتين من (بلو سويد شوز)". ويتوقف سكوت قليلاً قبل أن يتابع حديثه "ثم ذهبت الى هوليوود لمده أسبوع ، والى سان فراسيسكو، وسالت ليك سيتي وعبرت سهول (غريت بلاينز) الشاسعة. كان منظر السهول رائعاً وقد ألهمني فكرة فيلم ثيلما ولويز".
يتمتع سكوت بحس دقيق في رصد المواهب التمثيلية، وقد كان حدسه الفني في محله عندما وقع اختياره على الممثل الأسترالي رسل كرو للعب دور البطولة في فيلمه الناجح (المجالد ) . ورغم ان الممثل رسل كرو كانت له بدايات طيبة قبل فيلمه (المجالد) لكنه صعد الى مصاف نجوم الصف الأول بعد هذا الفيلم الذي منحه الأوسكار. ويقول سكوت " أعرف إن كان الممثل مثيراً للاهتمام أم لا بمجرد رؤيتي له، وقد عرفت ذلك فوراً في سيغورني ويفر التي لعبت بطولة (المخلوق الكوني). لقد كانت طويلة جداً ولم يكن ثمة شك في صلاحيتها لهذا الدور اضافة الى ذكائها وحضورها. لقد كانت متميزة بحق" " و تكرر نفس الشيء مع الفنان براد بيت ، الذي نجح حدسه الدقيق في اكتشافه أيضاً حيث يقول " لقد رأيت فيه الوسامة والقدرة الفائقة على التمثيل . لقد كان مسترخياً جداً. وكان المشهد الذي ظهر فيه جميلاً جداً ، لانه كان مشهداً متكاملاً" قال ذلك وهو يضرب الطاولة بيديه ، مشيراً الى الدور القصير والمميز الذي لعبه هذا الفنان في فيلم ثيلما ولويز حيث مثل دور عشيق جينا دايفس. وأضاف " رغم قصر المشهد الذي ظهر فيه براد ، الا انه كانت له بداية ووسط ونهاية حيث ترك فيه براد بيت أنطباعاً طيباً لدى الجمهور". وقدم سكوت ايضاً الممثل هاريسون فورد بدور التحري في فيلم (بليد رانر) والفنان بلوم في فيلم (سقوط المروحية بلاك هوك). ويشتغل الآن سكوت على عمل درامي أسمه (كومباني) يدور حول الحرب الباردة ويقوم بانتاج عدة أعمال للتلفزيون.
ويمتلك المخرج سكوت وزوجتة الممثلة الكوستاريكية جيانا فاسيو عدة بيوت في هامبستيد وفي لوس أنجلوس وفي بروفنس. وسألته أن كان لدية وقت يقضيه بصحبة زوجته نظراً لانشغاله بالعديد من المشاريع فأجاب ضاحكاً " أنا أعشق الإخراج السينمائي ، لكني لا أنسى التزاماتي العائلية ، فزوجتي معي دائماً لأنها تمثل في جميع أفلامي ، لقد ظهرت مع رسل كرو في فيلم المجالد بدور زوجته، وفي فيلم (ماتشستيك مين) أناس عاديون ظهرت بدور محاسبة في بنك ، ولعبت دور أخت صلاح الدين في (مملكة السماء)، وستظهر في فيلم (سنة طيبة) أنها تعويذة الحظ السعيد بالنسبة لي".


كلاكيت : سكوت... وعودة الوعي

علاء المفرجي

كان يجب الانتظار ما يقرب أكثر من قرن، قبل أن تنصف هوليوود العربي والمسلم، وكان يجب أن يصدم العالم بحدث بمستوى أحداث سبتمبر كي تعيد الصناعة الهوليوودية النظر بالصورة النمطية للعربي والمسلم التي ترسخت في الأذهان عقوداً من تاريخ هذه الصناعة.
وباعتبار أن الصورة الذهنية المبسطة للإنسان، تستقر بالذاكرة، ونتكرس كلما تكرر عرضها، وباتالي فإنها تؤثر في التصرف السلوكي للإنسان الذي يختزنها في ذهنه، فقد كانت صورة المسلم والعربي في الذهن الأمريكي والتي رسختها ثقافته الشعبية، صورة غير حقيقية تتجاذبها صفات التخلف والسادية والشبق والخداع وما إلى ذلك.
وسبق للناقد والمؤرخ الأمريكي الجنسية العربي الأصل جاك شاهين في كتابه الذي صدر مؤخراً، إن قدم ثبتاً في الأفلام التي تضمنت مثل هذه الصورة، بل الأفلام كانت لهذه الصورة موضوعاً لها، وقد تجاوزت هذه الأفلام رقماً كبيراً قياساً لما هو منتج.
سنوات كثيرة مرت إذن قبل أن تقدم هوليوود هذه الصورة بموضوعية تحتكم للتاريخ من خلال فيلم ريدلي سكوت (مملكة الجنة)، الفيلم الذي أثار جدلاً كبيراً في الأوساط السينمائية وخاصة الأمريكية.
أكثر من جانب يحدد الأهمية التي جاء بها هذا الفيلم، ولعل في مقدمة ذلك، أنه سابقة في تاريخ السينما الأمريكية التي طالما أهملت موضوعاً كهذا.. بل إن أهمية ذلك تتجلى في تصدي واحدة من أكبر الشركات السينمائية الأمريكية لإنتاج هذا الفيلم وهي شركة فوكس التي رصدت أكثر من 130 مليون دولار لإنتاجه وبإمكانات إنتاجية ضخمة، دلت على حجم الاهتمام بموضوع الفيلم.
الجانب الآخر أن الفيلم جاء في ظروف تنامي التطرف الديني في كل مكان، وما تفتح عنه من أحداث وضعت وما زالت العالم على حافة مآس وأخطار كثيرة.. خاصة أن الفيلم يتناول التطرف الديني بشكل عام، والذي لا يقتصر على دين معين، وعلى خلفية واحدة من أبشع وأطول حروب في التاريخ، ونعني هنا الحروب الصليبية.
وإذا كانت السينما العالمية قد عالجت هذا الموضوع وعلى مدى تاريخها عشرات المرات.. ونضيف إليها ما قدمته السينما العربية من خلال فيلم يوسف شاهين (الناصر صلاح الدين)، فإنه مع رائعة رايدلي سكوت يبدو الأمر مختلفاً حين عمد هذا المخرج إلى التعاطي مع هذا الحدث التاريخي بموضوعية افتقدتها الكثير من المعالجات الأخرى. والتي تصب في النهاية في السعي للجم جموح التطرف بكل أشكاله باعتباره الخطر الأكبر الذي يواجه العالم الآن. خاصة أنه السبب المباشر لنشوب هذه الحرب التي قامت في العصور الوسطى التي عاشتها أوروبا، عصور التطرف الديني المسيحي قبل ما يقرب من ألف عام.
وما يزيد من أهمية هذا الفيلم أنه لم يكن ناسخاً لوثائق تاريخية باتت معروفة حسب، بل حرص مخرجه على تقديمه كتحفة فنية وبأسلوب متفرد في تقديم العمل الملحمي، تجعل منه أثراً فنياً خالداً.
ولكن يبقى السؤال الأهم، هل يكفي عمل سينمائي واحد، لمحو أثر نمط الصورة التي رسختها مئات الأفلام عبر عقود من تاريخ السينما؟.. ربما تكمن الإجابة بضرورة إعادة النظر بالكثير من المفاهيم والصور التي ترسخت في الأذهان من أجل درء أخطار المستقبل.


بعد بن بركة سينمائيا.. جيفارا وثائقيا

متابعة جودت جالي

يبدو أنه قد قدر لنا هذه السنة أن نرى أهتماما على صعيد السينما بشخصيتين أتخذا لهما، بحكم نضالهما ونهايتيهما المأساويتين البطوليتين، مكانة لم يحظ بمثلها ألا القليل من الرجال. كلاهما قاد حركة تحريرية مع أختلاف الوسائل والموقع الجغرافي وكلاهما ماركسي وكلاهما قتل أبشع قتلة هما المغربي المهدي بن بركة وقد أسلفنا الحديث عنه وعن الفيلم الجديد، وأرنستو شي جيفارا. يجري الآن التحضير لفيلم وثائقي عن حياته ومقتله يخرجه مخرج من أمريكا اللاتينية (سبق أن عرضنا لفيلم عن جيفارا يتناول فترة شبابه الأولى أعتمادا على مذكراته في العدد 275 من (المدى)، ولايفوتنا أن نذكر الفيلم الذي مثله عمر الشريف منذ زمن بعيد عن جيفارا وكان برؤية هوليوودية طبعا). قد لايضيف الفيلم شيئا جديدا من ناحية المعلومات الأساسية كما هي الحال بالنسبة الى بن بركة ولكن ربما أختلفت زاوية الرؤية أيضا وأتخذت الشهادات دقة أكثر، وفعلا بدأ الشهود الذين لا يزالون على قيد الحياة بالأدلاء بشهاداتهم كشهادة ريتشارد غوت مراسل الغارديان آنذاك وأول من قابل ريجي دوبريه في سجنه وهو من أوائل من هرع الى مقربة من ميدان المعركة وشاهد جثة جيفارا وشهد وجود عملاء المخابرات الأمريكية وجود قادة عسكريين أمريكيين للأشراف على قتله ونقله (احتلت المخابرات ومندوبو الجيش أرض معمل سكر مهجور ونصبوا فيه مركز اتصالات يشرف على حركة القوات ويتصل بقاعدة قيادة القوات الجنوبية للولايات المتحدة في بنما. هناك في المركز أبلغ الميجر (بابي) شيلتون الصحفيين أن 600 عنصر دربهم الأمريكيون يحاصرون قوة جيفارا ويوشك أن يقع بين أيديهم ) وقد وثق المصور الصحفي والوثائقي الشهير بريان موزر هذه التفاصيل وكان يرافق غوت (اللوموند دوبلوماتيك عدد آب 2005 ومنها أخذنا الصور)، وكلما أقترب موعد الذكرى الأربعين لمقتله سنسمع عن مشاريع فنية ونقرأ كتبا ونرى وثائق. لكي يأخذ القارئ الكريم فكرة عن الخلفية التأريخية ، خصوصا من لم يكن معاصرا بحكم سنه للأحداث، نقول أنه في تلك الأيام ظهر في هافانا آخر كتب جيفارا (نخلق فيتناما وفيتنامين وثلاثة... نخلق عدداً كبيرا منها) يدعو فيه جميع قوى اليسار الى حمل السلاح ولم يكن من شك في أنه يقصد محاربة (الأمبريالية الأمريكية) وهي من جانبها لم تقصر في سعيها الحثيث خلفه بلاهوادة. الثائر أرجنتيني الأصل ورفيق كاسترو في أسقاط الديكتاتور الكوبي باتيستا وإقامة الحكومة الشيوعية في كوبا حوصر في الثامن من تشرين الأول عام 1967 في بوليفيا بأمريكا اللاتينية حيث كان قد أنتقل أليها للنضال تطبيقا لعقيدته في الثورة العالمية المسلحة الدائمة بعد أن قاتل حينا في الكونغو بأفريقيا. على مبعدة بضعة كيلومترات من قرية (لا هوغويرا) الصغيرة، أصيب وأسر وقد خاضت القلة من الرجال التي كانت معه قتالا ضاريا لاستعادته بحيث أن قائد الحملة العسكرية طلب باللاسلكي إرسال طائرة هليكوبتر لتأخذه من أرض المعركة مع الأسير الجريح بسرعة، وفي القرية تم أعدامه. هكذا أعتبر الأمريكيون والبوليفيون أنهم بقضائهم عليه قضوا على الثورة. قبلها كان الأمريكيون قد قدموا نصائحهم الثمينة الى الحكومة البوليفية وساعدوها في تقوية الجيش ونشر العملاء في كل مكان واعتقال زعماء النقابات وحظر الأحزاب وإعلان حالة الطوارئ وإلغاء قانون الإصلاح الزراعي لعام 1952 عمليا . كثفوا الجهد الحربي بحيث حاصروا الثوار من كل مكان وتركوا لهم منفذا واحدا نصبوا فيه الفخ لهم.
يقول غوت ((في داخل المقطورة وعلى نقالة كان يستقر جسد (شي). منذ اللحظة الأولى عرفت أنه هو فقد واتتني الفرصة قبل أربع سنوات لمقابلته في هافانا ولم يكن هو بالرجل الذي ينسى. هذا ارنستو شي جيفارا دون شك. حين أخرجوه ليضعوه على منضدة في الظل أيقنت أن الثائر جيفارا قد مات. شكل لحيته وشعر رأسه الطويل الغزير وملامح الوجه تميزه بين ألف شخص. كان يرتدي بدلة زيتونية عتيقة وحذاء يبدو كأنه صنعه بيده. لاحظت ثقبين في أسفل الرقبة ولاحظت فيما بعد حين نظفوا الجثة جرحا آخر في البطن وجروحا في الساقين وقرب القلب . كان الطبيبان يفتشان في جرحي الرقبة فظننت أنهما يريدان استخراج جسم ما ولكن تبين أنهما يريدان حقنه بمحلول للحفاظ على الجثة...))
((الأشخاص الذين أحاطوا بالجثة أثبتوا أنهم مثيرون للاشمئزاز أكثر من منظر الجثة . امرأة راهبة لم تستطع كتم فرحتها وأخذت تضحك بإصرار، وصل الضباط مزودين بأجهزة فوتوغرافية لتخليد المشهد، وبالطبع أحتل عميل السي آي أي المكان وكان يستشيط غضبا كلما وجه أحد نحوه كاميرا..)).
((بعد نصف ساعة انسحبنا لنعود الى سانتا كروث كي نكتب ونرسل الخبر ، حين وصلنا في اليوم العاشر من تشرين الأول كان الفجر على وشك. لم نجد مكتبا مهيأً لإرسال الأخبار فركبت الطائرة الى لا باث . طبع المقال في الصفحة الأولى من الغارديان يوم 11 تشرين الأول. في الطائرة رأيت الميجر (بابي) شيلتون الذي بادرني بالقول ((أنجزت المهمة))!!

 

 

للاتصال بنا  -  عن المدى   -   الصفحة الرئيسة