مواقف

الصفحة الرئيسة للاتصال بنا اعلانات واشتراكات عن المدى ارشيف المدى
 
 

الشيوعية والراديكالية الاسلامية في سياسة بوش
 

بقلم: زبغني بريجنسي
ترجمة: المدى

عن: الواشنطن بوست

في سلسلة من خطبه إلى الشعب الامريكي، سعى الرئيس بوش إلى مساواة التهديد الارهابي الحالي مع خطر الشيوعية الشمولية في القرن العشرين. القضية التي استند عليها هي ان التحدي الارهابي هو عالمي في اتساعه، شرير في طبيعته، قاسٍ تجاه اعدائه، تواق إلى السيطرة على جميع اوجه الحياة والفكر. بذلك كان يحاجج الرئيس، فان المعركة ضد الارهاب لا تتطلب شيئاً اقل من "نصر كامل".
في طرحه لقضيته، وداب الرئيس على تكرار استشهاده بمصطلح "اسلامي" عند الاشارة إلى الارهاب وقارن "الاديولوجية الاجرامية للراديكالية الاسلامية" بالاديولوجية الشيوعية.
هل الرئيس على صواب، من الناحية التاريخية، في تشخيصه للاخطار المتشابهة التي يفرضها التطرف الاسلامي والشيوعية الشمولية؟ ان الفروق بينهما هي اكثر من المتشابه. فهل كان الرئيس حكيماً في طرحه هكذا فرضية؟
باصراره على ان التطرف الاسلامي "مثل الاديولوجية الشيوعية.... هو التحدي الاعظم في قرننا الجديد" فان بوش يرفع من منزلة اسامة بن لادن واهميته التاريخية إلى مستوى شخصيات مثل لينين وستالين وماو. وبالمقابل يوحي ذلك بان الطريد السعودي المنشق المختبئ في كهف ما (أو لعله قدمات) يعبر عن فكرة ذات اهمية عالمية. المفهوم ضمناً من تناظر الرئيس هو الافتراض بان "جهاد" بن لادن يمتلك احتمالية الهيمنة على عقول وقلوب مئات الملايين من الناس عبر الحدود الوطنية والدينية. ان ذلك اطراء لابن لادن، لكنه غير مبرر. ان الجهاد "الاسلامي" هو، وفي افضل حالاته، حركة متشظية ومحدودة بالكاد لها صدى في العالم.
الشيوعية، عند المقارنة، كان لها استهواء عالمي لا يمكن نكرانه في الخمسينيات، لم تكن دولة في العالم ليست فيها حركة شيوعية ناشطة، بصرف النظر ان كانت الدولة مسيحية او اسلامية هندوسية او يهودية، بوذية او كومونفوشيوسة. وفي بعض البلاد، مثل روسيا والصين، كانت الحركة الشيوعية هي التشكيل السياسي الاكبر، ومهيمنة على المسار الثقافي، وفي البلاد الديمقراطية، مثل ايطاليا وفرنسا، كانت الحركة الشيوعية تتنافس على السلطة السياسية في انتخابات مفتوحة.
في ردها للاضطرابات والاعمال الظالمة التي عجلت بحدوثها الثورة الصناعية قدمت الشيوعية رؤية لمجتمع عادل على نحو مثالي، مع ان هذه الرؤية كانت مزيفة واستغلت لتبرير العنف الذي ادى بالنهاية إلى السجون السوفيتية، وإلى معسكرات العمل "واعادة التثقيف" الصينية وإلى انتهاكات اخرى لحقوق الانسان. مع ذلك، فان تحديد الشيوعية للمستقبل دعمته جاذبيتها الثقافية.
بالاضافة إلى ذلك، كانت التحديات السياسية والفكرية للاديولوجيا الشيوعية مدعومة بقوة عسكرية هائلة. كان الاتحاد السوفياتي يمتلك خزيناً نووياً ضخماً، قادراً على شن هجوم نووي كبير في غضون بضع دقائق على الولايات المتحدة. وفي غضون ساعات، فان نحو 120 مليون امريكي وسوفياتي قد يقتلون في اشتباك ناري متبادل كارثي. تلك هي الحقيقية المرعبة.
الارهاب المعاصر - مع انه شرير واجرامي، ان كان اسلامياً او غير ذلك - لا يمتلك هكذا قدرة سياسية ولا هكذا قدرة عسكرية. كما ان جاذبيته محدودة؛ فهو لا يقدم اجوبة لمعضلات الحداثة والعولمة. وعما يقال عن امتلاكه "ايديولوجيا" فهي خليط غريب من الجبرية والعدمية. في حالة القاعدة، فهي مدعومة على نحو فعال بمجموعات منعزلة نسبياً، واعمالها مدانة من قبل الشخصيات الدينية الرئيسة بدون استثناء، بدءاً من البابا حتى المفتي الاكبر في السعودية. كما ان قدرتها محدوده ايضاً فهي لا تزال تعتمد بدرجة كبير على وسائل مألوفة في العنف. وخلافاً للانظمة الشيوعية الشمولية، فان القاعدة لم تستخدم الارهاب كأداة منظمة بل كتكتيك ممزق بسبب ضعفها التنظيمي.
وهذا التكتيك هو الذي بعمل على تماسك اعضائها وليس الاديولوجيا واخيراً، فان القاعدة او بعض الجماعات الارهابية المرتبطة بها قد تمتلك قوة تدميرية، لكن علينا ان لا نخلط الامكانيات بالحقائق الواقعة. لكن في الوقت عينه، هل كان بوش ذكياً في عقده لهذه المقارنة؟
قد يكون للتشبيه بالشيوعية بعض الفائدة على المدى القصير، لانه يمكن ان يؤجج المخاوف القديمة ويضع الرئيس في مصاف الضافرين في الحرب الباردة، من امثال هاري ترومان إلى رونالد ريغان. لكن بث ونشر المخاوف له ايضاً مساوئه فقد تنتج عنه بلاد يسوقها الخوف، تفتقد للثقة بالنفس وبالتالي يخفض من الثقة في اوساط حلفاء امريكا. بضمنهم المسلمون، الذين دعمهم مطلوب في الاستجابة المخابراتية الفعالة لظاهرة الارهاب.
ومما يثير القلق بوجه خاص ان بوش اعتمد ايضاً وبشكل كبير في خطاباته الاخيرة على ما قد يراه العديد من المسلمين بانه يشبه لغة الخوف من الاسلام (الاسلاموفوبيا) ان خطاباته، مع انها من حين لآخر تحوي على ما يدل على ان لا يتحدث عن الاسلام ككل، تطفح بالاشارة إلى "الاديولوجيا الاجرامية للراديكالين الاسلاميين" و"للراديكالية الاسلامية" الجهادية الاسلامية" "الفاشية الاسلامية" أو "الخلافة الاسلامية".
ان لغة كهذه لها عواقب غير مرتقبة، فبدلاً من حشد مسلمين معتدلين ليقفوا إلى جانبنا، فان الازمة المتكررة حول الارهاب الاسلامي قد لا تسيء فقط للمسلمين المعتدلين بل قد تساهم في النهاية في المفهوم القائل بان الحملة ضد الارهاب هي ايضاً حملة ضد الاسلام ككل. وقد يلاحظون ان الولايات المتحدة في ادانتها لارهاب الجيش الايرلندي السري في ايرلندا الشمالية او الارهاب الباسكيين في اسبانيا، فان الولايات المتحدة لاتصفهم "بالارهاب الكاثوليكي"، وهي جملة قد يجدها الكاثوليك في جميع العالم مهينة لهم.
ان خطابات بوش الاخيرة تقف ايضاً في تناقض حاد مع خطابه الموجه إلى الامم المتحدة في منتصف ايلول الماضي، والذي احجم فيه تماماً عن تصنيف الارهاب وربطه باية ديانة وتحدث بعناية عن "الغضب واليأس" الاجتماعي كعامل مساهم في تصاعد الارهاب. لقد اكد بان الحرب على الارهاب "لا يمكن كسبها بالقوة فقط... علينا العمل على تغيير الظروف التي تسمح للارهابيين بالانتشار والتجنيد". مقابل هذا، فان بوش قد اسقط في الآونة الاخيرة الفكرة بان قد يكون هنالك "مجموعة من المظالم التي يمكن تخفيفها والعمل عليها" من اجل ازالة مصادر الارهاب.
ان هذا قد يثير صانعي السياسة الامريكية من ان زعيماً اجنبياً واحداً فقط قد يتوافق مع توكيدات بوش البلاغية المنمقة حول المظاهر الاسلامية للتهديد الارهابي الجاري، وهذا الزعيم هو الرئيس الروسي فلاديمير بوتين. ان بوتين استولى على ثيمة الارهاب الاسلامي لتبرير حربه القاسية ضد طموحات وآمال الشيشان في تقرير المصير. لكن الحرب لها تأثير خطر في تأجيج التوترات المتزايدة مع السكان المسلمين الروس.
من المؤكد انه ليس من مصلحة الولايات المتحدة، خاصة في منطقة الشرق الاوسط، دمج الاستياء السياسي الاسلامي تجاه الولايات المتحدة بالاحساس القوي والعريض بالشخصية الدينية الاسلامية.
عندما يتحدث الرئيس عن العراق "كجبهة مركزية" في الحرب ضد الارهاب الاسلامي فانه يربط العراق والقومية العربية المعادية لامريكا مع المشاعر الدينية الاسلامية الغاضبة، وبالتالي يعزز من قضية ادعاء بن لادن بان الحرب هي بالفعل ضد "الصليبيين".
ان هذا الاندماج يمكن ان يمنح الارهاب الكثافة التعصبية، ويعوض عن الضعف الذي يعاني منه مقارنة بالتهديد التنظيمي والعسكري الذي كانت تفرضه الشيوعية. ان حدود قدرات القاعدة والمنظمات الشبيهة بها قد تتغير، خاصة اذا فشل الرئيس في اقناع السياسيين بان الهدف هو عزل الجماعات الارهابية وقطع حملاتها في التجنيد.
لسوء الحظ، فان الطبيعة العسكرية لوجودنا في الشرق الاوسط قد تساعد في احداث هذا التغيير. قام البروفسور روبرت بيب، العالم السياسي من جامعة شيكاغو، بتحليل دوافع الانتحاريين المعاصرين، وأوضح بانه في اغلب الحالات كان الدافع الاساسي للانتحاريين هو عدائهم للغزاة الاجانب، واستخلص بانه "كلما طال بقاء قواتنا على ارض الجزيرة العربية، فان خطر تعرضنا لهجمة 11 ايلول اخرى يصبح اعظم".
من الافضل لامريكا لو تحاشى بوش الفخاخ التحذيرية التي تخلق الشكوك بشأن دوافعنا الحقيقية او تغذي الشكوك بشأن ستراتيجية الولايات المتحدة في الشرق الاوسط. فلا اللغة القائمة على الموقف من الاسلام ولا استحضار النضال الضافر ضد الشيوعية يساعدان على خلق فهم شعبي افضل حول أي السياسات لازمة وضرورية لاحلال السلام في الشرق الاوسط والتسريع باضمحلال الارهاب، الذي تكمن اصوله بدرجة رئيسة في تلك المنطقة من العالم.؟
ان الامريكيين بحاجة إلى الاستماع اكثر من ما كان بوش يقوله منذ وقت قصير للامم المتحدة، وإلى الاستماع بدرجة اقل إلى ما كان يروج له في الآونة الاخيرة داخل الولايات المتحدة.

*زبغني بريجنسكي كان مستشار الامن القومي للرئيس جيمي كارتر. يعمل حالياً كأستاذ السياسة الخارجية الامريكية في جامعة جونز هوبكنز للدراسات الدولية المتقدمة واحد امناء مركز الدراسات الستراتيجية والدولية.


هل هنالك استراتيجية حقا؟
 

بقلم: ريجارد وولف و هولي بيلي
ترجمة: فاروق السعد

عن :النيوزويك

وفر خطاب بوش الاخير فرصة نادرة من الصراحة، ولكنه ليس من الواضح بعد ان كان الامريكان يصغون. اضافة الى: الحديث الخشن عن المهاجرين و القلق بصدد جلابيب الرئاسة.
فبعد العديد من الخطب الرئيسية عن العراق، من الصعب ان نعرف ما هو الجديد وما هو غير قديم وذلك عندما يتحدث الرئيس جورج بوش الى الامة. وبعد كل ذلك، لم يكن هنالك من لغة جديدة في خطاب يوم الاربعاء في انابلوليز، وليس هناك من جدول زمني او تواريخ محددة يمكن للقوات الامريكية ان تعود فيها الى ديارها. ان ما تردد كثيرا عن "الاستراتيجية الوطنية للنصر في العراق"- التي وصفها البيت الابيض بإثارة بانها "لم تعد سرية"- قد كانت في مكانها بشكل استثنائي." ان مهمتنا في العراق هي في كسب الحرب" كلا، حقا؟ ان كان مجلس الامن القومي بحاجة الى كتابة هذا في وثيقة إستراتيجية، عليه ان يصارع حقا من اجل العثور على مخرج. والتفسير الاكثر ترشيحاً هو ان "الاستراتيجية" لم تكتب حقا لغرض الاستهلاك الداخلي. فبعد كل ذلك، يعترف العديد من ملاك الامن القومي في البيت الابيض بان الهدف هو ليس كسب الحرب ولكنه بناء امة. احدهم قد يقود للاخر. ولكن القوات المسلحة الامريكية لا تكسب بصورة عامة الحروب عن طريق تدريب الجيوش الاجنبية. وعلى اية حال، هذا لا يعني القول بانه لا يوجد من جديد او ما له قيمة في كلام بوش او الكتابات التي صاحبته. وفوق كل شيء، يشير البيت الابيض الى شيء بسيط جدا: هذه المرة، ان الامر حقيقي. ربما سمعتم عن الاستراتيجية من قبل. ربما سمعتم عن تدريب القوات العراقية. ولكن في هذه المرة، انها تعمل بحق، طبقا لما تقوله الادارة. لذلك في منحنا فرصة نادرة يوم الاربعاء للتبصر بعمق حول طبيعة العدو وطبيعة الحليف. اولا، لقد حلل الرئيس طبيعة العدو في العراق. في الماضي، كان بوش يشير ببساطة الى الارهابيين او المقاتلين الاجانب في حين كان كبار مسؤوليه يشيرون الى احتمال وجود مجموعة من اليائسين او البعثيين. وفي رسالته حول حالة الاتحاد في شباط، على سبيل المثال، تحدث بوش عن "الارهابيين والمتمردين" مصرحا ببساطة بان" مجموعة صغيرة من المتطرفين سوف لن تفت من عزيمة الشعب العراقي". اما الان فان بوش يتحدث عن مجموعة واسعة من الناس، بضمنهم قطاعات كبيرة من الشعب العراقي ذاته. فقد وصف العدو بانه تشكيلة من الرافضين السنة(المجموعة الاكبر)، ومن الصداميين (ثاني اكبر مجموعة)، واخيرا "الارهابيين المرتبطين او المدفوعين من القاعدة". ان مناقشة مبكرة لمثل هذه التفاصيل ربما كانت قد ساعدت الشعب الامريكي على فهم ما كان يجري في العراق، ولماذا استمر القتال اطول بكثير مما كان متوقعا.؟ والمساحة الثانية التي تم توضيح رؤية الرئيس فيها يوم الاربعاء كانت طبيعة قوات الامن العراقية. يمكن ان يسامح عامة الناس لسوء فهمهم لطبيعة قوات الامن العراقية خلال السنة الماضية او ما يزيد. ففي ذروة الانتخابات الرئاسية في العام الماضي، اثير موضوع القوات العراقية مرارا متعددة، خصوصا في الاسابيع الختامية من الحملة. وتحت ضغط من جون كيري، اكد بوش مرارا انه كان هنالك اعداد كبيرة من العراقيين الذين تلقوا تدريبا و هم جاهزون للقتال. وفي ايلول 2004، عندما كان واقفا الى جانب رئيس الوزراء العراقي في حديقة الزهور بالبيت الابيض، قال بوش ان هنالك 100000 جندي و رجل شرطة على الارض- و هو الرقم الذي سيتضاعف في نهاية عام 2005." بمساعدة الجيش الامريكي، فان تدريب الجيش العراقي قد اكتمل الى المنتصف تقريبا" كما قال. وعندما انتقد كيري وآخرون تلك الاعداد، كان سيناتور ماساشوسيت قد اتهم بشكل واسع في كونه غير وطني و يقوم بإضعاف حليف حيوي للولايات المتحدة بشخص رئيس الوزراء العراقي. ومع ذلك في نهاية العام، بعد الانتخابات، اقر بوش نفسه بان العديد من تلك القوات العراقية لم تكن جاهزة لمواجهة متطلبات المعركة. يا له من فرق احدثه عام واحد. " ان تدريب قوات الامن العراقية هي مهمة كبيرة" كما قال الرئيس يوم الاربعاء" كما انها لم تسر ابدا بشكل انسيابي". طبقا لقياسات بوش البيت الابيض، فان ذلك يرتقي الى مصاف اعتراف كبير بالخطأ. لقد تعامل بوش على عجل مع سلسلة اعداد اعتبرها هو "تقدما حقيقيا": 120 فوجاً من الجيش والشرطة يتراوح كل منها بين 350 و800 جندي. وما يقارب 40 من تلك الافواج تأخذ المبادرة في القتال، و يقدم الامريكان الدعم لهم. كما ناقش الرئيس "التقدم الحقيقي" في التدريب ايضا، بتولي العراقيين القيادة بدلا من الضباط الاجانب. كل ذلك يمثل نقلة بالنسبة للادارة وللعراق: انها اجراءات يعتمد عليها اكثر من اي شيء سمعنا به من قبل. ان المشكلة الحرجة بالنسبة الى الرئيس هي ان كان الشعب الامريكي يثق به. فبالإضافة الى فقدان المصداقية في عملية الاستعداد للغزو، يعاني البيت الابيض ايضا من التعب الشديد بسبب دعاية اعادة الاعمار. فقد كان هنالك الكثير من التصريحات التي كانت قبل اوانها عن التقدم الحاصل، و كان هنالك الكثير من الخطب الرئيسية حول العراق، التي تبين بان هذه اللحظة تشبه الاخريات. ان التحدي الان بالنسبة الى الرئيس بوش يتجسد في الداخل بنفس القدر الذي يواجهه في العراق: من اجل اقناع الامريكان بانه واقعي هذه المرة بدون الاذعان بانه قد كرر القصة مرارا من قبل.


العلاقات الفرنسية- الالمانية:ارث تناقلته الأجيال لبناء الاتحاد الاوربي

بقلم: فيليب دوست بلازيه
ترجمة: عدوية الهلالي

عن: لو فيغارو

شكلت الزيارة الأولى لمستشارة ألمانيا الجديدة (انجيلا ميركل) الى باريس صفحة جديدة في التاريخ الحديث حيث جعلت من الثنائي الفرنسي الألماني ممثلا كبيراً للسلام والبناء الاوروبي. هذه العلاقة التي بدأت من ايديناور الى جيرهارد شرويدر، مرورا بهيلموت شميدت وهيلموت كول، فقد وضع الرجال بصمتهم على خارطة تاريخ قارة أوروبا ودفعوا تقدم الشعوب الاوروبية التي كان يعوزها مثل هذا المشروع المشترك.
والان، تجري لقاءات مستمرة بين الطرفين وتبذل جهود لإنعاش الحافز المشترك باتجاه تحقيق الامال الكبيرة بالتحول الى العالمية.
وتواجه ألمانيا وفرنسا اليوم مسؤولية مشتركة في اعادة بناء السلام في أوروبا، فعلى بلدينا ان يجدا نفسيهما بالعودة الى الاصول والى تاريخهما المشترك الذي يمتزج مع المشروع الجديد مشكلا رفضاً مشتركاً للبربرية النازية وترسيخاً لفكرة جديدة مؤكدة عن الإنسان.
وتعني العودة الى الاصول ايضا وضع المواطن الاوروبي في قلب المشروع وضرورة تبصيره بمحتوى السياسات التي تقوده باعطائه ادلة مادية وملموسة حول ما ينفع أوروبا ومستقبلها، وجرى ذلك بهيئة اقتراحات عدة قدمها مؤخرا رئيس الجمهورية في قمة هامبتون كور، حيث جرى الحديث عن ترسيخ التعاون الاقتصادي ومناقشة موضوع الهجرة.
وتعني العودة الى الاصول التأكيد على سريان الاهداف الأساسية للبناء الاوروبي وشرعيتها ومنها تشجيع السلام وتحقيق الاتحاد والرفاهية لشعوبه. وبمواجهة التطورات والتغييرات العالمية، على أوروبا ان تتساءل حول وضعها ومكانها وان كان هناك ما يحمي مصالحها كما تعني ايضا الالتزام بالعهد الاوروبي امام الشعوب الاوروبية والعالم فالاتحاد الاوروبي عليه ان يلعب دورا فعالا في المشهد العالمي وان يحقق خطوة حقيقية من الاستقلال والسيادة والمهارة ويظهر تطورات في سير عملياته الحربية الى جانب القضايا الإدارية والتجارية والصناعية، فالسياسة الاوروبية بحاجة الى الأمن والدفاع وعملياتها العسكرية والمدنية في البلقان وافريقيا وحتى في غزة دليل على ذلك..
وتضع الشراكة الفرنسية- الالمانية هذه الرهانات امام عدة مطالب ستجري مناقشتها وتشخيصها في المجلس الاوروبي الذي سينعقد في حزيران عام 2006 لتحديد بعض الاتفاقيات الدستورية التي ستنفذ غالبا خلال الرئاسة الالمانية للاتحاد الاوروبي في النصف الأول من عام 2007. واذن، يتوجب علينا استخدام هذه الفترة للتأمل والتفكير العميقين وتوطيد العزم على اخراج الاتحاد من الطريق السياسي المسدود الذي وجد نفسه فيه بالتفاوض حول الامكانيات المالية المتاحة واجراء اتفاقية انية حول الاقتراحات والعروض التي رافقت رئاسة لوكسمبورغ للاتحاد في حزيران الماضي.. فألمانيا تدرك جيدا ان كل عضو في الاتحاد لا بد ان تكون له حصة في تنفيذ مطالبه مهما بلغ اتساع هيكل الاتحاد وان يصب كل ذلك في خدمة الاقتصادات الاوروبية، ويجب ان تتكيف علاقتنا مع ألمانيا مع التطورات العالمية ولهذا السبب على الثنائي الفرنسي- الألماني ان ينفتح على الآخرين وان يوطد علاقته مع بولونيا على سبيل المثال مع استثمار طاقاته بشكل كامل وتطوير علاقة المصالح المتبادلة مع المملكة المتحدة بشأن الدفاع ومع اسبانيا بشأن البحث والهجرة.. كل هذه الجهود، يجب متابعتها لان الثنائي الفرنسي - الألماني يجب ان يقتات على علاقات التعاون فهي ثمرة تاريخ تم نسجه على مدى الستين سنة الأخيرة ويجب الا نحرم أنفسنا من ان نمثل اوربا وان نفكر مع ألمانيا بمستقبل اوروبا وبالتعرض لجميع المواضيع كالحدود والاستراتيجية والاقتصادية والعملة الموحدة و البيئة الاجتماعية ونظام المؤسسات .. خاصة ان البيان المشترك الذي تم التصديق عليه في الذكرى الاربعين لمعاهدة الاليزيه في 22 كانون الثاني 2003 كان قد حمل عنوان (الصداقة الفرنسية- الالمانية في خدمة المسؤولية المشتركة لمصلحة اوربا).
ويقتفي الثنائي الفرنسي الاروروبي حاليا اثر الطريق لاتباعه، ودليل على ذلك زيارة ميركل الى باريس بعد الترشيح البرلماني لحكومتها وقبل ذهابها الى بروكسل، وهكذا يظهر لنا ان الثنائي يمتلك ادوات ملائمة تليق بالارث الذي تركه الجنرال ديغول والمستشار اديناور وعمل حلفاؤهم من بعدهم على اغنائه، فاوربا بحاجة اكثر من أي وقت معنى الى اتجاه محدد تسير نحوه، ويعمل الثنائي الفرنسي- الاوروبي حاليا بواسطة تجربته ومعارفه المشتركة والمتبادلة على حفر اخدود عميق في تاريخ العلاقات المشتركة وهو ما يفرض على البلدين اعادة تسيير أوروبا وتحميلها مسؤولية المشاركة في تجسيد طموح بناء الاوروربيين بعد بناء اوروبا... كما يتحتم علينا ايضا مواصلة العمل لصالح سياسة أوروبا القوية والمؤثرة في العالم وهذا بالنسبة لي يؤدي الى صنع أوروبا سياسياً، فالتطور الذي شملها لم يكن هبة جاءتها من جهة عليا بل نشأت بفضل تقاسم العمل المشترك مع المواطنين لتشكيل الاتحاد وهذا يدل على متابعة اتفاقياتنا وادامة ارتباطنا للقضاء على الازمات، وما حدث في البلقان والشرق الادنى بين لنا كيف ان الاتحاد مشغول بان يضمن التطور السلمي في غزة وكذلك في الازمة الايرانية حيث يلعب الاتحاد مع المملكة المتحدة دوراً هاماً ويقفان معا في الطليعة لادامة السلام.

 
 

 

للاتصال بنا  -  عن المدى   -   الصفحة الرئيسة