المدى الثقافي

الصفحة الرئيسة للاتصال بنا اعلانات واشتراكات عن المدى ارشيف المدى
 
 

أيها الكتاب صدقوا: خمس كلمات قادت إلى الشنق
 

"الحزبيون المصلحيون"
"أحزاب وطنية زائفة"
جملتان وردتا في محاولة قصصية متواضعة تظهر فيها أخطاء البدايات مثلما فيها جموح الشباب ورغبته في التحرر. محاولة كتبها صلاح عبودي وهو في الثالثة والعشرين من عمره أدت إلى إعدامه على أعواد المشانق.
ليست هذه الحكاية من الخيال، أو مستلة من روايات امريكا اللاتينية، إنها واقعة حقيقية من زمن الصنم صدام، ولو كتبها ماركيز، أو استورياس، أو كويتزي لتصورنا أنها من نسج خيالهم الخلاق، فلا يمكن لعاقل يمتلك جزءاً يسيراً من الضمير والإنسانية أن يتخيل أن خمس كلمات كافية لقتل إنسان في مقتبل العمر. لكن زمن طاغية العراق يعج بقصص وغرائب وفظاعات تفوق الخيال.
ولكن هل يصدق الكتاب أينما كانوا أن خمس كلمات يمكن أن تقود إلى الشنق؟!
ربما لا يصدق البعض أن أصابع عواد البندر الذي يظهر جالساً هذه الأيام إلى جنب طاغيته ملطخة بدماء آلاف الأبرياء من العراقيين.
ربما يشكك بعض العرب بشهادة أحمد الحيدري شاهد قضية الدجيل على الرغم من كونه شاهد عيان عاش مأساة الدجيل بالوقائع والأدلة وأسكت الملايين وهو يسرد وقائع من عالم مظلم، وعبر عما كان يجول في ضمائر ملايين العراقيين، واسمع القاصي والداني أن صدام والبندر وبرزان قتلة ليس لهم نظير.
لقد قال هذا الناجي للعالم إن صدام وبرزان وعواد البندر أبادوا عشرات الملايين ومئات الأنفس من أهالي الدجيل بسبب بضع إطلاقات سمعها حرس صدام الخاص عن بعد.
ربما يعاند البعض ويكابر، ولكن هل يمكن ان نتخيل أن المجرم عواد البندر يشنق شاباً بسبب خمس كلمات تحتمل التأويل وردت في خاطرة عرضها كاتبها على شكل قصة.
لقد حاول كاتب القصة أن يقنع المحقق أنه لم يقصد بالحزبيين المصلحيين أعضاء حزب البعث وإنما قصد أعضاء الحزب الشيوعي في محاولة منه لإنقاذ حياته، إلا أن المحقق وعواد البندر لم يكونا ليسمحا ولو بكلمة واحدة يشم منها رائحة المس بالحزب وصنمه، فأمر بشنق الكاتب حتى الموت، بذريعة أنه عميل.
إننا هنا لن نسرد ما جرى لهذا الشاب وإنما سنعرض محضر التحقيق، وبقية الوثائق ليطلع عليها كتاب القصة إينما كانوا، ليكونوا على إطلاع على وحشية الجالس إلى جنب صدام في المحاكمة، وليخصبوا أخيلتهم ويتصوروا إلى أي مدى بلغت بربرية وإجرام عصابة تسلطت على رقاب العراقيين عقوداً من الزمن وليعرفوا كيف كان النظام همجياً ووحشياً وقاتلاً بامتياز، فلم يكن يسمح ذلك النظام الدموي بخمس كلمات في ورقة مطوية في جيب شاب حالم بالحرية لم يسمح بخمس كلمات في قصة متواضعة وصل فيها كاتبها إلى موضع الدفاع عن فلسطين، والدفاع عن حقوق الشعب الفلسطيني، قصة نادت بسقوط الإمبريالية والصهيونية.


عواد البندر يحكم بالإعدام  شنقاً حتى الموت على شاب كتب قصة قصيرة
 

المدى الثقافي

لم يكن صلاح عبودي صالح كاتباً معروفاً، ولم يصدر كتاباً ضد نظام الطاغية، وإنما كان طالباً جامعياً في مراحله الأولى يهوى كتابة القصة القصيرة، فكتب محاولة قصصية لم تكتمل ووضعها في جيبه، حتى إنه لم يضع لها عنواناً. وعبر في ما كتبه عن إحباطاته من واقعه الذي عاشه، كتب عن رفضه أن يكون قطعة شطرنج تحركه الأيدي كما تشاء.
(المدى الثقافي) تنشر بالتزامن مع محاكمة الطاغية ورئيس محكمته عواد البندر (ملف) إعدام شاب عراقي بتهمة كتابة قصة قصيرة في صفحة ونصف كتبها طالب جامعي في كلية الهندسة يدعى (صلاح عبودي صالح شمسه).
وردت في محاولته القصصية خمس كلمات لم ترق للأجهزة الأمنية.. هذه الكلمات الخمس هي ما بني عليه التحقيق ودفعت برئيس محكمة الثورة المجرم (البندر) إلى إصدار حكم الإعدام شنقاً حتى الموت بحق كاتبها دون تردد.
ننشر في هذه الصفحة المخصصة لهذا الشاب الشهيد النص الكامل للقصة، ووقائع محضر التحقيق التي دارت حول ما ورد في القصة من آراء وكلمات. المحضر الذي فتح في 10/2/1980 بمديرية أمن بغداد.
وننشر كذلك قرار الإعدام الموقع من قبل عواد البندر والمصادق عليه من قبل صدام، ونرفق معه بقية أجزاء (ملف الإعدام) وفيها شهادة وفاته، ومحضر الإعدام وهي وثائق صريحة ودامغة لا تحتمل المهاترة والوقاحة التي يقوم بها أركان النظام المباد في المحاكمة المهزلة التي جرت قبل أيام.


القصة
 

بسم الله الرحمن الرحيم
أريد أن أحيا، لا أستطيع أن أبقى مدفوناً هنا في هذه الرقعة الشطرنجية حيث جميع القوى السياسية تلعب لعبتها، أريد أن أتحرر منهم، هؤلاء الذين يلاحقونني أينما أذهب يملؤون أذني بكلمات ماتت عندنا منذ زمن بعيد، وأصبحت سلعة للاستهلاك المحلي والعالمي. وحركة هذا الثرثار الذي يحشو كلامه بالوطنية والتقدمية والاشتراكية إلى آخر ما في القاموس الصحفي من أموات.
أتخلص منه بصعوبة، وأمرق كالسهم نحو الشارع مجتازاً باب مدرستنا الثانوية العتيقة، لأنهب الطريق المليء بالحفر والبرك الصغيرة.
"ماذا سأفعل؟ آه
تذكرت الليلة.
ليلة رأس السنة: لولاك يا شمشون ما كنت لأعرف ماذا سأفعل؟
لقد بعثك القدر هدية ثمينة.
- هذه هي البطاقة
- لا تنس يا سامر سأنتظرك ها...
- حسناً يا شمشون، ولكن قل لي هل ستطفأ الأضواء عند الثانية عشرة و...
ابتسمت ابتسامة ماكرة لم تخف عليه، فاجأني بمثلها وقال:
- نعم وسنستمتع كثيراً.
- قلت اسمه النادي الآثوري؟
- نعم النادي الآثوري، إذا اردتني أعطهم اسمي وسيوصلونك إلي، فهم يعرفونني جيداً.
سأذهب إلى البيت لارتاح قليلاً، ما زالت نغمات من الهواء البارد المغمسة بدفء الشمس الشتائية تلفح وجهي، وعيناي تطاردان سيقان الفتيات بشهوة فاضحة استرها خلف نظارات شمسية ظننت إنها ستزيدني وسامة، لكنني أشعر هذه الأيام بفراغ يعتور نفسي، لا أعرف كيف أمضي وقتي الطويل هذا؟
- كيف تمضي وقتك يا سامر؟
سألني أحد أولئك الحزبيين المصلحيين بلهجة خبيثة، فأجبته بقلق:
- في الدراسة طبعاً.. لماذا؟
عرفت أنني كذبت ولكن لم أبال وخصوصاً مع وغد كهذا، وأفرجت عن ابتسامة مغتصبة توارت بعد حين خلف تلال من الضجر والكآبة.
- بالطبع أنا أعرف حرصك على الدراسة، لكنها ليست أهم شيء يجب على الإنسان أن يهتم بوطنه.
علمت أن اسطوانة الأحزاب الوطنية الزائفة قد عزفت، فلملمت شتات فكري لأرحل بعيداً في عالم الأحلام هناك حيث تنتظرني منى.
وتتهادى سيارة كبيرة في مشيتها الوئيدة، كأنها تحمل ثقل السنوات العشرين أو أكثر من عمرها.
وأصعد إلى تلك السيارة المرتجفة، وكأن برداً قد أصابها فأصيب مقعداً مهترئاً من مقاعدها الكثيرة، وسرعان ما التهمت هذه السيارة أفواجاً من الطلبة لا تتصورها، حتى كانت الأجساد والحقائب تتداخل بعضها مع بعض، وكأن السائق أراد أن يبرهن لهذه الجموع (المثقفة) عن علو كعبه في ميادين الفكر، (فأيقظ) المذياع من سبات أستطيع أن أحدد فترته بين ذهاب الطلاب وإياب..
(إن الخائن السادات قد باع قضية فلسطين وشعبها، بل باع وطنه وشعبه وأمته لمصلحة الإمبريالية الأمريكية والصهيونية وعملائها، إن شعبنا العربي هنا وفي كل مكان سيرد على هذه المؤامرة الدنيئة..).
ورأيت أصابع أحد الطلبة تمتد إلى شعر إحدى الفتيات ويغمزه، وترد عليه بضحكة (بريئة).


محضر التحقيق حول القصة

أفاد المتهم صلاح عبودي شمسه عمره 20 سنة، شغله طالب في كلية الهندسة / قسم الكهرباء، يسكن بغداد حي المعرفة (السيدية) رقم الدار 9/11 يفيد ما يلي:
بتاريخ 3/2/1980 بينما كنت أروم الذهاب إلى مدرسة البغدادي الدينية لغرض الوضوء، وفي أثناء دخولي المدرسة جوبهت بسؤال من أحد الأشخاص الموجودين في المدرسة:
(ابرز لي هويتك)!
فأجبته بأن هويتي في البيت، ثم سألني عن أسمي الكامل فأعطيته اسمي، وسألني عن عملي، فأجبته بأني طالب في إعدادية النجف في النجف، وفي تلك الأثناء كنت مرتبكاً، فكرر علي سؤال:
- تكلم ما هو عملك؟
فأجبته وقلت له بأني: طالب في كلية الهندسة في بغداد.
ثم صحبني إلى مديرية أمن النجف.
س1: عثر في حوزتك على رسالة، بين لنا ما هو فحوى هذه الرسالة؟ وما هو سبب كتابتك لهذه الرسالة؟ ولمن تروم إرسالها بين لنا ذلك مفصلاً؟
ج: إن هذه الرسالة تتضمن مقالاً لقصة حياتي قبل خمس سنوات، وإن سبب كتابتي لها هو محاولتي لكتابة القصة، حيث لي هواية بذلك، وإني محتفظ بها لنفسي في جيبي، لأني أريد أن أكملها بشكل قصة، وليس لي أي مغزى في إرسالها لأي شخص.
س2: في مضمون الرسالة سؤال موجه إليك من أحد الحزبيين المصلحيين حسب تعبيرك وبلهجة خبيثة، فكان جوابك له بقلق: في الدراسة طبعاً؟
بين لنا ماذا تقصد بكلمة الحزبيين المصلحيين، ولأي فئة سياسية ينتمي هذا الشخص الذي سألك هذا السؤال؟
ج: سألني هذا السؤال، هو الشخص الشيوعي سلام كامل أحد أصدقائي سابقاً، وأجبته بهذا الجواب لكي أتخلص منه، ولا أريد أن أتقابل معه؛ لأنه شخص شيوعي وأنا شخصياً انزعج من الشيوعيين.
س3: كما ويوجد في مضمون رسالتك عبارة (علمت أن أسطوانة الأحزاب الوطنية الزائفة).
بين لنا ما المقصود بهذه العبارة، وما هي الأحزاب الوطنية الزائفة؟
ج: إني أقصد بهذه العبارة الحزب الشيوعي لكونه يدعي الوطنية.
س4: هل لديك أقوال أخرى؟
ج: كلا وهذه إفادتي

توقيع        توقيع


سيرة موجزة لكاتب القصة


ولد صلاح عبودي صالح في محافظة النجف عام 1960، دخل المدرسة الابتدائية عام 1967، وتتلمذ في مدرسة اليعربية في الكاظمية، وأكمل دراسته المتوسطة عام 1974 في متوسطة الإمام علي في النجف، تخرج بعدها في إعدادية الكاظمية للسنة الدراسية 79-80.
اشترك في تظاهرات مدينة (الثورة) أبان ذاك وهو في عمر التاسعة عشرة في حزيران 1979، وحكم عليه بالسجن المؤبد، إلا أنه شمل بقرار العفو حينها فخرج من السجن ليواصل دراسته في قسم الكهرباء كلية الهندسة جامعة بغداد.
في إحدى زياراته إلى مدينته النجف في شباط 1980 ألقي عليه القبض مرة أخرى وهو في طريقه للصلاة في مدرسة البغدادي الدينية، فشعر بالارتباك وأخبرهم بإطلاق سراحه لشموله بقرار العفو، إلا أن الأجهزة الأمنية فتشت جيوبه وعثرت على القصة القصيرة التي لم يكمل كتابتها بعد، ووصفها هو في التحقيق إنها محاولة لكتابة قصة قصيرة، وللقراء والنقاد أن يلمسوا تواضعها وركاكتها، إلا إن المحققين وجدوا أن القصة التي سموها (رسالة) تتضمن عبارات يشم منها رائحة حاقدة على (الحزب والثورة) حسب كتاب مديرية أمن النجف آنذاك.
وأنجز التحقيق وقدم صلاح عبودي إلى المحاكمة في محكمة الثورة، فحكم عليه عواد البندر بالإعدام شنقاً حتى الموت استناداً لماضيه وللتحقيق الذي جرى حول القصة، وصادق طاغية العصر صدام على قرار الإعدام، واعدم في 28/7/1983


مرجعيات وحضور..الفنانون التشكيليون العراقيون في عمان 

  •  آل سعيد.. مدرسة عربية في الفن التشكيلي مازالت قائمة
     

محيي المسعودي - عمان
يبدو الفن الحقيقي وكأنه التشكل الحسي- بل الحواس- المنطلق بسرعة خارج قبضة الرصد الزمني في لحظته وما يقع بين ايدي النقاد منه ما هو الا اثر يسجل فعل الفن في لحظة المرور وفي الزمن الذي يتداول فيه فن ما النقاد أو حتى الفنانين فان هؤلاء لا يمكنهم في تلك اللحظة تحديد مكان ذلك الفن المنطلق في فضاء الابداع المفتوح بلا نهاية ولان الفن يدرك بالحواس أكثر منها بالعقل لذلك يمثل بذاته مكانا حقيقيا ومناسباً لما يمكن ان نسميه بالعقل الحسي.. الموازي للعقل البشري الارادي - القائد- وحديثي هنا عن الفن عامة والتشكيل خاصة لان الاخير سيكون موضوع حديثنا.. فقد لعبت الفنون التشكيلية دورا مهماً وكبيرا في حركة ووجود الكائن البشري على الأرض منذ عصور الكهوف ورسومها الطقوسية الى ايامنا هذه ربما كانت في زمن موغل بالقدم تحمل الرسوم قدسية عقائدية ولكنها اليوم اداة وحال بشرية يحاول الإنسان البحث فيها عن ذاته من خلال ذاته نفسها وما تحتويه من مكونات وطاقات يجهل مقدارها وقدرها في تحقيق وكشف المساحات الغيبية من الوجود عامة والوجود البشري خاصة وإذا كان وجود وحركة الفن في داخل الإنسان تبعث المتعة عند ممارستها أو مشاهدتها فان ذلك لا يعني انها مجرد ترف أو لهو يمارسه الإنسان بغرض التسلية واظهار المعارات وابهار العين بل الفن باعتماده الحسي صاحب رقعة اوسع من رقعة العقل لان الحس يمثل الاركان الأساسية من حياة الإنسان فالانسان يستقبل ويرسل ويرفض ويطلب ويأكل بناء على حسه وما العقل الا مدير ومدبر ومساعد على تنظيم حركة الحواس وحاجاتها.. والحس ينظم حيوات كثيرة غير الإنسان- كعالم الحيوان والحشرات وحتى النباتات وما دام الحس على هذه الأهمية ينبغي تناوله من خلال العقل.. تحليلا.. وليس تفعيلاً لانه يختزن حاجته للفعل بذاته (عندما تشعر بالجوع تأكل أو تشعر بالعطش تشرب..) وتعد الفنون البصرية كما قلنا من بين أهم ميادين الحس التي يتحرك فيها ويجسد فعله وذاته وهذا ما تحقق فيها ويتحقق هذه الأيام مع الفنون التشكيلية ورحلتها ذات المحطات المتعددة في عصرنا هذا منذ بداية التنوير في أوروبا.
لا اريد عرض المدارس الفنية العالمية التي سجلت حضورها ومضت ولا اريد ذكر روادها لأني لست معنيا في هذا الحديث بتاريخ الفن وتطوره ورواده ولكن في هذا التسلسل الزمني لتطور الفن تجارب وهي تؤشر الطريق أو الاثر الذي تركه الفن وحسب.. الفن المنطلق بلا توقف نحو الغيب في محاولة استكشافه.. وليس مطلوباً من الفنان حتى يكون فنانا تجريديا ان يمارس ويعيش طويلا كل المراحل الفنية التي مضت بدءاً بالانطباعية مثلا وانتهاءا بالتجريد أو ما بعده وليس صحيحا ايضا ان يقفز الفنان بلا مقومات نحو خلاصة رحلة الفن، لان الفنان ذات ينبغي بناؤها بناء صحيحا يختزل فيه كل مسيرة الفن ثقافة وقدرة على الممارسة ووعيا كاملا عندها يكون مؤهلا للانطلاق من اقرب نقطة من راس السهم -الفن- المنطلق بسرعة في عالم الابداع كمحاولة سباق حقيقية مع اقران له لاكتشاف الغيب أو البحث عن الحقيقة مستندا الى الارث الفني ليكون فنه هو نفسه بعد زمن ارثا لم يتبعه من الفنانين... لذلك نجد على الساحة العربية والاردنية معظم الفنانين ان لم يكونوا كلهم يعملون فوق ارث فني اما محلي أو عربي أو عالمي بعضهم يبني فوق هذا الارث ويضيف له والبعض الآخر يظل ساكنا فيه ويكتفي بتحريك مفرداته والبعض الآخر يسرق منه فيسيء للارث ولنفسه ولن نتعرض لمن اساء لاننا لا نريد الانجرار في سجالات طويلة ولكن ننظر للذي بنى واضاف بزيادة العطاء أو الاختلاف لا شك ان تتابع المدارس هو اختلاف واضافة في نفس الوقت رغم تتابعه وقد يكون المكان الذي يحدث عليه الفن أو البيئة الاجتماعية والثقافية تدفع الى ذلك التغير أو التناسخ أو التناسل فباريس مثلا تعد المكان الذي انجز فيه القرن العشرين كما قال الناقد الفرنسي المعروف شارلز استيان والذي اشرف على افتتاح المعرض الأول لجماعة مدرسة باريس الجديدة ولاشك ان لفرنسا مثل هذا الفعل فقد انجزت في باريس خلال القرن العشرين الانطباعية، والوحشية والنابيز والتكعيبية وحتى التجريدية وكان للمكان والثقافة اثر كبير وواضح في تلك الفنون التي بدأت في باريس برحلة اكتشافات الظواهر المختلفة ولكن باريس لم تقف عند هذه النقطة بعد ان نافستها نيويورك فتخلت عن الفن ذي الطابع القومي وتأسست مدرسة تجريدية تعبيرية مختلفة عن تجريدة كاندينسكي، هذا الوجود للمكان وللانسان داخل العمل الفني حقيقة وصورة لان الفن صحيح ليس تقليدا للطبيعة ولكنه الاحساس بها واستكشاف ما خفي داخلها من خلال ذلك الاحساس وهي مرحلة البداية للفن الذي ينبغي له الانتهاء من الاكتشافات لظواهر الطبيعة وباطنها والتوجه لمحاولة خلق شيء اسمى أو الانتهاء الى اللاشيء وحتى لا نذهب بعيدا في الفلسفة والتنظير نعود الى واقع الفن التشكيلي العربي وهو حزء من كل بالنسبة للفن العالمي ولكن له خصوصيته بحكم الحياة المشتركة والطبيعة الواحدة والهم الواحد للمجتمع العربي الذي يكاد يكون ذا ذوق واحد ايضاً.. كما هو المصير وكذلك الفنانون كما يصفهم جبرا ابراهيم جبرا بأنهم مهما حاولوا الخروج لعالمية الفن يظلوا مرتبطين بتراث امتهم وهنا نتحدث عن فن يستكشف الظواهر ويذهب احيانا الى اكتشاف البواطن خجلا أو على استحياء وهذا ما نراه على الساحة التي تعج بالمعارض الفنية العربية في عمان مما يجعل هذه الساحة عينة لفحص مسيرة الفنون التشكيلية العربية مع وجود فنانين كبار رواد مبدعين هم وطلابهم من الاردنيين وهكذا الحال مع بقية الاقطار العربية التي اتخذ فنانوها عمان مكانا لعرض تجاربهم وما يهمنا هنا هو الاشارة الى ضرورة رصد ودراسة العلاقة بين الأجيال العربية المختلفة ويبدو لي ان التجربة العراقية اقرب مثال قابل للتعميم على التجارب العربية إضافة لكونها جزء واساسا من التجربة العربية ولها علاقة خاصة وقوية مع التجربة الاردنية تحديدا وذلك بسبب التواجد العراقي الكبير والمستمر على الساحة الاردنية مع مطلع التسعينيات.
الى درجة بات من المقبول القول ان التجربة العراقية الاردنية تكاد جزءا تكون واحدة خاصة في مرحلتها الأخيرة حيث نجد فنانين عراقيين شباباً مارسوا الفن في عمان بنوا تجاربهم بين فنانين اردنيين مباشرة أو من خلال تجارب مشتركة وهكذا الحال مع الفنانين الاردنيين حيث نجد بعض التجارب الكبيرة والمهمة مبنية على ارث فنانين رواد عرب وعراقيين كشاكر حسن ال سعيد ومهر الدين والترك ورافع الناصري وغيرهم والبعض مقيم في عمان منذ زمان.. علما ان هؤلاء الرواد بنوا تجاربهم ايضا على رواد سبقوهم كجواد سليم ورهطه والذين بدورهم كانوا بناءا على تجارب عالمية معروفة، ولكن السؤال الملح، هل هناك نمو حقيقي في مسيرة هذا الفن العربي ككل؟ يظهر من خلال تعاقب الأجيال والتجارب (للاسف) لا توجد ملامح لتجربة قوية من هذا القبيل حيث يعاني الفنان العربي من التشتت ما بين العالمية والعربية هذا باستثناء القليل القليل الذي يغلب عليه التزويق المحلي انسانا ومكانا وهذا لا يعني انعدام انجاز الفنان العربي بل بالعكس وجدنا فنانين بنوا بشكل جيد على ارث عربي كالذي بناه البعض على تجربة ال سعيد ومهر الدين مثلا أو على تجارب علمية وعربية اخرى وحتى مع الشباب فقد لاحظنا في معارضهم الأخيرة امتداداً لتجربة عالمية، في استظهار اوجاع الإنسان وهمومه من خلال الشكل البشري والتجربة ايضا في احدى مراحلها تظهر لدى الفنان السوري سبهان ادام.
وقد لاحظنا في تجارب اردنية شابة عرضت مؤخرا اعمالا تجريدية اضافت لمنجز الفنان الاردني الاخذ بالتراكم ولكنها اختلفت وتباينت بالتعاطي مع مفهوم التجريد فمثلا محمد نصر الله يتعامل مع التجريد في مستوى يبقي ملامح للتشخيص تدل على مضامين قصد الوصول اليها يحدث هذا في ظل رغبته الجامحة على فتح نافذة للجمهور العادي كي يدخل في اعماله وهكذا الحال نجده مع أعمال غادة دحدلة وهي ترسم لوحتها ذات الطابع المعماري، وعند الشباب نجده ايضا لدى بدر محاسنة والاء يونس، وبينما يترك هؤلاء الفنانون بعضا من التشخيص والقصدية داخل اللوحة أو انهم يفعلون هذا توافقا مع فهمهم وقدراتهم الذاتية، نجد على جانب اخر فنانين طمسوا الملامح والقصدية في محاولة اخرى للحديث من خلال اللون ومساحاته والخطوط والاشكال اللامعروفة عاقدين حوارا ما بين هذه الاشياء (الآتية من حس الفنان) وثقافة وذائقة المتلقي الحسية وهم بهذا يعتمدون على رؤية واساليب تجريدية عمل فيها الفنان شاكر حسن ال سعيد ومحمد مهر الدين ورافع الناصري فمثلا بينما يطرح الناصري في لوحته مناخا لونيا انيقا وجذابا يبعث على الاسترخاء والتفكير والتامل نجد الفنان الاردني محمد العامري يبني لوحته على هذا المناخ ولكن بالوان قاسية ومؤلمة تترجم عذابا أو وجعا ناتجا عن شعور داخلي كتوم بالوحدة والغربة والكآبة التي تطوح بالانسانية المختزلة في ذات الفنان، كما نرى تجارب شباب عراقيين يحاولون البناء على تجربة ال سعيد مثل محمد الشمري ونديم كوفي ونزار يحيى الذي يقترب كثيرا من مهر الدين بينما الشمري يعمل وكأنه يكمل مسيرة ال سعيد، ولكن لا احد من الجميع استطاع ان يطرح عملا جديدا وجريئاً كالذي طرحه ال سعيد حين عرض الحائط بكل ما عليك لوحة وعرض الاشياء المهملة والمنسية اعمالا فنية اولاً في جرأة الطرح وثانيا كشكل جديد للوحة وثالثا كفلسفة ومذهب فني يخصه كما هي نظرية البعد الواحد تخصه، وبالتالي طرح نفسه كمشروع فني له ملامح ومسيرة طويلة وفاعلة انتهت بان الفن قادر على الوصول الى اللاشيء كما يقول ال سعيد في كتابه (الحرية في الفن) (استقصاؤنا لما وراء الرؤية في الفن ينتهي بنا الى الفن الحقيقي وهو فن اللا شيء).
وبهذه الرؤية الفنية يصل ال سعيد الى الحقيقية التي يبحث عنها لم يكن الرجل قد قفز الى هذه الرؤية قفزا بل زحف اليها زحف السلحفاة طوال عقود، صحيح انه اختزل الكثير من المراحل والمدارس الفنية ولكنه كان يعيشها ويعرفها جيدا وتوقف عندها ردحا من الزمن اما مؤمنا أو متثقفا بها وهذا ما يؤكده الفنان هيمت محمد علي عندما يصف ال سعيد بانه قبل عشرين عاما كان متحمسا للفنان الاسباني تابيس كتب عنه كثيرا وتحدث لطلابه عنه طويلا ولكن بعد العشرين عاما كان ال سعيد اقرب للحلاج والسهروردي من تابيس كما يقول هيمت وهذا هو درب الفنان الحقيقي الذي ظل منطلقا مع الفن بشرعة متوازية.
بدأ ال سعيد في العراق وافرغ فن ايامه الأخيرة في عمان بين طلاب ومريدين له من الفنانين الاردنيين والعراقيين والعرب وبقي منطلقا في هذا المضمار هو ورفاقه وهم يقودون طلابهم نحو هدف يلمسونه ويسعون ه وهو وحدة هذه الامة في كل مكوناتها، وقد شهدت الـ 15 عشر عاما الأخيرة حضورا عراقيا فنيا كثيفاً في عمان فرضتها الظروف الصعبة والمختلفة في العراق مما دفع اغلب الفنانين الى زيارة عمان واقامة المعارض أو الاقامة فيها بشكل دائم وحتى الفنانون الذين ذهبوا الى اوربا وامريكا وحصلوا على الجنسية ظلوا يتوافدون على عمان ويقومون بعرض تجاربهم فيها وهؤلاء كثيرون ومنهم، هيمت محمد علي - نديم كوفي- حليم مهدي- عباس البابلي- وهؤلاء من الشباب ومعهم من الفنانين الاوائل مثل الفنانة بتول الفكيكي واخرين ، وكلهم يلتقون في عمان لذلك كانت هذه المدينة خلال هذه الفترة حاضنة لفن ابناء بلاد الرافدين مما يؤشر ويبرز الامتزاج والتكامل بين الفنانين العرب واعتقد ان هذه الحال هي الحال الحقيقية والصحيحة في توجه الفن العربي نحو اللوحة العالمية المشغولة بالهم الإنساني الواحدة والمبتعدة عن التزويق التراثي أو الإنساني أو الطبيعي لاقليم أو دولة معينة.


الخيال العلمي في الأدب والفن
 

نيكولاوس نويمان
ترجمة: قاسم مطر التميمي

بعد (حرب النجوم) حل السلام على الأرض وشعر ناشرو كتب الجيب بشعور حسن، فقد تضمن البرنامج على اية حال خيالهم العلمي، ومنذ النجاح الكبير الذي تحقق للمغامرات الكونية المصورة سينمائياً والشوق للفضاء الخارجي يزداد حدة واثرا في النفوس. وصار الشبان الذين ذهب الخيال بهم بعيدا يتطلعون الى احراز حظوظهم في المجرات البعيدة أو في مقابر عصور ما قبل التاريخ.
ان يوميات الفضاء الكوني التي تمثل كنز ذهب حقيقي لمنتجي الأفلام في هوليوود، (حرب النجوم) حقق دخلا يربو على 500 مليون دولار و (اللقاء الرهيب مع النوع الثالث) أكثر من 300 مليون دولار قد ملأت في غضون ذلك خزائن ناشري كتب الخيال العلمي بالمال الوفير. قال الناشر (هاينه)
Heyne من مدينة ميونيخ وقد بدا مسرورا وليس بوسعنا ان نشبع هذا الجوع الفجائي للخيال العلمي، وكان هذا الناشر قد حقق صفقات جيدة بما يعرف ببضاعة الخيال العلمي SF-Ware.
في أمريكا حيث يطرح في الأسواق سنويا قرابة الف عنوان جديد في حقل الخيال العلمي، اذ بلغت اساطير التكنولوجيا Mythen dex Technologie في اثناء ذلك طبعات كثيرة ما كان للناشرين ان يحلموا بها من قبل : (اطفال الكوكب الصحراوي) لمؤلفه فرانك هيربرت Frank Herbert بلغت عدد نسخه أكثر من مليون ونصف المليون نسخة. و (الحرب الخالدة) لمؤلفه جوهالدمان Joe Haldeman بيعت منه مائتا الف نسخة في غضون ستة اشهر. وحتى المؤلفات القديمة التي مضى على تأليفها بضعة عقود من الزمان قد اعيدت طبعاتها من جديد في الولايات المتحدة الأمريكية. فقد اعيدت طباعة الف وخمسمائة عنوان كلها في الخيال العلمي science fiction وحققت مبيعاتها ارباحا طائلة.
ومع تعدد الطبعات وازدياد كمياتها ازدادت ايضا مكافآت المؤلفين ارتفاعاً. فبعد ان كانت مكافآتهم في عقد السبعينيات من القرن الماضي لا تزيد على خمسة الاف دولار للرواية الواحدة. أصبحت الان تتراوح بين خمسين الفاً ومائة الف دولار. وكانت اعلى مكافأة دفعتها دار النشر (فاوست)
Fawcett لفريق المؤلفين الامريكيين نيفن/ بورنيل Niven/ pournelle عن روايتها الكونية (في عين الاله) 236 الف دولار.
وتعد مثل هذه المكافآت خيالية في ألمانيا أو هي محض خيال. حقا لقد سجل مراقبو سوق الأدب في ألمانيا ازدهارا في ادب الخيال العلمي. اذ يطرح في اكشاك الكتب ما يربو على مائة وخمسين عنوانا في السنة ويطبع من كل عنوان قرابة عشرين الف نسخة فضلا عن ان هناك عددا من المجلات تعنى بادب الخيال العلمي محلية وأجنبية لعل ابرزها
science, titan, science fiction reader fiction classic.
بعض المؤلفين الالمان الكلاسيكيين احرزوا شهرة عالمية في حقل الخيال العلمي. فالى جانب فرنسا (جول فيرن) jule verne وانكلترا ، (هـ . ج. ويلز) H.G.Wells فان ألمانيا من اقدم البلدان المنتجة للادب الخيالي. فقد سبق لعالم الطبيعة (كورث لا ستفتز) 1848-1910 ان احرز نجاحا مذهلا في أمريكا حينذاك بعد نشر روايته ( على الكوكبين) التي تدور احداثها فوق كوكبين من مجرة درب اللبانة، اما الخيالي والسريالي والشاعر الوجداني (باول شيربارت) فقد ادهش نقاد الأدب الالمان بروايته lesabendio. وكان في المقدمة المهندس (هانز دومينك) 1872- 1945 الذي حجز لنفسه مكانا في القمة منذ زمن طويل في ادب الملهاة الخيالي الألماني من خلال رواياته الناجحة: (اطلنطس) و (بلاد من فار وماء) و (احتراق هرم خوفو).
وكتاب السرعة المعصرون من امثال (فالتر ارنستنغ)
wallter ernsting (30 رواية خيال علمي) و (كارل هيربرت karl Herbert ، 150 رواية خيال علمي). ليس بوسعهم مستقبلا ان ينتقصوا من سمعة ألمانيا في حقل الخيال العلمي. فقد اهتم بها في غضون ذلك جمع من المؤلفين الشباب. كان توجههم ان يقللوا كثيرا من أعمال العنف والتقاتل في مجرة درب اللبانة والاقتراب من حقيقة المجرات. فبدلا من مواجهة العالم الممعنة في الخيال والمغامرات التقنية المجردة نراهم يعرضون مواقف انسانية في لحظات التحدي الصعبة. وكثيرا ما تتضمن هذه الروايات نقدا للاوضاع السياسية السائدة. ففي رواية (ليالي مصاصي الدماء) لـ (ر. ر. مارتنز) R.R.Martins هجوم على جنون السلطة الحكومية المستبدة والكوارث البيئية والصراعات العنصرية. وفي ادب الخيال العلمي الحديث وامام كواليس المجرات صور تلامس الحقيقة عن الافقار والفساد السياسي.
ومن الأدباء المبدعين في حقل الخيال العلمي الألماني (هيربرت فرانكه) المولود في سنة 1927 والحاصل على الدكتوراه في التقنية الالكترونية الذي صنع اسماء لامعة في الخيال العلمي قبل ان يتوجه الى كتابة الرواية مثل (صاد ناقص)
ypsilon minus والقصة القصيرة.
ولم يكن الفن السينمائي المشارك الوحيد في غمار الخيال العلمي فقد سبقه الى ذلك فن الكرافيك (التخطيط والزخرفة). واذ تسابق الكثير من الفنانين في هذا المجال على تزيين الروايات بلوحات ذات مشاهد خيالية لكواكب واجرام تدور عليها ومن حولها وقائع واحداث تلك الروايات. وابدعوا صورا تشبه الحلم من خلال المزاوجة بين السريالية والصور الواقعية.

 

 

للاتصال بنا  -  عن المدى   -   الصفحة الرئيسة