|
(مدينة
الصدر) في دراسة ميدانية شاملة
خدمات
متدهورة وأحوال معيشية ظالمة وتقييم سلبي للحكومة مع تفاؤل
وانتماء للعراق
محمد طارش السعيدي
قبل
أي تسمية، هي مدينة الفقر والشعر والغناء والسياسة والحب
والشهداء، ينحشر في مساحتها المحدودة ملايين الكادحين ممن
هاجر آباؤهم إليها من ألوية الجنوب قبل نحو نصف قرن،
مؤسسين مدينة (الثورة)، تطلعاً نحو آفاق العدل والانعتاق
التي لاحت تباشيرها آنذاك، وما كانوا يعلمون أنهم سيصبحون
حطباً مجانياً لحروب متناسلة وعقود دموية صبغت ذاكرة
العراق بأسى قاتم لا ينقطع. حاول صدام حسين أن يتقمص هذه
المدينة ويأمن (لاشعورياً) احتمالات تمردها عليه، إذ ما
كان ليستطيع أن يتحمل وجودها المفعم بالعنفوان والفكر
وعوامل التغيير، إلا بأن يطلق اسمه عليها، وكأنه بذلك قد
أفلح في ابتلاعها واستدماجها في أعماقه المرتجفة. ثم
انقلبت العروش، لتصبح اليوم مدينة (الصدر)، توحداً بشهيدين
بارزين من قافلة رجالات الحركة الوطنية العراقية. ولعل
عناوين أخرى بانتظار أن تتسمى بها هذه المدينة الحية في كل
شيء والمظلومة في كل شيء. فهي بتنوعها الغني تشكل مجتمعاً
عراقياً متفرداً بأنماط علاقاته الاجتماعية، وبأعرافه
ومنظوماته القيمية، وبتعدديته الفكرية والمعتقدية،
وبتماسكه الداخلي الممتزج بقدرة متجددة على الانفتاح
الخارجي، وبأساليب تعامله المتميزة مع مستجدات السياسة
والثقافة والتكنولوجيا.
وخلال العامين والنصف الماضية، كان لمدينة الصدر خصوصيتها
الواضحة في التفاعل مع التغيرات النوعية الكبرى التي شهدها
العراق بعد سقوط النظام، من احتلال وعنف سياسي وفساد
سرطاني ومظالم اجتماعية متفاقمة. وللإحاطة الميدانية ببعض
شؤون وهموم وتطلعات ومواقف ورؤى هذه المدينة في نواحي
اجتماعية وسياسية شتى، توجه فريق بحثي من (الجمعية النفسية
العراقية) لإجراء استطلاع مقنن تضمن مقابلات شخصية مع عينة
عشوائية تألفت من (168) مواطناً من سكانها، بواقع (127)
رجلاً و(41) امرأة، وبمستويات تعليمية مختلفة (من الأميين
وحتى شهادة الدبلوم فأعلى)، ومن مهن متنوعة (موظفون وعمال
وكسبة وطلبة وربات بيوت ومتقاعدون وعاطلون عن العمل). وقد
أظهر التحليل الإحصائي لنتائج الاستطلاع ما يأتي:
* كيف تقارن وضع الخدمات الأساسية (كهرباء، ماء، مجاري) في
مدينة الصدر بما كانت عليه قبل الحرب الأخيرة 2003م؟
أجاب(77%) من أفراد العينة أن الخدمات أصبحت (أسوأ)، فيما
عبر (17%) عن اعتقاده أن (لا فرق) بين الحالين، و(6%)
بأنها أصبحت (أفضل).
* ما هي برأيك أهم مشكلة تعاني منها مدينة الصدر في الوقت
الحاضر؟
حدد أفراد العينة مجموعة من المشكلات الحيوية التي تواجهها
مدينتهم ، هي حسب تسلسلها من حيث الأهمية: (سوء الخدمات
العامة من كهرباء وماء ومجار ونفايات/ الاحتلال وممارساته
من مداهمات واعتقالات/ البطالة/ انتشار الأمراض وتردي
الخدمات الصحية/ الفقر/ عدم نزاهة المجالس البلدية/ عدم
إكساء الشوارع/ التعصب والنزاعات بين أبناء المذهب الواحد/
ازدحام السير/ وجود الميليشيات المسلحة/ التخلف الثقافي/
الفوضى وفقدان الأمان والاستقرار/ تعثر الحصة التموينية/
شحة الغاز.
* أي الأسماء تفضل أن تطلق على مدينتك؟
فضل (88%) تسمية مدينة (الصدر)، مقابل (8%) تسمية مدينة (الثورة)،
و(4%) اقترحوا أسماءاً أخرى، ولم يقبل أي منهم بتسمية
مدينة (صدام).
* ما مقدار شعورك بالأمان داخل مدينة الصدر في الوقت
الحاضر؟
أفاد (72%) بأن شعورهم بالأمان (عال)، مقابل (26%) يشعرون
بأمان (متوسط)، فيما كانت نسبة (الأمان الواطيء) و(اللا
أمان) (2%) فقط.
* كيف تصف أحوالك المعيشية والاجتماعية حالياً؟
وصف (70%) من أفراد العينة أحوالهم المعيشية بـ(الظالمة)،
مقابل (27%) وصفوها بـ(بين بين)، و(3%) فقط عدّوها (عادلة).
* ما عدد الأسر والأفراد الذين يسكنون معك في الدار؟
أوضح (19%) من أفراد العينة أن هناك أسرة واحدة فقط تسكن
معه، و(27%) تسكن معه أسرتان، و(15%) تسكن معه (3) أسر،
و(31%) تسكن معه(4)أسر، و(6%) تسكن معه (5) أسر، و(1%)
تسكن معه (6) أسر، و(1%) تسكن معه (7) أسر. وهذا يعني أن
معدل عدد الأسر الساكنة في الدار الواحدة هو (8, 2) أسرة.
كما تبين أن معدل عدد الأفراد في كل دار يبلغ (3, 14) فرداً.
* أي نوع من الحكم تؤيد قيامه في العراق؟
أيد (87%) من العينة قيام حكم (إسلامي)، مقابل (13%) أيدوا
قيام حكم (علماني).
* هل شاركت في التصويت على الدستور؟
أوضحت نتيجة هذا السؤال أن (48%) شاركوا في الاستفتاء على
الدستور، مقابل (52%) قاطعوه.
* إذا كانت إجابتك عن السؤال السابق بـ(نعم) ، فماذا كان
اختيارك؟
اختار(90%) ممن شاركوا في الاستفتاء على الدستور التصويت
بـ (نعم)، مقابل (10%) بـ(لا).
* وإذا كانت إجابتك عن السؤال السابق بـ (لا) ، فما هو سبب
عدم اشتراكك؟
أجاب (26%) من المقاطعين للدستور، بأنهم (غير مقتنعين به)،
مقابل (21%) أجابوا (لأنه باطل طالما كتب في ظل الاحتلال)،
و(14%) قالوا(لأن نتيجته محسومة سلفاً)، فيما توزعت النسبة
الباقية بين التبريرات الآتية حسب التسلسل: (لا يلبي طموح
الشعب/ غير إسلامي/ الاعتراض على بعض فقراته/ عدم الثقة
بالذين كتبوه/ لأنه قانون وضعي يخدم الاحتلال/ عدم توافر
الخدمات للشعب/ عدم المصداقية/ لأنه دستور أمريكي).
* هل ستشترك في الانتخابات القادمة؟
أوضح (58%) بأنهم سيشتركون في الانتخابات، مقابل (42%)
سيقاطعونها.
* إذا كانت إجابتك عن السؤال السابق بـ (نعم) ، لمن تصوت ؟
أفاد (51%) من أفراد العينة أنهم سيصوتون لقائمة (الائتلاف
العراقي الموحد)، مقابل (14%) سيصوتون لقائمة (رساليون)،
فيما عبر (35%) عن موقف غير محدد بقولهم (لا أدري).
* كيف تقيـّم أداء الحكومة الحالية؟
أجاب (55%) بأنه أداء (فاشل)، مقابل (37%) وصفوه بـ(متوسط)،
فيما اعتبر (8%) فقط بأنه (جيد).
* ما تقييمك للوجود الأمريكي في العراق؟
أفاد (56%) بأن هذا الوجود (يجب مقاومته)، فيما عبر (23%)
عن رأيهم بأنه (مرفوض)، و(13%) قالوا بأنه (ضروري لمدة
محدودة)، و(8%) أجابوا بأن (لا ضرورة له). ويذكر أن نسبة
الـ(13%) التي ارتأت أن الوجود الأمريكي (ضروري لمدة
محدودة)، قد صوت جميع أفرادها بـ(نعم) للدستور وأفادوا
بأنهم سيصوتون لقائمة الائتلاف العراقي الموحد.
* كيف تشعر نحو (العراق)؟
عبّر (85%) من أفراد العينة عن شعورهم بـ(الانتماء) نحو
العراق، و(6%) عن شعورهم بـ(الغربة)، و(1%) عن شعورهم
بـ(النفور)، فيما عبّر (8%) عن مزيج من كل هذه المشاعر.
* كيف تكون برأيك أوضاع العراق بعد (10) سنوات ؟
توقع (60%) أن تكون الأوضاع (استقرار وإعمار)، مقابل (33%)
توقعوا (عدم استقرار)، فيما (6%) توقعوا (صراعات طائفية)
وأقل من (1%) فقط توقعوا (حرباً أهلية).
إن الإطار العام لهذه النتائج يشير إلى حيوية سكان هذه
المدينة ووطنيتهم وصراحتهم وتفردهم وعدم تقليديتهم في
نظرتهم ومواقفهم من القضايا الملحة التي تواجهها بلادهم،
وبأنهم قادرون على التدخل بصنع الحدث وتوجيهه، إلى الحد
الذي قد يستبقون به كل توقعات من يعتقدون أنهم قادرون على
قراءة بوصلة العراق.
التحليل النفسي للرؤساء
الأميركيين (2-2)
د.محمد أحمد النابلسي*
التصنيف النفسي السياسي للرؤساء الأميركيين يطرح عالم
السياسة (جيمس دافيد باربر) تصنيف الرؤساء الأميركيين، وفق
خطين قاعديين: (خط الفاعل) و(خط المنفعل)، أي (القدر من
الطاقة الشخصية الذي يبذله المرء في عمله في مقابل العاطفة
الإيجابية - السلبية، أو موقفه من نتائج عمله ومدى تقبله
لهذه النتائج). وعلى هذا الأساس يحدد (باربر) أنماطاً
أربعة لشخصية الرئيس الأميركي، هي: أ -النمط الفاعل -
الإيجابي: هذا النمط من الرؤساء يستثمر قدراُ كبيراً من
الطاقة الشخصية في عمله، وهو يستمتع بذلك. وتكون لدى مثل
هذا الرئيس أهداف تحكم توجهاته. كما تكون لديه مرونة. لكنه
قد يواجه مشكلات في التعامل مع المواقف العاطفية وغير
العقلانية في السياسة. ومن الرؤساء المنتمين إلى هذا النمط:
(روزفلت)، و(ترومان) و(كينيدي). ب-النمط الفاعل - السلبي:
يملك صاحب هذا النمط طاقة شخصية عالية، لكنها موجّهة في
كفاح قهري لا متعة فيه، وليس له سوى مردود عاطفي محدود.
ويواجه أصحاب هذا النمط صعوبة في كبت وضبط مشاعرهم
العدائية. من أهم أمثلة هذا النمط: الرؤساء (ولسون)
و(جونسون) و(نيكسون). ج - النمط المنفعل - الإيجابي: يمتاز
هذا النمط بأنه مساير ومتعاون أكثر منه صاحب شخصية وحيوية
قوية، مع مسحة تفاؤل مهيمنة على سلوكه. وهذا النمط يفاوض
بشكل جيد، ولكنه يحيط نفسه بأصدقائه القدامى الذين يجلبون
له العار. ومن أمثلة هذا النمط (هوارد تافت) و(ريغان)،
الذي يقول عنه( سيمونتون): ((ها نحن نجد ريغان يوقع صفقة
أسلحة مهمة وفي الوقت نفسه تنفجر حوله الفضائح في كل مكان)).
كما ينتمي إلى هذا النمط الرئيس (كلينتون). د - النمط
المنفعل - السلبي: يدخل أصحاب هذا النمط إلى ميدان السياسة
انطلاقاً من حسّ الواجب والخدمة وليس لتحقيق المتعة. وهم
لا يجنون من الرئاسة سوى القليل من القناعة والرضى. وهم
يميلون لتجنّب الصراعات، والانسحاب منها معتمدين على
بيانات مبادئ غامضة، كما فعل (كوليدج) و(ايزنهاور). على أن
هذا التصنيف يجب ألا يدفعنا إلى تجاوز العوامل الفردية،
التي تميز الفرد عن الآخرين، بحيث لا يمكن إدراج شخصيته
بصورة حصرية في واحد من هذه الأنماط وحده، بل هو مزيج
يهيمن عليه أحد هذه الأنماط. التحديات التي تواجه الرؤساء
الأميركيين يرى عالم السياسة (بروس بوكانان) من جامعة
تكساس، أن الرؤساء الأميركيين يواجهون أربعة تحديات أساسية
تعترض مدة إقامتهم في البيت الأبيض هي: 1- المجد المفرط:
هو التحدي الأول حيث يكثر المادحون والمتزلفون، بحيث تتحول
معارضته إلى مفاجأة يستجيب لها البعض بالغضب (يزداد الغضب
مع ازدياد القناعة بأقوال المادحين). 2- إجهاد القرارت: إن
التحدي الثاني الذي يواجه الرئيس، هو العراقيل والحواجز
المؤدية للإحباطات وكيفية تعامل الرئيس معها. فهل هو يعرف
متى يحارب ومتى ينسحب؟ وهل هو قادر على تحمّل الفشل وهضمه؟.
3- التوفيق بين أجنحة إدارته: وهو التحدي الثالث في مواجهة
الرئيس. وهو أسلوب الإدارة التي غالباً ما تواجه الرئيس
بمطالب متناقضة، إذ يجب أن يملك الرئيس القدرة على التوفيق
بين هذه المتناقضات. هذا التوفيق الذي فشل فيه (جيمي كارتر)
لتدخله الزائد لدرجة التورط. كما فشل فيه (ريغان) بسبب
تراجعه وعدم تدخله بالمستوى المطلوب. 4- الإغراءات الضخمة:
وهي التحدي الرابع للرئيس. ويعطي (بوكانان) على هذا التحدي
مثال (جونسون) الذي رغب في تحقيق برامجه الإجتماعية (مشروع
المجتمع الكبير) وبأن ينتصر في فيتنام في آن واحد، لكن
الكونغرس لم يكن مستعداً لتمويل الاثنين معاً. كما
أن(ريغان) كان مستميتاً لتحرير الرهائن الأميركيين، ولم
يكن مستعداً لإجراء أية مقايضة مع الزعماء الإيرانيين. وفي
كلتا الحالتين فإن فشل الرئيسين في تحقيق إغراء الحصول على
هدفين في آن واحد قد دفعهما إلى الكذب. هذا ولا يهمل (بوكانان)
الإشارة إلى جملة عوامل تؤثر في أسلوب مواجهة الرئيس لهذه
التحديات، فيذكر العوامل التالية: 1- مجموعات المصالح. 2-
الحزب المسيطر على الكونغرس والمحكمة العليا. 3- الدعم
الشعبي . 4- أجواء التوقع (تذكيها الصحافة). وفي حالة
الرئيس (جورج ووكر بوش) يلاحظ أن هذه العوامل اتخذت طابع
الحدة، بحيث أصبحت موازية للعوامل الرئيسة في أهميتها وفي
تأثيرها على قرارات الرئيس. النمط السلوكي لجورج ووكر بوش
بعد هذا الشرح المختصر والمبسط للتصنيف السلوكي للرؤساء
الأميركيين، علينا أن نقوم بتحديد النمط السلوكي للرئيس (جورج
ووكر بوش). فإلى أي من هذه الأنماط السلوكية الأربعة ينتمي؟
فتحديد نمط (بوش) من شأنه مساعدتنا على تبين العلائم
السلوكية المسيطرة على تصرفاته الرئاسية وعلى خياراته.
وأيضاً يسمح لنا هذا التحديد بعقد المقارنة بينه وبين
الرؤساء السابقين من ذات نمطه السلوكي، بحيث يساعدنا ذلك
على التنبؤ المستقبلي باتجاهات الرئيس وخياراته. وهنا لابد
من التذكير بأن القانون الأميركي (ومعه السياسة) يعتمد
مبدأ السابقة. وعليه فإن الرئيس الأميركي يفتش عن السوابق
في تاريخ أسلافه للاستناد إليها في قراراته الصعبة. ومن
الطبيعي أن يميل الرئيس إلى السوابق والحلول المنسجمة مع
نمطه السلوكي. وعليه فإنه يختار من بين السوابق سوابق
الرؤساء المشاركين له في نمطه السلوكي. ومن هذا المنطلق
رأينا (بوش الابن) يتجه نحو التوحد بـ(ريغان) متجنباً
التوحد بوالده. ولهذا التجنب سبب ظاهر هو محاولة الاستقلال
عن ظل أبيه. وسبب آخر خفي هو اختلاف النمط السلوكي بين
الأب ( فاعل - إيجابي) والابن. لكن اختيار الابن التوحد
بالرئيس (ريغان) لم يكن موفقاً كون النمط السلوكي لـ(ريغان)
مناقض لنمط (ووكر بوش)، فإعجاب (بوش) بـ(ريغان) وحده لا
يكفي للوصول به إلى أداء مماثل لأداء (ريغان) كما سنرى، إذ
ينتمي(ريغان) إلى النمط (المنفعل-الإيجابي). ومراجعة سلوك
(ووكر بوش) تؤكد بعده التام عن هذا النمط. وتكفي هنا
مراجعة الملامح المشتركة بينه وبين جونسون (أشرنا إليها
أعلاه) لنتبين انتماء( ووكر بوش) إلى النمط (الفاعل-السلبي).
ويتدعم انتماؤه لهذا النمط بمقارنتنا لسلوكه مع سلوك (نيكسون)
و(ولسون). ولهذا النمط من الرؤساء الأميركيين سماتهم
السلوكية المشتركة التالية: * سهولة التأثر
بمستشاريهم ومقربيهم
وأعضاء إدارتهم، مع سهولة شبيهة في الانقلاب على هؤلاء. *
نقص في المعلومات الضرورية لاتخاذ القرارات، سواء بسبب نقص
ثقافي أو بسبب حجب المعلومات عنهم بحجة عدم أهميتها، بحيث
يبدو كلاً منهم مخدوعاً في أحد المواقف المفصلية في ولايته.
* الاندفاع غير المدروس في اتجاهات استراتيجية خاطئة. وهو
احتمال يزداد مع انحياز هذا النمط للفريق المتطرف في
إدارته. * عدم استساغة الجمهور الأميركي لهذا النمط من
الرؤساء وتخليه عنهم في ورطاتهم. * الرغبة المفرطة في
التمتع بالمجد والجبروت الرئاسي. * عدم القدرة على تحمل
الاحباطات ومواجهة المواقف الصعبة، مما يدفعهم للارتماء
أكثر فأكثر في أحضان فريقهم ومستشاريهم، مع إتباعهم للسلوك
الهروبي. * الوقوع بسهولة ضحية الإغراءات الضخمة، ومحاولة
الجمع بين الأهداف المتناقضة، دون امتلاك المرونة الكافية
لوضع جدول أولويات يتيح لهم التركيز على الأهداف الأهم
والتخلي عن الأقل أهمية. وهي سمة مشتركة بين الرؤساء
السلبيين ( فاعلين أو منفعلين).
*رئيس
الجمعية اللبنانية للدراسات النفسية
تفكك العلاقات الاجتماعية
و عمل جهاز المناعة
سناء
محمد حيدرة
جامعة أسيوط
كيف
يمكن للعلاقات الاجتماعية أن تؤثر في صحتنا البدنية بوسائل
مباشرة؟ توجد أدلة علمية واضحة تؤكد أن الوحدة والعزلة
الاجتماعية ترتبطان بانخفاضات في عمل المناعة، وعلى العكس
من ذلك أن العلاقات المتعاضدة يمكن أن تخفف من تأثير الضغط
النفسي في المناعة.
ففي سلسلة من الدراسات المناعية العصبية النفسية في جامعة
(أوهايو) على عينات تضم طلبة أصحاء وسعداء إلى حد معقول،
سجل الأكثر وحدانية منهم درجات أقل بكثير على مقاييس
متعددة لعمل المناعة. وتحديداً، كان لدى الطلبة الأكثر
وحدانية عدد أقل من الخلايا الطبيعية القاتلة للفيروسات في
مجري الدم، والخلايا اللمفاوية (ت) أقل استجابة ورقابتها
المناعية أضعف على الفيروسات الكامنة، ومستويات أعلى من
الكورتيزون. يضاف إلي ذلك، اتضح أن الأفراد الذين لديهم
مستويات منخفضة من التعاضد الاجتماعي يبدون استجابة مناعية
أضعف لدى تطعيمهم بلقاح التهاب الكبد (ب).
واكُتشفت علاقات مماثلة بين الوحدة أو غياب التعاضد
الاجتماعي وهبوط عمل جهاز المناعة في فئات متنوعة مثل
المتقاعدين الشيوخ، ومرضى أدخلوا حديثاً إلى مستشفى
الأمراض النفسية، وأشخاص في متوسط العمر يتولون العناية
لمصاب بمرض مزمن.
كما كشفت دراسة على أشخاص تعرضوا إلى ضغط نفسي شديد ومديد
بسبب إصابة شركاء حياتهم بالسرطان، أن أولئك الذين يفتقرون
إلى التعاضد الاجتماعي كانت لديهم خلايا لمفاوية أقل
استجابة. وإن النساء اللواتي انهار زواجهن في العام السابق
سجلن درجات أقل بكثير من النساء المتزوجات على مقاييس
متعددة لعمل المناعة. وكان لدى النساء المطلقات والمنفصلات
عدد من الخلايا القاتلة الطبيعية القاتلة للفيروسات أقل من
عددها لدى نساء مشابهات لهن ولكن متزوجات. وكانت النساء
اللواتي أجهزة المناعة لديهن أشد تضرراً بسبب انهيار
زواجهن، هن النساء اللواتي احتفظن بأقوى مشاعر التعلق
العاطفي بأزواجهن السابقين.
وظهرت صورة مماثلة لدى الرجال، إذ كان عمل جهاز مناعة
الرجال المطلقين أو المنفصلين أضعف، وكانوا يشعرون بكرب
نفسي أشد ويصابون بأمراض أكثر من رجال مشابهين لهم ولكنهم
متزوجون. وبالنسبة للرجال كانت العواقب الصحية الناجمة عن
الانفصال أو الطلاق تعتمد إلى حد ما على إحساسهم بالسيطرة
الشخصية. فالرجال الذين كانوا هم المبادرين إلى فصل عرى
الزواج كانت مناعتهم أقل تعوقاً وكربهم النفسي أخف وطأة
وأمراضهم أقل مما هي عليه لدى الرجال الذين كانت زوجاتهم
هن المبادرات إلى فصل العلاقة الزوجية.
وهكذا نرى أن العلم قد أستيقظ مؤخراً على أهمية العلاقات
الاجتماعية الإنسانية للصحة البدنية، بالوقت نفسه الذي
أخذنا نفقد فيه هذه العلاقات، سواء في البلدان الصناعية،
التي يزداد فيها عدد الأفراد المنعزلين اجتماعياً بوتائر
متسارعة من خلال آثار التشظي الاجتماعي والتفكك العائلي
وتنامي عدد المسنين، أو في مجتمعاتنا النامية التي باتت
العلاقات الاجتماعية تتدهور فيها أيضاً بسبب تطور الحياة
وتعقيداتها.
ومن يتعمق في هذا الموضوع، سيجد أن المعارف العلمية
الحالية تؤكد على أننا جميعاً ندفع ثمناً باهظاً من جراء
تفكك علاقتنا الاجتماعية وغربتنا عن أنفسنا وبعضنا،
بتكاليف صحية ومعاناة إنسانية، تضاف إلى الآلام البدنية
والنفسية الموجودة سلفاً والناجمة عن الأمراض والفقر
والعنف.
العنف.. والشخصية العراقية
قضيت
ربع قرن في تدريس مادتي (تحليل الشخصية) و(الاضطرابات
النفسية)، وقمت بتحليل شخصيات مجرمين ارتكبوا جرائم قتل
عادية وأخرى بشعة، فوجدت أن النظريات التي حللت شخصية
الإنسان وتلك التي حددت أسباب الاضطرابات العقلية
والسلوكية لا تنطبق على سلوك الشخصية العراقية المعاصرة
بخصوص (العنف) الذي تمارسه. وعليه فأنني ركنتها جانباً،
ورحت اجتهد في إيجاد تفسير لهذا السؤال: ((لماذا يكون
العنف في الشخصية العراقية بهذه القسوة والبشاعة ؟)).
ولقد وجدت أن إحدى الصفات الغالبة في الشخصية العراقية هي
أن (الموقف) الذي تكون فيه يتحكم بها أكثر من العقل. وإنها
تتصرف بأسلوبين متطرفين ومتناقضين، وكأن في داخلها (ملاكاً
رومانسياً) يغني بطرب وينثر الفرح والحب على الناس، عندما
تكون في أوقات الراحة والطمأنينة، و(وحش هائج) عندما تكون
في أوقات الأزمات.
وأكيد أن الأمر لا يتعلق بالتركيبة الوراثية، إذ لا يعقل
أن ( جينات) الإنسان العراقي تختلف عن (جينات) باقي البشر،
إنما الأمر يتعلق بطبيعة (الصراع) على السلطة، الذي بسببه
تعرض الفرد العراقي إلى اضطهاد وقسوة وظلم وقهر واستلاب
تفوق ما تعرض له البشر الآخرون. فتاريخ العراق هو تاريخ
العنف والدم والمعارك والأهوال والكوارث .. ليس من بدء
المشهد الكربلائي وتحوّل السلطة في الدولة الإسلامية إلى
وراثية، بل إلى ذلك التاريخ القديم جداً، الذي يذكر لنا
معلومة لها دلالة هي أن المهاجرين إلى العراق القديم كانوا
من المحاربين الأشداء.
وهذا يعني أن المجتمع العراقي يكاد يكون الوحيد بين
مجتمعات العالم الذي خبر العنف لزمن يمتد آلاف السنين، ولا
يزال. صحيح أن تاريخ أوربا كان مليئا بالحروب، لكنها ودعت
العنف وصار توجهها نحو الحياة، فيما نحن نمارسه بأفظع صوره
حتى صار توجهنا النفسي يميل أكثر نحو الإفناء، لا سيما في
السنوات الخمس والعشرين الأخيرة التي شاعت فيها ثقافة
العنف.
والغريب في الأمر، أن السيكولوجية العراقية والإسلامية (بعد
أن صارت بغداد مركزها) أشاعت العنف وجعلته الوسيلة الوحيدة
لحل النزاعات ولإجبار الخصوم على الطاعة والخضوع. وكانت لا
تلجأ إلى التفاوض والحوار إلا بعد أن تقطف السيوف رؤوس
أفضل ما في القوم. وهذه خاصية سيكولوجية في العنف ، إنها
تغلق كل نوافذ التفكير وتحشد كل قوى الحقد والعدوان باتجاه
الانتقام. |