|
في ذكرى
رعد عبد القادر
سيرة متخيلة لشاعر مات
الحلقة الثانية
قاسم محمد عباس
تسلية
تسلية
لا تليق بالعقلاء هذا الموت
مثلما
وسيلة لاصطناع الأطياف
هذا الشعر
الأطياف التي نروم رمْيها إلى الخلود .
ـ 3 ـ
كيف يمكن القول ان هذا العالم المكوَّن من الماء والتراب
بلا قلب؟ من مكانه ينظر إلى العالم ويسأل ، ينظر الحركة
الدائبة ، ويتهيأ لتأمل السكون، كمن يواجه عذابه
الأخير،يقول في نفسه : السفر أدق من الرحيل الذي هو عادة
مثل باقي العادات .
أكتب لكَ عن هذه النقطة .
لأنه كان يفكر في هذا الأمر على أنه سفر يشبه الموت .
الانتقال إلى مسار آخر، بطلنا المأساوي كان يفكر بهذه
الطريقة وعليه أن يجد الروح من جديد ، إنه الآن لا يعثر
على شيء ، فقط يترنح ، لم يستطع الانتقال من النقطة إلى
حركة العالم ، وقع ما لم يكن يتوقعه هذا ما حصل بدقة ،
رجّة هائلة ، تصحِّح النظر ، أو مس النصل الحاد للرقبة ،
هكذا يرى الريح والأزهار، وربما الحديقة بأكملها تُقتلع
وترتفع وتتلاشى بلمح البصر، عندما رأى الأمر على هذا النحو
توصل إلى الفكرة الأكثر دقة، عاش السفر ذاته، تأمل نفسه
المسافرة ، نظر إليها واقفة تنظر في الأزهار أمامها ،
تُقتلع وترتفع ثمَّ تتلاشى بلمح البصر ، كيف يقوى على ذلك
، أن ينظر إليها تتحطم بسبب قدرته على اتخاذ القرار ،
الصراخ ، والاختفاء ، الآن يتأكد من قوة أصابعه وهي تتعلق
بحياته غير المكتملة ، الدم الذي يجري في عروقه يعني رمز
العاصفة التي تستمد من الريح وجودها ، الريح التي تجول في
الحديقة والبيت ، وعلى مساحة البيت والزوايا ، والستائر
المتحركة ، والتماعات المقابض ، وخشب الأثاث الداكن ، قوة
تشبه قوة العاصفة، قوة الدم هذه تعطيه معنى أن يلتف على
نفسه بقوة ، ربما كان قوياً ،وربما أقوى من العاصفة ، لكنه
يشعر بالاختناق ، يدفع الهواء بيديه ويتنفس ، كمن يزيل
التراب كان الهواء يتدافع أمامه ، أو يتراجع .
هل العالم جسد ؟ بسبب العنف الرهيب الذي كان يرزح تحته
يسأل ، ويتحدث عن الرضوخ لإغراء الركض ، أو حتى الحلم
بالتحول إلى طائر من عالم آخر .
محاولة لنسيان السفر ، أو لخداع الألم بلغة الألم ذاته ،
الألم الذي يلف البحر والسهل والأزهار الصامتة ، يقول :
كلها صامتة صماء ، ترنو إلى السماء ، وإلى الشمس،وإلى
القمر ، وإلى النجوم ، كلها صامتة صماء ، الأجساد التي
حوله هي من جسد العالم ، ربما يُغوى بأنه الصياد، أو أنه
أسير منسي تماماً ، يفكر بهذا الآن بشكل مفاجئ ، هي تدرك
أنها سافرت،أو رحلت ، وترى أنها تقاوم الطائر الذي لن ترى
فيه غير النور، الروح تعود ، وربما العاصفة إلى عاداتها
الأولى ، بمعنى عاصفة وطائر ، عاصفة تتشكل وطائر لا يقاوم
، يتخلص من الريح ، ويتأمل السكون ، يرهف السمع ، رفيفاً
ملوناً كان العالم يتمزق ، يلامس ولادة الطبيعة الحرة، تلك
السهوب التي تولد من الفجر ، الجبال المتثائبة تنهض بتؤدة
أمام العين ، السكون يرتج من تدافع أمواج ساحلية ترشق حجر
الشاطئ ، تصطدم وتعود ، صوت الماء ولادة يوم جديد ، وحده
يقف أمام الساحل ويرى النور يتلألأ وينعكس ، تتمزق النظرة
بلا رحمة.
يبقى الطائر ، ونظراته الخائفة ، نحو الغابة النامية ،
البحر والغابة ، والطائر الخائف ينظر إلى الشاطئ ويتحدى
شراسة الألم الذي لا يقال ، تلتصق أصابعه برمال الشاطئ، كم
التصقت أصابع من قبل ؟ القدم الجديد ، يخلّف أثراً جديداً
، الريح هي الشاهدة الدائمة على الأصابع والأثر ، الريح
ترقص دائرة حول الأثر ، يفكر في أن كل شيء مرسوم بدقة،
الريح والأصابع والأثر ، هذه هي الأطراف المتآمرة على
القلب ، اكتشف ذلك واشتد نواحه ، وانهمرت الدموع، ولم
يرتفع أي صوت بالإجابة ، أين يمكن لهذا القلب أن يجد أنيساً
؟ يرى يومه يسطع بنوره على الأثر والأصابع والغابة ، هذا
هو مصير القادم إلى الأرض من تحليقها ، ليس هو بشيء سوى :
كانت ثمَّ مضت ، الهزة ، أو الرجة العظيمة هو ذلك اليوم
الذي لا صباح له ولا مساء ، يقول :
ـ لو أضاء الجسد بناره لغدا الصوت مرئياً كاللون .
التصق بجدار حجري قرب الشاطئ ـ أكتب لك عن رعشته وهو يلتصق
بالحجر ـ يسمع صياح الديكة ، عندما كانت الغابة تنحني
للكلمات التي يكتبها، يظهر الصوت ويتجلى ،حركة العالم ظل
وضوء وشجرة تقع على الأرض ، وحبل زورق يفلت، وانسياب .
طفولة كلمة
أيتها الكلمة
لست سوى هندسة
وجليد
لست سوى رخام هش
دمّره الصباح
بحركة عابثة.
ربما لن تعودي
إلى القلب
أيتها الغزالة
التائهة .
ـ 4 ـ
يضع كفه على ركبتها بينما تتظاهر هي بالنوم ، يجلسان على
حافة السرير،الذي تساقطت عليه أشعة من نور أبيض ، يستدير
برأسه نحوها ويشعر بالنعاس ، بعد لحظة يقوم متثاقلاً ويزيح
الستارة عن مشهد الحديقة الليلي ، ويهزّها لتنهض ، تتمطى
بحركات متثاقلة ، تجمع أطرافها والضوء الأبيض ينهمر على
قميصها وسروالها ، ينظر إلى الضوء الذي يتلألأ فوق ملابسها
، ثمَّ يرتمي على مقعد قرب الفراش ، يطيل النظر في الجسد
المتجمع الأطراف ، لينتهي بتفحص محتويات الغرفة، الأثاث ،
مصادر الإضاءة ، الكراسي، السجادة الكبيرة ، آنية الزهور
الكبيرة على الطاولة جنب الفراش ، الأغطية التي تدلت
أطرافها على حافة السرير ، إنها نائمة ، ينظر إليها وهي
نائمة ، صدرها المغطى بالذراعين المشدودين ، الأهداب
الطويلة ، انطباقة الفم ، والتنفس الرتيب ، الوجه الرقيق
تبدو من ورائه شرايين الدم المتدفق لتحدد كم هي الحياة
حاضرة.
الغرفة ، المستطيل الكبير، غارق في ضوء أبيض ، والجسد الذي
على السرير ، ملفوف بقماش يلتمع تحت الضوء ، يفكر ربما لم
تكن نائمة، لكن تنفسها المتتالي يعني غير ذلك ، ينهض إلى
جهاز التسجيل ويضغط على الزر ، تنبعث موسيقى كلاسيكية
قديمة ، وشيئاً فشيئاً تتراخى الأطراف ، وتتمدد على مساحة
السرير ، يا لليونة هذه الأطراف، الأصابع أشكال مرنة تنفرج
وتنكمش بهدوء ، الوجه يرسم أشكالاً تعبر عن استجابة طيعة
للموسيقى ، تبدو حركة الشفة السفلى واضحة ، تتحرك أصابع
اليد اليسرى وترفع كم القميص الأيمن ، تتحرك الأصابع فوق
المرفق ببطء ، اللون الأبيض للمرفق يعكس الضوء، يقترب من
السرير ، يرى الحياة التي تستريح في النوم ، تفتح عينيها
وتباغته بنظرة طويلة ، يبتسم ، ربما كانت تحلم ، ولكنه
يأمل أنها كانت تحلم ، فتقول له :
ـ كيف انزاح الغطاء عني ، أشعر بالبرد .
ـ لقد دخل المساء قبل ساعة .
يخاف من هذه الأوقات ، المرأة وحدها تجعل من هذا الوقت
أمراً يحتمل،أراد أن يقول لها ذلك ، أن يقول لها :" أنت
تقفين بيني وبين الاحتضار " .لكنه شعر بالخدر في أطرافه ،
بالقرب منها تحت الضوء الأبيض عاودته رغبة حادة بالبكاء ،
الموسيقى تساعده على هذه النوبات، نوبات أول الليل ـ سأبقى
أذكِّرك بأنه كاد يتهاوى تحت رغبته الملحة ـ تلك الرغبة
المأساوية التي تتصاعد وسط الموسيقى والضوء ، الجسد
المستند إلى حافة السرير، يساعده على نسيان نظراته إلى
الحديقة التي بدت تشغل مساحة النافذة بأكملها ،تتحدث بصوت
رقيق عن الموسيقى والعشاء، ويرغب في أن تبقى في جلستها إلى
الأبد .
الدورة
الـ 29 لمهرجان القاهرة السينمائي الدولي
سلة عروض منوعة والعراق نجم الدورة والجوال أفسد متعة
المشاهدة
فيصل
عبدالله*
القاهرة
في كل
دورة يتكرر السؤال نفسه. أين الفيلم المصري في تظاهرة
عاصمة السينما العربية؟ وهل تعجز القاهرة، صاحبة الصناعة
والإرث السينمائيين، عن إنتاج فيلم يحمل مواصفات التمثيل
الرسمي لمهرجانها؟ صحيح إن حيرة إدارة مهرجان القاهرة
السينمائي في اختيار الفيلم المشارك تحسم في اللحظات
الأخيرة دائماً. لكن قبلها تحبس الأنفاس، ويأتي بعدها
إنتظار الفرج. ولأن الأخير غير مضمون من حيث نتائجه الفنية،
ترتفع التوقعات والتقولات الى أن يأتي القرار النهائي
وساعة العرض. ما حدث في السنوات القليلة الماضية كان ضمن
تلك المعادلة القلقة. مادة جاهزة يقدمها المهرجان للصحافة
الباحثة عن خبر مجاني. والدورة التاسعة والعشرون لمهرجان
القاهرة السينمائي، التي أفتتحت في 29 من تشرين الثاني/نوفمبر
ولغاية 9 كانون الأول/ديسمبر، لم تخرج عن ذلك التقليد، فقد
أبقت إدارة المهرجان باب الإجتهاد مفتوحاً، وحامت التوقعات
حول "دم الغزال" لمحمد ياسين و "منتهى اللذة" أول أعمال
منال الصيفي، كما تناقلته الصحافة. الى ان وقع الاختيار،
بعد قراءة التوازنات الفنية والسياسية، على شريط "ليلة
سقوط بغداد" لمحمد أمين، وهو الثاني له بعد "فيلم ثقافي".
ولعل هذا الأختيار يضرب على أكثر من وتر فني؛ مفاده إنقاذ
حُمٌار وجه المهرجان بان صيده ثمين يستحق إدراجه ضمن فقرة
المسابقة الرسمية. وسياسي؛ يسعى الى توظيف الحدث الدرامي
الذي هز المنطقة وما أستتبعه من غزو أميركي للعراق عسكرياً
وسياسياً. ما يشي به عنوان الفيلم، كفيل بفتح وطرح أسئلة
قديمة حديثة لما يعيشه العراق شعباً ومستقبلاً. ألم يكن
العراق، على مدى الأعوام الثلاثة الماضية، الخبر الأول في
الإعلام المرئي، والعنوان الأبرز للصحافة المكتوبة،
والموضوع المفضل لكتاب الأعمدة؟ حتى غدا الحدث العراقي في
متناول من هب ودب لكثرة تكراره. بطبيعة الحال، من الصعب
الحكم الفني على شريط محمد أمين، إذ سيعرضه المهرجان في
أسبوعه الثاني، مما فوت علينا مشاهدته جنباً الى جنب شريط
"أحلام" لمحمد الدراجي لإنتهاء أيام الدعوة المختصرة. لكن
ثمة سابقة تقاطعت مع العراق قبل أعوام قليلة، عبر شريط "العاصفة"
لخالد يوسف. الا إنها جاءت ملفقة ومبتسرة، أقرب الى
الهلوسة في قراءتها لغزو صدام دولة الكويت في العام 1990 .
ولعل نجاح محمد الدراجي في إيصال باكورته "أحلام" الى خانة
المسابقة الرسمية، و"غير صالح" لعدي رشيد، ضمن فقرة
السينما العربية، و"سنو وايت" لسمير، ضمن فقرة عرب في
سينما العالم، أعاد قضية العراق من جديد الى دائرة الضوء،
ولكنه كضيف محتفى به سينمائياً. ففي" أحلام" يدعونا
الدراجي، كما جاء نقلاً عن كاتلوغ المهرجان وبشكل بعيد عن
موضوع الفيلم، الى متابعة حكاية طالبة جامعية تودع في مصح
للأمراض العقلية، بسبب إعتقال زوجها الشاب ليلة زفافها من
قبل الأجهزة الأمنية للنظام السابق. تفر أحلام من المصحة
العقلية نتيجة قصف القوات الأميركية له، والتي اطلق عليها
"الصدمة والرعب"، لتقع فريسة فوضى جاءت بها تلك الحرب. لكن
أحلام ليست الوحيدة التي قذفت بها الحرب الى الشارع
والمصير المجهول، بل كان هناك علي، الجندي الهارب من أتون
الحرب، والطبيب مهدي الذي نجا من القصف. ثلاث شخصيات يرسم
من خلالها الدراجي الفترة الحرجة التي عاشها العراقيون
أبان سقوط نظام الرعب.
فيما نتابع في "غير صالح"، أول شريط سينمائي صور عقب سقوط
النظام العراقي، يوميات مدينة بغداد بعد الحرب. ومن خلال
المخرج حسن، الذي أراد صياغة مشاهد خراب حقيقي ضرب عمق
مدينته في الصميم. وأحال أماكنها وأناسها وأحلامهم الى
أشبه بذكرى بعيدة، لا يمكن للنيات الطيبة تداركها. انه
شريط قائم بالأساس على رسم مشاهد داخل مشاهد، وشهادات
تختلط فيها الأحلام بالوقائع، أبطالها حامل مذياع يتتبع
أخبار العراق كي يتناسى قدر أبنائه في جبهات القتال، سيدة
جنوبية من سكنة بغداد، معتوه في مدينة مجنونة، بائع صحف
تبدلت الأحول ولم يتبدل موقعه، مخرج تناهبت أحلامه حروب
العراق، مصور أجتهد في رسم وتكثيف لحظات قاتمة وبشجاعة،
جندي قاتل ليعود الى مدينته جثة هامدة تحملها مياه نهر
دجلة وزوجة تعذبها الإنتظارات(أداء مميز لمريم عباس).
ولكونها بغداد الحاضرة الأكبر من مدن العراق، فقد نعى عدي
رشيد مصيرها مرتين. مرة عندما عرضها للبيع في مشهد رمزي
معبر، وعبر أحد أحيائها الشعبية حيث يتوسط بيت مجارى عند
التقاء شارعين وكتب عليه "دار للبيع". وأخرى، عندما شتم
الجميع في نهاية شريطه بكلمات تنفذ منها رائحة الخيبة،
بقوله "أكرهكم، أكرهكم". شريط "غير صالح" مختلف، يخرج عن
السياقات التقليدية في البناء الفيلمي، وينهل من المسرح
والشعر والرواية والسينما والفوتوغراف، ويبشر بولادة مخرج
سينمائي طالما أنتظره العراقيون بعد سنوات اليباب
الطويلة..إلا إن الإمتحان الأكبر يكمن في التواضع، وما
ستأتي به رهانات مشاريع المخرج القادمة. في حين تخلى
المخرج سمير، العراقي الأصل والسويسري الجنسية، عن أسلوب
أشتغالاته السينمائية التي طغى عليها التسجيلي، كما في
شريطه المميز"إنس بغداد"، لينتقل الى الروائي الطويل. لكن
هذه الانتقالة أشرت، أيضاً، الى اختياره لموضوع يعنى
بموضوع الشباب والمراهقين في بلده الجديد. في "سنو وايت"
نتابع حكاية شابة من عائلة ميسورة، تعيش في مدينة زيورخ،
وتنغمر في حياة اللهو والجنس، وما ان تلتقي بشاب يقود حياة
مختلفة، حتى تكتشف سذاجتها وعبثها.
اضافة الى ما سبق، هناك عمل المصري سمير نصر المقيم في
المانيا "بذور الشك"، او كما جاء في الترجمة الرسمية
"أضرار لاحقة"، وفيه متابعة لانقلاب حياة البروفيسور طارق،
الجزائري الأصل والمتزوج من مصممة فنية في إحدى المجلات
الألمانية، نتيجة شكوك تحوم حول انتمائه لإحدى الجماعات
الإسلامية. ففي أعقاب هجمات 11 أيلول 2001 على برجي مركز
التجارة العالمية في نيويورك، أصبح المسلمون في أوروبا
موضع شك الى أن تثبت براءتهم. وهذا بالضبط، ما أراد نصر
اقتفاءه سينمائياً، إذ يتحول طارق (أداء لافت للممثل
الجزائري مهدي نبو)، رغم مركزه العلمي وحياته العائلية
المستقرة، في ليلة وضحاها الى متهم تحاصره أجهزة الأمن
وتقتفى خطواته، وتترصده الأعين أينما حل، فهو مثار شبهه،
ليس فقط لكونه مهاجراً جزائرياً، إنما ضلع من أضلاع خلايا
نائمة تعمل في سر وخفاء لتنفيذ هجمات جديدة. تزداد الضغوط
على طارق، بعد فقدان عينات من فيروس الايبولا من المختبر
الذي يعمل به، فيضطر رئيسه الى الاستغناء عن خدماته، ما
يدفعه الى التفكير بالسفر والعودة الى بلده.
بالمقابل تتسرب أجواء الريبة الى قلب زوجته مايا وحياة
ابنهما كريم، خصوصاً بعد زيارة مفاجئة لصديق وزميل لطارق
إيراني الأصل والإقامة معهم لعدة ليال. ومثلها يتعرض الطفل
كريم الى عدد من المضايقات في مدرسته، تدفع به في أحدى
المرات الى ضرب زميل له وطرده من المدرسة. تنفرط وحدة
عائلة طارق تحت وقع الضغوط، ويصبح كل فعل يقوم به يحمل
معنى ومغزى مضمراً، وحتى براءته التي جاءت متأخرة في نهاية
الشريط لم تعد لها قيمة، فقد وقع الضرر وتبدلت المصائر.
وازن المخرج نصر بين إيقاع شريطه على المستويين الفني
والسياسي، ولم يقع تحت طائلة الشعارات والمباشرة، ما يجعله
أحد أفضل النتاجات التي تستحق جائزة في هذه الاحتفالية.
- فيما قدم المخرج الفرنسي سيدريك كلابيش عمله "الدمى
الروسية"، وهو الجزء الثاني بعد"الشقة الأسبانية" الذي حاز
على نجاح تجاري وفني عالميين عند عرضه قبل ثلاثة أعوام. في
جديده، حافظ المخرج على أغلب الشخصيات التي عرفناها في
شريطه الأول، بل قاربها من خلال أزماتها الشخصية أزاء حيرة
العمر والخيارات المبذولة أمامها، ولكن في إطار عاطفي
كوميدي. وعبر أزمة الشاب خافيير(أداء مميز لرومين دوريس)،
يعمل كاتباً بالقطعة، في إيجاد شريكة حياة مناسبة بعد
سلسلة من الفشل العاطفي. فهو مازال يدور في فلك علاقاته
السابقة، الناشطة في مجال البيئة مارتين(أودري تاتو)،
المثلية ايزابيل(سيسيل دو فرانس)، الصحافية البريطانية
ويندي( كيلي رايلي). أما الأميرة التي يبحث عنها في
خيالاته وقراءاته، كما تقول له ايزابيل" فماهي الا شخصية
مستلة من قصص الخيال. كن واقعياً وأقبل بما هو مبذول
أمامك". ولا هي كما تشي احدى اللقطات الجميلة، ستكون بكل
الأحوال كناية عن "الشارع المثالي" في مدينة سانت
بيترسبورغ، عرضه 25 متراً وارتفاع بناياته 25 متراً وطوله
200 متر. ترك المخرج لشخصياته حرية الحركة وهم يتبادلون
المواقع بين باريس ولندن وسان بيترسبورغ وموسكو، وكأننا
نتابع مسلسل حب تلفزيزنياً تحكمه المفارقة دون فقدان بوصلة
خطوطها الدرامية.
في حين جاء عمل الفنلندي كلاوس هارو "أمي" ليعيد صياغة
واحدة من مآسي قصص الفراق واللجوء خلال الحرب العالمية
الثانية. وعبر قصة حقيقية بطلها الصبي أيرو، الذي ترسله
والدته بعد مقتل والده الى مكان آمن في السويد، حالها حال
الكثير من الأمهات آنذاك. الا ان تأقلم الصبي أيرو لم يكن
سهلاً، إذ عليه تعلم اللغة كي يتواصل مع محيطه الجديد،
وعليه أيضاً قبول قواعد العائلة الصارمة التي تبنته. يهدأ
تمرد أيرو تدريجياً بمرور الأيام، عندما يكتشف رسالة رجاء
بعثتها والدته الى عائلته الجديدة تطلب فيها الإبقاء عليه
في السويد. رغم صغر سنه، اعتبر أيرو تلك الرسالة بمثابة
تخل وخيانة لعاطفة الأم الحقيقية، فيقرر التطبيع مع والدته
المتبناة. لكن نهاية الحرب، تضع قدر الصبي ايرو مرة أخرى
أمام خيار العودة والاقتلاع من جديد. إذ عليه البحث عن
والدته الحقيقية، فضلاً عن نسيان لغته الأصلية. يبدأ شريط
"أمي" من الحاضرعندما يزور أيرو، وقد تجاوز الستين من
العمر وبعد حضوره مراسيم دفن أمه المتبناة في السويد، وعبر
لقطات استرجاعية"فلاش باك"، والدته العجوز لمعرفة قصة
حياته الكاملة. النجاح الشعبي في دور عرض الدول
الاسكندنافية، والمنحى الإنساني لقصة أيرو، دفع الى ترشيحه
رسمياً الى جائزة الأوسكار لأفضل فيلم ناطق بلغة أجنبية.
ويأتي شريط الإفتتاح "منزل الخناجر الطائرة" للمخرج زانغ
ييمو، صاحب "أرفعوا القنديل الأحمر" و "حكاية كيو-جو" و
"كي تعيش" و "بطل"، أحد أبرز أسماء الجيل الخامس في
السينما الصينية. كجزء من تكريم واحتفاء الدورة التاسعة
والعشرين لمهرجان القاهرة السينمائي الدولي، في السينما
الصينية وعبر عرض 25 شريطاً لأبرز إشتغالات العاملين فيها.
ومثلها كرمت السينما اللبنانية الجديدة في فقرة أطلق عليها
"بانوراما لبنان". وخصت بتحيتها المصرية الممثل المسرحي
والسينمائي القدير جميل راتب والفنانة لبنى عبدالعزيز
والكاتب والمخرج وحيد حامد. وأستحدثت فقرة جديدة أطلق
عليها "عرب في السينما العالمية"، وشملت عرض سبعة أشرطة
سينمائية منتقاة بشكل جيد، وعلى هامشها جرى تكريم النجم
السينمائي العالمي عمر الشريف والممثل الأميركي مورغان
فريمان والممثلة الفرنسية ليزلي كارون والمخرج الألماني
بيرسي أدلون والمخرج الروسي كارين شاخنازاروف والممثل
والمخرج الفلسطيني محمد بكري ومواطنه هاني أبو أسعد
والمخرج العراقي/السويسري سمير والممثل المغربي سعيد
طغماوي والمخرج اللبناني الشاب جوزيف فارس صاحب شريط
"زوزو". وأهدت الدورة إسمها الى الفنان الراحل أحمد زكي،
فيما نظمت على هامش المهرجان ندوة عن المخرج مصطفى العقاد،
صاحب"الرسالة" و "عمر المختار"، الذي وافته المنية إثر
التفجيرات الارهابية الأخيرة في العاصمة الأردنية عمان.
- تنوعت فقرات مهرجان القاهرة السينمائي الدولي، وعرض أكثر
من 150 شريطاً سينمائياً ومن مختلف الأجناس الفنية ومن 48
بلداً، ونشرت بوسترات المهرجان ولأول مرة بهذا العدد الضخم
في شوارع القاهرة الرئيسة، والانضباط في ساعات العروض، لم
يخف مشكلة حقيقية عشنا مراراتها على مدى أيام دعوتنا
المختصرة، وتمثلت في من تقاسمنا معهم المشاهدة في ظلمة
الصالات. فقد أفسد رنين الهواتف النقالة، والأحاديث
الجانبية، والدخول والخروج من صالات العرض، الكثير من متعة
المشاهدة.
* ناقد سينمائي
عراقي مقيم في لندن.
من يحلب القيثارة السّومريّة في لندن؟
هاشم تايه
(إلى أمل بورتر وأندي لونكس)
" تحياتي وأرجو المساعدة العاجلة جدا جدا... لدينا مجموعة
من الإنجليز أعادوا بناء القيثارة السومرية وإنّ الجمهور
الإنجليزي يراها ويستمع إليها ومع التصفيق تختلط الدموع
وسمعنا أنّ هناك فناناً عراقياً بصراويّاً اسمه نجم عبود
جمعة يعزف على الآلة السومرية في البصرة وكان مع فرقة
التراث هل نستطيع أن ندعوه إلى زيارة إنجلترا ويقدّم حفلة
إلى الجمهور الإنجليزي المتعطّش لسماع القيثارة السومريّة
الأصلية..."؟
قبل يومين حمل إليّ بريدي الألكتروني هذه الرسالة العاجلة،
فأسعدني أن يكون في بصرتي فنان شعبي طارت شهرته إلى لندن،
وأنّ الجمهور الإنجليزي فيها ينتظره بفارغ صبر ليسمع توقيع
أنامله على قيثارتنا العريقة التي تقيم اليوم، لحسن حظّها،
في عاصمة الضباب.. وأدركت أن ذلك الجمهور المتعطّش قد أدرك
أنّ أمّنا القيثارة لن تسفح أحزانها الأسطورية الطويلة كما
تحبّ إلاّ بأنامل أحد أبنائها العراقيين الذين يعرفون
أسرارها، فبهذه الأنامل وحدها تُغرّد الدموع العراقية في
تقلبات تاريخها المديد. هذه الأنامل، وليس غيرها، من يفتضّ
قلب القيثارة الحزين ويطلق من أعماقه فواخت الهديل.
لا بدّ أنّ القيثارة العجوز التي قهرت الزمن وأوهنت قواه
وسرقت منه خلودها قد احتفظت لأوتارها باللاعبين المتمرّسين
فيها الذين عاشوا إلى جوارها وتنقّلوا معها، إنّهم في
الحياة من أجلّ رغبتها الجليلة، هي، في الحياة.. ولم يكن
يخلو يوم من أيّامها من لاعبٍ منهم على أوتارها، ومن بين
هؤلاء، في يومنا هذا، نجم عبود جمعة الذي يتعيّن عليّ أن
أبحث عنه، وأن أجده للأمّ السومريّة المنفية يطير إليها
ويحلب ضروع أنغامها بيديه العراقيتين.
ذلك يفسّره هذا السرّ العجيب:
أحياناً أجدني في مكان لم أكن قبلاً قد خطّطت لأن أكون
فيه، فأمضي أسأل نفسي عمّن دعاني إليه... بغتةً وكما البرق
الخاطف ينبثق الجواب في الشجرة التي أقف إلى جوارها، أو
رمل الشاطئ الذي أخطو عليه، أو على واجهة المبنى الغريب في
مدينة ما.. فأعلم أنّ هذه الأشياء هي من رغب في وجودي
بينها، وأنا هنا لمجرّد أن ألبّي رغبتها فيَّ ...
ومثل هذه الأشياء المسكونة برغباتها الخفيّة التي تصنع
قواها الأعاجيب، مثلها تماماً، كانت القيثارة البعيدة ترغب
في مواطنها البصري نجم عبود جمعة، وتُحرق طاقاتها الدفينة،
وتكافح من أجل أن يطير إليها من الحيّ المنطفئ الذي يقطنه
في بصرته القديمة إلى الأضواء الباردة الغريبة في إحدى
قاعات لندن، ليداعب أوتارها فتقول ما صمتت عنه بسبب غربةٍ
ونفيّ بين جمهور غريب...
لم أكن قبلاً أعرف نجم عبود جمعة، لم أكن قد سمعت باسمه
أبداً، لكن لن يشقّ عليّ بلوغه ولو استحال إلى هباء، ما
دام قريباً منّي فقيهُ اللذائذ والمسرّات والعارف بما خفي
من أمور أهل الطرب وما ظهر في بصرتنا العتيقة كلّها، ولسوف
يصطاد ذرّاته من الهواء ويجمعها في كيان من لحم ودم اسمه
نجم بن عبود.
عودة ياسر مرزوق لم يخيّب ظنّي فما أن هتفت باسم صاحبنا
المدعو إلى لندن حتى أشهر تليفونه النقّال وطلب من الهواء
صديقاً له سرعان ما دلّهُ على دار نجم عبود. وفي الطريق
إليها عاجلني عودة برغبته في أن أُقنع المشرفين على حفل
القيثارة الذهبية بأن يرافق العازف عليها في طيرانه إلى
لندن.. وغمز بفمه كعادته حين يهمّ بصنع مكيدة، وضرب كتفي
بمرفقه وقال:
قل لهم إنني ضارب إيقاع لابدّ منه لكي تُساقط قيثارتنا
العراقية كلّ ثمرها هناك. فأجبته بأنني سأضمّ رغبته إلى
رغبتي، فأنا الآخر مثله أتوق إلى السفر ولم يفتني العذر،
فعزفٌ على آلة شرقية سيكون أشدّ تأثيراً لو كان على خلفية
لوحات تشكيلية من الشرق أيضاً، وستكفل لوحاتي النائمة في
بيتي لأرباب الحفل اللندني المنتظر هذه الخلفية الضرورية !
فرحَ عودة وفرحتُ أنا، ورأينا طيراننا البهيج إلى المدينة
البيضاء على جناح نجم عبود جمعة وشيكاً. وسيوافق نجم على
تلبية الدعوة، بل سيرفع رأسه عالياً وسيثقب بأنفه السماء
وسيضرب الأرض زهواً واختيالاً بعدما ينهال علينا عناقاً
وتقبيلاً وسيصيح مثل ديك أسود يدقّ على صدره بين الجيران
على عتبة داره:
" أنا ذاهب إلى لندن لأحلب القيثارة الذهبية " !
فأيّ غبيّ تدعوه اليوم لندن ولا يلبّي دعوتها حتى لو كان
الجنّ هو من يدعوه إليها؟!
أخشى ما كنت أخشاه أن يكون عفريتنا الأسود الذي سيحملنا
إلى لندن قد شاخ وغدا عاجزا في قمقم بيته لا يقوى على سفر
ولو على متن طائرة لكنّ عودة بدّد خوفي:
" يمعوّد، هذا سبع أسود، يكدر يمشي مشي منّا لّلندن،
هذا،مثلي، جني أسود يتنفس من عيونه الحمر من كثر ما نفخ
بالصِّرْناي "!
وعلى الرصيف الذي دفعتنا إليه أهوال السيارات مدَّ عودة
شارع كلماته:
" وِلْعلمك نجم صاحب مكيد يسمونه مكيد المصري، وهو شيطان
من شياطين النوبان والزيران والليوه والجيتانكه والهنكروكه
والوايه والوريمه والجيناصه " !
كان عودة يتنفس من عينيه الحمراوين من دون أن يدري وهو
ينفخ في الهواء هذه الكلمات التي لم أسمع منها إلاّ
بالزيران، ففي خمسينيات قرننا الفائت كان في القشلة، مسقط
رأسي، بيت قديم للسود في دربونة مفتوحة من الجنوب حسب على
سوق موسى العطية، سوق العطّارين الشهير، وفي كلّ خميس، ومع
نزول الظلام كان يصعد من جوف ذلك البيت قرع طبل مخيف تصحبه
أصوات ونداءات وصرخات.. كنّا، نحن الصغار، نخافها، ولم يكن
أحدٌ بيننا يجسر على أن يضع قدماً واحدة في تلك الدربونة
المسدودة، وكانت أمي تجيب خوفي بما يجعلني ليلاً أبول في
فراشي:
" هذوله بيت زكية السوده بيهم زيران وطناكَير "
وهذه الكلمات كانت ترسم في خيالي صورة عماليق سود من الجنّ
يدخلون في الإنسان ويصيرون زيرانَهُ، ويقرعون في رأسه
وقلبه وبطنه طبولهم ويرقصون ويصرخون.
ولم يفت عودة الذي احتلت لندن عقله وقلبه أن يسكب عليّ هذه
الطمأنينة:
" لا تخاف استاد، نجم يروح لّلندن، وأنا متأكد يعزف على
القيثارة، يابه هيَّ مثل طنبورته ".
وفي الطريق التي ذهلت عن معالمها بسبب شعوري المستطار
وخوفي من أن لا نعثر على طيّارتنا نجم، مضى عودة يصف لي
الطنبورة، الآلة الموسيقية الفلكلورية التي هي عبارة عن
صندوق دائري تخرج منه خشبتان مستديرتان تنفرجان كلّما
ابتعدتا عن مركز الصندوق وتكوّنان، بعد التصاقهما من
الأعلى بخشبة ثالثة مثلثاً تنزل من قاعدته ستة أوتار على
قلب الصندوق الذي تنفتح على سطحه حفرتان متقابلتان تسمحان
بنزول الكف في بطنه.
كانت برودة منتصف تشرين الثاني قد ألبستني سترتي السوداء،
وكان نصف عودة الأعلى محشوراً في قمصلة خضراء داكنة حزّت
ياقتها المزرّرة رقبته السوداء البدينة، وأوشكت على أن
ألبّي رغبتي في خلع السترة بعدما ضايقني وهج الشمس
المصبوب، لكنّ سؤال عودة زحزح عني رغبتي:
" تعرف استاد، شنو العبيد يرمون ابْطن الطنبورة " ؟
وقبل أن أجيبه: " منين أعرف " مال عليّ وقال بنبرة ممدودة:
" بخور.. وياس.. وبيض " !
وذهب في شارع كلماته الذي لم يعد يستطيع القبض على زمامه
يشرح لي ألغازاً حتى كدت أقتنع بأنّه وسلالته الغامقة قد
أنجبتهم الطنبورة حين صاح بزهوٍ :
" نحن أولاد أمّ ستة " ! وهو يعني الطنبورة بأوتارها الستة
التي لم تكن، في الأصل، برأيه، إلاّ آلة موسيقية بدائية
صنعها سوهاج شقيق بلال بن رباح من جوزة هند إثر مجيئه إلى
مكة مع المسلمين المهاجرين العائدين إليها من الحبشة،
وبالعزف على تلك الآلة كان يُسلّي سيدَيْ شباب أهل الجنة
الحسن والحسين عليهما السلام عندما كانا صغيريْن، وكان
النبي صلّى الله عليه وسلّم يبتهج ببهجتهما ويمسح براحته
المباركة على ظهر جوزة سوهاج التي يعتقد عودة بأنها كانت
تُسمّى في تلكم الأيام ( زيزة). و(زيزة) هذه هي الأم
الأولى لطنبورات العبيد اللواتي ورثن بركة النبي من أمّهنّ
العتيقة تلك. وبسبب هذه البركة أصبحت الطنبورة قادرة على
أن تمنح سائليها مرادَهم العسير بمجرد أن يطعموا بطنها
البيض والياس والبخور ويضربوا على أوتارها الستة..
تجاوزنا الفلكة التي نبت وسطها جامع الكواز بمئذنته الخجول
المنحنية وقبّته التي عضّتها شظيّة ورسمت على خدها حبّة
بغداد، كانت الشمس قد ألهبت ذاك الخدّ المعضوض ونثرت
فيروزه فوق غبار السيارات الدائرة عليه.
ونفضنا عن أثوابنا الغبار حين عبرنا الشارع ونزلنا على
جادة ترابية تسوقنا عصا لندن، وضرب عودة وتراً آخر من
أوتار طنبورته فسمعت نغماً آخر من نغمات أسطورته:
" في ليلة زواج نجم دسّت أمه العجوز حبات هيل وفصوص علك
مستك في بطون الطبول في الحوش، وفي الليل كانت العروس
الغريبة تسمع قضقضة قرض الهيل وطقطقة قضم فصوص البستج فلا
تنام "
ولم أعلّق على ما قال فانتشى بتصديقي حكاية الجن الساهرين
في بطون الطبول يتسلون بقرض الهيل وقضم البستج.
كنت في بطن طنبورتي أُعدّ لها النغمات التي سأٌطيّرها عبر
الإيميلات إلى لندن لتدعوني إليها، وشجّعه انشغالي عنه
فتابع وهو يقودني إلى دكان ضئيل في مدخل أحد أحياء البصرة
القديمة:
" تعرف استاد، لمّا تمطر السما على ساحة المكيد يرفع جاووش
الفرقة ذيل حيوان ويهزّه هزّة قوية فتحبس الغيمة الماطرة
مطرها بس عن الساحة وتستمر الفرقة بالدك ".
والتقط عودة شاباً أسمر ناحلاً من الدكان الضئيل وبدلاً من
ان نعثر فيه على جواب سؤالنا عن نجم كان علينا أن نلتفت
وراءنا لنعثر على نجم بين شفتين سوداوين صغيرتين هتفتا: "
نجم أبوي " !
وأحنيت قامتي على هامة الصغيرة المشيّفة مثل بطيخة بضفائر
توازت والتصقت بقحفتها وقلت في أذنها السوداء المغبرّة:
- " منو أبو نجم" ؟
-" عبّود " !
-" ومنو أبو عبود " ؟
-" جمعة "!
وانفلت حزام الكاميرا الجلدي من بين أصابعي وراح يتأرجح في
الهواء طرباً فسرق عيني الطفلة المبهورتين، وداعبتُها
بقولي:
" سأجعل بابا نجم يطير إلى لندن " !
ربطت الطفلة المبهورة أقدامنا بشريط قدميها وأخذتنا إلى
ضالتنا في زقاق تقاصرت بيوته وغطست في التراب وكأنّها
تلقّت على هاماتها ضربة عنيفة بمطرقة هائلة أنزلتها في
الأرض. كانت أنامل الضوء والهواء تلعب على جدران البيوت
وأبوابها وشبابيكها وتستخرج منها نغماتها السجينات
وتُطلقها في الفضاء... طوفان من الأنغام المعذَّبة يتلوّى
في الفضاء الحرّ الراغب. وبين الذين أخرجهم ذلك الطوفان
نساء ورجال سود لابدّ من أنّ الأنغام قد شوتهم فالتمسوا
هواء تشرين مداوياً، وكنّا نتبع الطنبورة الصغيرة، نتلقّى
نغمات قدميْها الملوثة بالتراب فنمضي وراءها، وقبل أن يعود
عودة إلى شارع كلماته من جديد ويهيم فيه انعطفت بنا
الصغيرة في زقاق إلى اليسار لاحت وسطه امرأة ضخمة ارتفعت
عصابة رأسها السوداء فوق أذنيها والتمعت رقبتها المتينة
وجيدها في الضوء، وأوشكت أن أصيح " يا لهذا الديك "! ولكن
عودة غمز بفمه وتكهّن: " وصلنا "!
وهبطت دليلتنا في بيت فانتظرناها قرب عجوز عكفت على بسطة
وإلى جوارها بركت الإمرأة الديك.
ارتمى عودة على نجم الذي برز أسود بدشداشة بيضاء تكاد
تنشقّ عنه، وعانقه عناق من يعرفه من زمان فلم يجد نجم
مفرّاً من تأييد هذه المعرفة أمامي، ومضى عودة يتحدّث من
علياء بعد أن عرّفه بي، فيما لبث نجم، وقد اضطر إلى رفع
رأسه، يُرسل، من جفنيه اللذين يكادان ينطبقان على بعضهما
من أثر النفخ بالصرناي، خيطاً يصله بمتحدثه العالي. قال له
عودة بتفضل مشيراً إليّ، غامزاً بفمه غمزة لم يصطدها خيط
نجم المنبعث من عينيْه الضيقتين:
" الأستاد صحفي جاء في شغل ينفعك ويفيدك و... " وسكت عودة
مضطراً ونزل من عليائه لأن نجم خفض رأسه وتراجع قليلاً إلى
الوراء والتفت إليّ وأرسل بحياء صوتاً ناعماً كخيط عينيْه:
" والله، استاد، آنا آسف، كلّ شي ولا الصحافة "!
وصعق عودة وتشبّث بعضد الرجل الآسف وانهال عليه:
" أنت تأسف على أيّ شي ؟! الرجل جاي ينفعك اسمعه عدل "!
وتلقّفتُ الزمام من عودة فقلت لصاحبنا بحياد بارد:
" هناك ناس انكليز في لندن عرفوا أنك تعزف على القيثارة
السومرية وعندهم رغبة تسافر لهم ويستضيفونك على نفقتهم حتى
تعزف لهم على القيثارة في حفلة، والأمر متروك لك، وأنت حرّ
".
أنزل نجم خيط عينيه على مهل إلى الأرض ثمّ رفعه ووجهه
إليّ:
" والله، استاد، سامحني، آنا ما أكدر، أرجوك اعفيني، وآنا
أشكرك "! وأخذه عودة إلى الوراء حانقاً ونفخ في أُذنيه،
وأعاده إليّ بكلمات لم أقبض منها إلاّ على ثلاث:
"... حتّى اتعدّل أمورك "!
ولم تزحزح العجوز أمّ البسطة نجم عن صخرته بقولها الذي
أيدته المرأة الديك:
" يمّه تعال بغير وقت ونجم يوافق ".
واستراح عودة الذي احمرّت عيناه، لهذا الاقتراح لكنني
قطّعتُ راحته سريعاً حين أعلنت:
" أخ نجم الجماعة في لندن ينتظرون الجواب، نعم أو لا ؟"
وصرختْ في داخلي طنبورتي فقلبتُ طريق عودة وأخذتُهُ من يده
وهو يعوي:
" عبد كمانكه.. عبد طِرِن.. مال سطرات تطيّر سخامه "!
ولم يبق من نجم شيء، لا جناح، ولا طيّارة، ولا لندن.
لم يكن هناك إلاّ العالم الراغب اللّعوب الذي ذهبتُ ضحيّة
أشيائه التي تسلّطت عليّ بجبروت رغائبها فيَّ، ولم تكن تلك
الأشياء تعدو جدران بيوت ورِمت من الآلام، وأبواباً غائرة
في التراب الحزين، وشبابيك عتيقة، وكلّها رغبت في حضوري
بينها، في زقاقها الذي لم تطأه قدماي في يوم من أيامي.
وربما كنت أخيراً ضحية فكرة نجم عبود جمعة عن نفسه
وطنبورته المنسيّة، ومعاناتهما من الغياب، ورغبتهما
المظلومة في اعتراف العالم بهما، تلك الفكرة القويّة التي
خلقت، من أجلهما، لندن راغبة أشدّ الرغبة فيهما وكتبت
رسالتها إليهما بلا توقيع ووضعتها في بريدي الألكتروني
الغافل فجعلتني أهيم بين أرباب الطنبورات في أحيائهم
الغبراء متأبطاً عودة ياسر مرزوق لأعثر على نجم عبود جمعة
الحالم بلندن تتوسل طنبورته ليقول لها: " لا " فترتفع
روحه.
الصِّرْناي: آلة موسيقية نفخيّة شعبية
مكيد: الساحة التي تمارس فيها الفرقة الشعبية رقصاتها.
اللّيوة والجيتانكة... إلخ ضروب من الرقص والغناء
الشعبيين.
جاووش: رئيس الفرقة الشعبية.
كمانكة: من لا يفهم.
(أدب الأعتراف) الغائب في
الثقافة العربية
شاكر
لعـيـبـي
إذا
كان الأدب الأوربي قد عرف أدباً عالياً تقع كل أهميته في
(اعتراف) الكاتب بوقائع وتفصيلات عن شخصه، هو نفسه، لا يجر
عادة الكتابة عنها بوصفها تجربة شخصية، فالأدب العربي
الحديث لم يعرف إلا لماماً مثل هذه الاعترافات.
عرف أدبنا أدب المذكرات الشخصية التي تنفي عن حقل عملها،
غالباً، أي اعتراف يمكن أن يقود إلى إدانة الكاتب أو
تجريمه. هل لأن الأمر يتعلق بمفهومة الأدب نفسه التي لا
تمنح، عندنا، مكاناً إلا للعمومي والتجريدي والتجربة
العريضة والمعنى الشمولي والحكمة التي تتجاوز التفصيلات،
إزاء الخصوصي والملموس، التجربة الضيقة ونسبية المعنى
عندهم. أم هل أن الأمر يتعلق بمقدار توطـّن (الذات)
الكاتبة، التي هي عندنا متسامية على التفاصيل والأحداث
بينما هي عندهم تتوطن في هذه التفاصيل؟ ليس السؤال بريئاً
البتة.
لنلاحظ في البدء وندقـّق أن الثقافة العربية تعدم اعترافات
مثل ما حصل ويحصل في الثقافة الأوربية. من أجل إعلان هذه
المفارقة نقدم هنا أمثلة عن كتب الاعترافات الأوربية :
(اعترافات القديس أوغسطس) الشهيرة، (سينيك : رسائل إلى
لوسيليوس)، (نيتشه: إنساني وجد إنساني، اعترافات)، (أيميل
سيوران: مفكرة 1957-1972 صادر عن منشورات غاليمار 1997)،
(اعترافات اوغسبورغ)، (اعترافات جان-جاك روسو)، (جول
رونار: يوميات 1887-1910) وأخيراً وليس آخراً (بودلير:
اعترافات).
وعلى أية حال، فلا مكان لاعترافات أدبية صارخة لدينا.
الاعتراف ، في العرف الأدبي العربي المعاصر، يـُخْرِج
المادة رغماً عنها من حقل الأدب إلى حقل الفضيحة. هذا ما
تـبـرهنه مبيعات كتاب مثل رسائل غادة السمان وغسان كنفاني
الذي قُرئ بوصف فضيحة من نوع ما وليس أدباً. الأديب الكبير
لدينا هو، فحسب، من يُعـْلِن ويعبـِّر ويصير لسان حال
الجماعة حتى وإن استخدم تجاربه، مواربة، مادةً للكتابة.
سوى أن المادة الاعترافية يمكن أن تصير مادة للتفكير
العميق إذا ما كتبت تحت هيمنة أنماط اجتماعية محددة (مثل
اعترافات النسوة في ظل قمع اجتماعي وجسدي) أو الرجال
والنساء تحت هيمنة أنظمة سياسية شديدة الوطأة (مثلما يمكن
أن يكتبه سجناء أنظمة الأيديولوجيات الديكتاتورية).
اعترافات تلكم النساء وأولئك الرجال يمكن أن تحتوي على فكر
خصب ومعانٍ جمة أين منها الإنشاء الأدبي العادي الذي
نلتقيه كل يوم.
كل أدب اعتراف شخصي سيُفهم، عربياً، بشكل خاطئ، وسيؤول
لصالح الحط من شأن المبدع أو النيل من كرامته الشخصية أو
سيُستخدم ضده يوماً بمعنى من المعاني، ولذلك دلالة لها
تاريخ طويل في الضمير الاجتماعي العربي، فلقد أُعْتُبرت
إشاعة السر خطلاً جسيماً واعتبر الاحتفاظ به فضيلة كبرى.
ثمة أدبيات وأشعار تملأ الصفحات الطوال تتعلق بضرورة كتمان
الأسرار الذاتية حتى ولو (انفلق) المرء نفسياً من وطأة
الاحتفاظ بها لوحده. لماذا؟ ولماذا لا يمكن أن يشاطر
الآخرون سر المرء الوجودي الرهيب؟ لماذا لا يمكن للآخر أن
يكون رحيماً ويفهم المعنى العميق للكلام الداخلي للكائن
الذي هو جزء أساسي ووجودي منه كما من ضميره؟ لأن إعلان
(الوجودي) للملأ سيحيل الآخرين الى فضاء محرَّم اجتماعياً،
الى فضاء مغلق، على حرمة شخصية. إن المجال الوحيد المباح
لحرية قول الصعب هو الخفاء وأن التجربة الفردية تعاش فحسب
في السر وان عليها الارتياب بالعلانية أيما ريبة.
وإذن فإن كل علانية، أي كل اعتراف هو إباحة وتدمير لهذا
الفضاء المغلق، لهذه الحرمة، وهو انتهاك لحقل الحرية
المُمارسة سراً. كل شيء يُمارس في العالم العربي بنوع من
الابتعاد عن عيون الآخرين وفضولهم. كلما كان الفضول أقوى
كان السر أشد تماسكاً، وكلما كان السر أشد تماسكاً يصير
الفضول أشد وطأة وهكذا دواليك في معادلة مغلقة. إن أديباً
يكتب عن تجارب جسده الصبيانية أو عن أولى عاداته السرية بل
يكتب معترفا بحماقاته وضعفه البشري سيؤول أسوأ تأويل رغم
الضرورات المنطقية والسايكولوجية والانسانية لمثل هذه
الكتابة الاعترافية. على الأديب العربي فقط أن يُشهر قوته
ونقاط تفوقه وليس مواطن انكساره. إننا أبناء ثقافة
الانتصارات المزعومة.
مرة أخرى نقول أن أدب الاعتراف وقول الضعف يصير على الصعيد
السياسي ضرورة لم تدركها بعد ثقافاتنا المحلية. فعندما يرى
المرء إلى خروج جمهرة من مثقفي السلطة في العراق في
السنوات العشر الأخيرة لكن من دون أن يرى الى كلمة واحدة
من طرفهم عما أحدثوه وساهموا به، ولا يرى اعترافا واحداً
نبيلاً وصريحاً سيرى إلى المعنى البعيد لما نود أن نقول
هنا. لو أننا التقينا باعتراف مأساوي في جملة قصيرة
للروائي عبد الستار ناصر من قبيل: "صحيح أنني أخطأت بحق
نفسي وتاريخي، لكن الرجوع عن الخطأ فضيلة.." (الزمان،
العدد 826 بتاريخ 20/21- 1-2001) فإن سعادتنا لا توصف رغم
أنها قيلت في ثنايا السطور وبعد ممهدات ومقدمات
تـبـريـريـة جد طويلة. ثمة الكثير من الأدباء العرب الذي
ساهموا بخراب ثقافتنا أو ساهموا بإنمائها وتطويرها ممن
ننتظر (اعترافاتهم). انهم سيثرون معرفتنا بخفايا العالم
العربي من جهة وسيمنحوننا الإحساس بنبل الكلمة، حتى لو وصل
متأخراً، الذي نحن بأمس الحاجة إلى حضوره بين ظهرانينا، من
جهة ثانية.
|