المدى الثقافي

الصفحة الرئيسة للاتصال بنا اعلانات واشتراكات عن المدى ارشيف المدى
 
 

ردود أفعال المثقفين في مصر حول مبادرة صندوق التنمية الثقافية:مبادرة إنسانية وشعور بالسخط من الوضع واحساسات متباينة

القاهرة/خاص بالمدى
من البديهي ان تلقى اي مبادرة انسانية استجابات شتى وتلقى من المتابعين ردود فعل عدة. البعض يصرح بالرضا والثناء بالخير والبعض الاخر يراها فعلاً انسانياً ولكن يرى ان الشفقة بالمثقف مصيبة . هذه التجاذبات في الاراء والاختلافات في التلقي سببها الحالات المزرية التي يتعرض لها المثقف وهنا تختلف ردود الفعل حسب وجهة النظرلاسيما وان الحالات تشمل المثقفين الذين لم يحصلوا على مقاصدهم المعيشية الا بصعوبة او بالجهد المضني .وازاء هذا الحال وانعدام العناية الحكومية ظل يدور في مدارات البحث الشاق عن اللقمة التي تسد رمقه اما اذا اصابته انتكاسة مفاجئة ربما تظل المفاجآت بانتظاره .وما حصل للشاعر الجزائري ابو بكر زمّال دليل على اقتران الانتكاسات بالمفاجآت وبقاء المثقف العربي على هوامش خفية لا تكاد تكون بائنة لاكثر المطلعين. وتاتي مبادرة الاستاذ فخري كريم رئيس مجلس ادارة مؤسسة المدى خرقا للمألوفات التي تصر على ابقاء المثقف العربي على هامش العلاقة الحياتية بينه وبين البقية، وتأتي أسوة بباقي المبادرات الانسانية التي لاقت اصنافا متعددة من الاستجابات التي لاتخرج معاني قائليها عن الترحيب والاشادة ولكن أنى لهم الشفقة بحال المثقف الذي تصيبه الانتكاسات واحدة تلو الاخرى وتتعرض سمعته للاحراجات المستمرة التي تضعف موقفه امام مجتمعه وقرائه ومتابعي نتاجاته، ولكن انى لهذه الشفقة ان تنفع الاديب وقد صارت حديث المجالس واللقاءات الفضائية والتلفزيونية؟ الجميع يقولون انها اتت في وقت مثير لانها اصابت الماء الراكد بحجر عنيف رجرج ماءه بعنف لاجل ان تتأمله الاعين المغمضة وتنشغل به العقول والقلوب ولعلها تكون عاصفة تحدث امراً محمودا وما لقيناه من ردود فعل لا تخرج عن نطاق الثناء والمديح والتبجيل ومبادرة مؤسسة المدى نمط غير مالوف بعد ان اصاب الجميع احباط من الواقع المضني .
علي الشجيري /القاهرة
اول قصد لنا في جولتنا كانت من الزمالك حيث يقع مقر اتحاد كتاب مصر .التقينا الاستاذ محمد سيد نائب رئيس الاتحاد والاستاذ احمد سويلم سكرتير الاتحاد اللذين تحدثا عن العلاقة القائمة بين المثقف والسلطة وهو ما تم بحثه في المؤتمر الذي اقيم بمناسبة الذكرى الثلاثين لتاسيس الاتحاد فكان الحديث بان البحث عن مشروع ثقافي عربي لابد وان يبدأ بالبحث عن هذه الظاهرة القاتلة فليست القضية صراعاً بين الانا والاخر وانما هي عدم قدرة او ربما عدم القدرة على القفز خلف اسوار التابوهات لاعتماد العقل وهو مصدر للتفكير والحكم واعتبار العمل. والعقل والعمل قيمتان مهدورتان عندنا .كذلك البحث عن صيغة محددة وليست توفيقية للعلاقة بين المثقف والسلطة، والمثقف في اي مكان عربي والسلطة في اي ركن عربي .بحيث تصبح السلطة قائمة على مضمون ثقافي انساني حضاري، وتفقد شرعيتها اذا افتقدت هذا المضمون، بحيث يلعب المثقفون دورهم في اشاعة الثقافة الانسانية بين الجماهير خارج الاطار السائد لمفهوم النخبة وبعيدا عن لعبة التنظير والتجريد بشكل مباشر او غير مباشر لمفاهيم تسعى في النهاية الى كسب ود السلطة وليس العمل على تطويرها .وهذا يكون بعيدا عن النزعات الطائفية او القبلية والتبريرات النظرية للسلطة المطلقة .والمؤكد ان رياح التغيير التي تهب على العالم المعاصر لن تسامح او تحنو على من ياخذون موقف المتفرج اللاهي او من يتمتعون بحالة الرضا الغبي عن الذات .
في جولتنا التقينا الاستاذ سيد عبد العاطي نائب رئيس تحرير جريدة الوفد الذي قال: انقسم المثقف العربي الى قسمين فالاول عنده قضية ويتحدث عنها بشجاعة ويساهم في كشف الفساد الضارب اطنابه في عمق المجتمع ولا يتنازل عن مبادئه وقسم اخر مالأ السلطة ونافق الانظمة الحاكمة .القسم الاول تعرض للاضطهاد الفكري والنفسي والتضييق في الرزق ومثاله شاعرنا الجزائري الذي تعرض لازمة لم يجد من خلالها من يقف جواره فاضطر لأعلان بيع كليته .وهناك الكثير تعرضوا لمشاكل ولم يجدوا دولا ولا اصدقاء ينافحون عنهم وهذه اهانة للمثقف العربي اذ مازال المثقف من الطبقة الوسطى او الفقيرة ولا توجد له ضمانات صحية او مالية توفر له سبل العيش الكريم كالمرتب ولا وسائل علاجية مجانية اما القلة وهم طبقة مثقفي السلطة فحصدوا الجوائز والمكافآت وجوائز الدولة مع رعاية صحية مجانية وتتبنى الدولة علاجه وتتبنى ايضاً الصحف قضيته وكانها قضية وطن .
اما بالنسبة لمبادرة مؤسسة المدى باعانة الشاعر الجزائري فهي عظيمة وتحسب لفاعلها وسيكتبها التاريخ وهي اول مبادرة فاعلة لرعاية مثقف اوشاعر عربي ووضعهم في حجمهم الطبيعي، وعمل صندوق لاعانة المثقف عند المرض او عند الوفاة او بعدها هو عظيم يستحق التقدير وان جاء متاخرا. ولابد لمؤسسات الدول من ان ترعى شؤون المثقف العربي وان تتفقد احواله لاجل ان لا يقع في برك الحكومات ويتنازل عن مبادئه وافكاره ويبيع نفسه للسلطة .
اما عن كيفية خلق حالة من التواصل بين المثقف والمنظمات والصناديق المساندة فقد قال: لابد من ان يكون هناك تعريف في العالم العربي عن طريق النشر بوسائل الاعلام وان تنتخب مجالس ادارات لهذه الصناديق من المثقفين انفسهم وفتح باب التبرعات من رجال الاعمال والحكومات لدعم المثقفين وهم النخبة الذين لهم دور في صنع القرار وتحميس الجماهير ودفعهم للمعرفة .
اما الشاعر شفيق سلوم فقد اصر على اهداء قصيدة للشعب العراقي ومؤسسة المدى، قصيدته التي لم تذع لهذه اللحظة وستنشر لاول مرة في ديوانه (وطن اي حاجة ) الذي مازال تحت الطبع يقول سلوم في بعض أبيات القصيدة:
أملي كاس يا وطن تا نملى
سقطو العرب في الحساب والنحو والاملى
ونجحو في الصرف لما ضيعو العمله
دايما نقول اننا كنا وكان ياما كان
السيف وقع من ايديهم والفرس حرنان
اجادو لعب الورق وانداسو في الكونكان
وجم في يوم الامتحان ما كونوش جمله
لا روح ولا دم حيكونو فدى حاكم
كل قيادات العرب لابد تتحاكم
الكلمة عامل اساسي ومؤثر في السلم والحرب
.بغداد الان اشد ما تكون الى الكلمة الصادقة الساخنة والحقيقية والبناءة. رجل عراقي يتبرع لشاعر جزائري باع جزءاً من جسمه لسداد ديونه خطوة ايجابية وليست غريبة على اهل العراق الذي هو بلد الرصافي والسياب وبلند الحيدري والشعراء الكبار .ولكن ان يصل الحال بالمثقف العربي لبيع عضو من جسده فهذه مهزلة.
جريدة المصري اليومية تتبنى التعريف بالمبادرة والدعوة
أطلع الاستاذ مجدي الجلاد رئيس تحرير جريدة (المصري اليوم) اليومية المستقلة على الواقعة والمبادرة فقرر تبني هذه المبادرة بالتعريف والدعوة لمثلها ونشر الوقائع في الجريدة ودعوة المؤسسات الحكومية والاهلية الى فعل شيء ما لاجل انقاذ المثقف العربي من ورطته .واضاف بان المبادرة لها ابعاد عربية وقطرية في ان واحد ذلك ان الشاعر جزائري واتته المبادرة من بغداد .هذا زمن جديد للتجمع العربي ودور كبير .المشكلة الاساسية التي يعاني منها المثقف العربي ان المؤسسات الحكومية بعيدة عنه ولا تخص الشاعر الجزائري وحده .اي انها عمومية ووصل الامر بالمثقف الى ان اصبح يعيش في حالة صعبة قياسا لما يجده المثقفون في كثير من دول العالم .المبدع العربي لا يستطيع العيش كريما دون مدخول جيد عدا ما يلاقيه من ازمات عارضة فلا يجد في بلده ما يعينه .المبادرة العراقية شديدة الاهمية وتاتي من بلد ننظر اليه بعين التعاطف والتضامن ويعيش ظروفا عصيبة يصعب فيه تصور قدرة احد فيه تقديم لمسات انسانية تجاه احد او الاديب الجزائري بالتحديد.. الدعم الحكومي للمثقف العربي لابد من ان ياتي عبر اعلان مشترك تساهم فيه وسائل الاعلام بوسائلها المتعددة مع تجاوز اخطاء الماضي باللجوء المعروف عبر المؤسسات الرسمية الى الحكومات ومن ثم الجامعة العربية والاصطدام بمشكلة الديمقراطية وعدم توحد وجهات النظر والتباينات ومن ثم الفشل الحتمي .السبيل الصحيح هو اللجوء الى المؤسسات الاهلية والاعلام ومؤسسات المجتمع المدني ودفع الدول باتخاذ مواقف اكثر اهمية واحساسا بحال المثقف والاديب والمفكر واقترح اقامة صندوق عربي لدعم وحماية الفكر العربي وان يكون من خلال منظمات المجتمع المدني فقط .هذه مجرد تصورات ولكن خروجها من بلد كالعراق الذي يعاني من ظروف هو خطوة فاعلة يجب دعمها عربيا وعلى مستوى اعلامي واسع، وان لايبقى حبيس الصدور وتحركنا لايكون من خلال القنوات الرسمية اذ لابد من ان تتحرك اتحادات الكتّاب من خلال دور النشر ومنظمات حقوق الانسان والمنظمات التي تهتم بحرية الراي والتعبير المنتشرة في الوطن العربي، وان لاتنحصر مهمة اتحادات الكتّاب على عقد الندوات والمهرجانات والمؤتمرات ومنح الجوائز انما الاتحادات لها وظائف اساسية هي المحافظة على العقل العربي الحي من خلال حماية الاديب والمثقف والمبدع من الازمات التي تعطل مسيرته الابداعية وان لا يتوقف الامر عند حدود المرض او غيره .ولكن هناك فرص لدعم الاصدارات او اقامة مشاريع ثقافية موسوعية لاديب او مجموعة منهم،وهذه الموسوعة ستثمر حركة ثقافية اكبر مما نراه الان . واشعر ازاء هذه الحالة بتفاؤل لان العالم العربي يعيش حالة حراك في اكثر من بلد عربي وله بعد سياسي وسينعكس هذا على الحالة الثقافية وثقتي بهذا التفاؤل من ثقتي بمنظمات المجتمع المدني .واعتقد ان المثقف العربي بحاجة لهذه الظاهرة لان واقعة الشاعر الجزائري اوجدت هذا الاهتمام الاعلامي والانساني في العراق بسبب التعريف الاعلامي بها لكن هناك حالات مماثلة لم تجد العناية بسبب غياب التعريف الاعلامي .واعتقد ان اتحاد الكتّاب في مصر يشهد الان مرحلة نشاط بعد انتخاب مجلس ادارة جديد ويمكن له التعاون مع اتحاد الكتّاب في العراق لخلق حالة جديدة لاسيما ان هناك تعاوناً تاريخياً ثقافياً بين الطرفين .
وفي نقابة الصحفيين المصريين التقينا الاستاذ جمال فهمي مسؤول الشؤون العربية والخارجية في النقابة فقال : هناك محنة وحالة ميؤوس منها تواجه المثقف العربي وهي حصاد محنة اكبر واهم وهي ان المثقف العربي يواجه حالة سطو مسلح على السلطة بعيدا عن الشرعية وعن طريق الاختيار عبر الانتخابات الحرة وعبر سياق ديمقراطي وحرية حقيقية نفتقدها في مجتمعنا العربي .المثقف اما ان يصبح اداة ليتمتع بالمزايا الحياتية او ان يطارد في رزقه وحريته ويعاني معاناة مثالها الشاعر الجزائري، هذا والحالة جزء من محنة المجتمعات العربية .وحالة الشاعر الجزائري وصمة عار في جبين الانظمة السياسية التي اذلت الشعوب والمثقفين على حد سواء .ولكن ازاء هذه الحالة ان ندفع هذه الحكومات لحل المشكلة ونحن قبلها بحاجة لان تكف الحكومات عن مواصلة خنق الجميع .لا امل في تطور حقيقي سواء للشعوب ام المثقفين .لابد اولا من اطلاق الحريات الحقيقية ومتابعة ركب الحضارة الانسانية وصرنا نشاهد انفسنا وكاننا في كوكب اخر ام خارج نطاق التاريخ .الحكومات مجرد جماعات تستولي على السلطة دون ارادة الشعوب بل تزيدها حرمانا.. اقتصاديا واجتماعيا وحرمانها من الحريات العامة والحقوق ما ادى الى ضعف مؤسسات المجتمع المدني وصارت اما مؤسسات تابعة للسلطة او مصابة بالضعف بسبب القهر، نتحدث عن جزء يسير من هذه المنظمات التي لم تلحق بالسلطة ومهمتها عظيمة رغم الضعف وهذا قدرها ولكل شيء ثمن ولا يوجد تطور دون ثمن.وعلى هذه المنظمات ان تقاوم واهم طرق المقاومة ان لاتلتحق ومعها المثقف بركب السلطة حتى لايكون بوقاً على حساب زملائه .اما صندوق اعانة للمثقفين فاني ارجو ان لايتحقق هذا ولا نعمل لاجل تعميم الظاهرة حتى لايتحول المثقف الى متسول بل الحل في انهاء ظاهرة العار في الامة وبسرعة وتوحيد النضال السلمي للحصول على الحقوق بطريقة كريمة ونلغي فكرة الاعتماد على سخاء الناس.


الشاعر العربي ديكتاتوراً .. طبائع الاستبداد الشعري

شاكر لعـيـبـي
1- لن نقول جديداً لو قلنا أن ظاهرة الاستبداد تتجلى في المجتمع العربي على شكل هيمنة لسلطة الواحد الذي يزعم العصمة، للسلطة الأبوية بمعنييها الرمزي والعائلي التي، بدورها، تزعم امتلاكها المعرفة النهائية والحكمة والنص الفريدين اللذين لا يأتيهما الزلل من مكان. لنعد القول أن كلا من التراتب العائلي والقسر الاجتماعي موضوعان هما أيضاً كقانونين نهائيين تحرم مناقشتهما. على الصعيد السياسي تتجلى الظاهرة في قمع أية ماهية معارضة، وأيما هيئة أو شرعة اجتماعية أو مجموعة تعلن بهاء التنوع بدلا من رتابة الصوت المعاد غير الضروري.
2- وإذن فان الغياب القسري للآخر سيعلن بروز واحد مفروض على الهيئة الاجتماعية العربية وعلى الممارسة الآدمية والسياسية والثقافية. غياب الآخر هو حضور للاستبداد الجلي أو الخفي، للإجبار، (للجبر) كما يقول المعتزلة مقاربة بالإرادة، للعنت، للإلغاء وللتجاوز على حق الآخر في القول والفعل. وبعبارة أخرى فإننا أمام نفي للعقل الحر الذي يختار وفقاً للمنطق والحاجة والشروط الموضوعية عامة.
3- أين يمكن أن نموضع الشاعر العربي المعاصر، خاصة الشاعر الطليعي والرائد، في سياقات الثقافة والاجتماع العربيين؟ لنمض بطرح أسئلة البديهي: ألا يشكل هذا الشاعر جزءاً عضوياً من بنية اجتماعية وأدبية وأخلاقية هي، في نهاية المطاف، الاسم الآخر للمجتمع العربي ولشروطه القاهرة؟ هل يكفي أن يزعم الشاعر العربي، لغوياً، تخطياً للإطارات القديمة للمجتمع حتى يكون قد تخطاها فعلاً؟ ما هو مقدار ترسّخ وثبات البنية المتردية هذه في داخل وعيه هو نفسه ومدى صيرورتها مكوناً من مكوناته الثقافية ومن ثم تجليها، مباشرة أو مداورة، في عمله وأشغاله الثقافية؟ هل أن الكتابة الشعرية، وهل أن الحقل الممنوح للشعر في ضميرنا الأدبي، هو انغمار في حقل لا أرضي، سام، متعال، لا علاقة له بالشروط الثقافية التي ينمو النص في حديقتها؟ ما هو دور (العادة) و(العرف) الثقافيين في تكوين القصيدة، من جهة، وفي تشكيل أخلاقيات الشاعر نفسه من جهة أخرى؟ هل صحيح أن (الشاعر العربي الكبير) يقف خارج البُنى والهياكل الثقافية وخارج أخلاق الأمة العربية الحالية؟
4- نريد أن نثبت في البدء نقطة منهجية جوهرية من دونها لا معنى البتة للأطروحة المقالة هنا. نقول أنه في كل مرة يجري فيها تقديم عمل نقدي وسجالي محرج في الثقافة العربية، فأن النوايا تذهب نحو تأويل غير حسن النية، وتُتهم بالقسوة والإلغاء والحط من شأن المبدعين الجاري تناولهم. نعلن إذن بأننا نقيم احتراماً عالياً جداً، بل ننحني بإجلال لأنجازات شعرائنا العرب الكبار، خاصة البياتي ومحمود درويش وسعدي يوسف وكبير القامة أستاذنا أدونيس. إننا نعلن بأننا تعلمنا على أيديهم وأن بعض الكلام المقال هنا قد وصلنا عبر إبداعاتهم العظيمة. نشدد على هذه النقطة المنهجية لأنه جرى، غالباً، إلغاء الحوار في ثقافتنا لصالح هشاشة التهمة. ولأن البعض من الصحفيين والقراء والكثير من الشعراء لا يقرأون في النصوص السجالية إلا ما يبدو لهم الفكرة الأكثر فضائحية والأكثر رعونة من دون إعارة اهتمام لا للسياق ولا للمغزى الأعمق للحوار. نعلن منذ الآن لكي نفوت الفرصة عليهم ولكي نصالح أنفسنا مع أنفسنا ومع أساتذتنا الكبار بأننا لسنا ابناءً عاقين لهم بل إننا بعض من غرسهم التاريخي.
5- في اللحظة الثقافية الراهنة (ونشدّد على صفة الراهنة تشديداً) تبرهن الممارسات والكتابات على أن الشاعر العربي الكبير، لسوء طالعه وسوء تقديراته لنفسه، هو جزء عضوي من انحطاط وتآكل الثقافة العربية السائدة، إذا لم يكن واحداً من المساهمين المستترين في تأبيد معاناتها، من دون عمد في أغلب الأحوال، هذه البداهة ذات نتائج حاسمة.
6-ذلك أن زعم الشاعر العربي بتخطي وتجاوز والتعالي على شروط وإطارات وأخلاقيات الثقافة الراهنة لم يُبرهن بالكثير من الدلائل حتى اللحظة. العكس تماماً هو الذي تقوم عليه البراهين. كل الأدلة تشير الى أنه يتحرك ضمن روح مُستـَلهْمة بتقاليد التخلف المعممة الآن. وكمثال على الإشارات التي يطلقها الشاعر العربي دليلا الى تجاوزه البُـنـي والمستويات الثقافية العربية الـمُعممّة : إصغاؤه ملياً وبعمق شديد إلى صوته الذاتي قبل أصوات العالم الخارجي، كأنه في غيبوبة طال مداها، كما إيمانه المطلق، شبه الديني، المقال خفية لكن المقال على أية حال، بان الشعر بالنسبة إليه هو شيء يشبه الوحي القدسي على ذاته المنتخبة والمتفردة فرادة مطلقة. تجاوزه المعطى العربي العام وتساميه المطلق هو في نهاية المطاف من طينة تسامي الرسل عليهم السلام ذاتها.
7- لكن تجاوزاً شعرياً هذه حدوده وتلك آفاق عمله ليس من طبيعة يمكن أن تفيد الثقافة نقدياً وأن تنعش البصيرة وأن تصير محركاً جوهرياً للنص ولقرائه.
8- هذا التجاوز المزعوم، هذا السهو في الوعي وذاك الإطلاق يحتاج بالنسبة إلينا، نحن القراء وأنصاف المتعلمين العرب، إلى إيضاحات، إلى نقد إضافي وإلى نوع من التجاوز له هو نفسه.
9- أول هذه التوضيحات القول أن القصيدة، لدى الشاعر العربي الكبير، هي نوع من نص مقدس، عال اكثر مما يتوجب، وبوهم عميق، على وعي جاد متجهم ممكن، ويرفض الحوار معه. انه نص يحلق ويهيمن ويرفرف على الوعي والتجربة المتراكمتين ويسخر منهما، لأنه، ببساطة، ليس جزءاً منهما، حتى لو يزعم بأنه يطلع منهما لكي ينفصل عنهما. إن نصه، أنه هو نفسه، منشق منذ البدء عن كل تفحص عقلاني نقدي وانه، منذ البداية، يشيح بوجهه عنه لمصلحة بداهته. إننا نعرف إن التقديس المطلق للفكرة، للذات، للعقيدة الجامدة يقود إلى الذات المطلقة.
5-تصوره للعلاقة مع العالم وللذات انطلاقاً من تبجيل زائد عن الحدود ومن دون فحص للذات يتضمن الكثير من العنت، خاصة الكثير من الوهم عن علاقة النص الشعري بسياقه. فلا تعاليه عن السياق جعله ينفصل حقاً عن السياق لأنه يمتح منه يومياً في الممارسة والكتابة، ولا الإندغام، على الطريقة الميكانيكية لبعض الماركسيين، بالسياق والارتباط به آلياً سيجعل من النص فعلاً إستعارياً، جمالياً متألقاً. كلا التصورين يبتذلان النص وينحطان به إلى مستوى الأفعال وردود الأفعال. كلا التصورين يتضمنان نوعاً من العنف الرمزي على الواقع: العنف الذي هو أس قمع الآخر وسبب في صعود أقنعة الدكتاتور.
6-هذا العنف الرمزي قد مورس من طرف الشاعر العربي الكبير، بسبب السلطة الممنوحة له، وهو يستند الى إرث جم يمنح الشعر في الثقافة العربية دوراً إستثنائياً: الحكمة والحكيم، المعرفة وإستبطان المخفي، التجلي عن روح أصلي وعن إشراقات صوفية. يمنح الشاعر سلطة رمزية كبيرة، رمزية وسحرية كونه صوتاً طالعاً في الوادي المهول المسكون بربات الشعر والحكمة: عبقر.
7-لكن عبقرية النص الشعري في سياق تصورات الشاعر العربي الكبير عن نفسه تصير نوعاً من الاستبداد الصريح، كيف لا وهو يتخلى عن قناع الحكيم إلى الأبد، ويهجر عرفانية العارفين الكبار الزاهدين، ويتخلى عن رهافة الرومانسيين الحقيقيين المنـزوين في التأمل والعذاب، ويترك مقام الصمت اللائق بالشعراء ذاهباً إلى مهرجانات الحواة، وهو لا يطرح اليوم شكاً صغيراً عن القيم الروحية التي يقوم عليها وجوده ولا تساؤلاً عن قيمة شعره، وهو لا يعاود قراءة نصوصه كما كان يفعل أصحاب الواحدة أو أرباب الحوليات القانعون بالقليل من الأبيات لكن بالكثير من الشعر. إنه لا يصغي اللحظة لشيء سوى صداه، مثل قبرة عجوز.
8- على طول وعرض تاريخ الأدب العربي كانت تسود هذه الثنائية : من جهة كان هناك أساتذة، وكان هناك، من جهة أخرى، تلامذة. الأول يـُملي على الثاني، الأول مدجج بالأسلحة الفتاكة للمعرفة والحكمة والرؤية الغائرة والروح النبوي والموسوعية والعطاء الغزير، والثاني محكوم، وهو ينـزوي في حلقة الدرس مع أقرانه المجهولين، بالقبول والتقبـُّل والأخذ، الأول يعطي من علٍ والثاني يأخذ باتضاع في علاقة من الإجبار التي تشبه كلمة الأب المتحققة، قسراً، في البيت العربي، تشبه صرامة أوامر أستاذ المدرسة في الحي الذي تهوي مسطرته على الأيدي الهشة ذات الأصابع التي لم تتقن حروف الهجاء بعد، تشابه حديـّة وقسوة معلم الكتاتيب في الماضي الملوح بعذاب (الفلقة) على القدمين الناعمتين اللتين لم تستويا بعد، وتشبه شيخ القبيلة العارف القاضي بحد السيف.
9- الشاعر العربي الكبير يـعطينا مثال الرجل الطاعن في السن إزاء الولد الصغير الجاهل. من هو الجاهل يا ترى في هذه العلاقة المستلهمة من تقاليد يزعم الشاعر العربي رفضها؟.
10-لما زالت ثقافتنا تتوهم أن الباحث أو الناثر لا يمكن أن يرقيا إلى سماء الشاعر، حتى لو كانا مزودين بعدة معرفية رصينة. إنها تفترض دوراً نبيلاً للشعراء، لا يحققه هؤلاء مع الأسف الشديد اللحظة. هنا يقع البعض الآخر من العنف الممارس على مُسْتهلكي الثقافة، خاصة وأن افتراضاً من ذاك القبيل يسمح، مرات، لمن لا زاد حقيقي من روح الاستعارة الشعرية لديه ولا الروح السمحة للشاعر الحق أن يُشعر ممارسي الضروب الأخرى من الكتابة بدونيتهم إزاءه، أن يمارس ضرباً من ضروب القمع الثقافي الخفي.
11- لو قاربنا الشاعر العربي بالرسام مجايله لوجدنا الأول، أن الأول يمتلك خلفية تاريخية طويلة قد حفرت صورة له في الضمير الثقافي. هذا الصورة شاخت. ولم تعد تصف ملامحه الحالية، المخرفة. بينما يستعير الرسام كل مجده وغواياته من الصورة المجيدة للرسام الأوربي المعاصر (الغريب السلوك والسوريالي في الممارسة والقاضي نحبه مفلساً رغم عبقريته الفذة) التي انحفرت في الضمير العالمي، عبر الفن الأوربي، بوصفها صورة للرسام عموماً. لكن غواية الشعر في الضمير العربي ليست غواية التمثيل البصري، وهو أمر وضع فن الكتابة عموما والفن الشعري خصوصاً، موضع الاعتداد بالنفس أمام ضروب الفن القيمة الأخرى. إننا إزاء قمع رمزي آخر.
هذا التراتب الجامد والمطلق بين عارفين ومريدين يصيب الشعر العربي لأنه سيختار الموقف الموصوف، المتعسف بعض الشيء. بصدد أدونيس يشير محمد الماغوط عن حق أن :"أدونيس يريد من حوله مريدين لا أنداداً" (جريدة النهار/ السبت 3 مارس 2001). الشاعر العربي الكبير يفترض حضور الأستاذية والمعرفة والإشراق في صلب كينونته، كما يتخيل شعره الشفيف مرفرفاً عالياً فوق انحطاط العالم العربي وأسمى من عوالم النثر الجافة القاحلة الموجودة في صلب كينونة الأبناء الفاسدين.
12-هذا التراتب يمنح الشعراء العرب المعاصرين مجداً مشكوكاً ببعضه، ذلك أن دورهم ملعوب اليوم من دون الكثير من الرويّة والإتئاد وانه مفترض من دون تمحيص ومن دون نقاد لا يعاودون قول المألوف.
13-ما هي طبائع الاستبداد الشعري العربي؟
14-من أجل جواب دال سنطرح المزيد من الأسئلة التي لا تنتوي سوى إيضاح الصورة والإيحاء بإجابات ممكنة، ونبدأ بالسؤال: لماذا يدأب الشاعر العربي أن يلغي معاصريه لحساب عمله الشخصي فحسب؟ كل القراء المتنورين يعرفون هذا الأمر.
15-منذ أن استقرت الحركة الشعرية الحديثة في العالم العربي فان الملاحظ أن الكبار من الشعراء لا يعترفون إلا بأنفسهم أو إلا بقلة قليلة تُعتبر حاملة ألوية الريادة والمعرفة والإبداع، ويعتبر ما جاء بعدها شعراً هشاً، مقلداً، ضعيفاً وركيك المخيلة. يقول الشاعر بلند الحيدري بهذا الصدد: "لا يزال بدر شاكر السياب ونزار قباني وأدونيس هم المسيطرين أمام هذا الكم الهائل من الأصفار الشعرية فهي ليس إلا عربات فارغة لا يشكل فراغها إلا ضجيجا كبيراً" (في مجلة الكفاح العربي 6-5-1993).
16- إن شعرنا يعاني من وجود محورين ليسا من طبائع الأشياء الشعرية: يقف في طرفه الأول المبدعون الرواد، بينما يقف في طرفه الثاني الشعراء العاديون، المقلدون من الجيل الثاني ومن كل الأجيال الشعرية التالية. هذا التمحور ذو نزعة إستعلائية وإلغائية. إنه غير عادل على الإطلاق. ومن أين له أن يكون عادلاً في مجتمع غير عادل على أية حال؟

17-إن إلغاء الشاعر الكبير للشاعر الآخر هو إلغاء لكل ذات أخرى في نهاية المطاف. سوى أن إلغاء الشعراء تصير رديفاً صارخاً لاستبداد مستمد من طبع غير شعري. هذا الاستبداد يعاود الطلوع بعناد في حقول بعيدة عن السياسة، ويظهر بالتالي في الحقل الأدبي، في الشعر خاصة. 18- مثل الشعراء الكبار الطليعيين الذين يلغون الأجيال اللاحقة لهم مثل من لا يعترف بأبنائه، مثل من يقمع أولاده ويجبرهم على الانخذال والإنخزال والبقاء في السرداب المظلم في بيت العائلة وإلا فإنه سينهكهم إهانة وتوبيخاً.
19- وفي الحقيقة فإنك عندما تلغي الآخر فإنك تلغي جزءاً من ذاتك، من شعرك. إننا أمام علة مزدوجة الأذى: إنها تؤذي الآخر وتؤذي في آن واحد ذاتها هي نفسها.
20- إن إرادة الأبناء الانتقال إلى مواقع رؤية شعرية جديدة لا تؤخذ على محمل الجد، بل تقمع بصراحة وبضراوة. على الأبناء المشي على هدي رسالة القبيلة ورؤسائها التاريخيين. لأن الخروج عن السياق المضمون، المعروف، الأمين الذي بنته الطلائع الواثقة (التي لن ينجب التاريخ الفكري والشعري مثيلاً لها كما يبدو) غير مسموح به. أنه مقموع بعبارة أخرى.
21- وبطبيعة الحال فلن يأتي الشاعر الكبير لكي يخذلك علانية وبفجاجة أمام الملأ. إنه مثل الأب العربي، سيفعل ذلك زاعماً أنه يرحمك ويتمنى لك الخير يعني الشعر الجم.


يومان من الشعر والحرية*

طاب صباحكم، اصدقئي الحضور، ومرحباً بكم، باسمي ونيابة عن زملائي في الهيئة التحضيرية واصدقائي في ادارة اتحاد ديوان الشرق الغرب ونحن نلتقي في حضرة الشعر..
وحينما نكون في حضرة الشعر، فاننا نكون في الجانب الاشد صفاءً في تاريخ الروح الانسانية، ذلك الجانب الذي يتحدى عنف العالم ويترفع عليه.
هكذا ننتزع حضرتنا هذه الآن، ونقيمها على تخوم العنف المستبد وبشاعة هذا العنف. هكذا نستدل إلى امننا وسلامنا في فضاء الشعر موئل الحرية الاخير، وفنارها الاعلى تحدياً لعوامل الموت ونذر الدمار.
ليس ثمة ما هو اكثر اغراءً للشعر من فكرة الحرية. حتى بقي هو رسولها، وبقيت هي رسالته. ان تاريخ الشعر العميق هو رسالته. ان تاريخ الشعر العميق هو تاريخه السري، تاريخه الباطني المخبوء في اعمق اعماق الحرية، تلك التي لا يطأها الا النادرون من الشعراء، مواطني فردوسها وسدنة خزائنها، والمأخوذين بجوهرها.
ولعل هذا الاقتران الاصيل بين الشعر والحرية وحده يكفي لان يطمئن الشعر على ثبات نوعه وعلى قدرته على البقاء، على اختطاف جوهر نار الحرية والامساك بهذا الجوهر بعيداً عن طيش العالم.
الشعر هو ما يحفظ للانسان وللعالم حريته حينما يزهد الانسان والعالم بتلك الحرية.
هكذا نجد انفسنا الآن، في لقائنا هذا، قريبين من الشعر، حميمين في صلتنا به. اننا بهذا نتشبث بحريتنا تلك التي يتهددها العنف الذي نقيم على تخومه والذي نتحداه ونريد ان نترفع عليه.
ولهذا لن يبدو غريباً، اننا، ونحن نريد الاحتفاء بشعر جديد يبذخ به علينا الشعراء الفائزون بجوائز ديوان الشرق - الغرب للشعر العراقي، لن يبدو غريباً في هذه المناسبة، ان نستعيد معها وفي افتتاحيتها روح الشعر الحي، شعر شعرائنا العراقيين الذين غيبهم الموت، فيما نحن نحتفظ بجوهرهم الحي، بالشعر الذي استوطنوا به في الحرية، والذي نستبطن عبره تاريخهم السري العصي على الموت والفناء.
مع هذه الفرصة الرائعة للاتصال بالشعر وبالحرية، لابد من الثناء على الدور الجاد الذي ينهض وينهض به ديوان الشرق - الغرب من اجل الشعر ومن اجل الثقافة ومن اجل الحرية، لابد من الثناء على جرأة الديوان وشجاعته في الحضور إلى بغداد في عتمة دخان الحرب والخراب، مستدلاً ببرق الحرية الناهض من سديم تلك العتمة وذلك الدخان. احيي حضوركم واتمنى لنا جميعاً يومين من الشعر والحرية.
*نص الكلمة التي افتتح بها الشاعر عبد الزهرة زكي المهرجان.


الشعر موئل الحرية الاخير .. مهرجان ديوان الشرق الغرب .. نجاح الثقافة وانتصار الابداع

احمد الثائر

تحت عنوان: (كن عراقياً لتصبح شاعراً) افتتح مهرجان ديوان الشرق الغرب الشعري الاول على مدى يومي الثلاثاء والاربعاء 20 - 21 / 12 / 2005 على مسرح الرشيد، بينما اقيمت الجلسات ومعارض الكتاب والجلسات النقدية في قاعات فندق المنصور.
نفض مسرح الرشيد عن جسده رماد الحرب فتدفق الدم في عروقه بافتتاح مهرجان ديوان الشرق الغرب الشعري الاول الذي استمر على مدى يومين وبكلمة القاها الشاعر عبد الزهرة زكي عضو الهيئة التحضيرية للمهرجان انطلقت اعمال ابداعات ديوان الشرق الغرب. في هذه الكلمة ربط الشاعر بين الشعر والامن كوننا نستدل إلى امننا وسلامنا في فضاء الشعر موئل الحرية الاخير ثم اعقبت كلمة الشاعر التي عرض مسرحية (ظلم القوي) وهي مسرحية شكل خطابها العام ادانة للحرب والخراب الذي اصاب الثقافة واستثمرت في المسرحية الطاقات الابداعية للفنانين وجسد العمل مجموعة من فناني العراق هم آسيا كمال، اياد راضي، خالد علي، لمياء بدن، كاظم القريشي، فاضل عباس.
وهنا تحولت الكلمة من ذبذبات فيزيائية إلى كائنات جسدت المأساة فكان للكلمة جسد وفكر وحيوية.

الشعر والموسيقى علاقة حميمة
وفي الجلسة الثانية التي احتضنتها قاعة الحمراء في فندق المنصور ميليا كانت الموسيقى تصاحب الفنان الدكتور ميمون الخالدي وهو يقرأ قصائد الشعراء الراحلين مثل عبد الوهاب البياتي ورعد عبد القادر وعبد الامير الجرص ورياض ابراهيم والشاعر الشهيد احمد آدم كانت ارواحهم تتلو القصائد على السامعين وفي قاعة الحمراء عانقت القصائد الموسيقى التي عزفها الفنانون ندى البغدادي وزياد هادي وخالد حسين كمر.. وتمنى الجمهور ان يظل الدكتور ميمون الخالدي يقرأ القصائد لوقت اطول.
غربة الشاعر العراقي
وبعدها فتح حوار حر مع الحضور حول (عزلة الشاعر العراقي) اداره الدكتور مالك المطلبي على نفس القاعة اشار المطلبي إلى انه يعني بالعزلة العزلة السايكولوجية والاجتماعية والثقافيه.. ثم اثار مجموعة من الاسئلة التي تتعلق بموضوع الجلسة منها: وهل هي عزلة ايديولوجية؟ واحد نتائج العزلة المنفى وهو على شقين داخلي وخارجي وهل النسق العقائدي للافكار هو احد اسباب العزلة؟
هل هناك سبب حضاري للعزلة.. هل نحن غير متحضرين فننطوي وننعزل.. هل نحن مستهلكون فعزلنا.. الاسباب.. سايكولوجية حضارية؟ ولكن موضوع عزلة الشاعر يحتاج ان إلى النقاش.
بدأت النقاشات بعدد من هذه الاسئلة وهو ما استدعى اجابات الناقد ناظم عودة رأى ان الثقافة العراقية غائبة وعزلة الشاعر هي نتيجة او سبب لحصار طائفي:
(ان عزلة الشاعر هي عزلة الثقافة العراقية واجد ضيماً وقع على الثقافة العراقية.

امل الجبوري وتجربة الغربة
اما الشاعرة امل الجبوري رئيسة مجلس ادارة ديوان الشرق غرب فانطلقت من تجربتها في المانيا بالحديث عن العزلة واشارت إلى ان تبادل السلع يصاحبه تبادل افكار وكذلك وجود الستار الحديدي اسهم بعزلة الثقافة العراقية والعربية. واكدت دور الترجمة في لعب الدور الكبير في هذا الامر في جلسة الحوار الحر الاولى التي نظمها المهرجان.
استغرب عدد من المشاركين ان يتصدر اعمال المهرجان شعار مأخوذ من شاعر فلسطيني كان قد وصف لطيف نصيف جاسم بوزير الشعراء في الوقت الذي كان فيه عشرات الشعراء والمثقفين العراقيين يملأون المنافي الخارجية والداخلية.
الشاعر الدكتور خزعل الماجدي طالب الجهات الثقافية بتعميق هذا الحوار ويجب احترام ما سماه (العزلة المقدسة) واكد (وهذه العزلة هي نتيجة لاسباب سايكولوجية خاصة بعزلة الشاعر العراقي) واشار إلى ان السبب الاول والاخير هو السبب السياسي وهو ما يسطر في كل الازمنة.
الناقد فاضل ثامر: يعتقد ان الشاعر يختار العزلة لظروف اجتماعية ويرى ان الموضوع جمالي وسايكولوجي وشارك كل من الناقد علي حسن الفواز والكاتب سعد مطر في تقديم اراء اخرى حول عزلة الشاعر.


طهمازي وآمال الزهاوي:
الشعر للحياة.. الكتابة للانسان

ابتدأت اعمال اليوم الثاني بالجلسة الصباحية وكانت حواراً مفتوحاً في اشكالية (جدل الاشكال الشعرية) ادارها الشاعر عبد الزهرة زكي وقرر لها الشاعر علاوي كاظم كشيش.
اشار مدير الجلسة الشاعر عبد الزهرة زكي.. انه لم يكن تداول مصطلح (الشكل) فيما سبق من مقومات الامور الفلسفية.
لا الشعرية فالدراسات القديمة تناولت الشروح، وفن الشعر كان يستند إلى اساس المضامين باعتبار الشكل حالة ثابتة والتغييرات التي اجراها (ابو تمام، ابو نؤاس، المتنبي المعري) لم تمس الشكل ابداً وجماعة ابولو والديوان حاولوا التغيير على اساس التقليد الغربي اما ادونيس فاستند إلى اساس تراتبي.. فالجذر الاقدم هو العمود وتطوره إلى النثر.
ثم فتح باب النقاش وكان اول المتحدثين الشاعر الدكتور خزعل الماجدي ورأى: ان موضوع الاشكال الشعرية قضية مهمة لم يركز عليها نقادنا من قبل بشكل جيد فهناك جوهر واحد للشعر امثلة دائماً بمركز الدائرة ومحيط الدائرة وهناك اشكال شعرية تشكل هذا المركز.
اما الشاعر عادل عبد الله فوجد ان ادارة الجلسة غير موفقة في اختيار المحور واشار إلى ان محور (جدوى الكتابة) هو الاهم في هذا الظرف الذي يمر به العراق.
فرد الشاعر عبد الزهرة زكي مدير الجلسة:
اعتقد ان ادارة المهرجان أخطأت وكان الاجدى ان تختار عنواناً آخر.
تكريم عبد الرحمن طهمازي وآمال الزهاوي تكريم للشعر
الشاعرة آمال الزهاوي شاعرة نضجت أحزانها قبل اوانها حتى اصبحت غير قادرة على الحضور في الفعاليات الثقافية لظروفها الصحية.
وكان مسك ختام اعمال المهرجان هو تكريمها بوسام الابداع قامت بتقديمه لها الشاعرة رسمية محيبس، وضجت القاعة بالزغاريد، ثم قدمت الشاعرة امل الجبوري والدكتور مالك المطلبي الشاعر الكبير عبد الرحمن طهمازي وتحدث الدكتور مالك المطلبي عنه بهذه الكلمات: لا ادري كيف اقدم عبد الرحمن طهمازي، فهل هو المفكر الشاعر ام الشاعر المفكر. وما زال مستمراً في المجالين؟ وقام الاستاذ شفيق المصري بتسليم وسام الابداع للشاعر عبد الرحمن طهمازي وسط اجواء من الحب والشعر، حيث اعتلى طهمازي المنصة وشكر ديوان الشرق الغرب على هذه الالتفاتة الابداعية المهمة وقال: لان الحرية متاحة الا انها زفة في دواخل المجددين كبدر وشاكر السياب. نازك الملاكئة.. انا فرح بكم ايها الاصدقاء وفرح ان اجد هذه المجموعة تهتم بالفن وهو ليس بالقليل.


البيان الختامي للمهرجان
عقد في بغداد خلال يومي العشرين والحادي والعشرين من كانون الاول عام 2005 مهرجان ديوان الشعر الاول في العراق الذي نظمه اتحاد ديوان الشرق الغرب بمشاركة ستين شاعراً وناقداً وفناناً عراقياً توزعوا على مجمل فعاليات المهرجان التي تنوعت بين قراءات الشعراء لاشعارهم وطاولات الحوار الحر وتقديم اعمال شعرية ممسرحة واعمال اخرى بمصاحبة الموسيقى، اضافة إلى جلستين كرست اولاهما للاحتفاء وتكريم الشاعر عبد الرحمن طهمازي والشاعرة آمال الزهاوي، فيما كرست الثانية لحفل توزيع الجوائز للشعراء الفائزين بمسابقة ديوان الاولى للشعر.
لقد سعت ادارة المهرجان والمشاركون فيه عبر مجمل تلك الفعاليات إلى تقديم عروض للاحتفاء بالشعر العراقي تعيد تأكيد اصالة وجوده المركزي في حركة الثقافة العراقية، مثلما تعيد توضيح حيوية هذا الشعر وحيوية شعرائه وقدرتهم على التجدد والابتكار والتنوع.
وسعى المهرجان ايضاً في جانب اساس من صميم عمله إلى التعبير عن العلاقة الجوهرية بين الشعر والحرية وبهذا سعى المهرجان إلى اعادة الاعتبار إلى قيم التحديث والانفتاح التي طالما استهدفت وتستهدف من قبل العقل الثقافي المشدود إلى الثبات والتقليد والجمود، ويعتقد المشاركون باهمية تنشيط جهود الشعراء ونقاد الشعر لردم الفجوة التي احدثتها عنف واستبداد السلطة السابقة وفكرها الشمولي والتي حالت دون جيل من الشعراء وقيم الحداثة والتعدد والتنوع. واذ يتوجه المشاركون بشكرهم وتقديرهم لادارة اتحاد ديوان الشرق الغرب لجهودهم التي يسرت فرصة هذا اللقاء والعمل الشعري الحر، فان المشاركين من الشعراء والنقاد اتفقوا على عدد من التوصيات والمقترحات التي يأملون في ان تدرس من قبل ادارة الاتحاد ولجان يشكلها لمتابعة التنفيذ وتطوير الافكار والبرامج:
-العمل على تبني المهرجان كتقليد سنوي ثابت.
-اقامة نشاطات وفعاليات شعرية ونقدية خلال السنة تعضد المهرجان وتفعيل دوره.
-اذ يحيي المشاركون من الشعراء والنقاد اسهام زملائهم من المسرحيين والموسيقيين في ابتكار وسائل جديدة للتوصيل الشعري فانهم يرون اهمية الاعداد المبكر للفعاليات التي تتداخل فيها الفنون، واهمية العمل المشترك بين الفنانين والشعراء بهذا الصدد.
-يقترح المشاركون ان يجري في العام المقبل تكريم عدد من نقاد الشعر.
-العمل على تشكيل ورشة لترجمة الشعر العراقي إلى لغات العالم الحية.
-توثيق هذه الدورة من المهرجان بكتاب مطبوع.
-يدعو المشاركون اتحاد ديوان الشرق الغرب إلى تبني فعاليات شعرية مشتركة بين الشعراء العراقيين من الثقافات الاخرى.

معرض (المدى) للكتاب

امام ديون الشرق الغرب معرضاً لاصدارات دار (المدى) تضمن اكثر من (150) عنواناً في مختلف حقول الادب والفكر، وشهد المعرض اقبالاً كبيراً حيث نفذت مطبوعات (المدى) واشاد الكثير من الادباء والمثقفين بنوعية الكتاب والمختارات التي قدمتها دار (المدى).

 

 

للاتصال بنا  -  عن المدى   -   الصفحة الرئيسة