اراء وافكار

الصفحة الرئيسة للاتصال بنا اعلانات واشتراكات عن المدى ارشيف المدى
 
 

ملامح سياسية وإشارات قانونية على العملية الانتخابية

المحامي طارق حرب
رئيس جمعية الثقافة القانونية العراقية

بعد ان تم اجراء الانتخابات في (15 / 12 / 2005) فقد تجمعت لدينا بعض الرؤى السياسية والقانونية عنها وهي:
*بالنظر الى كثرة الناخبين الذين ادلوا باصواتهم في هذه الانتخابات فسيكون المعدل الانتخابي، اي عدد الاصوات التي يجب جمعها للحصول على مقعد واحد في مجلس النواب بما لا يقل عن اربعين الف صوت بعد ان كان (30 ) الف صوت في الانتخابات السابقة. وطبيعي ان المعدل لا يزيد على(62) الف صوت في جميع الاحوال لانه اعلى معدل لايمكن الوصول اليه الا في حالة تصويت جميع الناخبين.
*ستزداد حتما نسبة الناخبين لتصل الى ما لا يقل عن (70%) بعد ان كانت في الانتخابات السابقة 58 % و 64% في الاستفتاء على الدستور وهذا معدل مرتفع جدا اذا ما قورن بالنسبة التي وصلت اليها الانتخابات المصرية التي تمت قبل ايام او نسبة الاستفتاء على الدستور الاوروبي التي حصلت قبل عدة اشهر ..
*اكدت هذه الانتخابات على نحو ضمني عدم الحاجة الى مبادرة الجامعة العربية طالما ان جميع الفرقاء في الشان العراقي والذي سيحدد وزنهم الساسي وتأييدهم الشعبي عند اعلان النتائج دخول مجلس النواب وبامكانهم المحاورة تحت قبته المقدسة سياسيا. اما من لم يحقق الفوز في الانتخابات فلا راي له ولا قول معه، لان الانتخابات اثبتت ان لا قاعدة شعبية له..
*بما ان اكثرية العراقيين في الخارج اما من الشيعة او من الكورد بسبب سياسات النظام السابق فان اكثرية المقاعد التعويضية ستكون من نصيب قائمة الائتلاف وقائمة التحالف الكوردستانية والقليل الباقي سيذهب الى القوائم الاخرى ..
توقعات النتائج الانتخابية
ستكون النتائج الانتخابية اقرب ما يكون الى الآتي: قائمة الائتلاف العراقي الموحد 555 :- ستحصل على اكثر من (70%) من مقاعد المحافظات جنوب بغداد والبالغة (81) مقعداً اي نحو 60 مقعدا يضاف لها ثلث مقاعد بغداد والبالغة (59) مقعداً اي لها (20) مقعداً ويضاف لها (3) مقاعد من الموصل البالغ عدد مقاعدها (19) مقعداً و(3) مقاعد من محافظة كركوك البالغة مقاعدها (10) مقاعد و3 مقاعد من محافظة ديالى البالغة مقاعدها (10) مقاعد وستحصل على مقعد واحد من محافظة صلاح الدين يضاف الى ذلك ما لا يقل عن 12 مقعداً من المقاعد التعويضية البالغة (45) مقعداً وهذا يعني ان عدد المقاعد التي ستحصل عليها قائمة الائتلاف اكثر من110 مقاعد...
قائمة التحالف ا لكوردستاني:- سيكون لها جميع مقاعد السليمانية وهي ( 15) مقعداً ومقاعد اربيل (13)مقعداً ومقاعد دهوك(7) مقاعد، يضاف الى ذلك (5) مقاعد من الموصل و(2) مقعدان من ديالى ومقعد واحد من صلاح الدين و(8) مقاعد من بغداد و(4) من كركوك يضاف الى ذلك (10) مقاعد تعويضية فيكون مجموع المقاعد (64) مقعداً وهي اقل من 75 مقعداً التي حصلت عليها في الانتخابات السابقة.
القوائم السنية العربية: وهذه في احسن احوالها ستحصل على جميع مقاعد الانبار وهي 9 مقاعد وجميع مقاعد صلاح الدين وهي (8) واكثر من نصف مقاعد نينوى وهي (10) من اصل 19 و(3) من كركوك و(4) مقاعد من ديالى و(15) مقعداً من بغداد (و5) مقاعد من الجنوب و(4) من المقاعد التعويضية فيكون المجموع (43) مقعداً ولابد من الاخذ بنظر الاعتبار ان هنالك القليل من السنة العرب لم يشتركوا في الانتخابات ..
القائمة العراقية الوطنية: وهذه ستحصل على (15) مقعداً من بغداد لان اثرها في بغداد كبير جدا وستحصل على (15) مقعدا من المحافظات وستحصل على (10) مقاعد تعويضية وبذلك يكون مجموع ما تحصل عليه (40) مقعداً. وهذا العدد لا يزيد على ما حصلت عليه في الانتخابات السابقة
وبذلك ستكون المقاعد التي ستحصل عليها القوائم الاربعة هي:
-الائتلاف العراقي 110 مقاعد
-التحالف الكوردستاني 64 مقعداً
-القوائم السنية العربية 40 مقعداً
-القائمة العراقية الوطنية 40 مقعداً
المجموع 257 مقعداً وسيبقى 18 مقعدا فقط للقوائم الاخرى.
ان قلة او كثرة الناخبين في محافظة ما لن يؤثر في تخصيص مقاعد المحافظة للمرشحين، فمثلا حتى لو شارك 800 شخص في التصويت فقط في محافظة صلاح الدين فان المقاعد الثمانية ستوزع على اساس ان عشرة اصوات كافية للحصول على المقعد الواحد، اما اذا صوت جميع سكان صلاح الدين فان الحصول على المقعد يحتاج الى (60) الف صوت. وان كان قلة عدد المصوتين سيؤثر حتما في المقاعد التعويضية بحيث تكون فرصة الكيانات السياسية في المحافظات التي يزداد فيها عدد المصوتين افضل في الحصول على بعض المقاعد التعويضية ..
ان تزييف الانتخابات لن يكون له حظ كبير طالما ان كل من يتولى الانتخاب سينثر اصبعه بالحبر البنفسجي وان هنالك ارقام سرية للصناديق الانتخابية بحيث لا يمكن اضافة صناديق مزيفة وان الانتخاب تم على اساس ورود اسم الناخب في سجلات الانتخاب الموجودة في المركز الانتخابي بالاضافة الى وجود العدد الكبير من المراقبين ..
اعتبرت بعض الفضائيات كثرة الكيانات السياسية طعنا في الانتخابت والواقع ان هذه فضيلة ديمقراطية وليست رذيلة ومنقبة انتخابية وليست مثلبة، اذ كلما زاد عدد المتنافسين سيكون المجال مفتوحا امام الناخب في الاختيار وسيؤدي الى شدة المنافسة..
اذا كانت القوائم الثلاث الكبيرة (الائتلاف والكوردستانية والسنة العرب) وبعض القوائم الصغيرة الاخرى (الاشورية والتركمانية والكورد الفيلية والعشائر) وسواها قوائم طائفية حسب الاسماء المثبتة في القوائم، لكنها ستكون بلا محاصصة ولا طائفية في الهدف والغاية والعمل والسلوك في الوظائف والادارة والحكم.. وهذا ناتج من استحالة حصول اية قائمة محاصصة طائفية على اغلبية الثلثين في مجلس النواب التي تمكنها من الانفراد في السطة والحكم وبالتالي لابد من العودة الى التوافق والتنازل..
لااعتقد ان الشخصيات السياسية التالية ستوفق في الحصول على مقعد في مجلس النواب:
زعيم انصار الزعيم عبد الكريم قاسم السيد سعد قاسم الجنابي لان تسلسله (46) في القائمة العراقية الوطنية على محافظة بغداد التي عدد مقاعدها (59) مقعدا والسيد سعد صالح جبر تسلسل 40 في القائمة نفسها..
كل سياسي لابد من ان يخالجه الشك في وصول اعضاء مجلس الحكم السابق (صن كول جابوك) واحمد البراك الى قبة البرلمان والامر نفسه يقال عن القاضي (دارا نوري الدين) الذي جاء اسمه في اخر قائمة التحالف الكوردستاني يضاف الى ذلك ان هنالك عضواً رابعاً من مجلس الحكم وهو السيد حسين الصدر الذي انسحب من قائمة الدكتور علاوي . لا اعلم هل ان منصب وزير سيكون شفيعا في وصول وزير العدل القاضي عبد الحسين شندل والسيدة سهيلة جعفر الى مجلس النواب وان كان السياسي الذي يحيط بمجرى الحياة السياسية في بلدنا لابد ان يتوقف في الاجابة ...
نسبة المشاركين في هذه الانتخابات ستكون اكثر من نسبة المشاركين في الانتخابات السابقة (58%) والمشاركين في الاستفتاء (64%) ارى انها لن تقل عن (70 %)وهذه النسبة تفوق نسبة المشاركة في جميع الدول العربية واغلب دول العالم الخارجي ويمكن ملاحظة الفرق الكبير بين نسبة المشاركين في الانتخابات المصرية التي تمت قبل ايام والتي كانت اقل من (40%) وبين النسبة العراقية ..
هل يهجر الائتلاف العراقي الموحد حليفه السابق التحالف الكوردستاني ويولى وجهه شطر العرب السنة؟ لابد من ترجيح ذلك لظروف لاتخفى على كل ذي فهم سياسي لبيب ما لم يكن هنالك اتفاق يختلف عن الاتفاق السابق..
لايمكن تجاهل الاثر السياسي للائتلاف العراقي في مجلس النواب حتى لو حصل الائتلاف على 69 مقعداً فقط وهذا ما لا يمكن تصوره من اي سياسي، ذلك ان تشكيل السلطة السياسية سيحتاج الى الثلثين (184) صوتاً وهذا ما لا يمكن ان تحصل عليه جميع الكتل الموجودة في المجلس اذ حتى لو اتفقت جميعها بدون استثناء فانها ستبقى بحاجة الى قائمة الائتلاف فمن المحال السير في تشكيل مجلس الرئاسة ومجلس الوزراء على وفق احكام المادة (134) من الدستور والمادة (36) من قانون ادراة الدولة العراقية للمرحلة الانتقالية..
لن تصل الى البرلمان غير امرأتين شجاعتين (مها صكبان وضحى السدخان) اللتان تنافستا مع الرجال نداً لند وغريماً لغريم، حيث رفضتا الكوتا عندما قررتا التنافس مع الرجال كونهن رشحتا لكيانين سياسيين كاي كيان سياسي اخر في حين ستدخل مجلس النواب النساء اللاتي قبلن بالدخول مع قوائم الرجال، بحكم الدستور والقانون الذي لا يقبل اية قائمة ما لم يكن اسم امراة بعد كل رجلين وهكذا هي الدنيا السياسية في حين ان الدستور والقانون لو كان منصفا لقبل دخول (مها وضحى) قبل النساء الاخريات كونهن حصلن على عدد من الاصوات في حين ان النساء الاخريات اللاتي اصطففن في قوائم الرجال لم يحصلن على اي صوت لان الاصوات للقوائم التي سجلن فيها وليس لهن... ًوان كنت اتمنى لهن الوصول الى البرلمان ً واتمنى للسيدة زكية خليفة التي هي شيخة وام أمرأة سياسية وكان تسلسلها 15 في قائمة الدكتور علاوي ان تحظى بمقعد وان كنت لا اتوقع لها ذلك ما لم تسعفها المقاعد التعويضية ..
العجيب ان بعض الكيانات السياسية التي لم تحصل على مقعد واحد في الانتخابات السابقة جاءت مجددا بقوائم كبيرة تضم الكثير من الاسماء وكان عليها ان تتواضع فان مما يقضي على الحركة السياسية عدم ادراكها لوزنها السياسي، فمن المعرة السياسية والعوارة الاجتماعية ان يتولى كيان سياسي تقديم العشرات من المرشحين في حين ان صناديق الاقتراع لا تقدم له مقعدا واحدا.. ونصيحتي لتلك الكيانات في الفروق هجرالعمل السياسي ذلك ان اموال الدعاية الانتخابية التي يتم صرفها على الحملات الانتخابية بالامكان الاستفادة منها في موقع اخر اكثر افادة ..
سؤال سياسي كبير وهو هل يفقد شيخ المثقفين العراقين مقعده البرلماني انا في ظن من فوزه مجددا في هذه الانتخابات وبذلك ستكون الضربة القاصمة للحزب الشيوعي الذي لا اتمناه له، فلهذا الحزب مقعدان في الببرلمان الحالي وان كان الفوز في مقعد واحد مضمون بحكم كون زعيم الحزب الشيوعي كان من الاسماء التي تصدرت قائمة الدكتور علاوي .. وان كنت اجد في قبول الحزب الشيوعي الانضمام الى قائمة سياسية اخرى مما يعيب اقدم الحركات السياسية الحالية في تاريخ العر اق وهو الحزب الشيوعي..
بعد ان اخفقت بعض الشخصيات السياسية من التوفيق في الانتخابات السابقة فان حظهم كبير في هذه الانتخابات لورود اسمائهم في صدر القائمة العراقية الوطنية وبالتالي فان اخفاق كياناتهم السياسية السابقة كانت عظة لهم في الاصطفاف وراء شخصية سياسية لها اثر سياسي ومن هذه الشخصيات السيد عدنان الباجه جي رئيس تجمع الديمقراطيين المستقلين والسيد عزت الشابندر رئيس التيار الاسلامي الديمقراطي والسيد مهدي الحافظ والسيد سعد عاصم الجنابي ..
ستكذب نتائج الانتخابات جميع الاستطلاعات التي اجرتها بعض وسائل الاعلام واذا كانت الاذاعات والقنوات التلفزيونية من الصعوبة الاستدلال بها فان ما نشرته بعض الصحف سيكون محلا للمناقشة بعد ظهور النتائج لان ماورد في الصحف كلمات مكتوبة ولا يمكن انكارها ...
رشح العديد من الاشخاص انفسهم ككيانات سياسية من شخص واحد.. وأي سياسي لابد من ان يقرر بانه لن يحالفه التوفيق كما حصل في الانتخابات السابقة..
ما يعتقده كل سياسي يلم بالعوامل الحاكمة في المجتمع العراقي والظروف التي تحركه يقدر للاستاذ مثال الالوسي وقائمة الامة العراقية بما لا يزيد عن خمسة مقاعد وان فوز بعض المرشحين ستكون محل تامل كالدكتور ليث كبة والسيد نوري الراوي وزير الثقافة والسيد نهرو محمد ..
يبقى الدكتور احمد الجلبي وكيانه والدكتور علي الدباغ وكيانه نصيبهما من الفوز، ولكن باعداد متواضعة لا تقارن بما يتمتعان به من سمعة سياسية والهالة الاعلامية التي حصلا عليها للدعاية الانتخابية.. كما حصل في الانتخابات السابقة.
لايعتقد السياسي العراقي بان الدكتور توفيق الياسري والسيد هاشم الحبوبي سيكونان ممن لهم حظ في احتلال مقعد تحت قبة البرلمان على الرغم من الهالة الاعلامية الكبيرة التي حصلا عليها في حملاتهما الانتخابية ..
بعد ان لم يجد سليل العائلة الهاشمية مجالا للحصول على التاج فانه قبل ان يكون في التسلسل 2 من قائمة الدكتور احمد الجلبي.
وختاما نقول ان ما اوردناه محض تأمل وتحر واستقصاء للعوامل السياسية والاسانيد القانونية ولكن تبقى الصناديق الانتخابية حبلى تلد كل غريب وان كانت لا تخذلنا الا باليسير من المولود وليس الكثير..
نحن العراقيين نفتخر بان انتخاباتنا فاقت انتخابات اقدم الدول ديمقراطية في العالم العربي وهي مصر ويظهر ذلك واضحا في:
-ان الجهة الخاصة بالانتخابات هي جهة غير حكومية وهي المفوضية العليا للانتخابات العراقية، جهة مستقلة تعتمد اعلى معايير العدالة الدولية الانتخابية وهي جهاز مرتبط بالمنظمة الدولية (الامم المتحدة) وليس بالحكومة العراقية، في حين ان الجهة التي تتولى الانتخابات المصرية جهة حكومية. ولا غرو في ان المفوضية جهة محايدة تتمع بالشفافية .
-في الوقت الذي منعت به الحكومة المصرية حتى مؤسسات المجتمع المدني المصري من مراقبة الانتخابات فان النظام الانتخابي العراقي اجاز لجميع منظمات المجتمع المدني لابل اوجب عليها مراقبة الانتخابات كما اجاز حضور مراقبين دوليين يمثلون الامم المتحدة والاتحاد الاوروبي والهيئات الدولية وكذلك اجاز لجميع وسائل الاعلام العراقية والاجنبية مراقبة الانتخابات، وقد بلغ النظام الانتخابي العراقي حد الثمالة الديمقراطية عندما اجاز لاطراف الخصومة الانتخابية وهم الكيانات المتنافسة في الانتخابات بالحضور في المركز الانتخابي ومراقبة عدالة العملية الانتخابية ..
-ان الانتخابات العراقية عامة تشمل العراقيين داخل العراق وخارجه اما الانتخابات المصرية فقد شملت المصريين داخل مصر على الرغم من ان المصريين خارج مصر اضعاف عدد العراقيين في الخارج..
-ان الانتخابات العراقية شاملة لجميع الكيانات السياسية ولم يشترط النظام القانوني العراقي موافقة الحكومة على الكيان السياسي للاشتراك في الانتخاب في حين ان النظام الانتخابي المصري لا يسمح الا للاحزاب التي اجازتها الدولة في الاشتراك في الانتخابات. لذلك تجد ان جماعة الاخوان المسلمين اشتركوا في الانتخابات كافراد وليس كحزب سياسي..
-لايمكن مقارنة عدد القوائم الانتخابية العراقية التي بلغت المئات بعدد القوائم الانتخابية المصرية التي لا تتجاوز اصابع اليد الواحدة مع ما يترتب على كثرة القوائم من منافسة حقيقية واختيار واسع للناخب .
-ان الناخبين العراقيين ينتخبون جميع اعضاء البرلمان (مجلس النواب العراقي ) في حين ان البرلمان المصري (مجلس الشعب) لا يقتصر على النواب المنتخبين وانما هنالك نواب يتولى رئيس الجمهورية تعيينهم..
-ان الانتخابات العراقية تتم على اساس انتخابات القائمة وليس الانتخابات الفردية كما هو الحال في مصر.. وانتخاب القائمة هو النظام الاصلح للدول النامية التي لم تبلغ شاَوا في الديمقراطية لانها تقوم على معركة المناهج و السياسات والتصورات والافكار ولا تتاثر بالطابع الذاتي او العائلي او العشائري للمرشح.


سكرتارية عمادة المعهد الدبلوماسي/وزارة الخارجية-بغداد .. خصوصية الواقع والعمل السياسي في العراق
 

أحمد هاشم صالح
خصوصية الواقع العراقي تمتاز بشموليتها، فهي لا تختزل في حضارة وإشعاع تاريخي ولا في تنوّع وغزارة ثروته اقتصادياً ولافي تعدّد دياناته وقومياته وطوائفه. تتجسّد هذه الخصوصية في أجمل وأغرب صورها جاعلة من العراق خارطة للمتناقضات والتوقعات ومحطة أنظار وأطماع وإعجاب. فالعراق بالرغم من ثرواته الطبيعية والبشرية عانى ويعاني شعبه من الفقر والتخلف والدمار الذي تركه له النظام السابق. الحروب التي زجّ بها والحصار الذي فرض عليه والدكتاتورية التي قمعت الحرية والفكر، والنفط مقابل الغذاء، كلها حالات وممارسات استفاد منها البعيد والقريب من الدول والأفراد.
أعابوا على العراق احتلاله وهم الذين أوصلوا العراق إلى هذا الاحتلال (حسب وصفهم) واسهموا ميدانياً بوصول جيوش الاحتلال.
وبالرغم من جماعات الإرهاب والدمار والخراب نهض العراق واستمر في العملية السياسية التي تميّزت في إجراءاتها الخالية من العنف وفي نتائجها المشرّفة.
فالانتخابات السابقة كذلك التي جرت في 15/12/2005 بالرغم من الظرف الإمني تميّزت بسلميتها وسلامتها من العنف وحيادية ومسؤولية قوات الأمن والشرطة وتعاونهم مع الناخبين، على الخلاف تماماً من الانتخابات التي جرت في مصر التي تميّزت للأسف الشديد بصور للناخبين وهم يحملون السكاكين ويتراشقون النعل، علماً بعدم وجود الزرقاوي ولا الاحتلال ولا السنة والشيعة، ألا يدلّ ذلك على تحرير إرادة المواطن العراقي من الخوف والديكتاتورية والاستبداد ونجاح العملية السياسية والممارسات الديمقراطية وأهمها ممارسة الانتخابات؟ ألا يدل ذلك أيضاً على أنّ الإرهاب دخيل على المجتمع العراقي وأننا في مرحلة بناء سلوك سياسي يخلو من العنف ويطمح لفكر ووعي وطني سليم؟
هذه الدلالات تحتّم على القوى السياسية في العراق لاسيما الفاعلة منها وأقصد الأحزاب والكيانات والتجمعات الإسلامية، أن تعي دورها تجاه المواطن العراقي بوجه خاص وتجاه المنطقة باعتبار التجربة العراقية هي بداية وبوابة التغيير نحو الممارسات الديمقراطية وبناء دولة القانون في المنطقة، وأن يكون عمل وممارسات هذه القوى والأحزاب ساعياً لتحقيق هدفين رئيسيين وهما خلق وترسيخ الوعي السياسي السليم وبناء وتقديم نموذج جديد للإسلام السياسي.
بشأن الهدف الأول، من الضروري التعريف ببعض الحقائق والظواهر لغرض تحقيقه، وأولها القول بأنّ الانتخابات العراقية أفرزت معايير جديدة: فبدلاً من أن يمارس المواطن حق الانتخاب على أساس البرنامج السياسي للحزب أو الكتلة السياسية أوعلى أساس علاقته بالمرشح للانتخابات كما هو شائع ومتبع في المجتمعات الديمقراطية، مارس المواطن العراقي حق الانتخاب على أساس معايير أخرى وهي المعيار القومي (عربي، كردي، تركماني) والمعيار الجغرافي والمعيار الطائفي، وعلى الاحزاب والقوى السياسية العمل والتأثير على الرأي العام بتوظيفاً هذه المعايير (القومية والجغرافية والطائفية) توظيفياً إيجابياً دون إهمال المعايير السياسية التقليدية وهي (البرنامج السياسي للحزب أو الكتلة ودور المرشح... إلخ)، وأقصد بالتوظيف الإيجابي هو النظر إلى هذه المعايير (القومية، الجغرافية، الدينية) على أنها حقائق اجتماعية وحقوق أساسية إنسانية في الاختلاف والانتماء والتعبير عن الرأي والمعتقدات ضمن عراق اتحادي موحد.
من أسباب نجاح الانتخابات العراقية ـ وهذه حقيقة ثانية ـ ليس فقط دور رجل الأمن في الشارع أو دور الوزير في الإدارة، وإنما أيضاً وهو الأهم إرادة الشعب في تحدّي الإرهاب وتقبّل الخطر والتضحية واحترام الاختلافات في الانتماء والاعتقاد والرأي.
على الأحزاب والقوى السياسية التي تختلف فيما بينها في أسلوب تنظيمها وعملها وفي برامجها ومشاريعها السياسية أن تشترك جميعها في أداء دور أساسي وبناء ألا وهو خلق وترسيخ الوعي السياسي السليم في المجتمع وإثرائه بالأفكار والممارسات الديمقراطية والنماذج القيادية النزيهة المؤمنة بالحرية والمساواة.
إنّ أيّ حزب أو كيان أو قيادة سياسية تسعى إلى السلطة دون الإيمان والقيام بدور معيّن في خلق وترسيخ وعي سياسي سليم يتحوّل إلى أفراد تجمعهم رابطة الاستحواذ على السلطة والاستئثار بامتيازاتها وبالتالي فهو تجمع يهدف إرادياً أو عفوياً إلى نشر الفساد والتخلف.
إن الانتخابات العراقية والتي تعدّت في آثارها حدودها الجغرافية تهدف باعتبارها الوسيلة الأساسية للديمقراطية، إلى تداول وانتقال السلطة من حزب لآخر أو من كتلة لأخرى، وعلى الاحزاب والتجمعات التي تتحالف من أجل ممارسة السلطة ينبغي أن يكون معيار التحالف هو البرامج السياسية والاهداف الاستراتيجية المشتركة وليس فقط عدد الحقائب الوزارية وصنفها.
وبالمقابل نقول أن على الأحزاب التي ستمارس دور المعارضة ينبغي أن يكون معيار تحالفها هو التنسيق من أجل تبني مشروع وبرنامج سياسي أكثر طموحاً للشعب وأقرب إليهم سياسياً واقتصادياً واجتماعياً والعمل لمراقبة أداء السلطة. من ناحية أخرى ينبغي على الأحزاب السياسية التي تمارس السلطة أن تؤديها وفقاً لمبدأ الكفاءة والنزاهة والمحاسبة وأن تكون هذه الممارسة مناسبة لترسيخ الوعي السياسي السليم وروح المواطنة وعليها أن تدرك بأنها مسؤولة عن الأداء الوظيفي والسياسي للوزارات والإدارات.
بعبارة أخرى لن تكون السلطة التنفيذية وحدها هي الخاسرة نتيجة سوء إدارة أو عدم نزاهة وزير ما وإنما سيكون ذلك الحزب أو الكتلة السياسية التي ينتمي إليها ذلك الوزير.
على الأحزاب والقوى والتكتلات السياسية أن تقدّر الفوز الذي تحقّقه في الانتخاب وأن تدرك بأنّ المسألة ليست مجرد قائمة بأسماء أفراد يتشرفون في عضوية مجلس النواب وإنما مواجهة وبناء دولة القانون بمواطنين صالحين متسلحين بالشعور بالمسؤولية وبمؤسسات تعمل وفقاً لأسس ومعايير موضوعية وقانونية.
نتمنى على الأحزاب والكتل الإسلامية ـ وهذا بشأن الهدف الثاني ـ أن تسعى في تجسيد خصوصية العراق في قدرته على تقديم نموذج آخر (مقارنة بالنموذج التركي والإيراني) للمنطقة والعالم في تبني الإسلام السياسي، كمشروع مجتمع ودولة قادر على التعاطي مع الانظمة السياسية في العالم. العراق يزخر بتنوع الطيف السياسي وسبق غيره من الدول العربية من التخلص من ظواهر الحزب الواحد وحزب السلطة وتبؤ الأحزاب الدينية الحكم والسلطة وقبولها وممارستها مبدأ تداول السلطة عبر صناديق الاقتراع وغياب ظاهرة العنف السياسي وتكريس مبدأ حيادية الجيش إزاء اللعبة السياسية.
على الأحزاب الدينية أن تغتنم فرصة تقبل الإدارة الأمريكية والمجتمع الدولي ليس فقط وجودها وعملها في المنطقة وإنما أيضاً ـ وهذا هو الأهم ـ التعامل والتحالف معها.
أدركت الإدارة الأمريكية أن أحزاب السلطة في العالم العربي في احتكارها السياسة حالت دون نشوء أحزاب وقوى سياسية ليبرالية ودينية أخرى مؤهلة لممارسة ونشر الديمقراطية وأدركت أيضاً وخاصة بعد أحداث 11/9/2001 بأن أنظمة المنطقة وأحزابها اسهمت في خلق التطرف الديني والاجتماعي الذي يهدّد الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي للمنطقة وللعالم، فمن غير المستبعد بأن تفكر الإدارة الأمريكية بأن الإسلام السياسي سبيل لنشر الديمقراطية والعدالة وسبيل أيضاً لمعالجة التطرف الديني والتكفيري والإرهاب.
إنّ تنامي الشعور الديني وضعف الأنظمة السياسية في منطقة الشرق الأوسط تجعل من التدخل العسكري وحده أمراً لا جدوى فيه وذا آثار سلبية على صورة وهيبة الولايات المتحدة الأمريكية، ولا يمكن للأخيرة من تحقيق الاهداف التي تسعى إليها في المنطقة من دون سياسة اقتصادية بناءة ومفيدة للمنطقة، ولذلك تسعى الإدارة الأمريكية إلى تجسيد مشروع الشرق الأوسط الكبير. هذا المشروع هو تكريس لأفكار وطروحات سياسية سابقة وليس وليد الوقت الحاضر.
الرئيس الأمريكي ترومان عام 1947 طرح الأهداف التالية لسياسته: لغرض احتواء الشيوعية كان من المفروض تشجيع الديمقراطية والتنمية الاقتصادية ولغرض احتواء التطرف الديني والقومي في الشرق الأوسط كان ينبغي أيضاً توجيه التطورات السياسية والاقتصادية نحو الديمقراطية والرأسمالية وهذا يعني الاعتماد على الطبقات التكنوقراطية في إدارة السلطة.
الرئيس الأمريكي ولسن عام 1917 طرح قواعد وأسساً لغرض الدعوة إلى الديمقراطية والتبادل الاقتصادي الحر الرئيس الأمريكي رونالد ريغن وفي خطابه عام 1982 تكلّم عن فشل الشيوعية، الرئيس الأمريكي الحالي جورج بوش الابن أضاف عنصراً جديداً أو عاملاً آخر ألا وهو قناعة الإدارة الأمريكية بأن الإسلام لا يقف عائقاً أمام التحولات الديقمراطية.
أعتقد بأنّ الإدارة الأمريكية أدركت أيضاً أهمية الإسلام السياسي في المنطقة وضرورة التعامل معه إيجابياً. أصبح بينها وبين الأحزاب الدينية التركية تاريخ من التعامل السياسي والحكومي والإداري، يتميّز بالاستقرار والنجاح.
كما أنّ لها مع الأحزاب الإسلامية العراقية (شيعية وسنية) علاقة وخارطة طريق مشتركة محطاتها الأساسية في الماضي القريب هو العمل المشترك الذي تتوج بإسقاط النظام، وفي الحاضر ببناء دولة القانون وترسيخ الممارسات الديمقراطية وأعمار العراق ومحاربة الإرهاب.
أما مع الدول التي تجاور العراق وروسيا وأفغانستان وأقصد بها إيران فالعلاقة تشهد خروجها من حالة الحرب الباردة بينهما إلى سخونة المواقف التي قد تؤدي إلى بدء تحسين العلاقات.نشير بهذا الخصوص إلى ثلاثة أمور حدثت في الآونة الأخيرة:
ـ إعلان السفير الأمريكي في بغداد وبتكليف من الإدارة الأمريكية بإجراء اتصالات مع الحكومة الإيرانية وكذلك إعلان الأخيرة استعدادها بقبول شركات أمريكية للمساهمة في تشغيل المراكز النووية الإيرانية.
كما أن مصر تشهد أيضاً تبلور الإسلام السياسي من خلال فوز الاخوان المسلمين في الانتخابات الأخيرة والذين يرفعون شعار (الإسلام هو الحل) يعبّرون بذلك عن فشل الحركات اليسارية والقومية والناصرية التي رفعت شعارات عديدة، لكن دون تحقيقها أي شيء، بل أدّى السعي إلى تحقيقها إلى تنازع الأمة العربية بدلاً من توحيدها وإلى ضياع فلسطين بدلاً من تقاسمها.

 

 

 

للاتصال بنا  -  عن المدى   -   الصفحة الرئيسة