TOP

جريدة المدى > آراء وأفكار > صعود وهبوط المحتوى، بين الاتصال العمودي والأفقي

صعود وهبوط المحتوى، بين الاتصال العمودي والأفقي

نشر في: 30 يوليو, 2023: 08:20 م

أحمد صحن

منذ أن عَقل الانسان الاول سؤاله عن المُبهم الذي يحيط به وقف على العتبة الاولى لصناعة المحتوى المعرفي القيم، كسؤاله عن المخاطر التي تنتج عن الظواهر الطبيعية، صواعق، زلازل فيضانات. .الخ، عمل على الاتصال مع نظيره الانسان بواسطة وسائل الاتصال البدائية،

من قبيل: الاتصال عبر الاشارات او العلامات او بواسطة رسم الصورة، ثم اكتشف اللغة، ذلك المنجز العظيم، فتحاور مع الغير وطرح اسئلة وجودية كبيرة فتفلسف بها وعبّر عن مشاعره بنص وبقصيدة وابتكر – لاحقاً - آلة الطابعة فصار يقرأ المطبوع، كالصحف والمجلات، وجلس يشاهد المسرح وبمشاهدته تلك طمأن نفسه ودرأ عنها شيئاً من مخاطر الجهل، ثم اخترع الراديو فسمع الخبر ونتفاً من المعرفة، فجاء التلفاز فشاهد القصة وتفاعل مع ما يعرضه من احداث ودراما، ثم وجد نفسه في عصر وسائل الاتصال الالكتروني كالفيسبوك وسواه من تطبيقات الاتصال الاجتماعي.

وبدهياً، ان تلك الانتقالات الحضارية بنت نفسها بتراتبية امبيرقية استغرقت عشرات ألالوف من السنين وجاء تواجدها كأستجابة للشرط الزمني الذي راكم الخبرة والتجربة. ومن الامور المسلم بها أن الاتصال بين الناس أمر حتمي وقديم ولازم الانسان منذ فجر بصيرته وهو حاجة ملحة واساسية بالقدر ذاته لما تحتله من اهمية مثل حاجات الطعام والمأوى واللباس، فليس بوسع الانسان ان يقضي حاجاته وغرائزه ولا يمكن له ان يتمم رحلة وجوده دون الاتصال بمن حوله ولهذا تطور الاتصال وتعددت نظرياته وتطورت ادواته واتسعت آفاقه وتشعبت مآربه وسُيست غاياته.

رسائل اتصالية تغذي نَفسها بنفسِها

في الوقت الذي تعرف الانسان فيه على صناعة المعاني الحياتية من قبيل اشراكه بواسطة الخبر او التبليغ او بواسطة التلاعب بالمشاعر او استنهاضها لغاية ما، من قبل شيخ القبيلة او زعيم القرية او من أي شخص كان يملك القدرة على اصدار فرمان توجيهي بشأن المخاطر الطبيعية او تنظيم الحياة الاجتماعية، فأنه يحمل اكثر من وجه، لكن افضل الوجوه وضوحاً هو وجه السلطة، فالسلطة تتعاظم عند من يملك القدرة على صناعة الرسائل الاتصالية ذات المحتوى المثمر والتي تتغذى على صدى الاستجابة لها وبصرف النظر عن تعدد اسباب ومراحل تطور السلطة، فان الاتصال مع الجماعة من ابرز اسباب تطورها إذ تهدف الرسائل الاتصالية ـ في عناوينها العريضة ـ الى تحقيق مصلحة عامة، لكنها تُعد شكل من اشكال تحديد الوعي الجمعي وتأطيره، ما يقابلها تكريسا لسلطة المُرسِل الاتصالي وفقا لما جاء في نظريات الاتصال القديمة كنظرية الخطابة عند ارسطو او بما تضمره المكيافللية من طرائق الاتصال بين رأس السلطة والامة ومرورا بنظرية السلطة وليس انتهاءا بالنظريات المابعد حداثية كنظريات التأثير والاتصال الشهيرة الذي قام بتأسيسها عالم الاجتماع والاتصال الامريكي هارولد دوايت لاسويل ضمن نظرية التأثير في المجتمع من خلال وسائل الاتصال ومضمون رسائلها سواء يتلقاها الجمهور سيمائيا وفقا لما يراه رولاند بارثاس او بطريقة التغذية الذاتية وفقا لنظرية المنفعة والاشباع عند إليو كاتز. صحيح أن تأطير الوعي الجمعي يجري ضمن الحدود التي تضمن تحقيق الاهداف التنموية على نحو بيداغوجي تفترضه رؤية المؤسسة الصانعة للمعرفة، لكن الصحيح ايضا انها معرفة تنمو ضمن حدود تجعل من أي تجمع بشري يفكر بطريقة الاستجابة الالية التي يريدها المُرسِل، فالرسائل الاتصالية بين المجتمع والسلطة لا بد لها أن تحتكر زمام المبادرة وفقا للمنظور الفلسفي السياسي القديم.

ان نظرية السلطة التي برزت في القرن السادس عشر تؤكد احتكار الدولة لمنابع المعرفة ورسم خططها. وفي تتبع تاريخي اكثر عمقا نجد افلاطون يؤكد ذلك، إذ يرى؛ عندما تتقاسم الدولة سلطتها "بالتساوي" بين الحكومة والمجتمع فأن هذا التقاسم يعد بمثابة زراعة بذور تفكك الدولة وقد يثمر عنه انهيارها. واشتراطا للمنظور الفلسفي آنفا فأن الدولة التي تسعى لاستمرار وجودها لا بد لها ان تحتكر مفاتيح الرسائل الاتصالية بشكلها العمودي. وعلى الرغم من اهمية تلك الرسائل، بوصفها منبه ذهني، إذ تستثير عقل المتلقي بغية الحصول على الاستجابة لدى الجمهور المُستهدف، سواء اكانت اجابة ناتجة عن جس مستوى التخلف او الارتقاء، الا انني احسبها رسائل اتصالية خلاقة للاجابات الشرطية، بمعنى أن المُرسَل الاتصالي يتعامد ويتقاطع مع اجابته بطريقة التغذية الذاتية، فالوعي الجمعي يستلم الرسالة الاتصالية ويتفاعل معها بمرتبة الادنى وفقا لمستويات الوعي لدى افراد الجماعة المُستَقبِلة، بصرف النظر عن نوع تفاعلها سواء أكان ايجابي او سلبي، المهم في الامر انها كانت جماعة متلقية وليست مبادرة وما ينعكس عليها من أثر فهو بمثابة اجابة، تتلقى فتستجيب لتعود لاستقبال مُرسلا جديدا وتبقى متلقية حتى بعد أن يتحقق التغيير التنموي العصري، إذ ان التغيير المجتمعي خاضع للتحديث المستمر بناء على ما تحدثه مداخيل المعرفة المنضبطة التي تتغذى عليها الجماعة من قبل المؤسسات الفوقية، فكلما زاد تعلم الجماعة كلما اتسعت مساحة اجابتها وتنوعت مشاربها وبالتالي يتسع الافق الاتصالي بين المجتمع والدولة، فصانعو الرسائل الاتصالية الفوقية اكثر تطورا من الجماعة من حيث رصد حركة المعاني الحياتية سواء كانت ارتقاءا او هبوطا وهم الاقدر على مراقبة حركة التغيير المجتمعية فيقومون اما بتقويمها او إعادة توجيهها وفقا للمسعى المؤسساتي الذي يعمل استنادا لخطاب الدولة، واقصد هنا ان المؤسسات التعليمية الحكومية وكذلك المنظمات الدولية والصحف وقنوات التلفاز كلها كانت تمارس اتصالا وتعليما عموديا/هرميا قبل ظهور الاتصال الافقي المتمثل بالمواقع الالكترونية والدراسة عن بعد ولاحقاً تطبيقات وسائل الاتصال، بمعنى آخر اننا كنا نستلم تعليماً يأتي من الاعلى. وهذا ما كان يؤكده الباحثون في فترة الخمسينيات والستينيات حين قامت منظمة اليونسكو بعملية مسح ودراسة لمجتمعات متخلفة في كل من اسيا، امريكا اللاتينية وافريقيا وافضت نتائج اجتماع المنظمة في بانكوك عام 1960 وسانتياجو عام 1961 بخلاصة من قبل باحثيها وقد دعمتها الجمعية العامة للامم المتحدة عام 1962 ومفادها: ان الامم المتحدة تعبر عن قلقها، حيث ان المسح أكد نسبة التخلف في سكان العالم إذ بلغت 70‌% يفتقرون الى وسائل الاتصال الميديوي والتنموي.

وهنا نجد أن الامم المتحدة هي الاخرى مارست تخطيطا اتصاليا عموديا ايضا فهي بدورها تحث حكومات الدول على وضع برامج ميديوية تنموية ودعمت اليونسكو كثير من الحكومات بغية الارتقاء بوسائل التعليم ووسائل الاتصال. وفي الغالب نجد التعليم يناهز الاعلام وهذا الثاني يتحايل على الاول في بعض الاحيان، فالحكومة عندما تضع خطة تعليمية هي نفسها تصنع الموجهات الاتصالية، كنتاج لحركة التطور المجتمعية، وبالتالي تخضع الجماعة لعملية بناء وعي مؤطر وهذا الامر ينسحب على مجمل مناح الحياة وعلى راسها الشأن السياسي، كالرسائل الاعلامية في المواسم الانتخابي التي تتخذ اشكالا سيميائية عديدة، كالاشارات والرموز والصور وغيرها لكن بعد أن تطورت سبل الحياة وتداخلت الغايات الايديولوجية والسياسية والاقتصادية صارت عملية تأطير الوعي الجمعي مهمة رئيسة في الاتصال، إذ عادة ما كانت تهدف الرسائل الاتصالية الى عملية استلاب لتلقائية التفكير بغية اعادة انتاج طريقة تفكير ممنهجة، فكل اتصال معرفي آت من الاعلى هو بمثابة اقتحام قسري لحرية التفكير او تحديده او حرف وجهة تفكيره، فبث خبر او اشاعة او أي توجيه حكومي تجعل العقل المتلقي يستجيب بشكل آلي. ومن هنا فقد تلقت الشعوب جرعة عالية من المعاني الحياتية عبر وسائل الاتصال الحكومي/العمودي، فضلا عن نظام التربية والتعليم الى جانب الدوائر الحكومية التي تعنى بالتبليغ ونشر الخبر عبر قنواتها وهنا فأن أي وعي تشكل لدى عامة الناس فهو يقف على اساس ميديوي حكومي عمودي، قيم وانساق ثقافية تم فلترتها بواسطة النظام السياسي واستمر هذا الحال لعهود طويلة من الزمن حتى جاء عصر الشبكة العنكبوتية التي كسرت سلسلة الاتصال العمودي، لنجد انفسنا واقفين اليوم امام عملية اتصالية افقية.

يتبع

انضم الى المحادثة

255 حرف متبقي

جميع التعليقات 1

  1. مازن فيصل البلداوي

    مقال جميل في سياقه وتناول لهذا الجانب المهم من حياة المجتمع. الوعي، إطار الوغي، تطور المجتمع رسائل الحكومة، الاقتحام القسري لحرية التفكير. في الحقيقة انت تناقش صلب ادارة الجموع البشرية باختلاف طرائقها. ننتظر القادم.

ملحق ذاكرة عراقية

الأكثر قراءة

العمود الثامن: الجواهري ونوري سعيد و"الزعاطيط"

العمود الثامن: لماذا غاب الرئيس؟

فرانسو حريري.. سيرة مناضل حمل التعددية في قلبه ومضى

العمود الثامن: قرارات روزخونية !

العمود الثامن: لا تطلبوا منه أن يعتذر

العمود الثامن: لا تطلبوا منه أن يعتذر

 علي حسين على معظم شاشات العالم شاهدنا امس الاول رئيس كوريا الحنوبية السابق يعتذر للشعب ، بعد الحكم عليه بالمؤبد بسبب اعلانه للأحكام العرفية قبل اكثر من عام ، وقال انه " يأسف...
علي حسين

قناطر: "العيداني" في البصرة مطلبٌ عند أهلها

طالب عبد العزيز كان لمحافظ البصرة المهندس أسعد العيداني أن يكون أوفر العراقيين حظاً في تسنم منصب رئيس الوزراء لو أنه شاء ذلك، لكنَّ غالبية البصريين لا يريدونه هناك، ومن وجهة نظر خاصة فأنه...
طالب عبد العزيز

بيان من أجل المشرق: حوار عراقي سوري لتجاوز قرن من "الارتياب الأخوي»

سعد سلوم - بسام القوتلي كعراقيين وسوريين، ندرك اليوم أننا لا نعيش حاضرنا بقدر ما نعيش ارتدادات قرن كامل من الافتراق الجوهري. فالمسألة السورية في الوعي السياسي العراقي، ونظيرتها العراقية في الوعي السياسي السوري،...
سعد سلّوم

العراق بينَ ضغطِ الداخلِ وصراعِ الخارج: هلْ ما زالتْ فرصةُ الإنقاذِ ممكنة؟

عصام الياسري في ظل رفض الرئيس الأمريكي ترامب ترشيح الإطار التنسيقي نوري المالكي لرئاسة الوزراء في العراق، وإصرار المالكي على تعيينه للدورة الثالثة وانتهاء المدة القانونية لانتخاب رئيس الجمهورية من الأحزاب الكردية. هناك رئيا...
عصام الياسري
linkedin facebook pinterest youtube rss twitter instagram facebook-blank rss-blank linkedin-blank pinterest youtube twitter instagram