عام
2017/05/16 (00:01 مساء)   -   عدد القراءات: 1034   -   العدد(3924)
قصيدة لآنّا أخماتوفا بترجمتين
قصيدة لآنّا أخماتوفا بترجمتين


أ.د. ضياء نافع

كتبت الشاعرة الروسية المعروفة آنّا أخماتوفا هذه القصيدة عام 1924 وكان عمرها آنذاك (35) سنة. عنوان القصيدة بالروسية (مووزا)،وهو اسم ربّة الالهام في الاساطير الاغريقية، وقد دخلت هذه الكلمة الى اللغة الروسية منذ زمن بعيد، واصبحت مفهومة للقارئ الروسي بمعنى الالهام أو آلهة الإلهام، ونجد هذه الكلمة حتّى في شعر بوشكين وبقية شعراء القرن التاسع عشر .

يترجم  د. جابر مؤلف القاموس الروسي – العربي المعاصر الكبير هذه الكلمة كما يأتي – الهة الشعر والغناء عند الاغريق / مصدر الهام، وهي ترجمة صحيحة طبعاً، رغم أن مؤلف القاموس جعل هذه الكلمة مرتبطة بالشعر والغناء قبل كل شيء، بينما هي اوسع من ذلك.
السبب الذي دفعني لكتابة هذه المقالة هو انني وجدت في مجلة (الاقلام) العراقية ترجمة لهذه القصيدة بقلم الشاعر المصري محمد عفيفي مطر ( الاقلام / العدد 8 / سنة 1980)، والتي جاءت بعنوان – (ربّة الشعر)، وهذا نصها –

كما أترقب مجيئها إذا جن الليل
تتنزل على شعاع, فإن الحياة تبدو لي هكذا
رخيصة هي الأمجاد والشباب والحرية،  حينما
تقترب الزائرة العذبة من سريري بارغولها
انظروا...ها هي تأتي وترفع الحجاب
تنظر اليّ بلطفها الآسر.
أقول لها – هل أمليت الجحيم
على دانتي؟عندئذ تجيب (نعم).

بعد القراءة، لم افهم بعض المقاطع، مثلاً ( تتنزل على شعاع  /// رخيصة هي الأمجاد والشباب والحرية...)، وهكذا قررت العودة الى النص الروسي لقصيدة أخماتوفا، وبدأت اقارنه مع نص الترجمة، وفهمت عندها إن المترجم نفسه ربما لم يفهم تلك المقاطع كما جاءت عند أخماتوفا، أو انه تصرّف كما أراد بغض النظر عن النص الأصلي. عندها بدأت أبحث عن ترجمة أخرى لهذه القصيدة، ووجدتها فعلاً في موقع (المسيرة) الالكتروني, وهي للمترجم د. ثائر زين الدين وبعنوان – (ربّة الالهام)، وهذا نصها –

عندما أنتظر قدومها في الليل
تبدو الحياة معلّقة بشعرة.
ما الشرف، ما الشباب، ما الحرية؟
امام ضيفة غالية تحمل المزمار في يدها
ها هي ذي تدخل، تنظر اليّ باهتمام
وقد كشفت النقاب عن وجهها.
أقول لها- ألست أنت من أملى على دانتي
صفحات الجحيم؟ فتجيبني – (أنا).

كل مترجم طبعاً يمتلك الحق بالاجتهاد، وبالتالي، يمكن أن يعبّر عن اجتهاده كما يرى ويرغب، شريطة عدم ارتكاب الأخطاء.

لنتأمل الترجمتين –
العنوان يختلف عندهما، إلا أنه دون اخطاء. أيهما الأكثر دقة ؟ الجواب – ربما ربّة الالهام، وليس ربّة الشعر،  أيهما الأكثر جمالاً ؟ الجواب – ربما ربّة الشعر (التي أملت على دانتي صفحات الجحيم !) . // الجملة الأولى – (اترقب مجيئها إذا جنّ الليل) عند عفيفي مطر أجمل وأكثر شاعرية من ( انتظر قدومها في الليل ) عند ثائر زين الدين . //  الجملة الثانية – ( تتنزل  على شعاع ...) عند عفيفي مرتبكة وغير مفهومة وتمثّل اجتهاداً غير دقيق وغير صائب ولا يتجانس مع النص الاصلي، أما عند ثائر (تبدو الحياة معلقة بشعرة) فهي أوضح، وتنطبق حرفياً مع النص الأصلي، اي انها ترجمة حرفية جميلة وصحيحة. //  الجملة الثالثة – (رخيصة هي الأمجاد.... ) عند عفيفي، مقارنة مع – (ما الشرف ....) عند زين الدين، تقتضي التوقف والتأمل. كلمة (رخيصة) أضافها عفيفي من عنده، ولا توجد عند أخماتوفا، وقد أساءت الى النص، واختلف المترجمان في كلمتي- ( الأمجاد) عند عفيفي و(الشرف) عند زين الدين، وهي عند أخماتوفا التشريف أو مراسيم
الاحترام.
وضع زين الدين علامة السؤال بعد (..ما الحرية ؟)  وهي لا توجد عند أخماتوفا. واختلف المترجمان في - (الزائرة  العذبة )عند عفيفي، و(ضيفة  غالية) عند زين الدين، وهي (ضيفة حبيبة أو عزيزة) عند أخماتوفا، ويمكن أن تكون (غالية) طبعاً، ولكن لا يمكن أن تكون (عذبة !).
وأضاف عفيفي من عنده – (من سريري) ،وحوّل (المزمار) كما عند أخماتوفا، وعند زين الدين أيضاً الى (ارغول ) وهي آلة موسيقية تشبه الناي عند المصريين القدماء وليست معروفة تقريباً للقارئ العربي المعاصر،وأضاف من عنده أيضاً – (بلطفها الآسر)، ولا ضرورة لكل  ذلك
بتاتاً.
نهاية القصيدة عند زين الدين أكثر دقة وأجمل من نهايتها عند عفيفي، الذي أضاف أيضاً من عنده كلمة (عندئذ)، وهي لا تتناسق حتّى مع النص
العربي.
محمد عفيفي مطر – شاعر مصري معروف (1935 – 2010) وأصدر العديد من المجاميع الشعرية وساهم في حركة الترجمة أيضاً،  أما د. ثائر زين الدين، فهو اسم مجهول بالنسبة ليّ، ولم يسبق أن قرأت له نتاجات ادبية أو ترجمات (ومن المحتمل جداً انني لم اتابع نشاطه الأدبي ليس إلا،  ولهذا لا أعرف عنه أي شيء)، ومع ذلك، فإن ترجمته كانت بشكل عام أفضل من ترجمة شاعر له مكانته المتميزة في تاريخ الشعر العربي الحديث , وهذه المقارنة السريعة بين ترجمتيهما تبيّن بلا شك، أن ترجمة الشعر تعتمد على موهبة الشخص الذي يقوم بالترجمة وأمانته العلمية ودقّته،  وليس على كونه مشهوراً أو شاعراً معروفاً ليس إلا، وإن هذه الشهرة لا تسمح له أن يتصرف كما يشاء في
الترجمة.



اضف تعليقك

شروط نشر التعليقات والتعقيبات في "المدى"

تود "المدى" أن تعلن لقرائها وزوار موقعها الالكتروني الكرام بان تعليقاتهم وتعقيباتهم على ما ينشر فيها يخضع لذات القواعد التي تحكم عملية النشر في الصحيفة الورقية والمتقيدة باخلاقيات الصحافة المتعارف عليها دولياً، وتؤكد انها لن تنشر ما يتعارض مع هذه القواعد وفقاً للآتي:

1 - يلتزم القراء وزوار الموقع الالكتروني بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وبعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب وهيئات الدولة والهيئات الاجتماعية وسائر الناس، بكلام جارح ونابِ ومشين ويحتوي على معلومات غير مؤكدة، ويلتزمون أيضاً بعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء.
2 – يحق لإدارة تحرير المدى ان تنقّح تعليق القارئ او الزائر بما يتناسب مع اللياقات الموصوفة اعلاه، وإطلاق الحوار البنّاء، مع الحفاظ على مضمون التعليق، أو أن تحجبه إذا كان غير مناسب أو متعارضاً مع قواعد النشر.
3 – تنطبق هذه الشروط على ما ينشر في الملاحق وسائر مواقع وإصدارات مؤسسة المدى
4 - لا تتحمل مؤسسة المدى أي مسؤولية مادية أو معنوية حيال صاحب التعليق.
الاسم:  
البريد الالكتروني:    
التفاصيل:  
رمز التحقق:
جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة المدى للاعلام والثقافة والفنون