مبنى نقابة المهندسين العراقية.. التعبير المعماري للهندسة

Saturday 23rd of April 2016 12:01:00 AM ,
العدد : 3631
الصفحة : تشكيل وعمارة ,

على وقع التغييرات الراديكالية الكبرى، التي رافقت حدث ثورة 14 تموز عام 1958، ظهرت آفاق جديدة لممارسات مهنية، لم تكن معروفة، او مألوفة سابقاً؛ بضمنها تأسيس الاتحادات والنقابات المهنية الجامعة لأعضاء ذوي توجه "مهني" محدد يراد منها تعزيز "المهنة"، وتكريس

على وقع التغييرات الراديكالية الكبرى، التي رافقت حدث ثورة 14 تموز عام 1958، ظهرت آفاق جديدة لممارسات مهنية، لم تكن معروفة، او مألوفة سابقاً؛ بضمنها تأسيس الاتحادات والنقابات المهنية الجامعة لأعضاء ذوي توجه "مهني" محدد يراد منها تعزيز "المهنة"، وتكريس حضورها في المشهد "المدني"، بالإضافة الى الدفاع عن حقوق أعضائها ومنتسبيها، والرفع من "مهنيتهم" وزيادة ثقافتهم، ومشاركتهم الفعالة في شؤون بلدهم كمنظمات مجتمع مدني. كما ان هذا الحضور كان يبتغي لفت الانتباه الى وجودهم، والانتباه الى حقوقهم عند اتخاذ أصحاب القرار الرسمي احكاما وتعليمات بشأنهم.

من ضمن النقابات المهنية التي برزت سريعاً في المشهد المهني، "نقابة المهندسين العراقية"؛ تَوأَم "جمعية المهندسين العراقية"، المتأسسة قبل عقد ونيف من السنين، مبناها الواقع في العلوية (بارك السعدون)، والمصمم سنة 1949 من قبل المعمار نعمان الجليلي، هي العاملة بنشاط في الحقل العلمي والثقافي.
لم تكن "نقابة المهندسين العراقيين" (التي سيتبدل اسمها الى نقابة المهندسين العراقية)، النقابة الوحيدة التي تأسست بعيد الثورة التموزية. لقد كانت من ضمن نقابات عديدة آخرى، برزت فجأة في المشهد المهني. لكن ما عانت نقابة المهندسين منه، مثلما ما كانت تعاني "اخواتها" من النقابات الأخرى، هو عدم وجود مقر رسمي لها، رغم ان عديد منتسبيها كان يتضاعف باطراد؛ ذلك لان قانون ممارسة المهنة الهندسية انطوى على امتيازات مالية، ربط الحصول عليها بانتماء العضو الى النقابة، واعتراف الأخيرة بأحقية وطبيعة المهنة التي يمارسها ذلك العضو المنتسب. كما ان شرعية النشاط الهندسي والمهني الجاري بالبلد سواء كان محليا ام اجنبيا، اشترط ان تكون النقابة طرفا في اجازته والسماح له في ممارسة العمل الهندسي، وحتى الاشراف عليه ومراقبته.
كل ذلك، وغيره من العوامل الأخرى ساهمت وعجلت في تسريع إيجاد "مقر" خاص للنقابة، يتساوق وجوده مع طبيعة الاعمال والمتطلبات العديدة التي اخذتها النقابة على نفسها، والتي لم تستطع ان توفرها الاحياز المتواضعة التي افردت لها في مبنى الجمعية بالعلوية. في تلك الاثناء، كانت الغالبية العظمى من المهندسين، تعي أهمية وجود مقر خاص للنقابة، يكون انعكاسا لضرورات مهنية صرفه، مثلما بدا ذلك مطلباً اساسياً لحضور دور النقابة في المشهد المدني. في سنة 1961، تنظم مسابقة معمارية، شاركت فيها غالبية المكاتب الاستشارية العراقية العاملة، وقتذاك، مثل الاستشاري العراقي ومكتب محمد مكيه، ومكتب هشام منير ودار العمارة (قحطان المدفعي)، بالإضافة الى مكتب قحطان عوني وغيرهم من المكاتب، وفاز في تلك المسابقة مكتب هشام منير؛ الذي اعتمد تصميمه الفائز لاحقاً، كأساس لتشييد مشروع النقابة في حيّ المنصور، عند "شارع النقابات" سابقاً (شارع "محمد مكيه" لاحقا). استمر تنفيذ مبنى النقابة نحو السنتين وافتتحت سنة 1963.
وقبل الحديث عن عمارة مبنى النقابة، التي ننوي ان نكرس حلقتنا هذه من "عمارة...عمارة" لها، اود ان اثير، ولو بصورة عرضية، قضية مهنية خاصة بالذاكرة المعمارية المحلية، والى ضرورة الحفاظ على سجلات وثائقها ومدوناتها. فوثائق المسابقة المعمارية التي اشرت اليها تواً (على سبيل المثال لا الحصر)، والخاصة بتصميم النقابة، ليست فقط مفقودة، وانما لا أحد يتذكرها او يعرف عنها! كما ان "الكراسات" المطبوعة، التي دأبت بعض المكاتب نشرها، تخلو (وفق ما اطلعت عليه شخصيا)، من ذكر هذه المسابقة او نشر التصاميم المشاركة. وهو امر، لا يسهم في أي حال من الأحوال، في معرفة المنتج المعماري المحلي بصورة موضوعية وشاملة. علينا، ان نكون حريصين على الجهد المعماري المبذول. علينا، التأمل مليا، والتعلم ايضاً، في كيفية الحفاظ على سجلات ووثائق ومدونات المنتج التصميمي، وان نعي بأن تقدمنا الى أمام رهنُ بمعرفة وتحليل ونقد ما تم انتاجه سابقاَ. بدون ذلك؛ بدون مثل هذا الاهتمام المألوف والضروري، الذي يمارس على نطاق واسع في غالبية دول العالم، لا يمكن للمرء تصور بأن ثمة تقدما سيحصل في المسيرة المهنية المحلية. وما أشرنا اليه، وتحدثنا عنه، لهو واحد من أمور عديدة، يتعين إيلاء اهتمام حقيقي لها، ابتغاء التعلم من نجاحاتها، وحتى من...اخفاقاتها!
نعود، الآن، الى تناول عمارة مبنى النقابة.
يتراءى لي (اظن تراءى لكثر!) ان معمار مبنى النقابة، كان حريصا على إيجاد نوع من الدلالة/ الإشارية "السيميولوجية"، يمكن بها ان ترمز الى مهام التصميم المقترح وتعبر بصدق عن طبيعته. اذ طمح مصمم مبنى النقابة، وفقا لما أحدسه، وراء ان تكون منطلقات التصميم ذات إحالات رمزية، تدلل على الخصوصية الوظيفية للمبنى. وإذ أظن بأن مصمميّ مبنى النقابة "رسوا" على كلمة "هندسة" كعلامة، يمكن لها ان تربط "الدال" بـ "المدلول"، فإن تبيان قيمة الأنساق الدلالية لتلك الكلمة في فحوى التصميم كان امراً هاماً ومؤثراً، بحيث وجد المصممون فيه وسيلة ناجعة للتعبير معمارياً عن الغرض الوظيفي للمبنى. نحن، اذا، امام مسعى يبتغي استيلاد "فورم" معماري، بمقدوره ان "يتمثل" ذلك المعنى بصيغة صادقة وأمينة. اعتقد أيضا، ان نجاح التصميم (وهو نجاح حقيقي وواضح من دون أدني شك!)، اتكأ أساسا على تلك الاطروحة.
انبنى مخطط النقابة، كما هو متوقع، على توظيف عال للهندسية، التي من خلالها تم ترتيب وتوقيع الأحياز المصممة، والعمل على اصطفاء أسلوب للحركة فيه (في المخطط)، انطوت على قدر كبير من الوضوح والبساطة والاختصار. فالمخطط المعتمد للمبنى اخذ في نظر الاعتبار طبيعة الموقع الفسيح المخصص للنقابة، ما مكن المعمار ان يكون مبناه ضمن "توقيع" يطل بحرية على جميع الجهات الأربع. وهذه الخاصية "التوقيعية" حددت، تالياً، طبيعة خطوط الحركة الرابطة لأحياز المبنى وعينت امكنتها. وفي سبيل الحصول على تكوين تصميمي متضام ومدمج Compact   مع بلوغ حركة كفوءة ذات خطوط مختصرة، فان المصمم لجأ الى توظيف عنصر "الباحة السماوية" المفتوحة، لتكون احدى مفردات التكوين الرئيسية للمخطط المقترح، مستفيداً في الوقت عينه، من ايماءة حضورها البليغ الى خصوصية المكان، ذلك المكان المتخم عمارته بتقاليد استخدام عنصر "الفناء" الداخلي.
في أسلوب معالجاته التصميمية لواجهات مبنى النقابة، استنفد المصمم اقصى مخرجات جماليات مفهوم "التكتونك" Tectonic، المفهوم التصميمي النابع من خصوصية الأسلوب الانشائي، وذلك بالرفع به عالياً لأحراز جماليات التصميم. فلغة المبنى المعمارية، اعتمدت اساساً، على التنطيق "الاستطيقي" Aesthetics لمفردات الانشاء واسلوبه المختار، وهو الأسلوب الهيكلي، المستند على الركائز (الاعمدة) والجسور الرابطة. ثمة تقسيمات ظاهرة لأضلاع خرسانية، يشير موقع ايقاعها البسيط في الواجهة، الى مواقع الاعمدة المكونة لثنائية الانشاء، يستخدمها المعمار في معالجة واجهاته. وهذه الصيغة البسيطة والصريحة، يجعل منها المعمار الصيغة "الفورماتية" المشتركة في الحل التصميمي "لجميع" واجهات مبناه، مسقطا عنها "امتيازاتها" الخاصة النابعة عن خصوصية توجهاتها الجغرافية نحو الجهات الأربع. وتصل الرغبة في الإلحاح للحصول على معالجات متماثلة للواجهات، أشدها عندما يصطفي المعمار أسلوبا "موحدا" لأدوات الحماية المناخية، قوامه ألواح ألمنيومية "فرتكالية" متحركة لـ "كاسرات الشمس" Louvers قادرة، في اعتقاده، ان تحل إشكاليات المتطلب المناخي. في الحل التصميمي للنقابة، لا توجد هناك اية نية لدى المصمم للابتعاد عن مفهوم الصراحة المعمارية، والنأي بعيداً عن وضوح الحلول التصميمية ومنطقيتها. بل ان العمارة المجترحة تبدو مكتفية بنفسها، بل و"متبخترة" وزاهية بما هو منجز: الحضور المؤثر للوضوح، والصراحة العالية في التنطيق! وكل ذلك تم إنجازه وفق آخر ما توصلت اليه تقاليد الممارسة المعمارية العالمية، ومقارباتها التصميمية. نحن، إذاً، مرة أخرى، إزاء تمرين معماري هام (لاسيما لجهة تاريخه المبكر، وهو بداية الستينات)، يطمح لان يكون نتاجه المبتدع بمستوى مجرى العمارة العالمية. ولهذا فإن عمارة مبنى النقابة، لم تكن، في اعتقادنا، مجرد حل نفعي لإشكالية تصميمية فحسب، بقدر ما كانت تنزع لأن ترسي في الخطاب المعماري المحلي ومشهده، نموذجا متكاملا، لشاهد واقعي وملموس عن ما يمكن ان يكون عليه منتج العمارة العراقية لاحقاً. كما ان ظهور عمارة النقابة بتلك الصيغة التصميمية التي ظهرت فيها: هندسية تماما، ووظيفية تماما، وصريحة تماما، هي التي استقت جمالياتها من ذاتها ومن أسلوب انشائها، فأنها بذلك حددت ايضاً، نوعية "ريبرتوار" المكتب المعماري لاحقا، واكسبته خصوصية واضحة.
ولد هشام منير (مؤسس مكتب هشام منير وشركاه) في بغداد عام 1930، وبعد ان أنهي تعليمه في الجامعة الامريكية في بيروت، درس العمارة في جامعة تكساس في "اوستن"، تكساس، وتخرج منها عام 1953، ونال الماجستير من جامعة جنوب كاليفورنيا في لوس أنجلوس، كاليفورنيا سنة 1956، اسس مع آخرين مكتب "هشام منير ومشاركوه" سنة 1959. صمم الكثير من المباني المهمة في العراق ودول الخليج، وحاز ت مشاريع المكتب على المراتب الاولى في مسابقات معمارية، مثل مستشفى في الموصل 1964، وكلية الصيدلة 1964، مقر نقابة الاطباء في بغداد 1966، غرفة تجارة بغداد 1972- 76، كلية الزراعة في جامعة السليمانية 1974، وزارة الداخلية 1975 - 79، مبنى امانة العاصمة 1982- 85 في العوينة ببغداد، نادي الضباط 1964 – 1979 في الكسرة ببغداد. وزارة النفط 1983، المجمع الزراعي 1975- 81، وغيرها من المشاريع المهمة. أحد مؤسسي قسم العمارة في كلية الهندسة / جامعة بغداد سنة 1959، واستاذ في القسم منذ تأسيسه ورئيس القسم ما بين 1968-72. مشارك مع مكاتب استشارية عالمية. مقيم، الان، في الولايات المتحدة.