الفكيكي تطارد الذات بثلاثين لوحة

Saturday 9th of December 2017 12:01:00 AM ,
العدد : 4082
الصفحة : تشكيل وعمارة ,

 في معرضها التاسع الذي أقامته الفنانة العراقية المغتربة في لندن بتول الفكيكي وضعت عنوانا قد يحمل معه صرخة من نوع خاص.. صرخة ليس ضد ماهو كائن من العذابات الانسانية التي قد تكون الغربة قد فعلت مفعولها بقدر ما هي صرخة عراقية نبتت في الخارج مستلهمة معاناة العراقيين في الداخل لكي تكون بديلاً عن متاهات عديدة، تلك التي تواجهها الأجساد العراقية التي تعد مستلبة الإرادة كما تريد الفكيكي أن تعطي مدلولها في اللوحات الثلاثين التي ضمها المعرض الذي أقيم قبل أيام على قاعة الأورفلي..


اللوحات التي تمزج الألوان بطريقة من يبحث عن ذاته، ليس فقط في روحية الألوان بل بحركة الفرشاة التي تعطي للأجساد العراقية معاني كثيرة تطبع عليها الألوان .. ألوان متخاصمة مع بعضها ولكنه متصالحة مع الفكرة.. معاندة مع المخيلة لكنها متساهلة مع الذات.. كاشفة عن أجساد تقاوم أحيانا لما هو يعترض الجمال الإنساني، أو هي تريد أن تحلّق بهذا الخوف ليعطي دلالات تلك الفجيعة الانسانية التي تمر على العراقيين.. وتقول الفكيكي عن معرضها إنه صرخة إثبات الوجود أمام لحظة يراد أن تكون عدم.. إنه نزفٌ مقابل نزف العراقيين لهمومهم وحلمهم بعالمٍ أكثر أماناً ونظافة وإشراقاً بل تقول أكثر شرفاً.
والفكيكي التي هاجرت من العراق منذ عام 1994 لتستقر في لندن أقامت معارض عديدة في لندن وألمانيا والبحرين وأبو ظبي وكذلك بيروت وتونس ودمشق والكويت وإيطاليا وباريس والبرازيل ومدريد فضلا عن العراق.. جعلت في معرضها الأخير الذي حمل عنوان ( الرسم بالكلام المباح ) يحمل مدلولات إضافية لما هو سائر في ذاتها، وما هو معروف عن لوحاتها وطريقتها في التعامل مع اللوحة، وهي واحدةٌ من أنضج الفنانين والفنانات العراقيات والعربيات حيث تتقّن اللغة التعبيرية في إيصال ماهية اللوحة.. ولهذا كانت هناك ثلاثة ألوان مهمة طغت على اللوحات.. وهي الأحمر والأسود والأصفر.. وتقول عن هذه الألوان إنها.. ألوان الطين والدم و الموت، وأنا أتبع حدسي.. و مدرستي هي العمل الفني الحر لإبراز معاناة الجسد الإنساني الجسد الموشوم بالجراح والمآسي..
إن لوحات الفنانة كأنها تراقب الجسد كيف ينزف وتتابع حركات الألم من خلال ضربات الفرشاة وترسم صرخة الاحتجاج من خلال المفكرة اليومية للهموم العراقية.. ولذا كانت لوحاتها كما تقول استخدمت فيها الألوان الزيتية والأكرك والأحبار. وتؤكد إن لا مدرسة معينة بعد أن تداخلت الأجناس فتقول ..لا أتبع مدرسة معينة بل أتبع مدرسة البحث عن الذات أو رمزية الذات.. ولهذا فإن هذه الحصيلة في لوحاتها ينبثق منها الضوء لما هو حالمٌ ومتأملٌ لتكون لوحات تجريدية تبحث عن الضوء والذات.. بمعنى وهي تؤكد ذلك ..أبحث عما أريد وما أشعر به لا ما يراد أن يكون.. فتترك للوحاتها الحرية بعيدا عن التشكيل الحديث.. تتركها وكأنها تريد أن تسرد حكايتها مع العالم وعذابات الواقع المؤلم.
لا يخلو المعرض من الانحياز الى المرأة ربما لأنها أكثر مظلومية من الرجل في ما يعانيه الإنسان العراقي في ظل الظروف التي تحيطه سواء في زمن سابق أو زمنٍ لاحق لماهي الحرية .. فيتحول البحث البصري عن الفكرة الى الاندماج مع الفكرة ذاتها، لكي تكون المرأة صارخةً باحثةً عن حريةٍ حتى في لحظة العري عن الواقع وهي تلم شتات نفسها في تعريق الألم.. ولذا قيل عنها إنها (شهرزاد عراقية تقص حكاياتها باللون لتأسر القلوب و الأرواح ..تتميز أعمالها بالطابع العفوي والدقة والشفافية في تصوير مشهد اللوحة. رسمت وشكلت الواقع الاجتماعي من الحياة اليومية. وأثرت فيها الطبيعة وانعكاساتها على الروح و الجسد ، كونتها بحس يملؤه الصدق ويتحكم به اللون والمساحة التي تتفاعل بهما. وبناء الشكل عندها يميل الى العفوية، وهو مخزون في ذاكرتها كأنها تصنع لها فردوسا خاصا بها. ولكن المشاهد المتذوق المستمتع يجد نفسه أمام لوحة مليئة باللون العذب والصمت الذي يأخذك داخل هاجس اللوحة المجبولة بعواطف اللون ودقة التفاصيل)
إن الجسد علامةٌ فارقةٌ في لوحاتها وهي تقول عنه إنه مركز التكوين ومركز التفكير مثلما هو مركز الاحتجاج., لذا فإنها كلما كانت الألوان ملائمةً للحظة العري والحكي ملائمة التأمل والانفراج باستخدام اللون الأزرق.. هو ما يعني بالنسبة للمعنى دليل الانعتاق.. لأن الصراخ والبوح بالكلام هو المحصلة النهائية لما يمكن أن تفعله اللوحة في التعبير عن الألم من جهةٍ، ومحاولة مجاراة الألم بالجمال وتلوينه بالتأمل من جهةٍ أخرى.. ولهذا فإن كلّ لوحة في المعنى العام كانت تحمل الصراخ من جهة والكلام المباح عن الصراخ ذاته، على أساس إن الإحتجاج هو أحد أوجه الانعتاق من الصمت، فإن الضوء يكاد يكون هو المأمول وهو المرئي بالنسبة لمتفرج للوحات.. لوحات عن ألم المرأة ومعاناتها في ظلّ التضييق والحرية والكبت والمجتمع الذكوري.. وهي أيضا محكومة بالأم الرجل والذكورية المستلبة من الحرب والطغاة والأرهاب.. إنها بشكلٍ عام تطارد الألم والهروب من المأساة وحرية المرأة، باللون والكلام المباح، الذي تحوّل الى لوحات حملت معها فنطازية الواقع، من جهة ولحظة التأمل الشخصية لأفكارها من جهة أخرى.