فايننشال تايمز : حاجة البصرة للكهرباء تلخص اعتماد العراق على استيراد الطاقة

Saturday 18th of May 2019 12:00:00 AM ,
العدد : 4432
الصفحة : تقارير عالمية ,

 ترجمة حامد أحمد

نادراً ما تجد شخصاً في عاصمة نفط العراق ، البصرة ، من يتطلع لقدوم موجة الرطوبة النتنة لفصل الصيف ، عندما ترتفع درجات الحرارة لتصل الى ما يقارب 55 درجة مئوية . ولكن بالنسبة للحكومة العراقية فإن الأشهر القادمة ستكون مرهقة للأعصاب لها خصوصاً وإنها تسعى جاهدة لتلافي تكرار احتجاجات حول انقطاعات متكررة في الطاقة الكهربائية جعلت البصرة تجثو على ركبتيها العام الماضي . ولكن لتحقيق ذلك فإنه يتطلب منها الاعتماد على ما تستورده من طاقة من الجارة إيران.

رئيس وحدة انتاج الطاقة الكهربائية للمنطقة التي تقع البصرة من ضمنها قال انه لديه تطمينات من الجانب الإيراني بأنه لن تكون هناك عودة لما حصل في العام 2018 عندما قطعت طهران إمدادها للطاقة الكهربائية البالغة 400 ميغا واط لمناطق جنوبي العراق حيث زادت انقطاعات الكهرباء سوءاً والتي أدت الى إشعال شرارة الاضطرابات . هذا التطمين ، مضافاً له وحدتي توليد كهرباء مجهزة من قبل شركة جنرال الكتريك الاميركية ، جعلته متفائلاً من أن هذا الصيف سيكون أفضل من سابقه.
اعتماد البصرة في توفير حاجتها من الطاقة الكهربائية على إيران يلخص اعتماد العراق الصعب على بلد جار يعاني من مشاكل.
وكانت العلاقات بين العراق وإيران قد تحسنت كثيرا بعد الغزو الاميركي للعراق عام 2003 وسقوط النظام السابق الذي خاض ضدها حربا امتدت لثماني سنوات . ولكن مضاعفة العقوبات الاقتصادية الاميركية على إيران تحت إدارة الرئيس الاميركي دونالد ترامب تهدف الى إضعاف هذه الروابط.
وزير الخارجية الاميركي ، مايك بومبيو ، استخدم زيارة مختصرة لبغداد الاسبوع الماضي لمضاعفة الضغط على طهران . وقال إن الولايات المتحدة مستعدة للاستمرار بان تضمن أن يبقى العراق بلداً ذا سيادة واستقلال.
صادق العلي ، رجل أعمال من أهالي البصرة ، اعرب عن سخط شعبي منتشر إزاء تدخل اميركي وإيراني في البلاد عندما قال : " أنا أكره كل من التدخل الاميركي والإيراني لأنهما يسببان مشكلة."
الاعتماد على الطاقة الكهربائية الايرانية هي إحدى الطرق التي يعتمد فيها جنوبي العراق على البلد المجاور له . الكثير من أهالي البصرة يرون بان إيران مسيطرة على اقتصاد المدينة من خلال انتشار بضائعها الغذائية في السوق وما تصدر لهم من وقود وطاقة . فهم يندبون حظهم كيف أن التنمية الاقتصادية للبصرة قد تلكأت رغم ثروة النفط الضخمة التي تستودعها الأرض تحت أقدامهم.
مخاوف أهالي البصرة تتجذر أيضاً من تدخل أحزاب سياسية في المدينة بمقدراتها الاقتصادية التي باتت تسيطر على مؤسسات حكومية محلية تعمل على تقويض تطوير وتنمية الانتاج المحلي مقابل فسح المجال للبضائع المستوردة من مواد غذائية وزراعية لتغزو السوق.
من جانب آخر يقول ، زمكان علي سليم ، وهو باحث أول في معهد الدراسات الاقليمية والدولية لدى الجامعة الاميركية في العراق ، إنه دائماً ما تكون إيران كبش فداء فشل العراق الذاتي في مجال توفير خدمات اساسية وتطوير اقتصاده . ويقول إن اللائمة على هذا الفشل تكمن في الدولة العراقية والأحزاب الاسلامية في البصرة التي تتنافس فيما بينها على الموارد.
خذ قطاع الكهرباء على سبيل المثال . قال وزير الكهرباء ، لؤي الخطيب ، هذا العام إن قطاع الكهرباء لم يستطع تلبية طلب الاستهلاك رغم امتصاص هذا القطاع ما يقارب من 120 مليار دولار منذ العام 2003 ، مؤكداً بان سبب ذلك يعود للفساد وسوء الإدارة وكذلك الأضرار التي تسببت بها الحرب . وهذا المبلغ يعادل 12% من نسبة الدخل الوطني.
وقالت وكالة الطاقة الدولية إن نسبة الهدر في شبكة الكهرباء العراقية فلكية حيث يتم هدر ما يقارب من 60% من الكهرباء عبر شبكة النقل.
وبكونه غير قادر على توليد ونقل الكهرباء محلياً بشكل كافٍ فإن العراق بحاجة لمورد حياة لطاقته الكهربائية من إيران . ولكن تعبيراً عن غضبها لعدم قدرة بغداد على تسديد ما ترتب عليها من ديون متراكمة أدى ذلك بان تتخذ إيران قرارها الصيف الماضي بقطع امدادها للطاقة الكهربائية لمناطق جنوبي العراق . عدم كفاءة محطات الكهرباء ازدادت سوءاً وتنامت من جانب آخر الاحتجاجات على هذا الفشل.
العراق البلد الغني بالنفط بحاجة الى الغاز الايراني لتشغيل محطاته الكهربائية . ورغم ذلك تريد الولايات المتحدة من بغداد أن توقف استيراد مادة الغاز والتي قد تكون بمثابة خرق لشروط تجديد العقوبات الاقتصادية الاميركية على طهران . ولكن العراق لا يمكنه تشغيل محطاته بدون هذا الغاز الأمر الذي دفع بالولايات المتحدة منح العراق استثناءها الثالث من العقوبات لمدة 90 يوماً.
قساوة العقوبات تؤكد بان إيران بحاجة للعراق كسوق لبضائعها أكثر من أي وقت آخر . العراق يعتبر ثاني أكبر مستقبل للصادرات الأيرانية غير النفطية بعد الصين . واستنادا لغرفة التجارة الإيرانية العراقية فان من بين ال 44 مليار دولار من الصادرات الإيرانية غير النفطية للعالم هناك بضائع بقيمة 9 مليارات دولار تتراوح من مواد انشائية الى علب ألبان قد تم تصديرها للعراق خلال السنة لحد شهر آذار من السنة الإيرانية الجديدة مما يشكل نسبة 36 % من صادراتها سنة بعد اخرى .
هبوط قيمة الريال الايراني بنسبة 60% خلال العام الماضي جعل من هذه الصادرات الايرانية أكثر رخصاً .
رفوف أسواق البصرة التجارية مليء بالبضائع الايرانية تترواح ما بين لحوم الى رز ومنتوجات ألبان . واستناداً الى المجلس النرويجي للاجئين فإن 80% من المنتجات الزراعية المعروضة في أسواق البصرة هي مستوردة وأغلبها من إيران.
ويشكو مزارعون عراقيون من إنهم لايستطيعون مجارات ومنافسة ما معروض من منتجات زراعية ايرانية وذلك لرخص ثمنها . ويشير أحد المدرسين في مدينة البصرة الى أن مدينته معتمدة كثيراً على المنتوج الايراني بحيث أن اسعار محصول الطماطم ارتفع ضعفين خلال احتفالات أعياد نوروز لأن أكثر المجهزين الايرانيين كانوا في إجازة العيد .
عن فايننشال تايمز البريطانية