شيء عن جريدة (برافدا) الروسيّة

Saturday 14th of September 2019 06:40:38 PM ,
العدد : 4506
الصفحة : عام ,

د. ضياء نافع

عندما كنت قبل أيام أشتري الصحف الروسية – كما أفعل يومياً – ألقيت نظرة عامة على الصحف الكثيرة جداً المعروضة أمامي,

ووقع نظري – بالصدفة - على صحيفة (برافدا) الشهيرة, وهي نادراً ما تكون معروضة في الوقت الحاضر بين الصحف الروسية, فطلبت من بائعة الكشك أن تضيف تلك الجريدة الى الصحف التي طلبتها, وذلك لانني أردت أن أطلع عليها متذكراً تلك الايام الخوالي, عندما كنّا نشتريها يومياً بسعر كوبيكين اثنين فقط (الروبل الواحد يساوي 100 كوبيك) أيام الدراسة في الاتحاد السوفيتي في ستينيات القرن العشرين, وهكذا بدأت بتقليب صحيفة (برافدا) من جديد وأنا ابتسم, بعد أكثر من 50 سنة تقريباً من القراءة اليومية لها آنذاك, حيث كنت افتح رأساً الصفحة الثالثة فيها لأقرأ أخبار العالم باحثاً – قبل كل شيء طبعاً - عن اسم العراق وأحداثه, وغالباً ما كانت تلك الأخبار شحيحة جداً جداً عندئذ... 

عندما مسكت العدد الجديد من جريدة برافدا, تذكرت رأسا صديقي المرحوم أ.د. محمد يونس (استاذ الادب الروسي في جامعة بغداد والباحث والمترجم الكبير(, الذي جاء اليّ مرة وقال لي, انه يمتلك نسخة من العدد رقم (1( من جريدة (برافدا(, الصادر العام 1912, وإنه يعتز به جدا, ولكن – واقعياً - لا أحد يمكن أن يطلع عليه في مكتبته الخاصة به في بيته, وإنه يريد أن يهديه الى مكتبة قسم اللغة الروسية في كلية اللغات, ولكنه يخشى أيضاً أن (ينام !) هذا العدد بين طيّات الكتب ورفوفها, وتناقشنا حول الموضوع تفصيلا, واتفقنا ان نؤطّر ذلك العدد التاريخي والفريد بالنسبة للعراق (وليس فقط للعراق) ونعلّقه على جدار المكتبة عند مدخلها, وهذا ما تمّ فعلاً. وهكذا أصبح هذا العدد معروفاً لجميع أساتذة القسم وطلبته, وكنّا نلفت اليه نظر الوفود الروسية التي غالباً ما كانت تزور قسمنا ونتفاخر به, وكانت تلك الوفود تتعجب من رؤية العدد الاول من هذه الجريدة المشهورة لديهم معلّقا على جدار مكتبة قسمنا في جامعة بغداد, واذكر أن أحد أعضاء تلك الوفود قال لي مرة, إنه توقع أن يرى (مختلف الاعاجيب في بغداد, إذ إنها بلاد ألف ليلة وليلة !), إلا أنه لم يخطر بباله أبداً رؤية العدد الاول لجريدة (برافدا), والتي لم يشاهدها في بلده نفسه. لقد احترقت مكتبة قسم اللغة الروسية - مع الأسف الشديد - بأكملها العام 2003 عند الاحتلال الامريكي لبغداد, وتحولت الكتب المنهجية لتدريس اللغة الروسية وكذلك المعاجم والقواميس الروسية - العربية و مؤلفات بوشكين وغوغول ودستويفسكي وتولستوي وتشيخوف وبقية أدباء روسيا العظام الى رماد, بما فيها طبعاً ذلك العدد التاريخي الفريد من جريدة (برافدا..)كانت صحيفة برافدا في الاتحاد السوفيتي هي الناطقة باسم الحزب الشيوعي السوفيتي, وكان اسمها على لسان كل شيوعيي العالم طبعاً, بما فيهم العرب, بل و إني سمعت, أن أحد الشيوعيين في العراق اطلق على ابنته اسم (برافدا(, وهكذا اصبحوا ينادونه - (ابو برافدا !) على الطريقة العراقية, ويقال إنه كان فخوراً جداً – وطوال حياته - بهذه التسمية. 

رافقت جريدة برافدا كل تاريخ الحركة الشيوعية الروسية قبل ثورة اكتوبر 1917, واستمرت بمسيرتها بعد الثورة, وأصبحت في الاتحاد السوفيتي سجلّاً خالداً لتاريخ تلك الدولة ومسيرتها اليومية بكل أحداثها و تفاصيلها, وكانت تمتلك امكانيات مادية واسعة جداً, ووصلت عدد نسخها في السبعينيات الى أكثر من عشرة ملايين نسخة يومياً, وكانت توزع صباحاً في المدن السوفيتية كافة رغم ان مساحة الدولة السوفيتية كانت تشغل سدس الكرة الأرضية كما هو معلوم, بل إننا كنّا نراها يومياً معلّقة في الكثير من المناطق السكنية ومحطات الباصات والشوارع العامة في موسكو. انحسرت أهمية هذه الصحيفة بعد انهيار دولة الاتحاد السوفيتي, ولكنها استمرت بالصدور ناطقة باسم الحزب الشيوعي في روسيا الاتحادية, وبنفس التصميم ونفس الأسلوب الحزبي الصارم جداً, إلا أنها لم تعد تطبع أكثر من 100 ألف نسخة باليوم, وأخذت تصدر ثلاث مرات أسبوعيا ليس إلا.

جريدة (برافدا( واحدة من صحف العالم العريقة, وهي تستحق الدراسة من قبل العرب المهتمين بالشأن الروسي في الماضي والحاضر والمستقبل ايضا...