دور المؤسسة الدينية لمرحلة ما بعد الاحتجاجات 1-2

Monday 18th of November 2019 07:07:47 PM ,
العدد : 4550
الصفحة : آراء وأفكار ,

عباس العلي

قد يبدو هذا الطرح سابقاً لأوانه ولم تتضح بعد معالم الصورة على الأرض ولم تظهر بوادر ما يعرف بحصاد الثورة واقعاً، ولكنه يبقى في دائرة التنظير والتنبؤ اللازم ضمن ما يتراءى للقارئ والمراقب لتطورات ومجريات الأحداث،

ووقعها وأثرها في مسألة تشكيل وصيرورة الوعي الذي صنعته الأنتفاضة وصنعته الأحداث، ولكن بالتأكيد أن إرهاصات الواقع ونتائجه تتبلور شيئاً فشيئاً لمن ينظر للحدث ليس من ناحية ما جرى بل بالأثر العميق الذي سيتركه الحدث في ميدان تشكيل الوعي الجديد.

ولكي نقرأ الأمر جيداً وبروح نقدية مجردة علينا الذهاب بعيداً عن الأرض وواقعها الآن بما فيه من حركة، ونعود مع الأسباب والعلل لنتقصى مسألة أهم وسؤال أكبر، لماذا حدث كل هذا الآن؟ وما هي المحركات الحقيقية له بعيداً عن الإنفعالات ونظرية المؤامرة التي يتشدق بها الكثيرون؟، لعلي أكون متطرفاً بعض الشيء في نظر من لا يريد أن يفهم الحقيقية من جوانبها المختلفة وبشكل علمي وعملي، حين أقول أن المؤسسة الدينية بكل فروعها وألوانها وتوجهاتها معنية بشكل أو بأخر بالاتهام المباشر لها أنها كانت جزءاً من إشكالية هذا الواقع، وجزءاً من عملية الدفع بأتجاه الحفاظ عليه بأي ثمن خاصة بعد تراكم الخطأ وتحوله إلى خطيئة لا تغتفر ولا يمن التستر عليها.

صحيح أيضاً أن المؤسسة الدنية كانت في مخيلتها الأولى وبعد إنهيار المنظومة الحاكمة الشمولية التي قمعت وجودها ووفقاً لمصالحها كانت تتمنى أن تنشئ عالم أخر مخالف ومختلف لما في البلد من علاقات وأطر ومفاهيم على أعتبارات وقيم ومعايير تمسكت بها طول وجودها التاريخي، أي أنها كانت تحلم بعالم مثالي صاغته عقيدتها وأسست هي رؤيتها على ترجمة لهذه العقيدة على أن تقدمها حلاً مثالياً إنسانياً قد يمنحها الريادة والقيادة الأجتماعية طويلا إن لم يكن أبدياً، ولكن وللمعضلة التاريخية التي أسست هذه المؤسسة ومزقتها بصراعات كثيرة وتناقضات فكرية شهدها التاريخ وأفشلتها التجربة حين كان دورها القيادي تاريخيا لم ينتج صورة من هذا الحلم، ولم ينجح أي مسعى لها أن تترجم الدين كسلطة اجتماعية على المجتمع قادرة على ضبطه وفق إيقاع مثالي يحترم الإنسان وقدسيته في الوجود.

النوايا الحسنة مهما كانت لا يمكنها وبدون ترجمة حقيقية أن تتحول إلى حل ناجز وجدي وفاعل، ما لم تلاحظ أولاً إمكانية التحول إلى واقع، ثم إمكانية أن يكون هذا التحول واقعاً قادراً على الاستمرار والتطور، وثالثاً أن لا يكون هذا التحول جبري وقهري لا يهتم بالواقع ومتطلباته، وأخيراً أن يكون هذا التحول والحدوث مرناً وقادراً على التكيف حسب قوانين الطبيعة البشرية التي تتميز بالحركية والرغبة في عدم الخضوع لقوالب جامدة، الدين أو المفاهيم المتصلة به من فكر وشريعة وطقوس محكومة بشيء من الثبات النسبي لسببين رئيسين هما:.

• أولاً لا يمكن لأحد ومهما أمتلك من قوة وقدسية وفهما للدين أن يغير أسس وكليات المنهج الديني لأنها مرتبطة أساساً بالمشرع الفوقي، وما لم يغير المشرع الأعلى أو يسمح بالتغيير نبقى ويبقى الدين مجرد مجموعة من القواعد الملزمة دون أي قدرة على التغيير، وإلا عد ذلك كفراً وخروجاً عن المبادئ الأساسية الجامعة.

• ثانياً حتى لو قدر على أن يخرج من بين طبقة رجال الدين من يحاول أن يحرك ويتحرك بهذه الثوابت نحو مرحلة أكثر تحرراً، فلا بد أولاً أن يخضع بعمله لنفس المنهج وضوابطه وصوره وخاصة فيما يتعلق بالتفسير والتأويل، هذا غير أن عمليات التحرر النسبي تحتاج للكثير من المقدمات والدراسات وتراكم تجريبي يحتاج لوقت وزمن لا يتناسب مه حركة المجتمع ورغبته بالتوافق مع زمنه هو.

للنقطتين أعلاه نجد أن المؤسسة الدينية مهما كانت وفي أي مجتمع تتخلف دوما عن حركة المجتمع والإنسان معاً، ولذلك نجد أن خسائرها التاريخية تكون في غالب الأحيان خسائر قاسية ومؤلمة بحكم موقعها ونفوذها الأجتماعي، وكلما كان التغيير فيها بطيئا وثقيلا كانت الخسارة أعظم وأشد وهذا ما شهدناه مثلا أبان الثورة الفرنسية عندما صد الثوار بالمقولة المشهورة ("اشنقوا آخر ملك بأمعاء آخر قسيس")، وهذا ما حدث وأسس لمرحلة تاريخية أخرى شهدت إنزواء حقيقي وخراب دور المؤسسة الدينية التقليدية في فرنسا، والسبب ليس فقط في تحالفها مع السلطة ولكن لعدم قدرتها على التحرر من مقولاتها وقواعدها المؤسسة أولاً.

لذا حينما نقرأ المشهد العراقي بكل تفاصيله وجزئياته نلاحظ أن هذا التباطؤ والتثاقل خلا فكرة التخادم الدائم بين السلطة وقواها السياسية والمؤسسة الدينية، سيشكل أو شكل حتما مؤشرا ينمو ويتزايد يوميا على أن الجماهير التي ساندت وأمنت بهذه المؤسسة تتخلى تدريجيا عن تلك المساندة، وتفقد تلك الحرارة المعهودة والدفء بالعلاقة بين الطرفين، للحد الذي وصل فيه أن توجه سهام النقد والأنتقاد وحتى الرفض لها من قبل قطاع واسع ومتسلح بفشل التجربة الحلم الذي كانت توعد به أتباعها وتبشر بعصر العدالة والحرية والمساواة التي كانت العنوان الأبرز في خطابها بعد تغير الواقع عام 2003.

من هنا نفسر هذا التحول غير المسبوق والخشية الكامنة من وراءه في كل خطابات المرجعيات الدينية والتخلي التدريجي عن العلائق السياسية التي ربطت أو أرتبطت بها مصيريا وعقائديا، السنية منها والشيعية وحتى بعض المرجعيات المذهبية من ديانات أخرى نشهد تفاوت وتراخي في العلاقة التقليدية مع أتباعها والمؤمنين بها، هذه المقدمات والملاحظات ليست أفتراضية ولا هي من وحي خيال الكاتب، بقدر ما تؤشر إلى أتجاه في الوعي الفردي والجماعي الذي يتبلور مع الأيام بأنتظار ساعة الحسم النهائية، والتي ستشكل بداية مرحلة فكرية وسياسية وأجتماعية مختلفة بكل شيء، بقوانينها وروابطها وعلاقاتها وحتى بالقوى المتحكمة فيها.