جويس كارول أوتس إيمانُ كاتبة.. الحياة - الحِرْفة - الفن

Tuesday 10th of December 2019 06:52:20 PM ,
العدد : 4566
الصفحة : عام ,

ترجمة وتقديم : لطفية الدليمي

جويس كارول أوتس Joyce carol Oates ، المولودة 1938 ، روائية أميركية تمثل ظاهرة فريدة في غزارة الانتاج والانتشار .

نشأت في ضواحي نيويورك وفازت بأول جائزة لها في مسابقة الرواية عندما كانت طالبة تتمتع بزمالة دراسية في جامعة سيراكيوز- وتخرجت من الجامعة بتفوق ثم حصلت على درجة الماجستير من جامعة ويسكنسون ، وفي سنة 1968 عملت مدرسة في جامعة ويندسور ثم انتقلت في 1978 الى ولاية نيوجيرسي لتدريس الكتابة الابداعية في جامعة برنستون ، وهي الآن استاذة متمرسة للإنسانيات .

القسم الثاني

جويس كارول أوتس مرشحة مزمنة على قوائم جائزة نوبل للأدب ، ولم تغفلها هذه الترشيحات للسنوات العشر الماضية على أقلّ تقدير . 

أقدّم أدناه ترجمة لمقالات منتخبة كتبتها ( جويس كارول أوتس ) في شتى الحقول الإبداعية والفكرية، وتضمّ هذه المقالات تنويعة تعكس خصائص فكر الكاتبة المبدعة والطيف المتنوع والواسع لانشغالاتها الحياتية فضلاً عن الإبداعية . 

المترجمة

إيماني ككاتبة

أؤمن أنّ الفن هو التعبير الأعظم عن الروح الإنسانية .

أؤمن أنّ فينا توقاً يتملّكنا ويدفعنا للإرتقاء بكلّ ماهو محكوم باعتبارات المحدودية والتلاشي في حياتنا البشرية ، وأنّ فينا توقاً للتشارك في شيء غامض وجمعي يدعى " الثقافة " ، وأنّ هذا التوق قوي راسخ في نوعنا البشري بمثل قوّة نزوعه نحو إعادة إنتاج نظائره البشرية ( عبر التكاثر الناجم عن العلاقات الحميمة ) .

نعملُ باعتبارنا كُتّاباً، في أوساطنا المحلية أو المناطقية الأوسع، وعبر أصواتنا الفردية، على خلق الأعمال الفنية التي تتوجّه إلى الآخرين ممّن لايعرفون شيئاً عنّا. إنّ تمايزنا الواحد عن الآخر هو الأمر الكفيل بخلق تعاطف يتّسم بالحميمية فيما بيننا - ككائنات بشرية - . 

الصوت الفردي هو الصوت الجمعي الذي تتشاركه الكائنات البشرية .

الصوت المناطقي هو الصوت العالمي الذي تتشاركه الكائنات البشرية .

إلى كاتب شاب

نُشِرت هذه المقالة أصلاً في الكتاب المعنون ( رسائل إلى كاتب شاب ) ، تحرير : فريدريك بوش ، 1999

أعلِن في كتابتك عن مكنون قلبك ! 

لاتخجل أبداً من طبيعة موضوعك كيفما كان، ولاتخجل من شغفك بموضوعك . 

تطلّعاتك الكتابية المكتنزة بالشغف و "الحبيسة " في دواخلك ربّما تكون الوقود الذي تغتذي منه كتابتك . الأمر شبيه إلى أبعد الحدود مع ماحصل مع كثرةٍ من الكُتّاب العِظام، ومنهم على سبيل المثال فحسب : الكاتب الأمريكي الدرامي العظيم ( يوجين أونيل ) الذي إعتملت في دواخله طيلة حياته نارُ غضب آكلة بالضدّ من أبيه الراحل منذ زمان بعيد، والكاتب الأمريكي العظيم ذو الأسلوب النثري المميّز ( إرنست همنغواي ) الذي أبدى غضباً لاتهدأ ناره تجاه أمّه طيلة حياته كذلك . ثمة أيضاً ( سيلفيا بلاث ) و ( آن سيكستون ) اللتان تصارعتا كلّ حياتيهما مع ملاك الموت المُغوي الذي كان لاينفكّ يغريهما بتذوّق طعم النشوة الكامنة في قتل نفسيهما . ثمّة أيضاً غريزة (إيذاء النفس ) العنيفة التي نشهدها لدى ( دوستويفسكي )، وغريزة أخرى تستطيب العقاب السادي لِـ (غير المؤمنين ) نشهدها لدى ( فلانري أوكونور ) . هناك أيضاً الخوف من الإنزلاق إلى مستنقع الجنون نشهده حاضراً بقوة في أعمال ( إدغار آلان بو ) الذي كان يخشى إقتراف فعلٍ غير قابل للإلغاء بعد حدوثه أو يصعب البوح للآخرين بشأنه من قبيل : قتلُ أمرئ بالغ أو زوجة، أو شنق قطّة منزلية محبوبة وأليفة ثمّ خلع عيونها خارج محجريهما ! . إنّ مصارعتك - أيها الكاتب الشاب - مع ذاتك العميقة المدفونة ( أو ربّما ذواتك العديدة ) هو ماينتِجُ في نهاية الأمر فنّك الكتابي، وهذه المشاعر - مهما تلوّنت وتبدّت بمظاهر غير مرغوب فيها - هي الوقود الذي يوفّر الدافع الخلّاق لكتابتك الإبداعية ويجعل ساعاتٍ وأياماً وأسابيع وشهوراً وسنواتٍ من الجهد الممضّ عملاً ممتعاً ؛ بل وقبل هذا ممكناً وتحت عتبة التحمّل القصوى للكاتب على الرغم من أنّ هذا الجهد يبدو للآخرين المراقبين من بعيد محض عمل كسائر الأعمال . تذكّر دوماً : في غياب هذه البواعث غير المفهومة بصورة كافية حتى يومنا هذا قد تكون شخصاً أسعد بصورة مصطنعة، وقد تكون مواطناً أكثر انغماساً في شؤون مجتمعك ؛ لكن من غير المتوقّع أو الممكن أن تخلق أثراً كتابياً ذا مفاعيل مؤثرة . 

ماعساها تكون النصيحة التي يُفترضُ بكاتب أكبر عمراً أن يقدّمها لكاتبٍ شاب أصغر عمراً منه ؟ أظنّ أنّ النصيحة الوحيدة التي يمكن أن يقدّمها الكاتب / الكاتبة الأكبر عمراً هي تلك التي قد يرغبان في أن تكون قد قُدّمت لهما قبل سنوات عديدة سابقة . لاتقبل بأن يجد الخذلان منفذاً إلى روحك! إبتعد عن إطالة النظر فيما حواليك بقصد مقارنة نفسك مع الآخرين من أقرانك : الكتابة ليست سباقاً ؛ إذ لاأحد " يفوز "حقاً في نهاية المطاف. إنّ السعادة الحقيقية مع الكتابة تكمن في الجهد المبذول فيها ، وقلّما تأتي تلك السعادة مع المكافآت اللاحقة، هذا إذا كان ثمة مكافآت حقاً . أؤكّد لك مرة أخرى : أعلِن في كتابتك عن مكنون قلبك. 

إقرأ بصورة كثيفة وموسّعة ومتنوّعة، ولاتتّكئ على الأعذار التي تحول بينك وهذا النوع من القراءة. إقرأ ماتحبّ أنت أن تقرأه، ولاتدع كائناً من كان يقرّر لك ماينبغي أن تقرأه. إنغمر حتى الأعماق في قراءة أعمال كاتب تحبّه، واقرأ كلّ شيء كتبه ( أو كتبته ) بما في ذلك الأعمال الأولى له، وتعمّد قراءة بواكير أعماله بخاصة؛ فالكاتب قبل أن يصبح كاتباً عظيماً - أو حتى كاتباً جيّداً بصورة مقبولة - كان يتلمّس في بواكير أعماله أن يجد طريقه الخاص المفضي إلى حيازة صوت كتابي خاص يتفرّد به بين الكُتّاب، وربما يكون هذا هو بالضبط ماتسعى إليه أنت في هذا الطور المبكّر من حياتك . 

أكتب لعصرك فيما لو إستعصت عليك الكتابة لجيلك بصورة حصرية . أنت لاتستطيع الكتابة لِـ (الأجيال القادمة ) ؛ فهذه أخدوعة لامصداقية لها في واقع الحال. أنت لاتستطيع كذلك أن تكتب عن عالمٍ غادرنا. قد يمكنك أن تتناول هذا العالم بكيفية تعتمد " اللاوعي " في مُخاطبة جمهور متخيّل لاوجود له، وفي كلّ الأحوال ستجد نفسك - ربما - تحاول إرضاء أحدٍ ما لن يرضى عمّا تكتب، وهو في الأصل ماكان يستحقّ عبء أن تكتب لكي يرضى !.

لكن لو شعرتَ بأنك عاجز عن أن " تعلن في كتابتك عن مكنون قلبك " لأيّ سبب كان : الكبح الداخلي، الإحراج، التهيّب من التسبّب بأذى لمشاعر الآخرين، الشعور بنَفَسٍ عدواني غير مسوّغ في الكتابة ،،، فقد يمكنك حينذاك أن تجرّب حلاً عملياً يكمن في الكتابة بإسم مستعار . ثمّة شيء قادر على تحرير ذاتك بطريقة مدهشة، وربما طفولية النكهة، يكمن في هذا الإسم المستعار - ذلك الإسم التخييلي الذي تخلعه على ذاتك التي تكتب بها رغم أنها ليست لصيقة بكينونتك المادية التي يتعامل معها الناس. لو حصل أن تغيّرت الظروف التي دفعتك لاعتماد إسم مستعار فيمكنك دوماً إستبعاد ذاتك التي كنت تكتب بها وترويض واحدة أخرى بدلاً منها . النشر المبكّر يمكن أن يكون مصدراً لبركة ملتبسة تبعث على الريبة والشك : نعلم جميعنا أخبار كُتّابٍ صاروا كباراً في حرفتهم وهُمْ توّاقون لبذل أي تضحية تكفل لهم نسيان كتابهم الأوّل ! حتى لو تطلّب الأمر شراء كلّ النسخ المعروضة من ذلك الكتاب في السوق . تاخّر الوقت ياسادة ! لايحصل الأمر كما تشتهون ! 

لو كنتَ ترغب بالطبع في حياة مهنية تقوم على القراءة المكثّفة والمحاضرات والتدريس فيمكنك أن تعلن عن ذاتك تحت لافتة إسم كتابي معروف للعامّة . لكن يجب أن يكون إسماً واحداً فحسب . 

لاتتوقّع أن يتمّ التعامل معك بعدالة من قبل العالم . لاتتوقّع حتى أن يتمّ التعامل معك برحمة . 

تُعاشُ الحياة عبر مواجهات لاتنقطع ، ومن يحيا الحياة هو كمن يركب قطار الملاهي المخيف : " الفنّ " عملية إختيار تحصل بعقل بارد، ويمكن تخليق الفنّ بكيفية إسترجاعية للخبرات دوماً ؛ لكن تمهّل : لاتنتظر أن تعيش حياة بمواصفات خاصة بقصد أن تكتب عنها . إنّ حياة تُعاشُ هكذا ستكون باردة مصطنعة وعديمة المعنى . الأفضلُ للكاتب دوماً أن يكتشف حياة بديلة كاملة. ذاك أفضل بكثير ! . 

يقع أغلبنا صرعى حبّهم لأعمال فنية بذاتها، ويحصل الأمر كثيراً في أطوار عدّة من حيواتنا . لاتخَفْ من هذا الأمر : دع ذاتك تتوهّج جذلاً في الإعجاب بفنّ أحدٍ ما؛ بل وربما حتى الهيام به عشقاً. الأمثلة أمامنا كثيرة : كيف عبد ديغا مونيه ؟ ( الرسامان ديغا ومونيه - المترجمة ) وكيف أحبّ ميلفل هوثورن؟ وكم عدد الشعراء المُجيدين المكتنزين بحساسية فائقة وأعذب المشاعر خرجوا من معطف ويتمان ؟. الحقيقة واضحة بذاتها : لو وجدتَ شيئاً مدهشاً أو آسراً أو مقلقاً لروحك في صوتٍ ما أو رؤية ما فلاتتردّد ولو للحظة في أن تغمر ذاتك فيهما . ستتعلّم الكثير من تلك التجربة الفريدة . في حياتي الشخصية وقعتُ صريعة حبّ كتّابٍ عديدين، ولم أتعافَ حتى اليوم من دهشة حبّهم الأولى. كُتّاب عديدون ذوو مشارب مختلفة أحببتهم في حياتي : لويس كارول، إميلي برونتي، كافكا، ( إدغار آلان ) بو، ميلفل، دوستويفسكي،،،. عندما قرأتُ قبل زمان ليس بالبعيد الطبعة الجديدة من رواية ( هاكلبري فن ) لكاتبها ( مارك توين ) إكتشفتُ أنني قد حفظتُ مقاطع كاملة من هذه الرواية، وثمة قصائد كتبتها ( إميلي ديكنسون ) أظنّ أنني أشعر نحوها - ربما - بحميمية أعظم من تلك التي تُبديها نحوها إميلي ديكنسون ذاتها ! ؛ فهذه القصائد محفورة في ذاكرتي بطريقة ربما لم تحصل مع ذاكرة إميلي ديكنسون . ثمة قصائد أخرى كتبها ( وليام بتلر ييتس )، ( وولت ويتمان )، ( روبرت فروست )، ( دي. إج. لورنس ) لم تزل حتى اليوم تجعلُني أرتعش بطريقة طفولية من آثار الدهشة عند قراءتها بعد عقود عديدة من إكتشافي الأوّل لها . 

لاتخجل من أن تكون مثالياً ، أو رومانسياً ، أو توّاقاً لأناس محدّدين أو عصر محدّد . لاتتعجّل في إطلاق إحكامك السريعة والمسبّقة على الكلاسيكيات أو الأعمال المعاصرة كذلك . إختر بين الفينة والأخرى كتاباً لتقرأه شريطة أن يكون معاكساً لذائقتك الشخصية ( أو ماتظنّه ذائقتك الشخصية ) . إنّ عالمنا بعامة ( قديمه وحديثه ) هو عالم الرجل ؛ لذا ينبغي أن نتوقّع في المرأة التي تختزن حساسية عالية في مخزونها المضطرم بفعل النزعة النسوية أن تعاني أذى عظيماً ونزوعاً عدوانياً (عند قراءتها بعض الأعمال الكلاسيكية والمعاصرة، المترجمة ) ؛ لكن مايبعث على السلوان والتأنّي في إطلاق الأحكام جزافاً هو أنّ ثمة الكثير ممّا يمكن تعلّمه واقتباس مكامن الإلهام منه عند قراءة هذه الأعمال حتى لو حدث أن يتّخذ القارئ وضع المراقب المتلصّص الذي يكتفي بالتحديق في مشاهد تحصل وقائعها أمامه . إنّ قراءة أعمال عظيمة على شاكلة ( أوديسا ) هوميروس أو ( تحوّلات ) أوفيد لهي تجربة فريدة وبخاصة إذا ماقرأت من وجهة نظر قارئ في القرن الحادي والعشرين ؛ إذ أنّ الأوديسا باعتبارها عملاً متفرّداً في عبقريته، والتحوّلات باعتبارها عملاً خليقاً بأن يكون حداثياً في كل حيثياته، والإثنان معاً يمثّلان عملين قادرين على صعق القرّاء الذكور والإناث بطرق عديدة تختلف إختلافاً عظيماً في أشكالها . المرأة القارئة، على سبيل المثال ، يمكن أن تعلن شعورها بالأذى أو الغضب أو توقها للعدالة، بل حتى توقها للإنتقام قد يكون أمراً محموداً، والأمر سيان أن تأتي هذه الإعلانات في عملٍ كتابي أو سياق الحياة اليومية لإمرأة ما . 

اللغة وسيط بارد كما الثلج وهي مسطورة على الورقة، وعلى خلاف الممثلين والرياضيين يمكن للكُتّاب أن يعيدوا تخييل وتنقيح وكتابة نصوصهم بالكامل لو شاؤوا . قبل أن تصبح أعمالنا مهيّأة للطبع ( وتغدو مثل نقش محفور في الصخر ) يكون لنا - الكُتّاب - سلطة مطلقة عليها . المسوّدة الأولى قد تكون مُحيّرة للعقل ومُستنزفة لطاقة الروح ؛ لكنّ المسوّدة الثانية ( والمسوّدات التالية لها ) تكون باعثة على تحليق الروح وإشاعة البهجة في النفس . إمتلك الإيمان فحسب : لايمكن للعبارة الأولى في العمل الكتابي أن تُكتَب مالم يعرف الكاتب كيف سيكتب العبارة الأخيرة فيه ، حينذاك - وفقط حينذاك - ستعرف أين سيقودك طريقك ، وأين تقف الآن ، وكيف كنت تفكّر من قبلُ . 

الرواية هي المحنة التي لاعلاج لها سوى الرواية ذاتها .

أقول مرة أخرى وأخيرة : أعلِن في كتابتك عن مكنون قلبك .