فيلم أسرار رسميَّة .. عن غزو العراق تحدَّثوا

Wednesday 5th of August 2020 07:00:42 PM ,
العدد : 4742 (نسخة الكترونية)
الصفحة : سينما ,

عبد المنعم أديب

2-2

إنَّ أول المعاني التي قد تتسرَّب إلى نفس المُشاهد تأتيه من شعور سيُحسِّه من اسم الفيلم الذي أتى مُنكَّراً " Official Secrets " من دون أداة التعريف؛ ليشير بإشارات السخرية المريرة من قوانين الدول التي جعلتها مسنداً تستند عليه لخداع المواطنين وتمرير ما تريد فعله دون رادع، وتسخر أيضاً من الحالة المُجتمعيَّة العامَّة التي قُمِع فيها الصوت واتُّهِمَ بوصفه قد سرَّب "أسراراً رسميَّة"!

يُشعِر هذا الفيلم المشاهد العربيّ بمشاعر مغايرة. وتلقِّي المُشاهد العربيّ في وطننا لعمل كهذا العمل غير تلقِّيه من قِبل المُشاهد الغربيّ، فلكلٍّ خصوصيته فلعلَّ المشاهد الغربيّ يطلع على الفيلم قصةً مثيرةً، ولعلَّه يتابعها بعين الإنسان مُتعاطفًا مع العراق أو مع الأبطال الصامدين أو مع كليهما، لكنَّ خصوصيَّة كيمياء التلقِّي عند المشاهد العربيّ في هذا العمل مختلفة؛ فإنَّها أرضه تلك التي تُحتلّ، وناسه هؤلاء الذين يُقتلون، وويلاته تلك التي يعانيها، لكنَّ المشاهد العربيّ يجب عليه التركيز على أنَّ "الغرب" ليس كُلاً مُوحَّداً، ليسوا سواء فمنهم المُحتلّ ومنهم مناهض الاحتلال، ومنهم القاسي الذي يريد سحقك ومنهم مَن في رغبته أنْ يُضحِّي بكل شيء ليقف أمام سحقك؛ فتحيَّةً للضمير الأوروبيّ كما نلعن الظالمين. 

وقد تعمَّد الفيلم أنْ يُسمِع مُشاهده صوت السياسيّ "جورج بوش" وهو يقول له بصوت الواعظ الحاني على أمَّته إنَّه أنقذها من براثن الأسد الذي كان يضمر الهجوم عليها، وإنَّه أزال هذا الخطر الذي يهدد الأمة الأميركيَّة، وإنَّه قد ذهب إلى العراق ليُقرَّ العدل والسلام والديمقراطيَّة وليُنقذ الجميع. أراد الفيلم لنا أن نسمع هذا مع صور مُقطَّعة من آلام وفواجع الاحتلال في العراق وكأنَّه يُخرسه ويخرس إفكَّه بأداة الصورة السينمائيَّة. يُخرس صوت الإفك الذي يملك كل أسلحة العالَم وهو يذهب لاحتلال دولة بحُجَّة أنَّها تنوي فيما يبدو أن تمتلك سلاحاً!

تعمَّد الفيلم أنْ يسمع المُشاهد صوت مصالح البترول وأغراض أخرى دينيَّة ومصيريَّة قادرة على تحويل قول أدلى به مهندس مجهول الهويَّة كان في العراق عن نيَّة متوقَّعة لا يعلمها أحد في قابل الأيام مُستنداً وحُجَّةً وعليها ينبني قتل وسحق وظلم وتغيير أوطان ، لكنْ لا قيمة لهذه الأمور الهينة في ميزان المصالح.

تركيز المخرج في صورته السينمائيَّة قد انصبّ على قضيته بكل جوارحه الإخراجيَّة، ولم يُخرج المُشاهد عن انتباهه إلى ما يحدث أبداً. بل كان يتعمَّد ويقصد إلى أن يضع أمام المشاهد كلَّ ما يحتاجه في لحظته لتصوُّر الأمر بأبعاده السياسيَّة والعاطفيَّة والضميريَّة، وإيصاله إلى مرحلة اكتمال الدافع الذي تقتضيه أفلام القضايا؛ خاصةً تلك التي تعتمد على عنصر الضمير أو العاطفة في بنائها الكليّ كي يستقرّ في ضمير المُشاهد ما يلمس به دوافع الشخوص وتطورات الأحداث، وما يكفي للانفعال معها انفعالاً يمكن تسميته بتجربة شعوريَّة مُوحَّدة.

ولمْ يذهب إلى ما يذهب له البعض من استعراضات تصويريَّة تبرز مهارة أو اقتدار، فواضح أنَّه من الصنف الذي يرى منتهى المهارة والاقتدار في إحداث الحالة النفسيَّة لا فيما تستطيع فعله بكاميرا بين يديك. وقد استطاع المُخرج أنْ يحافظ على دراميَّة الفيلم رغم سمت الوثائقيَّة التي قد يشعر به المشاهد، حتى المشاهد التي أتت من الأرشيف لا تعدُّ في هذا الفيلم مشاهد وثائقيَّة لأنَّه من زمن الفيلم أولاً فهي في الزمن الحقيقيّ للحدث الفيلميّ، وكذلك قد أدرجها المخرج في سياق دراميّ وهي اللقطات التي يراها الأبطال في التلفاز. فكانت من أحداث الفيلم نابعة منه لا دخيلة عليه من عالم التوثيق.

حتى الدعم الموسيقيّ في الفيلم لمْ يأتِ بإسراف بل أتى بترشُّد واستخدام يمتاز بالاحترافيَّة والحنكة، لا تدخل الموسيقى إلا في وقتها وبالقدر الذي تؤثر به وحسب، وقد قام جوّ الترقُّب والتفاعل مع الموسيقى الرهيفة التي صنعها بول هيبكر و مارك كيليان بصنع ما يكفي للتجربة.

وما بين مِشيتَيْن تبرز الممثلة كيرا نايتلي ويتلخَّص أداؤها البارع؛ الأولى مشية حينما قرَّرت نسخ المذكرة لتسريبها، والثانية مشية وهي تخطو خطواتها نحو الاعتراف بأنَّها مَن سرَّبت. وما بين المشيتَين ومضامينهما يكمن الفيلم بمعانيه. وستذهلك في مشهد استجوابها الأول مع رجل الأمن الداخليّ ذي المظهر الخَطِر وهي تنكر أنَّها مَن سرَّبتْ، وستنال احترامك بقسمات وجهها تُدلي باعترافها في المشهد الثاني بمزيج من الشفقة والخوف والفخر المضمر والثبات.

لكنَّها ستترك لدينا انطباعاً قويّاً عن الفيلم حينما نسمعها تقول لأحد المُحقِّقِين معها: "أنا لا أعمل لدى الحكومة البريطانيَّة، أنا أعمل لدى الشعب البريطانيّ.. أجمع المعلومات حتى تتمكَّن الحكومة من حماية الشعب، لا أجمعها حتى تتمكَّن الحكومة من الكذب عليهم".