ساعي البريد يدق الباب مرتين.. رواية صغيرة واقتباسات كثيرة

Wednesday 5th of August 2020 07:04:04 PM ,
العدد : 4742 (نسخة الكترونية)
الصفحة : سينما ,

صادق الطائي

تفاجئنا بعض الروايات في تاريخ الأدب بما تثيره من اهتمام سواء من القارئ، أو من المتلقي عندما يتم اقتباسها في أعمال سينمائية أو مسرحية. ولا أحد يعرف سر النجاح الكبير الذي قد تحوزه مثل هذه الأعمال، حتى إن كانت لم تحظَ باهتمام نقدي ملحوظ. ويمكننا أن نصنف رواية "ساعي البريد يدق الباب مرتين" للكاتب الاميركي جيمس كين ضمن هذه الأعمال،

الرواية نشرتها شركة ألفريد أ. كنوف عام 1934، وصنفت على أنها رواية جريمة قائمة على حبكة سايكولوجية، أو ضمن نمط من الروايات عرفت بالروايات السوداوية (Roman Noir) التي تتميز بجو محبط مصحوب بتركيز على الخلطة السحرية بين الجنس والعنف التي تقود الحبكة الدرامية وتسيطر على أغلب تفاصيل الرواية، وقد صدرت الترجمة العربية للرواية عن هيئة قصور الثقافة المصرية بترجمة المترجم أحمد عمر شاهين عام 1997. 

ويشير نقاد الأدب الى هذا النمط من النوع الروائي بالقول؛ إن الحبكة البوليسية الموجودة في مثل هذه الأعمال لاتمثل الهم الأساس بقدر البعد الفلسفي لأعمال الروايات السوداوية، إذ يتمحور العمل الروائي حول نوع من الأبطال الضحايا، أو المشتبه بهم، أو الجناة الذين يسعون وبشكل قدري لتدمير أنفسهم، لكن غالباً ما تتضمن مثل هذه الأطروحة نقداً للمجتمع أو النظام السياسي الفاسد الذي يدفع البطل الإشكالي الى هذا المستقبل المروع، ويشير أوتو بنزلر، المحرر الاميركي للعديد من الروايات المميزة،الى أن بطل الرواية النموذجي للرواية السوداوية يضطر للتعامل مع نظام قانوني أو سياسي فاسد، والذي من خلاله يكون بطل الرواية إما ضحية و/أو عليه أن ينتصر على الآخرين، مما يؤدي إلى مواقف خاسرة في النهاية. كما تجدر الإشارة الى أن الرواية البوليسية التقليدية والرواية السوداوية متعارضتان تماماً، مع منطلقات فلسفية متنافرة، إذ أن بطل العمل البوليسي التقليدي قد يخرق أو يخالف القانون، لكن ذلك يتم عادة في إطار السعي لتحقيق العدالة، وعادة ما تكون النهاية سعيدة عندما ينتصر العدل، أما بطل الرواية السوداوية فعلى العكس من ذلك تماماً.

حبكة رواية "ساعي البريد يدق الباب مرتين" قائمة على الثلاثية التقليدية المعروفة، الزوج المخدوع والزوجة الخائنة والعشيق الذي يحاول أن يستغل تذمر الزوجة الشابة من حياتها المملة مع زوجها العجوز السكير، البطل شاب مغامر يعيش حياته على هامش الحياة ولايتورع عن ارتكاب أي شيء ليفوز في النهاية، لكن القدر يكون له بالمرصاد، إذ قد ينجح مرة لكنه لن ينجح في مغامراته كل مرة. لقد حققت الرواية نجاحاً ملحوظاً عند نشرها، لكنها من ناحية أخرى واجهت اتهامات بالترويج للسلوك الشائن في مجتمع الثلاثينيات الاميركي المحافظ نتيجة احتوائها على مشاهد الجنس والعنف، وقد تعرضت الرواية نتيجة ذلك للمصادرة والمنع في بعض الولايات الاميركية مثل بوسطن، لكنها حققت بعد ذلك شهرة واسعة، وتم اختيارها ضمن قائمة المكتبة الحديثة لأفضل 100 رواية.

عنوان الرواية أيضاً أثار الكثير من علامات الاستفهام، إذ لايوجد أي اشارة أو دور لساعي بريد في القصة، لذلك تعددت التكهنات في هذا الشأن، على سبيل المثال، يرى وليام مارلينج أن جيمس كين ربما أخذ العنوان من قضية اشتهرت في نهاية العشرينيات، وهي قضية السيدة روث سنايدر التي أثيرت عام 1927، والتي تشبه شخصيتها شخصية كورا في الرواية، إذ تآمرت مع عشيقها لقتل زوجها، وقد ذكرت سنايدر في ثنايا التحقيقات إنها منعت زوجها من اكتشاف التغييرات التي أجرتها على وثيقة التأمين على الحياة عبر إخبار ساعي البريد بتسليم إشعارات الدفع الخاصة بالوثيقة فقط لها والاتفاق معه أن يدق جرس الباب مرتين كإشارة متفق عليها بينهما وهذا ما حصل.

لكن جيمس كين وفي تصريح صحفي كتب قائلاً؛ أن عنوان الرواية جاء من مناقشة أجراها مع كاتب السيناريو فنسنت لورانس. ووفقاً لكين، تحدث لورنس عن القلق الذي كان يشعر به عند انتظار ساعي البريد ليجلب له أخبار مخطوطة مقدمة للنشر، مشيرا إلى أنه سيعرف متى وصل ساعي البريد أخيراً لأنه كان يرن دائماً مرتين. 

تم اقتباس وتحويل الرواية الى عدة أعمال درامية وسينمائية، إذ تم تحويلها الى افلام سينمائية تسع مرات وفي دول مختلفة، وقد أشار بعض صناع هذه الافلام الى إعتمادهم على نص الرواية، بينما لم يشر البعض الآخر الى ذلك، لكن تطابق الحبكة واجواء العمل تجعلنا نحيله الى الاقتباس عن رواية كين. كما تم تقديمها كدراما إذاعية مرتين ، وتم تحويلها الى عمل مسرحي مرتين. وتحولت الى أوبرا مرة واحدة.

أول الاقتباسات السينمائية عن الرواية كانت مع الفيلم الفرنسي "المنعطف الأخير في الطريق" الذي أنتج عام 1939، والذي أخرجه بيير تشينال وقام ببطولته فرناند غرافي وميشيل سيمون ومارسيل فالي. أما ثاني اقتباس فكان في الفيلم الايطالي"الهوس"المنتج عام 1943 والذي إخرجه لوتشينو فيسكونتي وقام ببطولته كلارا كالاماي وماسيمو جيروتي.

ثم كان أول اقتباس للرواية في هوليوود عام 1946 في فيلم حمل نفس اسم الرواية"ساعي البريد يدق الباب مرتين" وهو فيلم أخرجه تاي غرانت وقام بادوار البطولة لانا ترنر وجون غارفيلد، وبقي هذا الفيلم الأكثر شهرة بين الأعمال المقتبسة عن الرواية حتى تم اقتباس الرواية في فيلم اميركي لاحق عام 1981، وقد كان فيلم تاي غرانت أكثر أمانة في تعاطيه مع تفاصيل أحداث الرواية حتى نهاية العمل، بينما لم يحدث ذلك في النسخة الاميركية الثانية كما سنرى. 

كما تم اقتباس الرواية في فيلم فرنسي بعنوان "صرخة الرعب" الذي أنتج عام 1963 ومن إخراج جوليان دوفيفييه، لكن معلومات الفيلم تشير الى انه مقتبس من رواية "يذهب كما جاء" لجيمس هادلي تشيس الصادرة عام 1960، لكن يمكننا الإشارة الى أن رسم عناصر المؤامرة الرئيسية قد تم إقتباسها بشكل يكاد يكون متطابق مع رواية جيمس كين دون اعتراف بذلك. كما أقتبست السينما المصرية رواية جيمس كين في عام 1980 وقدمتها في فيلم مصري بعنوان "الجحيم" أخرجه محمد راضي، وقام ببطولته عادل إمام ومديحة كامل، وكذلك لم تتم الإشارة الى اعتماد الفيلم على رواية جيمس كين، بل أشار مانشيت الفيلم الى إن القصة والسيناريو والحوار لسيف الدين شوكت.

وربما كان الاقتباس الأشهر سينمائياً متمثل في الفيلم الاميركي الذي حمل نفس اسم الرواية، والذي أنتج عام 1981، وقام بإخراجه بوب رافيلسون، وكتب السيناريو والحوار ديفيد ماميت معتمداً على رواية كين، وقام ببطولته جاك نيكلسون وجيسيكا لانج. الفيلم كان ملتزماً بالخط الدرامي للرواية، وكذلك بناء الشخصيات، وقد حاول بوب رافيلسون الخروج من إطار فيلم الجريمة أو الفيلم البوليسي، ليصل الى الفيلم المرتكز على البناء النفسي للشخصيات عبر استخدام اللقطات القريبة المركزة على قراءة تعبيرات الوجه، كما كان التركيز عالياً على إدارة الممثلين لإخراج أفضل ما يمكن من اضطراب الشخصيات التي تعاني صراعاً وجودياً بين نوازع الخير والشر. لكن بوب رافيلسون ترك نهاية فيلمه مفتوحة مخالفاً ما طرحه جيمس كين في روايته، إذ لم يتم الفيلم النهاية عبر محاكمة البطل فرانك تشامبرز بتهمة قتل زوجته كورا طمعاً في ميراثها واتهامه بتدبير حادث السيارة الذي أدى لمقتلها.

من الاقتباسات السينمائية الأخرى للرواية يمكننا الاشارة لفيلم "شغف"، وهو فيلم مجري أنتج عام 1998، كذلك الفيلم الماليزي"هز أرجوحتي عاليا ياحبيبي"، الذي أنتج عام 2004 ، والفيلم الألماني "أريحا" الذي انتج عام 2008 ، أما الاقتباسات الأخرى كالمسرحيات والاوبرا والدراما الإذاعية فشملت؛ أوبرا "ساعي البريد يدق الباب مرتين" التي انتجت عام 1982 بالاعتماد على الرواية، وقد كتبها كولين جراهام وألف موسيقاها ستيفن بولس. وفي مجال الدراما الإذاعية تم تحويل رواية جيمس كين الى دراما إذاعية من إنتاج بي بي سي مرتين الأولى في عام 1993 من قبل شون ماكينا، والثانية في عام 2013 من قبل شارلوت غريغ. كما تم تحويل الرواية الى مسرحية بنفس الاسم بواسطة أندرو راتنبري وقام بإخراجها لوسي بيلي وبطولة فال كيلمر. كما تم تقديم " ساعي البريد يدق الباب مرتين" على المسرح الرئيس في موسكو كمسرحية روسية أنتجت عام 2008، وقد كتبها وأخرجها الكسندر مارين وقام ببطولتها كيريل سافونوف في العروض الاولى، ثم تم استبداله بعد ذلك بدانييل ستراهوف. إنها رحلة طويلة تقارب الثمانية عقود، قطعتها رواية صغيرة الحجم جالت دول مختلفة وتحولت الى أعمال درامية متنوعة وتركت أثراً واضحاً في ذاكرة المتلقي.