المصلحة والبقاء

Sunday 9th of August 2020 06:30:41 PM ,
العدد : 4745
الصفحة : آراء وأفكار ,

 د. أثير ناظم الجاسور

ما من دولة في هذا العالم منذ تأسيس الدولة القومية والنظام الدولي وما تضمنه من مفاهيم ونظريات ولغاية اليوم لا تعمل إلا من أجل تحقيق مصالحها في كل مكان وعلى حساب أي طرف كان وتحت أي مسمى،

وتعمل أيضاً على صياغة رؤى مختلفة من أجل تعزيز أهدافها بشتى الوسائل وبكل الطرق القانونية والمنطقية وغير المنطقية وغير القانونية، فكل دولة لها رجالها ومؤسساتها التي تخطط لها وتجعل من أهدافها ممكنة التحقيق بعد التشارك والتكامل بين المؤسسات الأخرى المعنية بذات الأمر والاختصاص والموكل لها مهمة صنع وتنفيذ القرار، وكل مؤسسة تعتمد على إمكانياتها التي تسمح بها الدولة لأن النتيجة التي تجعل الجميع يعمل بشكل تشاركي هو تحقيق المصلحة القومية لهذا البلد أو ذاك والذي يعزز هذا العمل التشاركي رأس الهرم الذي يعتمد على التشاور والتحاور، فنرى تدرُّجية في المراحل التي تصاغ بها فكرة المصلحة إذا صح التعبير والعمل على تعزيزه وفق الإمكانيات والقدرات إلى جانب العمل على تقوية مؤسساتها الرئيسة التي تساعدها في مسالة البقاء والتنافس والصراع سواء اقتصادياً أو سياسياً أو عسكرياً، بالتالي يعمل صانع القرار وفق المقترحات والمعلومات الناتجة من الوحدات القرارية التي تساعده على اتخاذ قرارات عقلانية تصب في مصلحة دولته فهو يعمل بالنهاية من أجل بقاء الدولة واستمرار عملها.

مهمة الدولة هي تكيّف كل البيئات والعمل في كل الاتجاهات ما دامت مهيأة لأن تستغل هذا الوضع أو ذاك في أن تكون لها نتائج مرجوة من هذا الاستغلال فهي تحشد كل إمكانياتها من أجل إما أن تدفع الخطر عنها أو لفائدة تغتنمها والتجارب عديدة التي عكست تدخل الدول وضغطها في سبيل قضية البقاء والمصلحة الذين يعدان من أهم مقومات الاستمرار أو دوافع أساسية أو محفزة لكي تعمل الدولة، في هذه الجزئية يقول " جون مير شايمر" في كتابه (مأساة سياسة القوى العظمى) نقلاً عن مقالة " لجون هيرز" إن الطريقة المثلى التي تمكن الدولة من البقاء في حالة الفوضى هي أن تستغل الدول الأخرى وتزيد قوتها على حساب هذه الدول"، فالدولة التي تعمل من أجل بقائها تحاول أن تكون طرفاً في كل الأوضاع سواء الحرب منها أو السلم، في العراق ما حصل هو ذاته الذي ذكره " شايمر" فبعد العام 2003 ولغاية اليوم كل الدول المجاورة والإقليمية لعبت على الفوضى التي تم خلقها في العراق بعمد أم من غير عمد، لكن في النهاية هناك فوضى تم استغلالها على حساب كل الاعتبارات والمشتركات والقيم التي تتحدث بها الدول وعلى حساب المواطن أيضاً، عملت هذه الدول على أن تكون هذه الفوضى جزء من هدفها الستراتيجي فقد تصارعت وتنافست من خلال ادواتها التي ساعدتها على أن يكون لها القدرة والسيطرة على هذا الجزء أو ذاك، استغلت هذه الدول الفوضى الحاصلة في العراق لتحقيق غاياتها ، فبقاؤها وتحقيق أهدافها يعني أن يظل العراق على ما هو عليه لا بل أسوأ لأن علو الدولة وسيطرتها تشكل خطراً على مصالحها وأهدافها، وهذا ما يؤكد ما رأي "مير شايمر".

بالمقابل لم يكن في العراق من يفكر في تحقيق مصالحه ومصالح شعبه وتم التعامل معه على أنه غنيمة لكن في الحقيقة كان من الممكن تفادي هذه الفوضى لو كان هناك أطراف سياسية وعندما نقول سياسية أي إنها اطراف تعرف لعب السياسة وملمة بها وبتفاصيلها ونظرياتها، كان من الممكن أن تستغل هذه الأطراف الأوضاع لصالحها في الإيجاب من خلال تحويل الفوضى إلى استقرار قد يكون نسبياً من خلال استغلال كل العوامل من حيث التنافس فيما بينها لصالح مصلحة الجميع، وحتى تحاول أن تحصل على التأييد كان من المفترض أن تعمل على تسخير كل التدخلات الخارجية إلى تدخلات إيجابية تصب في مصلحة المواطن والبلد، لكن الذي حدث أن القوى التي جاءت مع الاحتلال الأميركي لم تكن تمتلك الرؤية لبناء بلد دمرته الحروب وسنوات من الحصار التي انهكت المواطن، وسعت على تعزيز سلطاتها غير أبهة لمصلحة بلد أو مواطن أو أي شيء بعيد عن توجهاتهم وتطلعاتهم، هذه القوى الحزبية بالأساس عملت لغايات حزبية وفردية ضيقة ساهمت في تعزيز الأجندات الخارجية وتنفيذها بكل تفاصيلها وبصالحها وبطالحها، ساعد تقصيرها على ضياع الهدف وتشتيت المصلحة وفقدان التأييد مما جعل من العلاقة بينها وبين كل الأطراف الاجتماعية علاقة مبنية على عدم الثقة وكل ما يصدر من هذه الطبقة يجابه أما بالرفض أو التكذيب.

إن المصلحة حتى يتم ترسيخها في تفكير الجميع من الضروري تصاحبها أنانية هذه الانانية نابعة من قرار مشترك يصب في مصلحة الجميع لا فئة على أخرى ويدفع في اتجاه خلق أجواء تناسب مع أن يكون العراق في مأمن من كل المخاطر والتصدعات التي قد تحدثها الأزمات، أنانية عالية تُعزز من خلال التركيز على الوطن والوطنية وعلى الهوية الواحدة فبوجود هويات مختلفة ومتعددة تساهم بالتأكيد على زعزعة التماسك الاجتماعي وحتى السياسي هذا لا يعني نكران الهويات أو محوها لكن أمام الوطن يجب أن تذوب مصلحة الفرعيات أمام الهوية الجامعة لكل الألوان، على صانع القرار العراقي أن يعمل وفق ضوابط تحسب لكل خطوة حسابها وأن يفكر على أن العراق رقعة واحدة وشعب واحد غير مجزأ فالمصالح المجزأة لا يمكن أن تخدم المجتمع والدولة، على صانع القرار أن يدرس كل البيئات التي قد تعمل على إضعافه أو تقويته لأنه بالمقابل سيكون هو من يصنع المجد وهو من يسير بالبلد إلى الهاوية.