حل مجلس النواب بواسطة السلطة التنفيذية ومبدأ التوازن بين السلطات

Sunday 9th of August 2020 06:32:24 PM ,
العدد : 4745
الصفحة : آراء وأفكار ,

 القاضي سالم روضان الموسوي

يدور في هذه الأيام جدل واسع حول صلاحية السلطة التنفيذية بحل مجلس النواب، ولم يقف الأمر عند المختصين في الشأن القانوني والدستوري وإنما أشار إلى ذلك رئيس الجمهورية ورئيس مجلس الوزراء عند تحديد موعد لانتخابات مبكرة (كما اسماها)،

وسبب الجدل والخلاف هو صياغة نص المادة (64) من الدستور العراقي التي لم تكن موفقة في عرض مقاصدها المتعلقة بآلية حل مجلس النواب لأنها جاءت بصياغة مرتبكة تمنح الفرصة الواسعة لتأويلها وإبعادها عن مراميها الحقيقية، وجاء في تلك المادة الآتي (أولا : - يُحل مجلس النواب، بالأغلبية المطلقة لعدد أعضائه، بناءً على طلب من ثلث أعضائه، أو طلبٍ من رئيس مجلس الوزراء وبموافقة رئيس الجمهورية، ولا يجوز حل المجلس في إثناء مدة استجواب رئيس مجلس الوزراء . ثانيا : - يدعو رئيس الجمهورية، عند حل مجلس النواب، الى انتخابات عامة في البلاد خلال مدة أقصاها ستون يوماً من تاريخ الحل، ويعد مجلس الوزراء في هذه الحالة مُستقيلا، ويواصل تصريف الأمور اليومية) ، والخلاف الذي ظهر إلى العلن هو هل يملك رئيس الجمهورية حل مجلس النواب بناءً على طلب رئيس الوزراء دون العودة إلى مجلس النواب، أم إنه لا يملك هذه الصلاحية وإنما فقط الموافقة على إرسال الطلب إلى مجلس النواب للتصويت عليه، واختلف الباحثون والمختصون في القانون حول هذه النقطة، وأرى أن أسباب الخلاف تكمن في صياغة نص تلك المادة لأنها لم تكن بالوضوح الكافي في تحديد آليات حل البرلمان، وبعض الأساتذة الأفاضل من المختصين في القانون أشاروا إلى إن الدستور لم يمنح السلطة التنفيذية صلاحية حل البرلمان معتمداً على إن النص حدد آليات تقديم طلب الحل فقط ومنح الصلاحية لمجلس النواب حصراً ، وذكر أحد الأساتذة الأفاضل من كبار رجال القانون في العراق في تعليق له على منصات التواصل الاجتماعي بالآتي (والذي يبين من النص المذكور كالشمس وضحاها إن الحل الأوحد الذي أخذ به الدستور هو الحل الذاتي أي حل مجلس النواب نفسه بنفسه فالقرار بيده لا شريك له في ممارسة هذا الاختصاص على أن يقترن قرار الحل بموافقة أغلبية عدد أعضاء المجلس أما طلب الحل فانه يأتي من واحدة من جهتين بدليل أن النص استعمل حرف العطف(أو) والذي يفيد التخيير وهما ثلث عدد أعضاء المجلس أو رئيس مجلس الوزراء وبموافقة رئيس الجمهورية) بينما هناك رأي آخر يرى بأن لرئيس الجمهورية أن يوافق على طلب حل البرلمان المقدم من رئيس الوزراء وهو صاحب الصلاحية في ذلك، وأنا ممن يساند هذا الرأي وتبنيته في عام 2015 ونشر في أحد المواقع الالكترونية ، وما يعزز تبني هذا الرأي بأن رئيس الجمهورية يملك صلاحية حل مجلس النواب بناء على طلب رئيس الوزراء عدة نقاط منها الآتي :

1. إن صياغة نص المادة (64/1) من الدستور لم تحسم موضوع من يملك الصلاحية بشكل صريح، لأنها ابتدأت بآلية حل البرلمان الذاتية وأقرنت موافقة أغلبية عدد أعضائه بالطلب المقدم من ثلث أعضائه ، وانتهت هذه الجملة وأغلقها كاتب النص بفارزة يستدل منها على انتهاء الجملة واكتمالها، ثم أتى بجملة أخرى منح فيها رئيس الوزراء طلب حل البرلمان على أن يكون بموافقة رئيس الجمهورية ، وهذه الصياغة وان كانت مرتبكة لكن ما ورد في آخرها يعزز وجود آليتين إحداهما صلاحية رئيس الجمهورية بحل البرلمان، وظهر ذلك بوضوح عندما اقرن نص تلك المادة بعدم جواز حل البرلمان عند استجواب رئيس الوزراء، والسبب هو منع رئيس الوزراء من طلب حل البرلمان بموافقة رئيس الجمهورية إذا ما تعرض للاستجواب بقصد التهرب منه، وإلا لماذا يذكر ذلك إذا كان مجلس النواب هو من يقرر في النهاية ولا يؤثر عليه الطلب في فترة الاستجواب لأن القرار بالنتيجة يعود إليه.

2. إن كاتب النص عندما صاغ آلية حل مجلس النواب لنفسه ذاتياً فإنه بدأ بالعبارة الآتية (يُحل مجلس النواب) ثم أردفها بجملة اعتراضية بيّن فيها وجوب موافقة أغلبية عدد أعضائه ووضع الجملة بين فارزتين تؤكد إنها اعتراضية تفيد تفسير آلية الحل الذاتي لأنه استخدم في بدايته حرف الجر (الباء) ويفيد أهل اللغة إن استعمال هذا الحرف هو للإلصاق أي بإلصاق هذا المعنى مع معنى آخر وحيث إنها وردت بجملة عرضية بين حل مجلس النواب وبين آلية حله فإنها لصيقة بطلب أعضاء مجلس النواب فقط ولا يجوز جرها الى جملة أخرى مستقلة عنها ، كما يفيد أهل اللغة أيضاً بأن استعمال حرف الجر (الباء) يعطي معنى الوسيلة والآلة التي تستعمل فالأغلبية المقصودة هي لصيقة بطلب أعضاء مجلس النواب ووسيلتهم في حل البرلمان، ولا يمكن أن يتعدى معناها إلى جملة أخرى أتت بعد حرف العطف (أو) الذي يفيد التخيير بين آليتين للحل وليس بين طلبين، لأنه لو كان النص يقصد بين الطلبين لما أشار إلى عبارة (الموافقة) التي وردت بعد رئيس الجمهورية وإنما كان بإمكانه ان يعتبر الطلب مشترك بين رئيس مجلس الوزراء ورئيس الجمهورية. لكن النص واضح بان الموافقة على الطلب بالحل وليس على إحالته إلى مجلس النواب.

3. لو كان النص يشير إلى إن موافقة رئيس الجمهورية على إحالة الطلب إلى مجلس النواب ، فما هي الحكمة من ذلك أو ليس لرئيس الوزراء أن يطلب من مجلس النواب حل نفسه دون الرجوع إلى رئيس الجمهورية طالما إن موافقته لا أثر لها، ولا يوجد ما يمنع من ذلك لأن أي مواطن له الحق أن يطلب من أي جهة كانت طالما هي التي تقرر وليس سواها، لذلك فان مقصد النص هو وجود آليتين لحل مجلس النواب وليس آلية واحد بطلبين من جهتين مختلفتين.

4. ان الدستور العراقي وفي نص المادة (1) اعتبر نظام الحكم في العراق نيابي وعلى وفق النص الآتي (جمهورية العراق دولة اتحادية واحدة مستقلة ذات سيادة كاملة، نظام الحكم فيها جمهوري نيابي برلماني ديمقراطي، وهذا الدستور ضامن لوحدة العراق) وهذا الوصف يمنحه مزايا استقر عليها فقه القانون الدستوري منذ أن ظهرت الأنظمة النيابية ومنها تبادل الرقابة بين الحكومة والبرلمان، فالبرلمان له إسقاط الحكومة عبر آلية سحب الثقة عنها والتي تضمنها نص المادة (61/8) من الدستور العراقي النافذ لذلك لابد للسلطة التنفيذية سلاح لموجهة هذه الصلاحية، وهي حل البرلمان وهذا ما تبنته جميع النظريات في المتعلقة بنظام الحكم في الفقه الدستوري ويكاد يكون محل إجماع جميع فقهاء القانون الدستوري في العالم، وهذا ما عرضه بشكل صريح الدكتور وحيد رأفت والدكتور وايت ابراهيم في كتابهم الموسوم ( القانون الدستوري ـ طبعة القاهرة عام 1937 ـ ص 516) والدكتور سليمان طماوي والدكتور عثمان خليل في كتابهم الموسوم ( موجز القانون الدستوري طبعة القاهرة عام 1951 ـ544 وما يليها) والدكتور محمد كامل أبو ليلة في كتابه الموسوم (القانون الدستوري ـ طبعة القاهرة الثانية عام 1962 ـ ص610) والدكتور رمزي طه الشاعر في كتابه الموسوم (النظرية العامة للقانون الدستوري ـ الطبعة الثالثة دار النهضة العربية في القاهرة ـ عام 1983 ـ ص 369) وعشرات المراجع العربية والأجنبية تؤكد على هذا المبدأ الذي أصبح من المسلمات في فقه القانون الدستوري.

5. إن جميع دساتير الدول ذات النظام البرلماني (النيابي قد أخذت بهذا المبدأ المتعلق بمنح السلطة التنفيذية صلاحية حل البرلمان ومنها الآتي :

أ. الدستور الفرنسي النافذ في المادة (12) التي جاء فيها الاتي (يجوز لرئيس الجمهورية، بعد استشارة رئيس الوزراء ورئيسي مجلسي البرلمان، أن يقرر حل الجمعية الوطنية.)

ب. الدستور الألماني في المادة (63/4) التي جاء فيها الآتي (وإذا لم يتم انتخاب مستشار اتحادي خلال هذه المدة، تُجرى جولة اقتراع جديدة دون تأخير، ويفوز فيها من يحصل على أكثر الأصوات. وإذا حصل الشخص المُنتخب على أغلبية أصوات أعضاء البوندستاغ، يجب على الرئيس الاتحادي أن يعينه مستشاراً للاتحاد خلال سبعة أيام بعد جولة الاقتراع. وإذا لم يحصل المُنتخب على هذه الأغلبية، يجب على الرئيس الاتحادي خلال سبعة أيام أن يعينه مستشاراً اتحادياً أو أن يأمر بحل البوندستاغ.)

ج. الدستور الأردني النافذ في المادة (34/3) التي جاء فيها الآتي (للملك ان يحل مجلس النواب)

د. الدستور المصري النافذ في المادة (137) التي جاء فيها الآتي (لا يجوز لرئيس الجمهورية حل مجلس النواب إلا عند الضرورة، وبقرار مسبب، وبعد استفتاء الشعب، ولايجوز حل المجلس لذات السبب الذي حل من أجله المجلس السابق) ويذكر ان جميع الدساتير المصرية السابقة عملت بهذا المبدأ الدستوري.

ومن خلال العرض نرى بان الرأي الراجح هو صلاحية رئيس الجمهورية في حل مجلس النواب بناءً على طلب رئيس الوزراء ولا حاجة لموافقة المجلس على ذلك، وإنما لرئيس الجمهورية إصدار المرسوم بحله والدعوة إلى انتخابات خلال المدد الدستورية التي حددها الدستور النافذ، وهذا هو مبدأ التوازن بين السلطات حتى لا يكون البرلمان ذو سلطة مطلقة يهيمن على السلطات الأخرى ويمنع أي تعسف يصدر من أي من السلطتين ، كما أن فقه القانون الدستوري أوضح بأن حل البرلمان هو إعادة استفتاء الأمة وبيان ثقتها بالنواب لأنهم سيدخلون الانتخابات مرة أخرى فإذا نالوا ثقة الأمة أو الشعب فيعاودون عملهم وهو ما يقصد به استطلاع رأي الشعب، وكان لأحد الكتّاب تفصيل واسع ومقارن بين عدة دساتير أجنبية وعربية في هذا الباب وهو الدكتور يوسف راشد فليفل في كتابه الموسوم ( وسائل الرقابة وضوابط التعاون بين السلطتين التشريعية والتنفيذية دراسة مقارنة ـ منشورات الحلبي الحقوقية في بيروت طبعة عام 2016 ـ ص 616 وما يليها) وقد نقل فيه أراء عشرات الفقهاء من العرب والأجانب والجميع متفق على إن للسلطة التنفيذية صلاحية حل البرلمان، الذي يقابل حق البرلمان بإسقاط الحكومة، لذلك وإن كنت أرى أن النص بما عليه من ملاحظات من حيث الصياغة، إلا أنه يمنح السلطة التنفيذية حق حل مجلس النواب، وحتى لو تساوت الآراء المتعارضة بين منحها الحق وعدمه فإن ما استقر عليه الفقه الدستوري يرجح كفتها تجاه الرأي الآخر المعارض، وهذه التجربة نتمنى أن تكون في لحاظ لجنة التعديلات الدستورية إن كان لها وجود فعلي، لتداركه في التعديل الذي يزيل الغموض ويمنع التأويل.