العمود الثامن: وما أدراك ما هي اللجنة؟

Tuesday 15th of December 2020 11:36:24 PM ,
العدد : 4832
الصفحة : الأعمدة , علي حسين

 علي حسين

أراد المصري صنع الله إبراهيم أن يقدّم شهادته عن عالم لجان التحقيق العبثي، فاختار أن يكتب روايته المثيرة "اللجنة" يرسم لنا فيها صورة قاتمة لعالم تكون فيه اللجان المضحكة نموذجاً يحدد مصائر الشعوب، وحالة الانتهازية والكذب والخديعة التي يصرّ المسؤول الكبير على أن يفرضها على الناس.

في كل يوم اتذكر رواية صنع الله إبراهيم، وأنا أقرأ أو أسمع أن لجنة تحقيقية تشكلت للتحقيق في مقتل ناشط مدني أو اختطاف صحفي يعمل في جريدة رسمية مثل توفيق التميمي، أو زرع العبوات بأوامر من أحزاب ترى أننا شعب بلا أخلاق وناقصو تربية.. وفي كل مرة ننتظر تقرير اللجنة فنجد أن المسؤولين عنها يصرون على أنها سرية وأنها توصلت إلى قتلة الناشطين، وأن المختطفين تمت معرفة الجهات التي خطفتهم، لكن "وآه" من لكن، اللجنة لا تستطيع نشر تقريرها حرصاً على السلامة الوطنية. 

في رواية "اللجنة" يحاول بطل صنع الله إبراهيم أن يُعلّم أهل المدينة أن حقوق الإنسان مسألة تستحق أن يُقاتَل من أجلها، وأن القوانين ليست منزَّلة من السماء، يحاول أن يفتح أعينهم على أنّ "الشعوب من دون حريّة لا يعود لها وجود".. ولهذا تحاول الحكومات الفاشلة أن تنوع المحظورات وتتنافس في سنّ قوانين خاصة بها، وأن ترفع سيف الاستبداد والانتهازية في وجه من يعترض على الخراب، وأن تعلن أنها في غزوة"إيمانية" لمواجهة الإلحاد!!

في كلّ يوم نسير عكس اتجاه العالم، لكننا في الصباح نشكو المؤامرة التي أخبرنا السيد فالح الفياض أنه كان على علم بها، وأنها تقف وراء تظاهرات الشباب، وأن الإمبريالية اللعينة لا تريد لنا أن نستفيد من خبرة البروفيسورة عديلة حمود في إنشاء أحدث المستشفيات وتقف بالضد من نظرية خضير الخزعلي في بناء مدارس متطورة، ولم تسمح لعبقري من الأخوان المسلمين مثل محمد إقبال أن يطور مناهج التعليم، كل ما نحن فيه مؤامرة تحتاج إلى لجنة من الخبراء لا يعرف المواطن المسكين لونهم وطعمهم ورائحتهم..

كان تشرشل قد حقّق النصر لبريطانيا وهزم هتلر في عقر داره، لكن الشعب رأى أن الرجل الذي قاد الحرب لا يمكنه أن يقودَ السلام، فقرر السياسي "البدين" أن يذهب بعيداً ليسطر مذكراته التي حصل بها على جائزة نوبل للآداب من دون أن يصرخ "وا مؤامرتاه"، وفي بلدان آسيا خرج الرجل الأسطوري لي كوان من الحكم، بعد أن حوّل سنغافورة من مستنقع تزدهر فيه الأمراض والخوف إلى نموذج صعب التقليد في الرخاء والتنمية والازدهار.

عندما يقرر البعض أن يبيح لنفسه اللعب على الحبال، فأيّ لجان يحدثون الناس عنها؟ لذلك تتحوّل قرارات اللجان إلى نوع من أنواع السخرية من الناس.. وأتمنى ألّا يسخر مني البعض ويقول: يا عزيزي صدّعت رؤوسنا بالحديث عن تشرشل ولي كوان، بينما المواطن محتار هل يصدق تقرير اللجنة التي تقول إنها لا تريد الكشف عن أسماء الذين يزرعون العبوات الناسفة حفاظاً على النسيج الوطني؟ أم يصدق بيانات جهات تقرر وتنفذ رغم أنف الجهات الأمنية؟.