اللزوميات الأخلاقية لمواجهة الطارئ السياسي!

Tuesday 26th of January 2021 10:10:16 PM ,
العدد : 4860
الصفحة : آراء وأفكار ,

 عصام الياسري

بعد إنتهاء الحرب العالمية الثانية بفترة، إتجه الصحفيون والكتّاب في المانيا لأسباب تاريخية، موضوعية وسياسية مباشرة ـ نحو رسم رؤية واقعية جديدة تجاه العالم وما يحيطه من نشوء متغيرات جيوسياسية، موصوفة بالالتزام الأخلاقي، بالضد من النظرة الشمولية "الكليانية" التي كانت سائدة آنذاك في أكثر من مكان في أوروبا.

تميزت بسيطرة الدولة على المجتمع بالقوة للتحكم بكافة أوجه الحياة بما في ذلك الاقتصاد والتعليم وأخلاقيات المواطنين وكافة جوانب الحياة العامة والخاصة. بهذه الحقيقة المذهلة وبقدر المستطاع ، كان لابد وقبل كل شيء، جعل الفرصة أمراً "جمعياً" ليصبح ما يعتبر جزءاً لا يتجزأ من الإنسان، هم موجودون فيه. بمعني تطوير القدرة الذاتية لأن تكون طرفاً مسؤولاً عن كل ما يحدث وما يتعلق بحياة الافراد والمجتمعات.. كان في الأساس من وراء هذه الفكرة في ذلك الوقت، التوعية الفكرية المعاصرة لإنعاش آمال الشعوب بالاستقرار والعدل والسلام. المشاركون في اللقاء الرعوي في إحدى المدن الالمانية، اعتبروها قضية في غاية من الأهمية. ومن الناحية السياسية والقناعة الفكرية لما هو، فلسفياً وأخلاقياً، يجب أن يكون مرتبط ارتباطاً وثيقاً بـ "الحرية"، بطريقة فريدة: "كن ما أنت عليه". لكن اجعل من "قلمك" وسيلة إعتبارية قوية مقرونة بحياة الإنسان وضمان مستقبله بكل تفاصيله وإحتياجاته الروحية والمادية المعاصرة.

افترض مؤسسو هذه الأفكار الإنسانية بعد الحرب العالمية الثانية اهتمام وسائل الإعلام والمؤسسات الثقافية والبحثية لتطوير القدرات البشرية بهذا المجال, وكانت قناعة الصحفيين والمفكرين والفنانين والعلماء الذين ارتبط اسمهم بهذه الموضوعة.. أن لا مجال إلا التوعية المجتمعية على نحو: أولاً وقبل كل شيء الدفاع عن الحرية ومساعدة الناس ليصبحوا جزءاً لا يتجزأ من الوجود الإنساني. بمعنى القدرة على تحمل المسؤولية تجاه الإنسانية لتتطور وتعيش بأمان ورفاه. أو بمعنى آخر: اعتبار وجهات النظر بين مختلف الناس أمراً أساسياً لترسيخ الوعي المرتبط من الناحية التاريخية بالحرية. وبالتالي فان قراءة هذه المفاهيم قراءة "سليمة" سيشكل المألوف في حياة المجتمعات العامة. لقد تركت هذه النخبة التي خرجت تواً من ويلات الحرب ومعاناتها أثراً وتقاليد فكرية ذات طابع إنساني لشعوب أوروبا ما بعد الحرب، دفعت أكثر نحو العقلانية السياسية الملتزمة تجاه العالم. فسر إنموذجاً لذلك إضافة الى اسم جامعة برلين "الحرة" عند تأسيسها قبل 72 عاماً، ونقش كلمة Libertas ليبرتاس على بوابتها الرئيسة ليكون واحداً من مآثرها الموسومة بـ "الحرية" المطلقة.

وبالعودة الى أهمية اكتساب المعرفة ونشرها، فقد ركزت أفكار تلك الفترة المميّزة على الحرية بين مختلف الناس. ويبدو للوهلة الأولى أن حريات العصور القديمة والحداثة لا شيء يجمع بين بعضها البعض، وهناك العديد من المباريات المثيرة للاهتمام. فمفهوم التحرر Libertas نفسه في السياسة المتغيرة باستمرار وظروف الإطار التاريخي على مر القرون قد يتغير هو الآخر.. تتميز شوارع روما القديمة، في كل مكان، بنقوش تشير الى مفهوم الحرية، ويظهر الحرف "L" منقوشاً على هياكل القبور وفي الواجهات بطريقة تجعل الصور المرسومة كما لو كانت تطل من النوافذ على الشوارع ، وإن وجوه الرجال بسماتهم العمرية المصممة بواقعية، والتي تتميز بالعمل والقلق، تتوافق مع أفكار الرومان الحقيقيين للجمهورية، مثل أبناء الطبقة العليا من أمثال كاتو أو قيصر. سياق الكلام، يشير الحرف "L" إلى كلمة Libertus اللاتينية وتعني الإنسان الحر وكلمة Liberta الإيطالية وتعني الحرية، كل منهما يرمز لـ المحرِر والمحَرَرين من العبيد السابقين الذين حصلوا من سيدهم على الحرية والحرية المكتسبة.

الحرف "L" المنقوش على واجهات تلك الأزقة القديمة والأسلوب الذي تعبر عنه تلك النقوش المنسوجة بشكل دقيق، يعني الحرية ـ وتحديداً الحرية الشخصية لفهم التحرر من وضع قانوني غير حر - في حالة الحقوق المدنية الرومانية. فالحرية Libertas على النقيض من servitus اللاتينية التي تعني العبودية التي نشأت مع مرور الوقت.. فما الحرف الذي على العراقيين إختياره لنقشه على هياكل قبورهم وواجهات شوارعهم الخربة وأزقة مدنهم المدمرة التي خلفها الحكام البرابرة، في أوقات مضطربة بشكل ديناميكي على مدى عقود، أصبحت فيه مسألة الحرية لا صلة لها بالهوية الشخصية. ظناً بأنهم سيتركون للأجيال إرثاً فريداً تفتخر به وتستذكر جمهوريتهم العتيدة مأثره؟. نفحات يسيرة الى ما فاضت به عصور آشور وسومر وبابل من إرث نهلت منه حضارات وشعوب.. نيل العبد الحرية المدنية كما يبدو في الجمهورية الرومانية والعصر الإمبراطوري، ارتبط بطقوس تتميّز بالخلق، فقط، غطاء الرأس كان رمز حريته الجديدة، أسهل بكثير من طقوس سلطة دولة فردية، تتحكم فيها أحزاب وكتل طائفية وأصحاب عمائم لا يفقهون في السياسة والقيم الإنسانية، حيث أصبح المواطن الحر في بلاد الرافدين عبداً تتجاذبه عهود ما قبل التاريخ.