أبوكاليبس (العش)

Wednesday 3rd of February 2021 10:05:39 PM ,
العدد : 4866
الصفحة : سينما ,

علي الياسري

بين حواف إطار الفعل البصري لمتواليات الصورة والبارز من أغصان التفاصيل الدقيقة المتشابكة لشجرة العائلة يُطل المضمون الدرامي لفيلم (العش) كعرض سوسيولجي مُتبصر فنياً في عمق شواهد الرأسمالية الحديثة، وكيف أنشبت السياسات الاقتصادية الثاتشرية والريغانية البراقة بحقبة الثمانينيات من القرن الماضي أظافرها في أسس المجتمع وقوضت بناء اللبنة الأولى - الأسرة.

بعد ما يقارب العقد على فيلمه الروائي الطويل الأول (مارثا مارسي ماي مارلين) والذي بَشَّر بمخرج متمكن من أدواته وله أسلوبه الخاص بصناعة الأفلام، يُقدم شون دوركين العش. السينما مؤلفاً نقياً بملامح نوع ذي مرجعيات كلاسيكية تنهل من ثقافة المخرج ووعيه الفكري والثقافي ورؤيته التعبيرية لتراكمات التجربة الحياتية وخصوصيات الذاكرة الشخصية. يرسم "بورتريه" اللحظة الزمنية على إيقاع يتنامى بطيئاً يحتشد فيه إحساس التوتر القافز أحياناً الى مستوى الرعب كإيحاء دون أن يكون كذلك فعلاً إلا بمقدار ارتباطه بحافة الهاوية التي وقف عندها المجتمع في ذلك الوقت وما رافقه من سياسات انتهازية جشعة بوعود رفاهية كاذبة، تُخفي وراء مظاهر الزيف اللامعة أنانية مفرطة ورغبات استحواذ تسلطي.

"روري" مستشار مالي استثماري ناجح بعمله في أميركا، يعيش حياة مستقرة مع زوجته أليسون التي تعمل كمدربة فروسية، لديهما طفلان بدون مشاكل تُذكر، حيث يبدو شخصاً لطيفاً بتعامله وسلوكه الراقي، يدفعه توقه للمزيد من النجاح المالي في بلده الأم انكلترا لدفع العائلة على الانتقال الى لندن سعياً وراء نقل تجربته مع الحلم الأميركي بالاستفادة من التسهيلات الاقتصادية التي توفرها الحكومة، وبسبب الكثير من التصرفات والقرارات الخاطئة يتجه الوضع الى نهاية كارثية. يعمل السرد السينمائي على خطين متوازيين للانهيار الوظيفي والأسري يبرز من خلالهما اِنزياح المعايير الأخلاقية والالتزام السلوكي لمستوى الخط الأحمر، فكلما زادت شراهة الطموحات واستعرت الرغبات باستحواذ المزيد من الربح بشتى الوسائل كلما تصدعت روابط العمل والعائلة وساد الارتباك وزاد الغموض وتسارع التفكك ليدنو التحطم المرتقب. لقد كشفت الصدمة الثقافية التي مثلها الانتقال الى محيط وبيئة مختلفين كل العيوب في نسيج الرباط الزوجي كانعكاس لوقع السياسات الجديدة على المجتمع. أمر منح الفيلم مظاهر رعب داخلي لبشر يُشكل اضطراب مصائرهم الواقعة تحت زخم انعطافات حادة تلتقطها تكوينات المشهد بالفيلم برمزية عالية شداً نفسياً يحبس الأنفاس. فوعود الثروة والازدهار التي قدمتها السياسات الثاتشرية والغرق بأحلامها ، "روري" تبدو مثل القصر الضخم الذي سكنوه غريبة وباردة ومظلمة تبتلع ناسها وتفقدهم هويتهم وتمتص أرواحهم بعد أن تملأهم بالخوف من المجهول.

ينجذب المخرج دوركين الى نوع الأفلام المُشتغلة على الإثارة والرعب النفسي، تفضيل بأن أثره في نسق الرؤيا السينمائية وتراكيب الصورة، إذ يقدم رفقة مدير التصوير المجري ماتياش إردي –ابن شاوول- توازناً بصرياً بين أنواع اللقطات المختلفة بتوظيف تعبيري رائع رافعاً إحساس الضغط من خلال الرصد الشعوري وانعكاسات الأفعال على وجوه الممثلين وحركتهم. يخلق من خلال الإضاءة أجواء الريبة والغموض وانطفاء الذات تدعمها طبيعة الطقس الانكليزي الغائم والضبابي المندمج بموسيقى متغلغلة في صميم الإدراك الدرامي وضعها المؤلف ريتشارد ريد باري. يتعزز ذلك بالمونتاج الذي قدمه ماتيو هانام حيث أنشأ وحدة سردية حفظت لإيقاع الشعور زخم التصاعد بتوقيتات دقيقة لزمن اللقطة خصوصاً وأن المخرج دوركين يولي أهمية كبيرة للدخول والخروج من المشهد "ما تفعله بالمونتاج هو كل شيء لخلق التوتر، من المثير حقاً كيف يمكن لتوسيع لقطة خمس ثواني إفساد التوتر كلياً." يعمل النص السينمائي بسيناريو محكم ذي نهج كلاسيكي يحاكي ستايل أفلام النمط غير أنه لا يفقد بصمته الخاصة المُعززة بمعالجة سينمائية تعمد لربط بناء الشخصيات وتغذية الحدث بمقاربات بصرية تحملها تفاصيل المكان وتأثيثه مع إيلاء أهمية للطبيعة وكائناتها. فعلاقة الألفة والحميمية بين أليسون ومنزلها في نيويورك أو عملها والأهم حصانها الأثير على قلبها تمثل تلك المرادفات الروحية المغذية للجانب المشرق من حياتها، بينما بعد الانتقال لإنكلترا تجسدت صورة خالصة للترابط الشعوري بينهما كالرفض المكتوم بداخلها ومخاوف الغربة عبرت عنها بكثير من الإسهاب البصري مشاهد الحصان حتى موته. كانت هواجس العزلة والوحدة التي بثتها وحشة المكان الكبير دافعاً أذكى شعلة التمرد عندها مثل تلك النار في الموقد حين تماهت معها بصرياً بأحد المشاهد. بالنقيض من ذلك تبدو الأحوال مع "روري" عندما ضاقت روحه بمحدودية المكان والطموحات في أميريكا وأتسعت لأقصاها حال العودة الى لندن فكانت أحلامه متضخمة مثل القصر الذي سكنه قبل أن تخبو أمانيه ليبتلعه المكان حيث تعكس الصورة تصاغره ، أما حجوم البنايات المحيطة به في اللقطات الواسعة. جميع هذه التفاصيل السينمائية توّجها الأداء البارع للممثلين جود لو وكاري كون في تقمص يستنطق أرواح الشخصيات.

تبدو النهاية اشبه ببداية جديدة لدورة حياة مختلفة يعزز ذلك تغير موقع الزوجين من صدر طاولة الطعام، ليجدد ذلك تساؤلات اهمية اقتراب السينما من الحياة بأسلوبها الفني المعتمد على التكثيف والترميز والاصالة البصرية المُعبرة بدل المباشرة والسهولة الدرامية التي تغرق بها الكثير من الافلام الان بسبب سيادة العمل التلفزيوني ومتطلباته على نهج الصورة.