الرواية والشعر وإدوارد سعيد..سيرة جديدة عن رائد الاستشراق الجديد

Tuesday 2nd of March 2021 09:18:29 PM ,
العدد : 4887
الصفحة : عام ,

دونّا فيرغسون

ترجمة وتقديم لطفية الدليمي

لاأظنّ أنّ أحداً ، عربياً كان أم أجنبياً ، سيجادلُ في أنّ مفكّراً - على شاكلة إدوارد سعيد - ترك بصماته الفكرية المميزة التي نعرف ؛

لكن كمّ منّا يتخيلُ قدرة سعيد في أن يكون روائياً أو شاعراً ؟ قد يرى بعضنا أنّ الخصيصة الفكرية التي حازها سعيد بكلّ حمولتها التحليلية لاتؤهّله ( أو بكلمات أكثر دقة : لاتتيح له ) حيازة ميزات روائية أو شعرية ؛ حتى لكأنّ هذه القناعة تصبحُ أقرب لمواضعة تقول:

الفكر التحليلي لايستقيم مع الصنعة الروائية أو الشعرية . ستطولُ المجادلات المتصارعة والرؤى المتباينة في هذا الشأن ، وقد تستعين بعض هذه الرؤى بحقائق مستمدّة من العلوم العصبية Neuroscience وعلم النفس الإدراكي Cognitive Psychology والتي مفادُها أن الاشتباكات العصبية الدماغية لدى المتعاملين مع أشكال عدّة من الفكر التحليلي تختلف عن الاشتباكات الحاصلة في أدمغة الروائيين والشعراء .

الرواية – كما أرى – فاعلية تختلف عن كتابة الشعر ؛ لكنّ هذ أمرٌ لسنا في وارد مناقشته الآن ؛ أما مايختصّ بالفروقات النوعية بين الفكر التحليلي والصنعة الروائية ( التخييل هو العنصر النوعي الذي يشكّلُ فارقاً بين المقاربتين ) فقد تجد مصداقية معقولة على ضوء الكشوفات البحثية التي تتوالى حثيثاً ؛ لكن لايتوجّبُ علينا أن نتناسى حقيقة أنّ كثيراً من العلماء والمفكّرين الاقتصاديين والاجتماعيين كتبوا رواياتٍ ( الروايات بخاصة وليس الشعر ! ) منذ عقود خلت ، وقد تعاظمت هذه الوتيرة في السنوات الأخيرة ، وقد كتبتُ مقالاتٍ ليست بالقليلة في هذا الشأن . أ

أرى - في مقاربة مختصرة - أنّ الرواية صارت وسيطاً معرفياً ذا اعتبارية عالية في تمرير المعرفة لأوساط واسعة من القرّاء ( الرقميين بخاصة ) ، وماكانت مثل هذه المقاربة متاحة في بواكير النشأة الفكرية لإدوارد سعيد في خمسينيات القرن العشرين وحتى وفاته عام 2003 .

يسرّني أنّ أقدّم أدناه ترجمة لمقالة حديثة مثيرة كتبتها دونّا فيرغسون Dunna Ferguson ( وهي صحفية مرموقة حائزة على جوائز صحفية عدّة ) في صحيفة الغارديان بتأريخ 21 شباط ( فبراير ) 2021 ، والمقالة في مجملها مراجعة لسيرة جديدة لإدوارد سعيد كتبها تيموثي بر ينان وستنشرها دار نشر بلومزبري في 23 آذار 2021 .

العنوان الأصلي للمقالة بالانكليزية لمن يرغب في مراجعتها هو :

Unfinished manuscripts that lay behind Palestinian critic’s stated contempt for fiction

المترجمة

كان إدوارد سعيد واضحاً وصارماً على الدوام بشأن نظرته إلى الناقد وكون عمله أكثر أهمية من عمل الشعراء والروائيين ، ولطالما آمن سعيد أنّ المفكّرين المعروفين في الأوساط العامّة هم الكُتّابُ الأكثر قدرة على تحدّي السلطة وتغيير العالم .

لكنْ تبعاً إلى سيرة جديدة عن البروفسور الفلسطيني والناقد الأدبي ذائع الشهرة والتقدير فإنّ سعيد كتب – سرّاً – كلاً من الشعر والرواية ، وهو لم يعمد حتى إلى مجرّد الإشارة إلى هذا الأمر لأصدقائه .

سعيد ، الذي توفّي عام 2003 ، ترك وراءه روايتين غير مكتملتين إستبعدهما من أعماله ، وقصة قصيرة رفض نشرها فضلاً عمّا لايقلُّ عن عشرين قصيدة : هذا ماتكشفه للمرة الأولى سيرة جديدة كتبها تيموثي برينان Timothy Brennan عن المفكّر الفلسطيني الراحل .

كان برينان ( وهو طالبٌ سابق لسعيد ، يعمل اليوم أستاذاً للأدب المقارن في جامعة مينيسوتا ) قد مُنِح فرصة غير مسبوقة من قبل عائلة سعيد للنظر في مسوّدات غير منشورة للراحل ومن ثم مراجعتها .

السيرة الموسومة بعنوان (أمكنة العقل : حياة إدوارد سعيد Places of Mind : A Life of Edward Said ) منشورة من قبل دار نشر بلومزبري ، وهي تُلقي أضواء جديدة عن الكيفية التي إنتهى بها سعيد ، وبعد عمرٍ كامل قضاه في تدريس الادب ، إلى رفض الرواية عام 1992 باعتبارها شكلاً أدبياً ! . يكتب برينان بهذا الشأن في السيرة المذكورة : " أظنُّ أنّ ( سعيد ) يجد مُعيقاتٍ كابحة ماثلة أمامه عند كتابة الروايات ، وهو يجدُ الفشل ماثلاً لامحيد عنه سيصيبُ المشروع الروائي في مقتلة مؤكّدة عندما يكون قصدُ الكاتب هو تغيير العالَم " ، ثمّ ينتهي برينان إلى حصيلة استنتاجية خلُص إليها سعيد مفادُها " بالنسبة لهؤلاء الذين يتملّكهم شعورٌ طاغٍ نحو الدافع الساعي للتغيير السياسي( في العالم ) فإنّ الرواية ليست الوسيلة الأفضل لتحقيق هذا المسعى " ، وهذه حصيلة إنتهى إليها سعيد – جزئياً – مدفوعاً بتجاربه الشخصية التي كشفت عن كاتب لم يُصِبْ نجاحاً يذكرُ في كتابة الرواية .

منذ ذلك الحين راح سعيد يكتشفُ بطريقة مباشرة التحدّيات التي يواجهها الكُتّابُ عندما يسعون لإحداث تداخلات سياسية مؤثرة عبر كتابة الروايات فحسب ؛ لكنه إختار الإبقاء على هذه البصيرة الشخصية المسبّبة لقدرٍ غير يسير من الإحراج سرّاً يُضافُ إلى مسوّداته غير المنشورة .

عندما كان أصدقاء سعيد ممّن عرِفوا بكونهم روائيين ذوي شهرة يكتبون له رسائل تستعطفه النظر بأمر كتابة الرواية نرى أنّ ردّة فعله كانت واحداً من أمريْن : إهمالُ تلك الطلبات ، أو الردّ عليها بتساؤلٍ على الكاتبين – وإن كان هذا التساؤل ينطوي على بعض المخادعة – جوهرُهُ ماالذي يوجد على الأرض بحق السماء يستّحقُّ عبء الكتابة عنه . يقول برينان بهذا الشأن : " كان أمراً واضحاً أنّ سعيد تقصّد إبقاء الأمر ( أي كتابته للرواية ) سرّاً بعيداً عن متناول الناس . كان يضلّلهم " .

يرى برينان أنّ الأمر الغالب – ربّما – هو أنّ واحداً أو إثنيْن من الناس علموا بشأن محاولة سعيد في كتابة الروايات . يكتب برينان : " مرّة تلو الأخرى ، عندما حاورتُ الناس الذين أداموا معرفة وثيقة بسعيد طيلة حياته فقد أكّدوا جميعاً أنهم لايعلمون شيئاً بشأن كتابة سعيد للرواية . "

( بالعودة إلى الروايتين اللتين كتبهما سعيد ، والمشار إليهما اعلاه ، المترجمة ) فإنهما تتناولان موضوعات سياسية في سياق سيرة ذاتية ، وتجري وقائعهما في الشرق الأوسط .

الرواية الأولى مرثية Elegy تتناول ثيمات ثلاثاً ، مكتوبة في سبعين صفحة ، تجري وقائعها في أربعينيات القرن العشرين في القاهرة ( التي شهدت طفولة سعيد ) . شرع سعيد في كتابتها عام 1957 عندما كان في الثانية والعشرين من عمره ، قبل عشرين سنة من كتابته لمؤلفه (الاستشراق Orientalism) الذي يمثّلُ نقده مابعد الكولونيالي ذائع الصيت لصورة الغرب عن " الشرق " .

يرى برينان أن سعيد كان يصارعُ في هذا الرواية محاولاً إيجاد طريقة متاحة للقرّاء بمستطاعها توضيح موضوعة محدّدة ؛ تلك هي أنّ سعيد ( باعتباره مواطناً أميركياً يعيشُ في الولايات المتّحدة ) قد أدرك تمام الإدراك أنّ معظم الناس لم يكونوا – ببساطة – يدركون تلك الموضوعة التي تتلخّصُ في الآتي : " توجد ثقافة مستقلة هي الثقافة العربية ، التي استطاعت بنجاحٍ مواجهة ومن ثمّ مقاومة فرض التأثير الأجنبي على أمكنة مثل القاهرة . "

فيما يختصُّ بشعر سعيد يقول برينان أنه ( أي الشعر ) ، ومثلما كانت الرواية ، " منقوعاً في المؤثرات العربية " . بعضُ القصائد المكتوبة في خمسينيات ( القرن العشرين ) تعبّرُ عن " شعور واضح مضاد للكولونيالية " ، تستكشفُ طبيعة الشعور الذي يستشعره المرء عندما يكون " عالقاً بين عالميْن " ، حيث يقضي المرء يفاعته في الشرق حيث " الجميع يديرُ رأسه نحو الغرب كما تفعل ديوك الطقس التي تكشف اتجاه الرياح " : هذا مايكتبه سعيد في واحدة من رواياته الاثنتين .

قصائد سعيد الأخرى تبدو غائرة في تفاصيله الشخصية إلى حد بعيد . يقول برينان في هذا الشأن : " القصيدة التي راقتني من مجموعة قصائد سعيد هي قصيدة ذات صبغة جنسية وتبعث على الخوف ، وأظنُّ أن سعيد كتبها مدفوعاً بعلاقته الإشكالية مع زوجته الأولى عام 1962 . "

يكملُ برينان أنّ هذه القصيدة الموسومة إستحالةٌ ضئيلة Little Transformation ، المنشورة للمرة الأولى في صحيفة الأوبزرفر : " ثمة هذه الرؤية المفاجئة في الشعور الغريب والمفعم بالخوف نحو الشخص الذي لطالما كانت لك علاقة حميمة وثقى به ، وهو يعبّرُ عن الشك الذي ينتابُ المرء تجاه إخلاص المرأة التي يحب . "

عندما كان برينان في مرحلة البحث وجمع المواد لكتابه إكتشف أنّ سعيد كان " مسكوناً بصورة مطلقة " بشعر جيرارد مانلي هوبكنز Gerard Manley Hopkins ، وأنه كان يقرأ الشعر بلا انقطاع لزوجته الثانية . يكتب برينان : " أعتقدُ أنّ سعيد تطلّع نحو الشعر . كان هذا الذات السرية لسعيد . كانت تلك هي الذات الأكثر تدفقاً ووهناً لسعيد من الذات التي سمح للناس الآخرين برؤيتها . "

العنوان الذي إختاره سعيد للعمل الروائي الوحيد الذي استطاع إكماله مأخوذٌ من سطرٍ في قصيدة هوبكنز الموسومة قاربٌ للسامع An Ark for the Listener ، وهذا العمل أقربُ إلى حكاية قصيرة عن شاب يافع من بيروت دُفِع دفعاً للشعور بـ " الجرح المحسوس الذي يمكن تلمّس أذاه " لعائلة فلسطينية صديقة له أجبرَت على مغادرة وطنها . توقّف سعيد عن كتابة الرواية لخمسٍ وعشرين سنة عقب رفض مجلة النيويوركر نشر تلك القصة عام 1965 .

الأمر المهم الذي تؤكّده هذه الأعمال غير المنشورة هو أنّ سعيد لم يكن غير ذي اهتمام بالشأن السياسي بل حرب الأيام الستة عام 1967 كما هي الآراء الشائعة . يقول برينان : " تلك أسطورة . كان سعيد وبطرق عدّة قبل ذلك الوقت مشغولاً إلى أبعد الحدود المتصوّرة في التأسيس لمهنته التي ستصبح فيما بعد مشروعه المستقبلي ، وقد إكتمل هذا المشروع عقب ذلك . "

شرع سعيد عام 1987 في كتابة روايته الثانية ، وهي رواية إثارة سياسية عن الخيانة تجري وقائعها في بيروت عام 1957 . يكتب برينان بهذا الشأن : " إنها رواية مليئة بالجاسوسية ، وهي تشبه إلى حد بعيد رواية جون لو كاريه ( الروائي الفرنسي الأشهر على مستوى العالم في ميدان رواية الجاسوسية ، توفّي عام 2020 ، المترجمة ) . تناول سعيد في هذه الرواية المؤامرات السياسية التي تكتنفُ غزواً أميركياً لبيروت ، والقوى المختلفة التي تلعبُ أدواراً في تلك العملية . "

كتب سعيد مايقاربُ الخمسين صفحة من هذه الرواية ؛ لكنه نحّاها جانباً مفضّلاً عليها كتابة مذكّراته عندما تمّ تشخيصه بسرطان الدم ( الليوكيميا ) ، وقد غدا سعيد حينها مقتنعاً أكثر من ذي قبلُ بأنّ " المثقفين المتفكّرين في موضوعات الثقافة في نهاية المطاف أكثر أهمية من المؤلفين ؛ فَهُم ( المثقفون ) هو القادرون على تغيير برامج العمل ( الأجندات ) وبالتالي تغيير العالم . "