علم اجتماع الثقافة .. الجسد والمطبخ

Saturday 17th of April 2021 10:04:15 PM ,
العدد : 4924
الصفحة : عام ,

ناجح المعموري

هذه المقالة واضحة وصريحة عن الجسد ، وعلاقته مع المطبخ ، ومثل هذا العنوان شاع حضوره واتسع انتشاره في الدراسات الثقافية ، وعرفته عديد من البحوث والدراسات والكتب والمجلات .

وكنت أنا أول باحث عراقي انشغل بهذا الموضوع منذ سنوات وتحدثت عن مشروعي " ماذا كان يأكل العراقيون القدماء " وحققت تقدماً يعرفه الأصدقاء ، لكني فوجئت بصديقي د. قيس كاظم الجنابي باصدار كتاب عن الطعام مع إشارة ذكية لمشروعي ، لكن ما انجزه د. قيس الجنابي تجميع مباشر وسريع عن وسائل الاتصال ، وأصدرته دار التنوير في بيروت .

كان تعطلي عن استكمال كتابي المشار له هو تنوع اهتماماتي الثقافية المعروفة ومتابعة مسؤوليتي في الاتحاد العام للأدباء والكتاب / في العراق ، لكني استعدت العمل والتفرغ لذلك . وعاودت متابعة كثير المصادر التي حرصت على شرائها من معارض الكتب في الداخل والخارج ولابد من الإشارة الى أن سفرتي الأخيرة الى القاهرة قبل الوباء اقتنيت كتاباً مهماً للغاية " الجسد بين الحداثة وما بعد الحداثة " د. سامية قدري لاعداد المقدمة التي سأجعلها أول إشارة لكتابي الذي سأذهب لاستكماله ، أنا لا أخفي الجهد الثقافي والمعرفي الذي تمكنت منه د. سامية وغزارة المعلومات المطلعة عليها مع كثير من المصادر الثقافية الجديدة .

وقد أشارت د. سامية الى أهمية العلاقة الجوهرية بين الجسد والمطبخ ، التي لم تكن ذات طابع مادي فقط بل تذهب الى توفير الطعام للتمكن من أجل الضرورات البيولوجية للجسد ، على الرغم من حضور العلاقة الرمزية ذات الاهتمام الثقافي الملحوظ ، والمعروف والذي سيساهم على إنارة حاجات الأفراد والجماعات والشعوب ، التي لها مساهمة جوهرية مع الأجساد ومكون الهويات الوطنية والقومية والذاتية من خلال تنوع الأطعمة التي يأكلها الأفراد بعد تصنيعها ، وقدمت د. سامية توصيفاً مركّزاً لتحليلات الثقافة الكاشفة للعلاقة بين الطعام والجسد والهوية ، والهوية الثقافية لجماعة ثقافية بعينها ، أو الهوية المبنية على النوع الاجتماعي " رجل ، امرأة " او حتى الهويات الثقافية الجديدة الناجمة عن العولمة : عولمة الطعام من ناحية وعولمة الجسد والهوية من ناحية أخرى وأضافت د. سامية الى العلاقة بين الطعام ، الأكل والثقافة " المحلية والعالمية " وما أفرزت من الظواهر تحت تأثير عملية العولمة ، وما نجم عنها من انتشار السلع الغذائية العالمية ، الى مختلف المجتمعات والثقافات ، وما جعل أغذية يعنيها تنتشر في مكان ، محددة بالعالم وتتكرس بحضور مهم في العرض واتساع الطلب .

إن اهتمام الدراسات الثقافية ، منذ انبثاق هذا المجال الثقافي والمعرفي ، وسط جماعة برمغهام ، ازداد التنوع الثقافي وتعمق كثيراً ، بحيث تبدَت عناصر لها وظيفة محددة من الطعام وهي التي لها تأثير على النوع ، ومنها ما كان جوهرياً للرجال وأيضا كذلك للمرأة ، لأن العولمة انتشرت في الإعلام ... وتمظهر العناية بالمرأة وما تحتاجها من طعام ، تستجيب له حاجاتها الخاصة بمرحلة ما ، في حياتها ومراحلها المتنوعة والذي تستدعيه المرأة ، في لحظة ثقافية معينة وتشكل من أشكال الحوار الثقافي العالمي الحديث ، هذا ما قاله الطاهي الفرنسي الأول في العالم " اليكس سوير " في القرن التاسع عشر والتي أصبحت اليوم حقيقة ، وما يتناوله الكائن يكشف عن اهتمام الإنسان وكذلك الجماعة التي ينتمي إليها ثقافياً " فهو لا يعلن لنا عن اذواقهم ، وامتعتهم ، وتطلعاتهم او روتين حياتهم اليومية ، ولكنه يخبرنا أيضاً باحساسهم بذواتهم ، ونوعهم الاجتماعي ، والى أي عرف ينتمون وطبقتهم الاجتماعية ، وغيرها من الأمور فالطعام يمكن أن يكشف عن عديد من الجوانب لشخص ما ، في جماعة اجتماعية أو في مجتمع ما . فكيف يأكل الناس وماذا يأكلون ، وكيف يضيفون طعامهم ، وكيف يوزعونه . ومشاعرهم المطبخية وكرههم لاتباع الحمية الغذائية ، إن مراعاة مثل هذه الموضوعات ، يمكن أن يلقي الضوء على الجوانب الاساسية لكل شعب / د. سامية قدري / ن . م / 216//

أكدت د. سامية قدري رأياً أخذته من ليفي شتراوس عن مطبخ حضارات الشرق . وأتذكر بأنه أكد وجود خاصية للجغرافية وتماثلات بينها ، لكنها ، لكل حضارة مهمة مطبخها الخاص المنفرد مع وجهات تشابها مع ما يجاورها بحيث تبرز الحضارة المعنية بعناصرها الثقافية ، حيث تلعب الطبيعة دوراً بارزاً تتمظهر أطعمته تعريفاً بها وتحوز على تعريف مهم ويكفي الدنو إليه التعرف على حضارته ، وتتجاور مع معارفها وتقاليدها وقيمها ، التي تتحول قريبة للجماعات القريبة منها والسبب كما ذهبت إليه د. سامية قدري الى أن الجماعات تبتكر ثقافات خاصة تغلف الطعام بالمعاني ، ولكن معاني العالم حينئذ تحدث تأثيرات بعيدة المدى على ما يفكر فيه وما يفعله هؤلاء الناس . من هنا تتبدَى ــ دائماً ــ الثقافات والمعاني في مقدمة اهتماماتهم ، مثل علم الاجتماع الثقافي / ينظر / د. سامية قدري / ص217//

قال جان بوتيرو ، عالم الآشوريات المعروف في حوار سريع بأن العراق القديم مشحون بتراكمات ثقافية استولدها في طبيعته ، وصارت بعضاً مهماً من فعالياته وانشطته ذات الفعالية القوية مع مطبخه الذي لعب بوضوح في ترسيخ ديانته المنعكسة . في معبده ، عبر المشروبات والطعام وحتى آليات ممارسة الجنس المقدس . وهكذا ما تتطور الأنشطة والتقاليد والسحريات . والشعائر حتى تتسيدَ ، لتكون معايير دينية ذات طاقة تحفيزية يتداولها المعبد ، كمركز ديني ويضفي عليها ، ما يمثل ضرورة ملحة لاهتمامات العصر .

إن علم الاجتماع الثقافي بإمكانه استخدام كل ما توصل إليه ، في دراسة كيف يكون المستوى الكلي ، والعوامل المادية الخاصة بالغذاء ، أن تؤثر على إنتاج المزيد من العمليات ، على المستوى الجزئي " رمزية " والأهم كيف يمكن أن تؤثر هذه الأخيرة على الأولى بطرق مهمة / د. سامية قدري / ص218//

وحصل اهتمام استثنائي بتأثير جماعات برمنغهام تمظهرت بكثير من الدراسات والبحوث ، هذا ما جعل علم الاجتماع الثقافي من الذهاب بجرأة نحو الطعام وضرورات إشاعة ما هو جديد في حياة الجماعات ، وتجعل منه مركزاً متمتعاً ببعد ثقافي ، لا يمكن التقليل من حضوره في المدن وهكذا حتى يهيمن على البلاد بالكامل ، ويصير من الصعب التقليل من وظائفه وتبديها على الجسد ، لأن للطعام دور واضح اكد عليه علم الاجتماع حيث صار الطعام مدونة على الجسد وخصوصاً جسد الأنثى إنه معلم حيوي ، وعنصر هوياتي ضمن مجال الممارسات الغذائية ، إن دراسة علم الاجتماع الثقافي للطعام تمدنا بفهم معقد للعديد من الجوانب الاكثر حسماً في استهلاك الطعام في الوقت الحاضر / ن . م/ ص218//