فشل المعالجة التشريعية وأثارها السلبية (حضانة الأطفال انموذجاً)

Sunday 4th of July 2021 11:22:43 PM ,
العدد : 4979
الصفحة : آراء وأفكار ,

 سالم روضان الموسوي*

اعلن مجلس النواب العراقي عن عزمه على تعديل أحكام حضانة الأطفال في قانون الأحوال الشخصية رقم 188 لسنة 1959 المعدل واستبشرنا خيراً بان السلطة التشريعية أصبحت مهتمة بمعالجة الأزمات الاجتماعية بعدما وصل اليأس حتى إلى أحلامنا،

 لكن وبعد الاطلاع على مسودة مشروع قانون التعديل والذي كتب في مخاتلة عن أعين المختصين من ذوي الاختصاص في علم الاجتماع وعلم النفس وحتى رجال القانون، وهذا المشروع كان القصد منه معالجة أزمة حضانة الأطفال واسميها أزمة لأنها دخلت في دهاليز السياسة واصبحت أهدافاً انتخابية، حيث جاء في الأسباب الموجبة للمشروع بان القصد من التعديل الحفاظ على الأطفال من الضياع والتشتت ومحور التعديلات انصب على سلب حضانة الأطفال من الأم ومنحها إلى الأب بدون اي استثناء اذا ما بلغ السابعة من العمر سواء كان المحضون ذكراً ام أنثى، وفيما يلي بعض الملاحظات على المشروع:

ان جعل سن السابعة من العمر سببا لسلب حضانة الأم فيه إجحاف لحق المحضون قبل حق الحاضنة الأم، لان في هذا العمر وهو بداية تكوين شخصية الطفل يكون بحاجة شديدة لامه اكثر من أي سن أخرى وعلى وجه الخصوص البنت فإنها تبدأ فيها بواكير البلوغ الشرعي، ولابد لها من العودة الى امرأة تعينها على تجاوز تلك المرحلة الخطيرة من حياتها ولا يوجد من هو اهم وافضل من الأم في هذه المهمة، وهذا ما تؤكده الدراسات النفسية والاجتماعية والصحية وكان على مجلس النواب ان يستعين بالمختصين في هذه العلوم للوقوف على الأثار السلبية التي ستنعكس على البنت الأنثى وكذلك على الطفل الذكر وان تعرض تقارير هؤلاء المختصين على النواب جميعاً لا ان تقف عند عتبة احدى اللجان في المجلس.

ان غاية التشريع كما تضمنته الأسباب الموجبة هو الحفاظ على الأسرة وحماية الأطفال، فهل سلب الأم من حضانتها سيقلل من حالات التشرد والضياع التي سلب الطفولة أحلامها، وهل الأطفال المشردين الآن هم فقط من الذين حضانتهم لامهم وهل الانحراف الاخلاقي والاجتماعي لبعض الأطفال يقتصر على الأطفال الذين هم في حضانة امهم، فهل اعتمد مجلس النواب على إحصائيات دائرة إصلاحالأحداث ومعرفة عدد الموقوفين والمحكومين الذين يعيشون في كنف والدهم، فان نقل الحضانة من الام الى الاب مثل نقل المشكلة من اليمين الى اليسار، ولن تعالج المشكلة التي تزعم معالجتها، وانما ستزيد من تفاقمها.

ان القانون يجب ان يتفق واحكام الدستور الذي اوجد حقوق دستورية للمواطن لايجوز سن قانون يتعارض معها لان سلب تلك الحقوق يجعل من القانون عرضة للطعن بعدم دستوريته، لان ديباجة الدستور اكدت على الاهْتِمَام بِالمَرْأةِ وحُقُوقِهَا، كما ورد في المادة (29/اولا/ب) من الدستور على واجب الدولة بكفالة حماية الامومة، فكيف ستكون الحماية للامومة وان تسلب الام احلة فترات عمرها عندما تداعب وتحنوا على اطفالها.

ورد في المشروع عقوبة مبطنة للام عندما جعل من زواجها برجل غير والد المحضون سبباً لاسقاط الحضانة عنها، وهذا بمثابة عقوبة لان سلب الحضانة يعد من التدابير الاحترازية السالبة للحقوق لمن يدام بجريمة من الجرائم ويحكم عنها لاخلاله بواجباته تجاه المحضون وعلى وفق احكام المادة (111) من قانون العقوبات النافذ رقم 111 لسنة 1969 المعدل، فهل قيام الأم بالزواج من رجل آخر جريمة حتى نعاقبها بسلب حضانتها مثلما يحصل للاب الذي يرتكب جريمة؟.

ان جعل زواج الأم من رجل اخر غير والد المحضون سبباً لاسقاط الحضانة يتقاطع ومبدأ المساواة الذي اقره الدستور العراقي في المادة (14) التي جاء فيها الاتي (العراقيون متساوون أمام القانون دون تمييزٍ بسبب الجنس أو العرق أو القومية أو الأصل أو اللون أو الدين أو المذهب أو المعتقد أو الرأي أو الوضع الاقتصادي أو الاجتماعي.) ، بينما الأب حتى وان تزوج باكثر من امرأة واحدة في ذات الوقت فانه الحضانة لاتسقط عنه، وهذا عين التمييز بسبب الجنس لانه ذكر فلا يحرم من الحضانة والام لانها أنثى تحرم من الحضانة ان تزوجت من رجل اخر.

المشروع اوغل في حرمان الام من اهم مزاياها التي وهبها الله اليها وهي غريزة الامومة عندما تمادى في حرمانها بحيث منعها من استعادة حضانتها حتى لو توفى الاب ، لان المشروع نقل الحضانة الى الجد لاب، فهل يكون الجد اكثر حناناً من الام على وليدها.

المشروع منع الام من استعادة حضانتها التي اسقطت عنها بحكم قضائي الا بعد مرور سنة على صدور هذا الحكم، لكنه تناسى ان تكون هذه السنة كافية لاحداث اضرار بالمحضون لايمكن معالجتها مستقبلاً فهل هذا من باب العدل ، ولماذا لم يترك الامر الى القضاء لدراسة كل حالة بحالتها ، فهل نحن امام انعدام الثقة بالقضاء الذي كان ومازال امل الجميع بحمايته من الاعتداء؟ ونحرص عليه من أي خرق او تدخل، اذاً لماذا هذا الانتقاص من هذه الثقة؟

مشروع التعديل أشار إلى المشاهدة وجعلها على مرحلتين الأولى مرحلة الرضاعة والثانية ما بعد الرضاعة، السؤال ما هي مدة الرضاعة ولماذا لا يأتي مشروع القانون بتحديد العمر بالسنين وليس بحالة الرضاعة، وهذه صياغة غير موفقة لان مدة الرضاعة حددها القرآن الكريم بحولين في الآية 233 من سورة البقرة (« وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ) والحول فسره بعض المختصين في علوم التفسير بانه عشرة اشهر، بينما نجد قول الإمام الصادق (ع) جعل مدة الرضاعة بقوله (الرضاع واحد وعشرون شهراً فما نقص فهو جور على الصبي». الكافي ج6 باب الرضاع،وهذا النص سوف يجعل من التأويل باباً للانحراف عن غاية التشريع، لذلك كان على مجلس النواب ان يحدد المدد بالسنين حسماً لكل شبهة وتأويل.

ومن خلال الملاحظات أعلاه نجد ان المشرع لم يعالج المشكلة وإنما قام بنقل مركز القوة من الأم إلى الأب ومن ثم سوف نسمع مناجاة ومناداة من الأم لحماية حقوقها، لذلك الحل في المعالجة الصحيحة ان نخلق التوازن بين الطرفين وأساس المشكلة ليس الحضانة بقدر ما هو متعلق بالمشاهدة لان القانون الان فيه تعسف نحو احكام المشاهدة، وكنا قد اقترحنا على أصحاب القرار ومنذ عام 2010 بمقترح يتعلق بتنظيم المشاهدة وان يتضمن لتعديل المادة (57) من قانون الأحوال الشخصية حق الأب بالمصاحبة لان النصوص النافذة لم تتطرق إليها،فأصبحت محل للاجتهاد ومعنى المصاحبة هو أن يتمكن الأب من مصاحبة المحضون خلال النهار إلىأماكن متعددة دون المكوث في مكان المشاهدة الذي غالبا ما يكون في دوائر التنفيذ او مراكز الشرطة او مقر المحكمة وهذه الأماكن لاتوفر الفرصة الحقيقية للتربية وأصبحت وسيلة لإيذاء أم المحضون بينما حق المصاحبة يمكن الأب من التجول مع المحضون والانتقال به إلى أماكن الترفيه او المتنزهات والأماكن الصالحة الأخرى، على أن تتم إعادته إلى أمه قبل غروب الشمس دون المبيت عند أبيه، لان التعديل المقترح لم يتطرق الى هذه الحالة حيث حدد فقط المشاهدة والمبيت دون الالتفات إلى هذه الحالة وارى ان تكون صيغة الفقرة المقترحة على وفق الآتي ( للأب حق مصاحبة المحضون الذي بلغ السابعة من العمر على إن يبيت عند الأم) وتحديد العمر ببلوغ السابعة لان الطفل يكون قادر على الاستغناء عن رعاية الأم خلال النهار وهو سن الدخول إلى المدرسة الابتدائية وفي ذلك فرصة اكبر للتوفيق بين الأب وولده في الرعاية والتربية .

لذلك لابد من وجود معالجة جذرية وليس ترقيعية ذات أهداف انتخابية، لان التشرد والانحراف ليس بسبب الحضانة وإنما لعدم قيام الدولة بواجبتها تجاه الطفولة، فهل هؤلاء النواب لا يعلمون ان التعليم بادنى مستوياته وان البنى التحتية للتربية منعدمة، والقطاع الصحي للأطفال يعاني من أزمات مالية وبنيوية، ومستوى المعيشة الذي تجاوز خط الفقر انحداراً، والأمن الذي يفتقده الطفل في أسرته ومحيطه بسبب الفوضى والسلاح المنفلت وحوادث الخطف والقتل، وغيرها من الأسباب فهذه هي أسباب التشرد والانحراف ولو كان النواب في جدية من المعالجة لذهبوا الى مواقف دوائر اصلاح الاحداث ومعرفة حقيقة الاسباب التي تحرف الأطفال، ولو كانوا يهدفون إلى معالجة حقيقية لاستمعوا لصوت المختصين في علم الاجتماع وعلم النفس وعلم الاجرام وغيرها من العلوم ذات الصلة بالطفولة، واطلعوا على الدراسات العلمية التي تعج بها مكتبات الجامعات العراقية حول تشرد الاطفال وتسولهم وانحرافهم.

* قاضٍ متقاعد