رأي من الخارج: الأشتراكية تعود الى الساحة السياسية في أوروبا

Wednesday 12th of January 2022 11:22:43 PM ,
العدد : 5104
الصفحة : آراء وأفكار ,

 جان-نوما دوكانج *

ترجمة: عدوية الهلالي

منذ عام 2015، عاد الاشتراكيون الديمقراطيون إلى السلطة في بعض الدول الأوروبية وأثاروا الأمل في يسار القارة، بما في ذلك فرنسا.في جريدة اللوموند الفرنسية تحدث مؤلفو كتاب «التاريخ العالمي للاشتراكية، «، جان نوما دوكانج، ستيفاني روزا ورازميج كوتشيان عن ظهور أشكال وأفكار اشتراكية جديدة وعن القضايا المتعلقة بالنضالات النسائية والحركات البيئية التي ستجد لها مكانًا هناك كما يبدو فهم يرون بأن هذه القضايا ستكون على المحك للفترة المقبلة.

ومع ذلك، يجب بالفعل الإشارة إلى أن هذه القضايا مدمجة في البرامج الحالية.وما هو على المحك حقا هو الافتقار الشديد لمزيج من النظرية والتطبيق. لإن السمة المميزة للاشتراكية التاريخية هي أنها نجحت في التغلب على تناقضاتها وصعوباتها عندما تمكنت من تنشيط نفسها من التطورات الاجتماعية الملموسة في المجتمع.ويرى المؤلفون ان الاحزاب الاشتراكية مثل حزب العمال في المملكة المتحدة، والحزب الاشتراكي الديمقراطي في ألمانيا، التي يضم كل منها 600000 عضو، أو الحزب الديمقراطي في إيطاليا، والحزب الديمقراطي في الولايات المتحدة الأمريكية، تشكل ميزة كبيرة لآفاق تطورالاشتراكية الثقافي والسياسي في مشهد الأحزاب السياسية الفرنسية في القرن الحادي والعشرين وإن هذه الهياكل الدولية هي أصول قيمة من الناحية النظرية. كما إن هذه الأحزاب الاشتراكية ماكانت لتوجد لولا الاشتراكية الدولية. لكننا نلاحظ في الواقع والمفارقة (في عصر العولمة والإنترنت!) أن الاهتمام في الأحزاب الاشتراكية بالأممية والتنظيم، ولو على مستوى بعض البلدان فقط، هي اعتبارات غائبة، إذا جاز التعبيرفي المؤتمرات،فالمؤتمر الأخير للحزب الاشتراكي الفرنسي أو المؤتمر الاشتراكي الألماني بالكاد تطرقا إلى مسألة الأممية الاشتراكية، ولعل هنا تكمن إحدى مشاكل الحقوق الحالية.

و يرى المؤلفون ان هنالك تجديد نظري يحمل هذه الموجة الاشتراكية فهناك عدد لا يحصى من المنشورات الجديدة، ذات الفكر النقدي في معظم البلدان الغربية، وفرنسا من وجهة النظر هذه دولة غنية إلى حد ما. وغالبًا ما ترتبط هذه النهضات باليسار الراديكالي (بوديموس والحزب الشيوعي في إسبانيا، والكتلة اليسارية والحزب الشيوعي في البرتغال، على سبيل المثال).ولكن لايزال تأثير الاشتراكية على سياسات الحكومات ينتج بالكاد نصوصا تسمح بالتطورات الجديدة فيما يتعلق بسلسلة كاملة من القضايا،لا سيما الاستراتيجية والتنظيمية.

هل يمكن لليسار الفرنسي أن يأمل حقاً في الاستفادة من هذا الاتجاه الملحوظ بين بقية الدول؟ يرى المؤلفون ان لكل شخص مصلحة في إظهار ان اليسار يحتل موقعا على رقعة الشطرنج السياسية.وقد تفاقمت هذه الظاهرة منذ عام 2002 بسبب اقتران الانتخابات الرئاسية بالانتخابات التشريعية.ويتوقع المؤلفون ان تنجح الحكومات الاشتراكية في وقف صعود الشعبوية واليمين المتطرف في أوروبا؟ وربما سيكون الاشتراكيون قادرين على التأقلم، ففي الواقع، وعندما تكون في السلطة، في معظم الحالات في الأنظمة البرلمانية التي تفضل التحالفات بين الأحزاب، تتمكن الحكومات الاشتراكية من تشكيل أغلبية تمنع اليمين المتطرف من الوصول إلى السلطة. ومع ذلك، فإن خطر خيبة الأمل السياسية، إذا طبقوا إجراءات نيوليبرالية، يمكن أن يهدد هذا التوازن. اذ تم في بعض البلدان، في هذه المرحلة، محو اليسار تقريبًا من الخريطة، خاصة في بولندا والمجر. يمكننا أيضًا ملاحظة الاتجاهات المضادة المحلية، على سبيل المثال في مدينة غراتس الثانية في النمسا، حيث نجح تحالف يساري خلف الحزب الشيوعي النمساوي، على الرغم من صغر حجمه على المستوى الوطني، في هزيمة المحافظين واليمين المتطرف. من خلال تفعيل الموضوعات الاجتماعية ومنها (الإسكان)على وجه الخصوص.

ويؤكد المؤلفون ان الاشتراكية ليست عبارة عن قوقعة فارغة يمكن للجميع الاستثمار فيها بإرادتهم بل ان لها تاريخها وهويتها الخاصة،مايجعل الأحزاب الاشتراكية الأوروبية القديمة لا تزال مرتبطة بها فعلى الرغم من الاختلافات والتوجهات بين مختلف الأحزاب الاشتراكية، فإن القضية التي ظلت محورية هي توزيع الثروة والعدالة الاجتماعية. لأن الاشتراكية هي عكس الرأسمالية،و طالما أن هناك علاقات رأسمالية في المجتمع، فإن الأفكار الاشتراكية ستحتل مكانها. وبعد ظهور موضوعات أخرى مثل (علم البيئة، والقضايا النسوية على وجه الخصوص...)، تظل المسألة الاجتماعية مركزية، وهكذا فإن الأحزاب الأخرى مثل (حزب الخضر على سبيل المثال) يمكن أن تشغل حيزها السياسي في نهاية المطاف.ويمكن للمرء أن يضيف أن هناك فصلًا قويًا بشكل متزايد بين التكوينات النظرية الاشتراكية (المستوحاة على سبيل المثال من الماركسية) وواقع الأحزاب السياسية الديمقراطية الاجتماعية التي لا تهتم بهذا النوع من القضايا.

ويتحدث المؤلفون عن عودة الاشتراكية في ظل التغيرات في العقيدة التي حدثت فيما يسمى بالأحزاب الاشتراكية وفي الحكومات الاشتراكية عندما تطبق تدابير واضحة للغاية على اليمين، كما هو الحال في الدنمارك، فيما يتعلق بطالبي اللجوء،فمن الواضح، في ضوء التطورات الأخيرة في بعض الأحزاب الديمقراطية الاجتماعية، يمكن للمرء أن يطرح بشكل شرعي مسألة الهوية الاشتراكية. ولكن لم يتم إصلاح أي شيء مسبقًا: على سبيل المثال، كان حزب العمال البريطاني في أواخر التسعينيات على وشك إنهاء الهوية الحزبية التاريخية (“الطريق الثالث” لتوني بلير). لكن كان هناك انعطاف يسار مع جيريمي كوربين، والذي تم تهميشه بدوره في الحزب.

وفي ألمانيا،كانت القيادة في الحزب الاشتراكي الديمقراطي هي إلى اليسار أكثر من أولاف شولتز (المستشار المستقبلي)، الذي فشل في تولي الحزب. أما في إسبانيا، فقد تم تهميش أولئك الموجودين في الحزب الاشتراكي الذين لا يريدون التحالف مع بوديموس.

ويرى المؤلفون إن الحزب الاشتراكي الديمقراطي والحزب الاشتراكي البرتغالي لديهما شيء مشترك فهناك سمات مشتركة لهذه الأحزاب، والتي ولدت جميعًا في نهاية القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين. لكن هناك اختلافات عميقة مرتبطة بتاريخهم. على سبيل المثال، لا تزال النقابات العمالية البريطانية والألمانية مرتبطة، وفي بعض الحالات تقريبًا مرتبطة، بحزب العمال أو بالاشتراكية الديمقراطية الألمانية. وفي الحالة الفرنسية، وحتى لو كانت هناك روابط، هناك استقلال متبادل رسميًا بين النقابات والأحزاب.

ولأخذ الحزب الاشتراكي الديمقراطي والحزب الاشتراكي البرتغالي كامثلة، فقد حدد التاريخ الحديث إلى حد كبير خصائصهما: فالبرتغال هي آخر دولة في أوروبا الغربية شهدت ثورة هي “ثورة القرنفل” في عام 1974) بعد نظام ديكتاتوري. وكذلك في إسبانيا، بوفاة الجنرال فرانكو. ومثال آخر في ألمانيا،حيث استخدم الحزب الاشتراكي الديمقراطي الديمقراطية البرلمانية منذ عام 1949 (على الأقل في الجزء الغربي من البلاد).

ومن الواضح أن بعض الموضوعات الحالية المرتبطة بالوباء وعدم المساواة الاجتماعية تشكل أرضية مؤاتية للأفكار والمنظمات الاشتراكية. لكن السياقات الوطنية، ولا سيما الترتيبات المؤسسية، تجعل القراءة العالمية صعبة.ويجب أن نصر على دور الخلافات بين الأطراف وحسب البلد. ففي ألمانيا، على سبيل المثال، لا يزال الحزب الاشتراكي الديمقراطي منظمة راسخة (على الرغم من أنه فقد العديد من الأعضاء)، أكثر بكثير من الحزب الاشتراكي في فرنسا.

وعن الدول الأوروبية التي تقودها الحكومات الاشتراكية، يقول المؤلفون ان دول القارة الأوروبية التي لديها رئيس حكومي اشتراكي هي: إسبانيا، البرتغال، النرويج، فنلندا، الدنمارك، وقريبًا جدًا ألمانيا، حيث تشكلت الحكومة المستقبلية من الحزب الديمقراطي الاجتماعي الألماني والمستشار المستقبلي أولاف وسيولد شولتز، بالتحالف مع حزب الخضر والليبراليين، في أوائل كانون الأول. كما شهد اليسار الإيطالي للتو ظاهرة عودة اليسار خلال الانتخابات البلدية الجزئية في تشرين الاول عام 2021. وفازت قوى اليسار، بقيادة الحزب الديمقراطي - حزب يسار الوسط وركيزة حكومة الوحدة الوطنية بقيادة ماريو دراجي منذ شباط 2021 - في الواقع بمدن رئيسية مثل روما وتورينو وميلانو وبولونيا ونابولي. أما ألمانيا فقد شهدت عودة الحزب الاشتراكي الديمقراطي إلى السلطة بعد فوزه في الانتخابات التشريعية في ايلول، فبعد ان قاد الانتخابات التشريعية في 26 ايلول، بنسبة 25.7٪ من الأصوات، استعاد الحزب الاشتراكي الديمقراطي الألماني السلطة بعد تركها قبل ستة عشر عامًا، مع انتهاء ولاية جيرهارد شرودر (1998-2005) ووصول أنجيلا ميركل الى المستشارية.وبقيادة أولاف شولتز، نائب المستشار الحالي ووزير المالية الفيدرالي والمستشار المستقبلي، سيشكل الحزب تحالفًا مع الخضر والليبراليين. وفي 15 تشرين الاول، كشف الشركاء الثلاثة عن الخطوط العريضة للسياسة التي يعتزمون اتباعها معًا على مدار السنوات الأربع القادمة. اذ يجب أن يرى التحالف المستقبلي النور قريبا..ويحتل الاشتراكيون مناصب مهمة في الحكومة في دول أخرى، مثل إيطاليا وسويسرا.

وكان اليسار أيضاعلى رأس السلطة منذ عام 2015 في إسبانيا والبرتغال، وفاز في الانتخابات البرلمانية في الدنمارك في عام 2019، أو في النرويج وألمانيا في أيلول2021، ثم في منتصف تشرين الأول في الانتخابات البلدية في إيطاليا، فقد عاد الاشتراكيون إلى السلطة بين الأوروبيين. وبدأت موجة وردية كانت حلم الاشتراكيين الفرنسيين والأحزاب الديمقراطية الاجتماعية الأوروبية الأخرى، والتي فقدت زخمها لمدة عشر سنوات، بينما شهد اليمين المتطرف طفرة في القارة.

*أستاذ التاريخ المعاصر بجامعة روان نورماندي