أزمة الغذاء العالمية: على أوروبا الاختيار بين الانسحاب والمسؤولية

Wednesday 18th of May 2022 11:33:54 PM ,
العدد : 5186
الصفحة : آراء وأفكار ,

 مارين رافري

ترجمة : عدوية الهلالي

إن التدمير العميق لمبادلات الغذاء العالمية ، نتيجة للحرب التي شنتها روسيا في أوكرانيا ، يجبر جميع القوى الزراعية على كوكب الأرض على أن تسأل نفسها عن مكانها على رقعة الشطرنج العالمية - أو الجوع. هذا هو الحال في المقام الأول في أوروبا فهنالك تسونامي غذائي قادم، وموجة لم نبدأ في إدراك قوتها المدمرة ،

فبالإضافة إلى ضغوط الحرب ، وبالإضافة إلى الدراما التي عانى منها السكان المدنيون ، فإن غزو أوكرانيا من قبل روسيا يترك فجوة كبيرة في مخزون العالم.

فمع تجميد المعاملات المالية بين معظم دول العالم وروسيا، وحظر التجارة من البلاد، وتعطيل الاقتصاد الزراعي الأوكراني، وإغلاق طرق التجارة، بدأت السلع الأساسية في النفاد في التجارة الدولية. وهذا ما دفع الأمم المتحدة إلى التحذير من حدوث “إعصار مجاعات»!

من الواضح أن الاتحاد الأوروبي هو القوة الزراعية الرائدة في العالم،ولكن يجب أن يسأل نفسه أيضًا عن المكانة التي يريد أن يحتلها في المستقبل،لأن الطعام هو دبلوماسية، دبلوماسية سلام أو حرب، اعتمادًا على ما إذا كان يتم مشاركته أو تداوله أو الاحتفاظ به.

وبطبيعة الحال،تظل أوروبا لاعباً قوياً في سوق القمح..وبعد روسيا، أكبر دولة مصدرة في العالم، فإن الاتحاد الأوروبي هو الأول مع الولايات المتحدة وكندا في سوق التصدير..وتعد أوروبا أيضًا لاعبًا رئيسيًا في منتجات الألبان اذ يتم تصدير حليبها المجفف المشهور بميزاته الصحية إلى آسيا وأمريكا الجنوبية وشمال إفريقيا.كما أنها لاعباً رئيسياً في البذور، حيث تعتبر فرنسا المصدر الأول عالمياً في هذا القطاع. وبعبارة أخرى، تبرز أسئلة وجودية تقريبًا بالنسبة لأوروبا، التي ألزمت نفسها، بفضل العمل الجاد والاتحاد السياسي، على سيادة غذائية لم تكن موجودة حتى منتصف الستينيات.

لقد تحسنت ظروف الإنتاج في أوروبا خلال عشرين عامًا، فالمعايير، داخل الاتحاد الأوروبي، هي الأكثر صرامة في العالم. لكن ربما تكون أوروبا، بسذاجة إلى حد ما، قد نسيت أن تربتها ومناخها ودرايتها الزراعية تمنحها ميزة لا تتمتع بها معظم مناطق العالم: وهي القدرة على الإنتاج، في الجودة والكمية والتنوع مع وجود فائض في الغذاء لمناطق العالم الأخرى.

قبل اندلاع الحرب في 24 شباط 2022، شكلت روسيا وأوكرانيا معًا 30٪ من صادرات القمح العالمية. كما قاموا بتأمين خُمس تجارة الذرة، و 70٪ من تجارة زيت عباد الشمس الصالح للأكل والكعك المشتق منه، وهو ضروري لتغذية الحيوانات. كما أن قوة الغاز الروسية تفرض السيطرة على سوق الأسمدة، والتي يعتبر الميثان والنيتروجين من المواد الخام فيها. وبالنسبة للمشترين التقليديين، انهار توفر هذه المنتجات في غضون ساعات مع الغزو الروسي لأوكرانيا.وتتعلق المخاوف في المقام الأول بأفريقيا والشرق الأوسط وحوض البحر الأبيض المتوسط. وفقًا للأمم المتحدة، اذ تستورد 45 دولة من أقل البلدان نمواً ثلث قمحها على الأقل من أوكرانيا أو روسيا..ولم يصبح القمح نادرا فحسب، بل أصبح باهظ الثمن فقد تجاوزسعره 400 يورو للطن منذ الغزو..

ويبدو ان بدائل القمح الروسي أو الأوكراني ضعيفة اذ سيتأثر الحصاد القادم في حوض البحر الأبيض المتوسط بالجفاف، وتتوقع الصين أن يكون العام سيئًا بالنسبة للقمح وستشتري كميات هائلة منه، كما تخطط الأرجنتين للاحتفاظ بمخزونها. والموارد الأوروبية - وخاصة الفرنسية - محدودة ولا تزال هناك مخزونات في الولايات المتحدة، لكن ذلك لن يكون كافياً فكل شيء يتحد من أجل حدوث كارثة. ففي أوكرانيا تقلصت الأراضي الصالحة للزراعة بنسبة 30٪ مع الغزو الروسي. وفي أفضل الأحوال، ستنتج أوكرانيا 70٪ من محاصيلها المعتادة. وستبذل قصارى جهدها ليس فقط لإطعام البلاد ولكن أيضًا للتصدير إلى البلدان التي تحتاج إلى القمح والذرة. لكن السيناريوهات الأكثر قتامة تشير إلى أنه إذا طال أمد الحرب، فإن أوكرانيا بالكاد ستوفر نصف محاصيلها “، كما حذرت ماريا دوديك، مديرة المنتدى الزراعي الوطني الأوكراني.

القمح سلاح اذن ؟ نعم وبعدة طرق. أولاً، لأن توفرهذه الحبوب - على الأقل بأسعار معقولة - هو مفتاح الاستقرار السياسي والاجتماعي في العديد من البلدان. ويحتل القمح الروسي الآن مساحة في التجارة العالمية أكبر من القمح الأمريكي، الذي تستمر حصته في الانخفاض (14٪). وإذا تخلت أوروبا عن دورها كمصدر لحوض البحر الأبيض المتوسط، سترى روسيا تحل محلها، وفي الوقت نفسه، لديها وسائل للسيطرة على تدفقات الهجرة الناتجة عن” أعمال شغب غذائية محتملة كما هو الحال مع الغاز، فعليها فقط أغلاق الصنبور..

إذن فالقمح هو أداة للتحالفات. وتعمل روسيا على إبرام اتفاقيات مع الصين لإشباع شهيتها الهائلة. وسيتم افتتاح محطة سكة حديد للحبوب، على بعد 120 كم من الصين، في الربع الثالث من عام 2022. وسوف تتطور التدفقات بسرعة. كما وقعت روسيا اتفاقية بشأن القمح مع تركيا، أحد زبائنها الرئيسيين. وهذه الاتفاقية مهمة لكلا الطرفين. بالنسبة لتركيا، لأن الإمدادات الغذائية الحيوية معرضة للخطر عندما تتعطل علاقاتها مع الاتحاد الأوروبي. وبالنسبة لروسيا لأنها تسمح لها، عبر مضيق البوسفور، بشحن ناقلات البضائع الخاصة بها في أي مكان في العالم.

أخيرًا، يمكن لروسيا أن تستخدم القمح لتأسيس قوة ساحقة، مما يلقي ضوءًا آخر على الصراع مع أوكرانيا. فالقمح هو أساس كل الأمن الغذائي وهو يمثل ربع السعرات الحرارية التي يتناولها البشر، ويجب أن نتذكر أن سكان الكواكب يواصلون النمو. فالعالم سيصل إلى 10 مليارات إنسان في عام 2050. ونحن نسأل أنفسنا كيف سنتمكن من إطعام 7.5 مليار في العام المقبل. هذا يعني ان الجوع وانعدام الأمن الغذائي هما بذور الاضطرابات المدنية والهجرة في المستقبل وما كان يمثل إشكالية بالفعل قبل الحرب في أوكرانيا أصبح كارثيًا...

وفي الوقت الحالي، وفي مواجهة أزمة الغذاء، اتخذت أوروبا تدابير طارئة تهدف أولاً وقبل كل شيء إلى تجنب إفلاس مزارعيها، في مواجهة الارتفاع الهائل في تكاليف الإنتاج، لا سيما في تربية الماشية، وتعويض جزء من الاعتماد على البروتينات النباتية من حوض البحر الأسود: “وتتمثل الإجراءات، في الوقت الحالي، في السماح بزراعة 4٪ من الأراضي المتروكة فغالبًا ما تكون هذه الأراضي ذات جودة أقل، ولا يمكن استخدامها لإنتاج الحبوب، ولكن يمكن تخصيصها للمحاصيل الوسيطة، والمحاصيل البروتينية، والتي تتطلب القليل من الأسمدة..وهناك أيضًا إطلاق 500 مليون يورو كمساعدات طارئة للزراعة في الدول الأعضاء، بما يتناسب مع أهميتها الزراعية..

ما الذي يجب أن تفعله أوروبا اذن ؟ بجملة واحدة: يجب الامتناع عن تقليص انتاجها مما يؤدي إلى ارتفاع الأسعار. ويجب على أوروبا أن تضع أمام كل هدف محدد الوسائل المحددة لتحقيقها، سواء من حيث الاستثمار، ودعم القطاعات، وان تضع أهدافًا قابلة للتحقيق بدلاً من الحلم بالمثل العليا التي ستصطدم بجدار الواقع. وان تعمل على إعادة النظر في الهندسة الزراعية والابتكار والبحث والوقت الذي يحتاجون إليه لإيجاد حلول أساسية..

وبما أن تبادل الغذاء يشكل إحدى اهم الوسائل لضمان السلام والهدوء المدني والحماية من الهجرات التي لا يمكن السيطرة عليها، فيجب علينا مرة أخرى اعتبار الزراعة عنصرًا من عناصر الدبلوماسية والجغرافيا السياسية. وتبقى أوروبا بفضلها في موقع قوة. أخيرًا، من الضروري إنشاء نظام في الأولويات الإنسانية. فلن ننقذ المناخ والنظام البيئي للكوكب ببشر يتضورون جوعا !!

* اقتصادية وخبيرة زراعية